المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ما يرد على حديث ابن مسعود] صورة مشرقة من إبداع ابن رجب في عرض المسألة وترتيبها.



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-28 ||, 11:18 PM
[ما يرد على حديث ابن مسعود]

صورة مشرقة من إبداع ابن رجب في عرض المسألة وترتيبها.





بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}
أما بعد:
فهذه قطعة من شرح ابن رجب رحمه الله للحديث الرابع عشر من متن الأربعين النووية، وهو حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال فيه: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ بِإحْدَى ثَلاثٍ : الثَّيِّبُ الزَّانِي ،والنَّفسُ بالنَّفسِ ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ."
والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما.
والغرض من نقل هذه القطعة من شرح ابن رجب رحمه الله هو حكاية طرائق الأئمة في التعامل مع النصوص الشرعية بما يظهر فيه التكامل في تناول أطراف المسألة وجمع أشتاتها، ونظم سائر النصوص الواقعة في الباب الواحد في داخل إطار الأصول المحكمة في نفس الباب، كما تحكي هذه القطعة ضروبا متنوعة من الإبداع والابتكار الذي تحلى به أئمة الإسلام في طريقة عرض المسألة سواء كان ذلك من جهة المدخل الذي ينفذ منه إلى أغوار المسألة، فيكون ذلك هو بابها، فيفتح معه أنظار المعجبين وأبصار الحائرين أو من جهة المخرج الذي يغلق على المسألة أقفالها بإحكام وإتقان بالغين، فلا يفتح بعدها إلا أفواه الشانئين.
أو من جهة الاستطراد المنضبط الذي لا يكون إلا كطلة من شرفة نافذة يبصر بها المطلع رسوم البلاد وبنيانها، ثم يعيده بدلٍ وهونٍ إلى حديقة المنزل وأزهارها.
لن أطيل عليكم ، فدونكم الطراز الصعب، وأنا راض بالقسمة فلابن رجب العلم والفقه، والإبداع والابتكار، ويكفيني أنا وأضرابي كيل المديح، وكفى –والله - به شرفا، لكن هل سيقبل هو بذلك ويرضى ؟
--------------
تنبيه:
غالب مادة هذه المسألة معلومة، ولكن يظهر التميز في طريقة عرضها، وترتيب عناصرها، وحسن نظم فروعها، ومناقشة ما يندّ عنها إما بإرجاعه إلى حديث الباب أو تخريجه بوجه من النظر، أو الجزم بغلطه.





يقول ابن رجب رحمه الله في كتابه "جامع العلوم والحكم"، والذي أصدق ما يقال فيه: إنه كتاب كاسمه:
حديثُ ابنِ مسعودٍ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يُقال على هذا :
إنَّه قد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث :
1- فمنها : في اللواط:
وقد جاء من حديثِ ابن عباس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ( اقتُلوا الفاعِلَ والمفعولَ به )
وأخذ به :
كثيرٌ من العلماء كمالكٍ وأحمد ، وقالوا :
إنَّه موجبٌ للقتل بكلِّ حالٍ ، محصناً كان أو غير محصن
وقد رُوي عن عثمان أنَّه قال :
( لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بأربع ...) فذكر الثلاثة المتقدمة ، وزاد : ( ورجل عمِلَ عمَلَ قوم لوط.)
2- ومنها: مَنْ أتى ذات محرم:
وقد روي الأمر بقتله ، وروي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قتل مَنْ تزوَّجَ بامرأة أبيه.
وأخذ بذلك:
طائفةٌ من العلماء ، وأوجبوا قتله مطلقاً محصناً كان أو غير محصن.
3- ومنها الساحر:
وفي الترمذي:
من حديث جُندب مرفوعا: ( حدُّ السَّاحر ضربةٌ بالسَّيف)
وذكر:
أنَّ الصحيح وقفه على جندب.
وهو مذهبُ جماعةٍ من العلماء ، منهم :
عُمَرُ بنُ عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق.
ولكن هؤلاء يقولون:
إنَّه يكفر بسحره ، فيكون حكمُه حكمَ المرتدين.
4- ومنها : قتلُ من وقع على بهيمة:
وقد ورد فيه حديث مرفوع.
وقال به طائفةٌ من العلماء.
5- ومنها : من ترك الصَّلاة:
فإنَّه يُقتل عندَ كثيرٍ من العُلماء مع قولهم : إنَّه ليس بكافرٍ.
6- ومنها قتلُ شاربِ الخمر في المرَّة الرابعة:
وقد ورد الأمرُ به عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وُجوهٍ متعدِّدَةٍ.
وأخذَ بذلك:
عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص وغيره.
وأكثر العلماء:
على أنَّ القتل انتسخ.
وروي:
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُتي بالشَّارب في المرَّةِ الرَّابعة، فلم يقتُله.
وفي صحيح البخاري :
أنَّ رجلاً كان يُؤتى به النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الخمر ، فلعنه رجلٌ ، وقال : ما أكثرَ ما يُؤتى به ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنه ؛ فإنَّه يُحِبُّ الله ورسوله ) ولم يقتله بذلك .
7- وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة:
وقيل : إنَّ بعضَ الفُقهاء ذهبَ إليه.
8- ومنها : ما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : ( إذا بُويِعَ لِخَلِيفَتين ، فاقتلوا الآخرَ منهما )
خرَّجه مسلم من حديث أبي سعيد ، وقد ضعف العقيلي أحاديثَ هذا الباب كلها.
9- ومنها : قولُه صلى الله عليه وسلم : ( من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ ، فأراد أنْ يشقَّ عصاكم ، أو يفرِّقَ جماعَتَكُم فاقتلوه )
10- ومنها : من شَهَرَ السِّلاحَ:
فخرَّج النسائيُّ من حديث ابن الزبير عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ شَهَرَ السِّلاحَ ثم وضعه ، فدمه هدرٌ)
وقد روي عن ابن الزبير مرفوعاً وموقوفاً ، وقال البخاري : إنَّما هو موقوف.
وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث فقال:
ما أدري ما هذا .
وقال إسحاق ابن راهويه :
إنَّما يريد من شهر سلاحه ثمَّ وضعه في النَّاس حتّى استعرض النَّاس ، فقد حل قتله ، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنِّساء والذرية .
وقد رُوِيَ عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق.
فخرَّج الحاكم من رواية علقمة ابن أبي علقمة ، عن أمِّه:
أنَّ غلاماً شهر السَّيف على مولاه في إمرةِ سعيدِ بن العاص، وتفلَّت به عليه ، فأمسكه النَّاسُ عنه ، فدخل المولى على عائشة ، فقالت : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله ، فقد وجب دمه) فأخذه مولاه فقتله ، وقال : صحيح على شرط الشيخين .
وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّه قال : ( من قُتِلَ دون ماله ، فهو شهيد )
فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه ، دافع عنه بالأسهل . هذا مذهب الشافعي وأحمد.
وهل يجب أنْ ينوي أنَّه لا يريد قتله أم لا ؟
فيه روايتان عن الإمام أحمد.
وذهب طائفة:
إلى أنَّ مَنْ أراد مالَه أو دمَه ، أُبيح له قتلُه ابتداء ، ودخل على ابن عمرَ لِصٌّ ، فقام إليه بالسيف صلتاً ، فلولا أنَّهم حالوا بينه وبينه ، لقتله.
وسئل الحسنُ :
عن لصٍّ دخل بيت رجلٍ ومعه حديدة؟
قال :
اقتله بأيِّ قتلة قدرتَ عليه.
وهؤلاء:
أباحوا قتله وإنْ ولَّى هارباً من غير جناية ، منهم : أيوبُ السَّختياني.
وخرَّج الإمام أحمد:
من حديث عبادة بن الصامت ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (الدَّارُ حرمك ، فمن دخل عليك حَرَمَكَ ، فاقتله) ولكن في إسناده ضعف .
11- ومنها: قتلُ الجاسوسِ المسلم إذا تجسَّسَ للكفار على المسلمين:
وقد توقَّف فيه:
أحمد.
وأباح قَتْلَهُ:
طائفة من أصحاب مالِك ، وابنُ عقيل من أصحابنا.
ومن المالكية مَنْ قال :
إنْ تكرَّر ذلك منه ، أُبِيحَ قتله
واستدلَّ من أباحَ قتله:
بقولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتابَ إلى أهلِ مكَّةَ يخبرهم بسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليهم، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمرُ في قتله ، فقال : (إنَّه شهدَ بدراً )
فلم يقل : إنَّه لم يأتِ ما يُبيحُ دمه ، وإنَّما علَّل بوجود مانعٍ مِنْ قتله ، وهو شهودُه بدراً ومغفرةُ الله لأهل بدر ، وهذا المانعُ منتفٍ في حقِّ مَنْ بعدَه .
12- ومنها : ما خرَّجه أبو داود في " المراسيل " من رواية ابن المسيَّب : أنَّ النَّبيَّ صلى لله عليه وسلم قال : (( من ضرب أباه فاقتلوه )
ورُويَ مسنداً من وجهٍ آخرَ لا يصحُّ.
قال أبو فراس:
ثم انتقل ابن رجب رحمه الله إلى تحليل هذه النصوص بالنظر إلى المقدار الصحيح السالم من المعارض الذي يمكن أن يستثنى من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:
الوقفة الأولى:
قال ابن رجب رحمه الله:
وأعلم أنَّ من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر:
1- كحديث : ( مَنْ ضرب أباه فاقتلوه )
2- وحديث : (( قتل السارق في المرة الخامسة ) .
الوقفة الثانية:
قال ابن رجب رحمه الله:
وباقي النصوص كلُّها يمكن ردُّها إلى حديث ابن مسعود.
وذلك:
أنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ تضمَّن أنَّه لا يُستباح دمُ المسلم إلاَّ بإحدى ثلاث خصالٍ :
1- إمَّا أنْ يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين.
2- وإمَّا أنْ يزني وهو محصن.
3- وإمَّا أنْ يقتل نفساً بغير حقٍّ.
فيؤخذ منه أنَّ قتل المسلم لا يُستباح إلاَّ بأحد ثلاثة أنواع :
1- تركِ الدين.
2- وإراقةِ الدم المحرَّم.
3- وانتهاك الفرج المحرَّم.
فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تُبيح دم المسلم دون غيرها:
1) فأما انتهاكُ الفرج المحرّم:
فقد ذكر في الحديث أنَّه الزنا بعد الإحصان.
وهذا - والله أعلم - على وجه المثال:
فإنَّ المحصن قد تمَّت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنِّكاح ، فإذا أتاها بعد ذلك مِنْ فرجٍ محرَّمٍ عليه ، أُبيح دمه.
وقد ينتفي شرط الإحصان ، فيخلفه شرط آخر ، وهو كون الفرج لا يُستباحُ بحال:
1- إمَّا مطلقاً كاللواط.
2- أو في حقِّ الواطئ: كمن وطىء ذاتَ محرم بعقد أو غيره.
فهذا الوصف هل يكون قائماً مقامَ الإحصان وخلفاً عنه ؟
هذا هو محلُّ النِّزاع بين العلماء.
والأحاديثُ دالَّةٌ:
على أنَّه يكون خلفاً عنه ، ويُكتفى به في إباحة الدم.
2) وأما سفك الدَّم الحرام:
فهل يقومُ مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء؟
1- كتفريق جماعة المسلمين.
2- وشقِّ العصا.
3- والمبايعةِ لإمامٍ ثانٍ.
4- ودلِّ الكُفَّارِ على عورات المسلمين.
هذا هو محلُّ النزاع .
وقد روي عن عمر ما يَدُلُّ على إباحة القتل بمثل هذا .
وكذلك:
5- شهرُ السلاح لطلب القتل :
هل يقومُ مقامَ القتل في إباحة الدم أم لا ؟
فابنُ الزبير وعائشة رأياه قائماً مقام القتل الحقيقي في ذلك.
وكذلك:
6- قطعُ الطَّريق بمجرَّده :
هل يبيحُ القتلَ أم لا ؟
لأنَّه مظِنَّةٌ لسفك الدِّماء المحرَّمة.
وقول الله عز وجل: { مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}
يدلُّ على أنَّه إنَّما يُباحُ قتل النفس بشيئين :
أحدهما : بالنفس.
والثاني : بالفساد في الأرض.
ويدخل في الفساد في الأرض :
7- الحراب.
8- والرِّدَّة.
9- والزنى.
فإنَّ ذلك كلَّه فساد في الأرض.
10- وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه:
هو مظنةُ سفكِ الدِّماء المحرمة. وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حدِّه ثمانينَ ، وجعلوا السكر مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجب لجلد الثمانين، ولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيس على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ونهاهُم عن الأشربة والانتباذِ في الظُّروف قال : ( إنَّ أَحَدَكُم ليقومُ إلى ابن عمه - يعني : إذا شرب - فيضربه بالسَّيف ) ، وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ مِنْ ذلك ، فكان يخبؤها حياءً من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فهذا كلُّه يرجِعُ إلى:
إباحة الدَّم بالقتل إقامة لمظان القتل مقامَ حقيقته.
لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محلُّ النِّزاع .
3- وأما تركُ الدين ، ومفارقةُ الجماعة ، فمعناه :
الارتدادُ عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين:
1- فلو سبَّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقرٌّ بالشهادتين ، أُبيح دمُه؛ لأنَّه قد ترك بذلك دينه.
وكذلك:
2- لو استهان بالمُصحف ، وألقاه في القاذورات.
3- أو جحد ما يُعلم من الدِّين بالضَّرورة كالصلاة ، وما أشبه ذلك ممَّا يُخرج منَ الدِّين .
وهل يقومُ مقامَ ذلك تركُ شيء مِنْ أركان الإسلام الخمس ؟
وهذا ينبني على أنَّه هل يخرج من الدِّين بالكُلِّيَّة بذلك أم لا ؟
1- فمن رآه خروجاً عنِ الدِّين: كان عنده كتركِ الشَّهادتين وإنكارهما.
2- ومن لم يره خروجاً عن الدِّين:
فاختلفوا:
هل يلحقُ:
1- بتارك الدِّين في القتل؛ لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام
2- أم لا؛ لكونه لم يخرج عن الدِّين.
ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء:
في قتل الدَّاعية إلى البدع:
فإنَّهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين ، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه:
1- فإن استخفى بذلك ولم يَدْعُ غيرَه ، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا ،
2- وإذا دعا إلى ذلك ، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة.
وقد صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
الأمر بقتال الخوارج وقتلهم:
وقد اختلف العلماء في حكمهم:
1- فمنهم من قال: هم كفَّارٌ ، فيكون قتلُهم لكفرهم.
2- ومنهم من قال: إنَّما يُقتلون لفسادهم في الأرض بسفكِ دماءِ المسلمين وتكفيرهم لهم ، وهو قولُ مالكٍ وطائفة من أصحابنا ، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهازَ على جريحهم .
3- ومنهم من قال : إن دَعَوْا إلى ما هُمْ عليه ، قوتلوا ، وإنْ أظهروه ولم يدعوا إليه لم يُقاتلوا ، وهو نصُّ أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة .
4- ومنهم: من لم يرَ البداءة بقتالهم حتّى يبدءوا بقتالٍ يُبيح قتالَهم مِنْ سفك دماءٍ
ونحوه ، كما رُوِيَ عن عليٍّ ، وهو قولُ الشافعي وكثيرٍ من أصحابنا.
وقد روي من وجوه متعددة:
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجلٍ كان يُصلي ، وقال : (لو قتل ، لكان أوَّلَ فتنةٍ وآخرها )، وفي رواية : ( لو قُتِلَ ، لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرجَ الدَّجَّالُ ) ، خرّجه الإمام أحمد رحمه الله وغيره .
فيستدلَّ بهذا:
على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين ، ويحسم مادة الفتن.
وقد حكى ابنُ عبد البر وغيرُه:
عن مذهبِ مالكٍ جوازَ قتل الدَّاعي إلى البدعة .
فرجعت نصوصُ القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود بهذا التقدير ، ولله الحمد .
وكثيرٌ من العلماء يقولُ في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا:
إنَّها منسوخةٌ بحديث ابنِ مسعودٍ.
وفي هذا نظرٌ من وجهين :
أحدهما : أنَّه لا يُعلم أنَّ حديثَ ابنِ مسعود كان متأخراً عن تلك النصوص كلِّها ، لاسيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين . وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخَّر إسلامُه كأبي هريرة ، وجريرِ بنِ عبد الله ، ومعاوية ، فإنَّ هؤلاء كلهم رووا حديثَ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
والثاني: أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بالعامِّ ، ولو كان العامُّ متأخراً عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء ؛ لأنَّ دلالة الخاصِّ على معناه بالنصِّ ، ودلالة العام عليهِ بالظاهر عندَ الأكثرين ، فلا يُبطِلُ الظاهرُ حكمَ النص.
وقد روي:
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كذَب عليهِ في حياته وقال لحيٍّ من العرب:
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أنْ أحكمَ في دمائِكم وأموالكم ، وهذا رُوي من وجوهٍ متعدِّدةٍ كلها ضعيفة، وفي بعضها أنَّ هذا الرجل كانَ قد خطب امرأةً منهم في الجاهلية ، فأبوا أنْ يُزوِّجوه ، وأنَّه لمَّا قالَ لهم هذه المقالة صدَّقوه ، ونزل على تلك المرأة ، وحينئذٍ فهذا الرَّجُلُ قد زنى، ونسب إباحةَ ذَلِكَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا كفرٌ وردَّة عن الدِّين .
وفي " صحيح مسلم "يدخل على أمِّ ولده مارية ، وكان الناسُ يتحدثون بذلك ، فلما وجده عليٌّ مجبوباً تركه .
وقد حمله بعضُهم:
على أنَّ القبطيَّ لم يكن أسلمَ بعدُ ، وأنَّ المعاهَدَ إذا فعل ما يُؤذي المسلمين انتقض عهدُه ، فكيف إذا آذى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ؟
وقال بعضهم: بل كان مسلماً ، ولكنَّه نُهي عن ذلك فلم ينته، حتَّى تكلَّم الناسُ بسببه في فراش النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وأذى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في فراشه مبيحٌ للدم، لكن لما ظهرت براءتُه بالعيان ، تبيَّن للناس براءةُ مارية ، فزال السببُ المبيح للقتل.
وقد رُوي عن الإمام أحمد :
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان له أنْ يَقْتُلَ بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود ، وغَيْرُهُ ليس له ذلك.
كأنَّه يُشير:
إلى أنَّه صلى الله عليه وسلم كان له أنْ يُعَزِّرَ بالقتل إذا رأى ذلك مصلحةً:
لأنَّه صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدِّي والحَيْفِ.
وأما غيرُه فليس لهُ ذَلِكَ :
لأنَّه غير مأمون عليهِ التعدِّي بالهوى .
قالَ أبو داود :
سمعتُ أحمد سُئِلَ عن حديث أبي بكر : ما كانت لأحدٍ بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: لم يكن لأبي بكر أنْ يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاثٍ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كان له ذَلِكَ أنْ يقتل.
وحديث أبي بكر المشار إليه:
هو أنَّ رجلاً كلم أبا بكر فأغلظ له ، فقال له أبو برزة : ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله ؟ فقال أبو بكر : ما كانت لأحدٍ بعدَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا يتخرَّجُ:
حديثُ الأمرِ بقتل هذا القبطي.
ويتخرَّجُ عليه أيضاً:
حديثُ الأمر بقتل السارق إنْ كان صحيحاً ، فإنَّ فيه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتله في أوَّلِ مرةٍ ، فراجعوه فيه فقطعه ، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله ، فيُراجع فيه ، فيُقطع حتَّى قُطعت أطرافُه الأربع ، ثمَّ قتل في الخامسة ، والله تعالى أعلم .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-29 ||, 01:07 AM
دفع استشكال:
قد يقال :
ما ذكر في الحديث هو حصر الصور والأحوال التي يجوز فيها استباحة دم المسلم فكيف يذكر "التارك دينه المفارق للجماعة" وهذا بكفره قد خرج عن الإسلام فكيف ساغ استثناؤه من الأحوال التي يحل فيها دم المرء المسلم؟
يقول ابن رجب رحمه الله:
وأمَّا التَّاركُ لِدينه المفارق للجماعة ، فالمرادُ به من ترك الإسلام ، وارتدَّ عنه ، وفارقَ جماعة المسلمين، كما جاء التصريحُ بذلك في حديث عثمان.
وإنَّما استثناه مع من يحلُّ دمه من أهل الشهادتين:
باعتبارِ: ما كان عليه قبل الرِّدَّة وحكم الإسلام لازم له بعدها ، ولهذا يُستتاب ، ويُطلب منه العود إلى الإسلام.
ثم دلل ابن رجب رحمه الله على هذا الوجه من التخريج، فقال:
وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الرِّدَّة من العبادات اختلافٌ مشهورٌ بَيْنَ العلماء.
ثم ذكر ابن رجب رحمه الله وجهاً آخر من التخريج إذ قال:
وأيضاً: فقد يتركُ دينَه ، ويُفارِقُ الجماعة ، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين ، ويدَّعي الإسلام ، كما إذا جحد شيئاً مِنْ أركان الإسلام ، أو سبَّ الله ورسولَه ، أو كفرَ ببعضِ الملائكة أو النَّبيِّينَ أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك.
ولم يكتف ابن رجب رحمه الله بهذين الوجهين من التخريج حتى التفت إلى معنىً يمكن أن يكون مستفاداً من هذا الاستثناء الوارد على معنى خارج عن إطار المستثنى منه، يقول ابن رجب رحمه الله:
فإنَّ قيل:
بل استثناء هذا ممَّن يعصم دَمُه من أهل الشهادتين يدلُّ على أنَّه يقتل ولو كان مقراً بالشهادتين ، كما يقتل الزاني المُحصَن ، وقاتل النفس.
وهذا يدلُّ:
على أنَّ المرتدَّ لا تُقبل توبتُه ، كما حُكي عن الحسن.
أو أنْ يحمل ذلك على منِ ارتدَّ ممَّن وُلِدَ على الإسلام ، فإنَّه لا تُقبل توبتُه ، وإنَّما تقبل توبةُ مَنْ كانَ كافراً ، ثم أسلم ، ثم ارتدَّ على قول طائفةٍ من العلماء ، منهم : الليثُ بنُ سعدٍ ، وأحمد في رواية عنه ، وإسحاق .
-----
ثم رجع ابن رجب رحمه الله ليذكر وجها آخر في تخريج هذا الاستثناء، فقال رحمه الله:
قيل: إنَّما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبْلَ مفارقة دينه كما سبق تقريره.
وليس هذا كالثيبِ الزَّاني، وقاتل النفس:
لأنَّ قتلَهُما وَجب عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يُمكن تلافي ذلك.
وأمَّا المرتدُّ ، فإنَّما قُتِلَ لوصفٍ قائمٍ به في الحال ، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة ، فإذا عاد إلى دينِهِ ، وإلى موافقته الجماعة ، فالوصف الذي أُبيح به دمُه قدِ انتفى ، فتزولُ إباحةُ دمِهِ ، والله أعلم.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-05-29 ||, 01:23 AM
أسأل الله أن يمتع بك الملتقى ووارديه ...
أنت فؤاد الملتقى حقاً ...

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-29 ||, 01:29 AM
أسأل الله أن يمتع بك الملتقى ووارديه ...
أنت فؤاد الملتقى حقاً ...


آمين ، ولك مثل ما دعوت، ولجميع من قرأ وأمَّن....
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا على هذا التشجيع، وهذا بدوره يدفعنا إلى مزيد من المسؤولية ، أسأل الله عز وجل أن يبارك في هذا الموقع وفي أهله وفي أعضائه وفي قرائه، وأن ينفع به وأن يكون لنا في العاقبة نعم المدّخر.

أحمد بن فخري الرفاعي
08-05-29 ||, 01:58 AM
جزاكم الله خيرا
اختيار موفق ، وتصرف محمود

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-29 ||, 03:46 PM
جزاكم الله خيرا
اختيار موفق ، وتصرف محمود

جزاكم الله خيرا

------------------------
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 482) ما يدل على أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه من الأدلة التي تدل على بطلان مذهب الخوارج في التكفير بفعل الكبائر.
يقول رحمه الله في معرض بطلان مذهب الخوارج السابق:
ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة:
1- فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله لأن النبى قال: ( من بدل دينه فإقتلوه ).
2- وقال: ( لا يحل دم إمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام وزنا بعد احصان أو قتل نفس يقتل بها )
3- وأمر سبحانه: أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما .
4- وأمر سبحانه: بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة ولو كان كافرا لأمر بقتله ..............

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-02 ||, 09:55 PM
يرفع للفائدة

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-10 ||, 02:06 AM
----------

انبثاق
10-12-10 ||, 06:00 PM
جميل جدا..
رحمه الله تعالى..
وجزاكم خيرا..

طارق سعيد أحمد
13-08-18 ||, 04:04 PM
رائعة . وبارك الله فيك .