المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث / في جواز التسعيـــــــــــــــر من عدمه ...................



صلاح بن خميس الغامدي
08-05-28 ||, 12:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده وبعد ..

هذا بحث مختصر في مسألة التسعير وجوازها ، أسأل الله أن ينفع بذلك فأقول وبالله التوفيق ..
حكم التسعيــر
إذا تغيرت أسعار السلع سواء غذائية أم غيرها ، وتضرر الناس من ذلك فهل للإمام ـ ولي الأمر ـ أن يقوم بالتسعير للسلع وإجبار التجار أن يبيعوا بأسعار محددة أم لا ؟
هذه مسألة قديمة جديدة ، والفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ تعرضوا لهذه المسألة وبحثوها ، ولكلٍ رأيه ولذلك يمكن حصر أقوال الفقهاء بعد تعريف التسعير وتحرير محل النزاع فيما يأتي .

التسعير معناه : أن يأمر الوالي الناس بسعر لا يجاوزونه(1)، وعرفه بعض المعاصرين بأنه وضع ثمن محدد للسلع التي يراد بيعها بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري(2) .

تحرير محل النزاع
إذا قام عدد من التجار واحتكروا بعض السلع فلا تباع تلك السلع إلا لهم ، ثم يقوم هؤلاء ببيعها بما يريدونه من السعر ، ولو باع غيرهم عوقب ومنع من ذلك ، فهذه الطريقة تعتبر من البغي وهؤلاء الناس يجب التسعير عليهم ويلزموا بأن لا يبيعوا إلا بثمن المثل ولا يشتروا إلا بثمن المثل .
يقول ابن القيم(3): (إن التسعير في هذه الحالة واجب بلا نزاع )، لأن في ذلك إلزام لهم بالعدل ومثال ذلك مثل بيع الحاكم المال لقضاء الدين ، وكذا البيع للمضطر للباس ونحو ذلك .
أما في غير هذه الحالة وهو ما إذا ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق أو لظروف معينة ــ ، فللفقهاء في ذلك تفصيل وآراء مختلفة :

القول الأول : وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية(4) والشافعية(5) والصحيح من مذهب الحنابلة(6).
وهو عدم جواز التسعير .

نصوص الفقهاء
جاء في حاشية ابن عابدين(7): " ...ولا يسعر حاكم لقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تسعروا ، فإن الله هو المسعر القابض الباسط )) " .
وكما جاء في الفتاوى الهندية(8) : " مذهب الحنفية: ولا يسعر بإجماع " .
جاء في مغني المحتاج(9) :" وَيَحْرُمُ التَّسْعِيرُ وَلَوْ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ " .
وكما جاء في المجموع(10): " ولا يحل للسلطان التسعير، لما روى أنس رضى الله عنه ...الخ " .
جاء في شرح منتهى الإرادات(11) : " فَصْلٌ يَحْرُمُ التَّسْعِيرُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ " .
وكما جاء في الإنصاف(12) : " يحرم التسعير ويكره الشراء به على الصحيح من المذهب" .
أدلة هذا الرأي
استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية :

الدليل الأول
ما رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَنَسٌ قَالَ : { غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (13).


وجه الدلالة
قالوا من وجهين :
الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يُسَعِّرْ ، وَقَدْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ جاز التسعير لأجابهم عليه الصلاة والسلام لطلبهم .
الثاني : قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم علل بكون التسعير مَظْلَمَةٌ ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ(14).

الدليل الثاني
قالوا : وَلِأَنَّهُ مَالُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ(15) .

الدليل الثالث
لأن الناس أحرار في التصرفات المالية، والحجر عليهم مناف لهذه الحرية(16).

الدليل الرابع
ولأن التسعير يؤدي إلى اختفاء السلع، وذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وارتفاع الأسعار يضر بالفقراء، فلا يستطيعون شراءها، بينما يقوى الأغنياء على شرائها من السوق الخفية بغبن فاحش، فيقع كل منهما في الضيق والحرج ولا تتحقق لهما مصلحة(17) .

القول الثاني : وهو رأي جماعة من الحنفية(18) ، ومالك(19) ، ووجه عند الحنابلة(20) .
وهو جواز التسعير ، وقيّده بعضهم فيما إذا عجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير(21).

أدلة هذا القول

الدليل الأول
ما رَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ دَاوُد بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبٍ فِي سُوقِ الْمُصَلَّى ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غِرَارَتَانِ فِيهِمَا زَبِيبٌ ، فَسَأَلَهُ عَنْ سِعْرِهِمَا ، فَسَعَّرَ لَهُ مَدَّيْنِ بِكُلِّ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : قَدْ حُدِّثْت بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ الطَّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا ، وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِسِعْرِكِ ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ فِي السِّعْرِ ، وَإِمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبِيبَك فَتَبِيعَهُ كَيْفَ شِئْت(22) .

نوقش هذا الدليل بما يلي
أن هذا الحديث قد رَوَى فِيهِ سَعِيدٌ وَالشَّافِعِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَجَعَ حَاسَبَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ أَتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ ، فَقَالَ : إنَّ الَّذِي قُلْت لَك لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ مِنِّي وَلَا قَضَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَرَدْت بِهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ ، فَحَيْثُ شِئْت فَبِعْ كَيْفَ شِئْت(23).

الدليل الثاني
قالوا : وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالنَّاسِ إذَا زَادَ تَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ ، وَإِذَا نَقَصَ أَضَرَّ بِأَصْحَابِ الْمَتَاع.

ونوقش بما يلي :
أن مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا بَاعَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ(24).
جاء في فتح القدير(25) ( ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصر).

القول الثالث : وهو رأي بعض الشافعية كابن الرفعة(26) وغيره .

جاء في روضة الطالبين(27) : " والثاني: يجوز في وقت الغلاء دون الرخص" .
وفرق بعضهم(28) فقال إن كان الطعام مجلوبا فغير جائز وان كان يزرع في البلد فجائز .


وبعد عرض هذه الأقوال وأدلتها فأقول والله تعالى أعلم
أنه إذا تواطأ بعض التجار على احتكار بعض السلع مع بعضهم البعض لكي يبيعوا بما يشاءون من الأسعار فهذا لا شك في أنه واجب على ولي الأمر الأخذ على أيديهم والتسعير عليهم بان يبيعوا بسعر معين على ألا يقل عن سعر المثل ؛ لأن في ذلك تمام العدل .

وفيما عدا ذلك فالذي يظهر والله تعالى أعلم
بأن التسعير فيه نوع حجر ، والنظر في مصلحة المشتري يجب أن لا تكون أولى من النظر في مصلحة البائع ، وكما أن إلزامنا للبائع بالبيع بما لا يرضاه من الأسعار فيه منافاة لقول الله تعالى : " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " الآية ، لذا فالأظهر عدم جواز ذلك لكن ...يقال

لو تدخل ولي الأمر وسعر على الناس فإنه يجب أن يطاع في ذلك ؛ لأن هذه القضية محل خلاف وحكم الحاكم يرفع الخلاف ، كما إنه يلزم كل الناس احترام حكمه ما دام غير مناقضٍ لأصلٍ.
وأما في حالة لو خالف البائع وباع أكثر من القيمة فالبيع صحيح ولا غبار عليه ، ولكن قد يقال بما قال به بعض الفقهاء أنه يعزّر لمخالفته ولي الأمر في ذلك .
ولعلي أستأنس في ذلك بما جاء في مغني المحتاج(29) :
( فَلَوْ سَعَّرَ الْإِمَامُ عُزِّرَ مُخَالِفُهُ بِأَنْ بَاعَ بِأَزْيَدَ مِمَّا سَعَّرَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَرَةِ الْإِمَامِ بِالْمُخَالَفَةِ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ إذْ لَمْ يَعْهَدْ الْحَجْرَ عَلَى الشَّخْصِ فِي مِلْكِهِ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ) .

هذا ما تيسر الكتابة فيه عن هذا الموضوع ، أسأل الله أن ينفعني بذلك .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .

وكتبه الفقير على عفو ربه ومولاه
صلاح بن خميس الغامدي

--------------------------------------------------------
(1) مطالب أولي النهي: 3/62
(2) فقه السنة 3/104
(3) انظر الطرق الحكمية 1/345 ، وكذا مجموع الفتاوى لا بن تيمية 28/93 و28/77
(4) انظر يقول ابن عابدين 5/256 ، و الفتاوى الهندية: 3/214
(5) انظر مغني المحتاج 397/6
(6) انظر الإنصاف 4/244 ، و شرح منتهى الإرادات 4/408
(7) ابن عابدين 5/256
(8) الفتاوى الهندية: 3/214
(9) مغني المحتاج 397/6
(10) المجموع شرح المهذب 13/29
(11) شرح منتهى 4/408
(12) الإنصاف 4/244
(13) والحديث صححه الألباني في غاية المرام برقم 323 ، وفي صحيح ابن ماجه برقم 1787
(14) انظر حاشية ابن عابدين5/256 ، و المجموع 13/29 ، و المغني 8/401 ، وشرح منتهى 4/408 ، و نيل الأوطار: 219/5.
(15) انظر المغني 8/400/401
(16) نيل الأوطار 5/219 ، وفقه السنة 3/105
(17) المغني 8/401 ، و فقه السنة 3/104
(18) انظر فتح القدير 291/22
(19) ينظر المنتقى على الموطأ 17/5-19
(20) انظر الإنصاف 4/244
(21) فتح القدير 291/22
(22) أخرجه مالك في الموطأ
(23) انظر المغني 8/402
(24) نفس المرجع السابق
(25) 291/22
(26) مغني المحتاج 397/6
(27) 3/79
(28) روضة الطالبين 3/80
(29) 6/397