المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل للحيوان شخصية اعتبارية؟



د.محمود محمود النجيري
08-05-27 ||, 06:52 PM
(هذا موضوع كنت أتمنى أن أضعه في منتدى تقنين الشريعة)


هل للحيوان شخصية اعتبارية؟

إن مصطلح الشخصية الاعتبارية، يجد له مشروعية في الفقه الإسلامي، فعلى الرغم من حداثته، وسبق الفقه والقانون الغربي الحديث إلى تقنيته وتفصيله، إلا أنه لا يُعد غريبًا على الفكر الإسلامي، حيث كان معناه موجودًا دائمًا- بوجه من الوجوه- في الدراسات الفقهية. فالدولة والمدن والقرى، وهى ذوات كيانات معنوية، مما نسميه الآن الشخصية القانونية الاعتبارية، كانت قائمة على أسس من التشريع. والبلدان التي افتتحها المسلمون، حفظوا لها شخصيتها القانونية، فلم يدمجوها في غيرها.
كما أنشأ المسلمون المدن الجديدة، وجعلوا لها الشخصية الشرعية المستقلة، كالكوفة، والبصرة، وبغداد، والقاهرة.
بل يمكننا أن نقول: إن المسلمين هم أول من أنشأ المؤسسات المالية ذات الشخصية المستقلة، إذ إنه لم تكن هناك حدود واضحة مميزة بين مالية الملوك، ومالية الدول ومؤسساتها. والإسلام هو الذي فصَلَ هذه الجوانب عن بعضها البعض، فأرسى رواسي المؤسسات المالية، سواء كانت ذات صفة عامة، مثل بيت المال. أو كانت ذات صفة خاصة، مثل الأوقاف.
كما كان للمسلمين السبق أيضًا في إنشاء أول جمعية تتمتع بالشخصية القانونية، وهي نقابة الأشراف.
ولذلك يتجه الفقه الإسلامي، في الوقت الراهن، إلى إقرار الشخصية الاعتبارية، وممارسة مقتضياتها، والاستفادة من تقنينها.
ولكن هل تثبت الشخصية الاعتبارية للحيوان؟
يذهب الدكتور عبد الله النجار إلى إثبات الشخصية الاعتبارية للحيوان، فهو يعرض ما يعتقد أنه رأى لبعض الفقهاء في ثبوت الذمة والأهلية للحيوان، يستحق بها الشفقة والإحسان. وهو يعرض ما رآه آخرون مِنْ نفي الذمة عن الحيوان. وحُجتهم في ذلك: أن الإحسان إنما يجب للحيوان ديانةً، لا قضاءً. ثم يُرجِّح بين هذين الرأيين قائلاً:
"إلا أن ما وردَ من أقوال الفقهاء، يُرجِّح أن نفي هؤلاء للذمة عن الحيوان، لا يقصد منه إلا نفي الذمة الحقيقية، دون الذمة الاعتبارية التي لا يمتنع تصورها للحيوان وغيره، مما يتقرر له بعض الحقوق .
ونحن نرى: أن القول بشخصية اعتبارية للحيوان، خطأ يجب أن ننزه كتب الفقه الإسلامي عنه. فالشخصية الاعتبارية مجموع أشخاص، أو مجموع أموال، تُرصد لغرضٍ معيَّن، مستمر بتنظيم محدد، ولها ذمة مالية، وأهلية لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزام في إطار قانوني اجتماعي.
فهل للحيوان شيء من ذلك؟
لا نظن !
والكاتب يُفرِّق بين ذمة حقيقية، وذمة اعتبارية! ولا نعرف: مِن أين له هذه القسمة؟!
وما نعلمُه من الدراسات القانونية، هو أن الذمة وصفٌ اعتباريٌّ، تتعلق به الحقوق المالية، دون غيرها من الحقوق. والكاتب أخطأ حين لم يميِّز الحقوق بعضها عن بعض، فظنَّ أن ثبوت ((الحق)) في الإحسان للحيوان في الفقه الإسلامي، يعني ثبوت شخصية اعتبارية قانونية له. وكان يجب عليه أن يميز بين أنواع أربع من الحقوق، هي:
[1] حقوق الإنسان:
ويتضمن هذا النوع الحقوق الأساسية الضرورية لكل إنسان، التي بها يتمكن من أداء مهمته في المجتمع الذي يعيش فيه. كالحق في الحياة، والمساواة أمام القانون، وحرية التملك.
وهذه الحقوق ينظمها القانون العام. ويشترك فيها جميع الناس، فهي حريات عامة دستورية.
[2] الحريات المدنية:
هي حريات خاصة، ينظمها القانون الخاص، وتتعلق بمصالح شخصية أو فردية متصلة اتصالاً مباشرًا بشخصية الإنسان، كحرية التفكير والتعبير، وحرية العمل، وحرية الغدو والرواح، وحرية الاعتقاد والقيام بالشعائر الدينية، وحرية الاجتماع، وحرية تكوين الجمعيات والمؤسسات.
[3] الحقوق اللصيقة بشخصية الإنسان:
وهى مجموعة من الحقوق غير المالية التي تثبت للفرد، باعتباره إنسانًا يحتاج إلى حماية كيانه المادي والأدبي. كالحق في تكامل الجسد، والحق في تكامل الشخصية، والحق في الاسم والشرف والسمعة، والحق في السرية. وهذه الحقوق ينظمها القانون الخاص .
[4] الحقوق الأخلاقية:
وهى حقوق رتبها الشرع، فتجب ديانةً لا قضاء. كحق المسلم في السلام، والنصيحة، وإماطة الأذى عن الطريق، وحق إمهال المعسر والحط مِن دَينه، وحق التبسم في وجه المسلم، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، واتباع جنازته، ورد غيبته.
ومن هذه الحقوق الرفق بالحيوان والإحسان إليه.
والدكتور النجار- كما نرى- خلط بين هذه الحقوق الأربعة. وهي حقوق تقتصر على الإنسان في مجملها، إلا بعض الحقوق الأخلاقية التي تجب للحيوان كالرفق به والإحسان إليه-كما قدَّمنا. وهي تجب ديانة، لا قضاءً، فلا تصح المطالبة بها اقتضاءً؛ لأن القضاء يعتمد أهلية الاستحقاق في المقضي له. والحيوان ليس من أهل ذلك.
وإذا كان الخلط بين هذه الحقوق المتمايزة خطأً علميًا كبيرًا، يجب ألا نقع فيه. فمن الخير أن نفهم أن دراستنا للشخصية الاعتبارية تختص ببعض هذه الحقوق، لا بجميعها. فتقتصر على الحقوق المالية التي ترِدُ على الأشياء والأعمال، فلا يدخل في دراستنا حقوق الإنسان، ولا الحقوق المدنية، ولا الحقوق الأخلاقية.
أما الحقوق اللصيقة بالشخصية- وهي تعد بعض ما يثبت للشخصية الطبيعية من حقوق- فيثبت للشخص الاعتباري منها: الحق في الاسم، والحق في السمعة، والحق الأدبي في الحقوق الذهنية.
أما السبب في عدم ثبوت حقوق الإنسان، ولا الحريات المدنية، ولا الحقوق اللصيقة بالشخصية للشخص الاعتباري، وثبوتها للشخص الطبيعي، فهو اختلاف طبيعة الشخصيتين. فمن المنطقي ألا يستوي الإنسان صاحب الوجود المادي، والشخص الاعتباري صاحب الوجود المعنوي. فالإنسان يتمتع بحقوق مطلقة في الإطار الشرعي، والشخص الاعتباري يتمتع بحقوق مقيدة بما منحه سندُ إنشائه والقانونُ من صلاحيات.
وأما الحقوق الأخلاقية، فما دامت تجب ديانةً، ولا تجب قضاءً، فإن القانون لا يستطيع أن يحميها. وكلُّ حقٍّ لا يستطيع القانون حمايته، فلا يدخل في نطاق دراسة الشخص الاعتباري، ولا حتى الشخص الطبيعي؛ إذ هو غير متضمن في القاعدة القانونية، التي تضمن التنفيذ الجبري، أو التعويض المدني، أو العقوبة المباشرة بقوة القانون.
وإذا كان هناك حقوق لا يستطيع القانون أن يضمنها للإنسان، وحقوق أخرى لا يستطيع أن يضمنها للأشخاص الاعتبارية، فكون هذه الحقوق بعينها لا يمكن للقانون أن يضمنها للحيوان أَوْلى. فحق الحيوان أخلاقيًا في الإحسان إليه، لا يجعله شخصًا اعتباريًا، له ذمة وأهلية، ما دام القانون لا يضمن هذا الحق ويحميه.
وحتى لو حمى القانون هذا الحق، فلا يكفي ذلك لكي يكون للحيوان شخصية اعتبارية؛ إذ إن للشخصية الاعتبارية مجموعة من الشروط لابد أن تتحقق معًا، وتخلف شرط منها يعني الحرمان من الشخصية القانونية .
ولا ينقضي العجب من جعل الدكتور النجار الشخصية الاعتبارية لسرية الجيش . مع أنه ليس لها غرضٌ مستمر، بل ينتهي وجودها أو ينحل بانتهاء المعركة التي تكونت لخوضها. وجعله الشخصية الاعتبارية لجبل أحد؛ للأثر الوارد فيه: "أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه" .
وما أبعد الجبل عن مجموع الأشخاص، أو مجموع الأموال، ذات الغرض الذي تنشأ عنه الشخصية الاعتبارية!
ويجعل الدكتور النجار الشخصية الاعتبارية للجدار في قول الله تعالى عن موسى والخضر: ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ [الكهف: 77].
وهو يعلل ذلك قائلاً: "وأيا كان التكييف اللغوي لذلك، فإنه مما لا مراء فيه: أن الآية قد أخبرت عن وجود إرادة للجدار، وهي لا يُتصور وجودها فيه، إلا إذا افترضنا أن له شخصية مفترضة تثبت له، ويعبر عنها من يملكه، أو يقوم عليه. وفكرة الشخصية المفترَضة المقرَّرة في القانون، تفترض هذا المعنى" .
ونحن لا نرى رابطة بين الجدار والشخصية القانونية. ونرى أنه من الخطأ العلمي بمكان: أن نجعل الشخصية الاعتبارية هكذا، لكل شيء، حتى "طوب الأرض". لمجرد أن يُنسب إليه تصرف، أو إرادة، أو يتوجه إليه خطاب، أو يوصي الشرع بالبر به.
وقد لا أكون مبالغًا إذا قلت: إن الدكتور النجار، لم يفهم المعنى الصحيح لفكرة الشخصية الاعتبارية في القانون، مع أنه وضع فيها مؤلَفًا ضخمًا تحت عنوان: ((افتراض الشخصية وآثاره في الفقه الإسلامي- مقارنًا بالقانون)).
_________________________ _____________
[]
افتراض الشخصية وآثاره في الفقه الإسلامى مقارنًا بالقانون: د.عبد الله مبروك النجار، دار النهضة العربية، القاهرة، 1996م، ص 47.

راجع: الإسلام دستور الحكم: سيد الشوربجي، مطبعة دار التأليف، القاهرة، د.ت، ص 84 وما بعدها. والنظرية العامة للحق: د.محمد ناجى ياقوت، مكتبة الجلاء الجديدة، المنصورة، 1995م، ص 34 -39.

نعم قد يوقَفٌ حيوان (أو حتى عبد أو أمة)، فيصير بذلك محلاً للوقف، ولكن لا يصير هو الشخصية الاعتبارية للوقف. وفرْق بينهما.‍

الشخصية الافتراضية، ص 116.

الشخصية الافتراضية، ص 118. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب الزكاة، باب: خرص التمر (1482). وذكرَ الحافظ أنه موصول في "فوائد على بن خزيمة" (3/405).

الشخصية الافتراضية، ص 114.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-27 ||, 09:35 PM
بارك الله فيك ونفع بك

استدارك واضح وفي محله

وهذا مثال ممكن أستعيره منك مستقبلا في موضع أعده - يسر الله تمامه - بعنوان "النتيجة الفقهية"

فليس كل من استدل بدليل أو تعلل بأمر يكون قد استطاع أن يثبت مطلوبه

بل ربما يكون أخفق في تحصيل المطلوب أو في ترتيب المقدمات....

فهنا الدكتور عبد الله النجار نجح في الاستدلال على قوله بأن للحيوان شخصية اعتبارية بوجه ما

لكن السؤال:

هل نجح في تحقيق صحة استدلاله؟

الذي يبدو بشكل واضح بحسب معطيات الدكتور النجيري

أنه أخفق والسبب في ذلك ما ذكره المستدرك من عدم تحديد الدكتور النجار المعنى الدقيق للشخصية الاعتبارية فوقع في التوسع في فرض الشخصية الاعتبارية في غير محالّها المحددة.