المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "أثر تذبذب قيمة الأسعار على التعاملات التجارية" للأستاذ صادق قنديل



هاني حامد عبد الله
11-04-20 ||, 01:42 PM
أثر تذبذب قيمة الأسعار على التعاملات التجارية
للأستاذ صادق قنديل المحاضر بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية - غزة

مقدمة :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين ،
أما بعد :
تتسم الحياة الاقتصادية اليوم بسرعة التطور والتغير وظهور كثير من التعاملات المالية الجديدة والتي لم تكن معروفة في السابق ، وبما أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان فإنها تشرع من الأحكام ما ينظم هذه المعاملات كلما استجدت بما يحقق مصالح العباد ولا زالت الحركة التجارية تظهر لنا في كل يوم مستجدات اقتصادية ، من ذلك تذبذب الأسعار فكثيراً ما تتذبذب القيمة الشرائية للنقود بين الهبوط والصعود فما أثر ذلك على التعاملات التجارية والالتزامات المالية ، وهذا ما أعرضه في المبحثين الآتيين :
المبحث الأول : العلاقة بين الثمن والقيمة والسعر .
للوقوف على طبيعة الموضوع وحقيقته لا بد من دراسة العلاقة بين المصطلحات الثلاثة من خلال النظر في تعريفات الفقهاء لهم في اللغة والاصطلاح ، وإليك ذلك :
أولاً : الثمن .
أ- في اللغة :
جاء في كتب اللغة أنه العوض ، وقيل اسم لما يأخذه البائع في مقابلة البيع عيناً كان أو سلعة ، وكل ما يحصل عوضاً عن شيء فهو ثمنه .
ب- في الاصطلاح :
بالرجوع إلى كتب الفقهاء نجد أنهم أطلقوا الثمن على أمرين هما :
1- مقابل القيمة ويريدون العوض الذي تراضى عليه المتعاقدان سواء أكان مطابقاً لقيمته أو ناقصاً عنها أو زائداً عليها .
2- مقابل المبيع في عقد البيع ويريدون به ما يكون بدلاً للمبيع ويتعلق بالذمة .
خلاصة الرأي :
يبدو من إطلاق الفقهاء الثمن على الأمرين السابقين ما يأتي :
أ-أن الثمن الذي هو العوض أي قيمة الشيء ليس شرطاً أن يكون مطابقاً تماماً بل الاكتفاء بالتراضي بين المتعاقدين .
ب-أن الثمن الذي هو مقابل المبيع أي ما يكون قائماً عنه لا يعتبر في بعض الأوجه إلا إذا تعلق بالذمة والتعلق نوع من ثبوت وصفه وقدره .
ج- إطلاقهم الثمن على القيمة فيه إشارة إلى أن الثمن لا بد أن يكون مقابلاً لقيمة الشيء المبيع .
ه- أن قيمة الشيء المبيع لا بد أن تكون مقدرة بثمن مع عدم اشتراط المطابقة التامة .
وبما أن الثمن علامة تقدير القيمة كما اتضح لا بد من إكمال الصورة بتعريفها لغة واصطلاحاً .
أ- القيمة لغة :
قال علماء اللغة : إن القيمة هي الشيء الذي يقدر به المتاع أي يقوم مقامه ومنه التقويم مصدر قومت السلعة إذا حددت قيمتها وقدرها يقال قومت المتاع إذا جعلت له قيمة معلومة .
ب ـ القيمة اصطلاحاً :
عرفها الفقهاء بأنها ” الثمن الحقيقي للشيء “
يتضح مما سبق :
يلاحظ من تعريفهم للقيمة ما يأتي :
أ- أن الثمن هو المعيار الحقيقي لقيمة الشيء .
ب- جاء في بعض كتب الأحناف بأنها أي القيمة ( من غير زيادة أونقصان ) فالقيمة عندهم ثابتة لكن الذي يعتريه الزيادة والنقص هو الثمن بحسب اختلاف التقديرات والتي تتأثر باختلاف الزمان والمكان والحال ونظرة الناس لتقدير القيمة بالأثمان .
وبعد بيان ما سبق بقي أن نعرف السعر ومن ثم ذكر النتيجة التي توصلت إليها في العلاقة بين الثمن والقيمة والسعر وإليك تعريف السعر في اللغة والاصطلاح .
أ- في اللغة :
هو ما يقوم عليه الثمن ويقال على سبيل المجاز هذا الشيء له سعر إذا زادت قيمته وليس له سعر إذا أفرط رخصه والجمع أسعار .
ب- في الاصطلاح :
عرفه الفقهاء بأنه ” الثمن الذي تقف فيه الأسواق “
النتيجة التي توصلت إليها .
أ-أنهم جعلوا الثمن والسعر للدلالة على قيمة الشيء وكلاهما واحد في المادة من وجهة نظري .
ب-لم يشترطوا في الثمن أو السعر عدم الزيادة والنقصان لأن هذا يختلف باختلاف تقدير الزمان والحال كل حسب رؤيته في تقدير قيمة الشيء . بينما ذكروا أن قيمة الشيء ثابتة من غير زيادة ولا نقصان ؛ لأن التذبذب يقع في الأثمان والأسعار ومما يؤكد هذا أن اختلاف الناس ليس في القيمة وإنما فيما تقدر به القيمة .
المبحث الثاني
أثر تذبذب أسعار العملات على التعاملات التجارية
بحثت في كتب أهل العلم فوجدت الكلام منثوراً في أبواب المعاملات ولحصر الموضوع والوقوف على أراء الفقهاء في أثر التذبذب أعرض
ما ذهب إليه أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة على شكل نقاط – لأن الحديث بالتفصيل يطول – ثم أجمل الأمر في نهاية المبحث وإليك على النحو التالي :
أولاً : مذهب الأحناف :
أ- اتفقوا على أنه لوم تكسد الفلوس ، ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ العقد ( البيع ) لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب أحدهما بطلان العقد أولا يوجب بطلان الثمنية .
ب- ثم اختلف أبو يوسف ومحمد – رحمهما الله تعالى – فيما بينهم في وقت اعتبار قيمة الفلوس فقال أبو يوسف تعتبر قيمتها وقت العقد ؛ لأن الثمن يجب عند العقد فيضمن قيمته حينئذ .
وقال محمد تعتبر قيمتها وقت الكساد وهو آخر يوم ترك الناس التعامل بها وقت العجز عن التسليم .
ج- عندهم ثلاث حالات هي الكساد والانقطاع وتغير القيمة .
الحالة الأولى : يرى الإمام وجوب المثل في جميع الحالات .
الحالة الثانية : ويرى محمد وجوب القيمة يوم الكساد أو الانقطاع ووجوب المثل عند تغير القيمة .
الحالة الثالثة : ويرى أبو يوسف أن قيمتها تثبت في يوم ثبوت الحق أي وقت العقد . وله رأي وجوب المثل في حالة تغير القيمة .
الملاحظ :
أنهم ذهبوا أن ما ثبت في الذمة من النقود يؤدى بمثله دون نظر إلى تغير القيمة .
ثانياً : مذهب المالكية :
أ- من خلال نصوص فقهاء المالكية في مسألة التذبذب يتضح أنهم تعاملوا مع الموضوع بما يشبه طريقة الأحناف لكن مع شيء من التفريق في العقود ومن هذه النصوص ” إن بطلت معاملة من دنانير أو دراهم ترتب لشخص على غيره من قرض أو بيع وتغير التعامل بها بزيادة أو نقص ( فالمثل ) أي الواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة وإن عدمت في بلد المعاملة وإن وجدت في غيرها ( فالقيمة يوم الحكم ) .
ب- القرض يرد بمثله في كل شيء والزيادة على المثل من الربا .
ج- الاتفاق في عقد البيع على عملة بسعر الصرف حينئذ جائز ، خلاف القرض فغير جائز .
د- إبطال التعامل بالفلوس لا يمنع وجوب رد المثل ما دامت موجودة في بلد المعاملة فإن عدمت يلجأ إلى القيمة يوم المطالبة عند التحاكم وذلك لتعذر المثل .
ه- تغير السعر لا يؤثر في وجوب رد الدين الناشئ عن البيع .
الملاحظ : أن المالكية ركزوا على القرض والقرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من الله عز وجل وقد ينتهي بالتصدق قال تعالى : ( وأن تصدقوا خير لكم ) الآية .
ثالثاً : مذهب الشافعية :
قال فقهاء الشافعية : وفيما لا مثل له وجهان أحدهما : يجب عليه القيمة لأن ما ضمن بالمثل إذا كان له مثل ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل والثاني : يجب عليه مثله في الخلقة والصورة . وأشاروا إلى أن مقتضى القرض الرد بالمثل . وأضافوا ما له مثل إذا عدم وجبت قيمته .
رابعاً : مذهب الحنابلة .
جاء في كتب الحنابلة ما يأتي :
أ- إن كانت الفلوس يتعامل بها عدداً رد عدداً .
ب- إن استقرض وزناً رد وزناً ويجب رد المثل في المكيل والموزون لا نعلم فيه خلافاً ، وأما غير المكيل والموزون ففيه وجهان :
أحدهما : يجب رد قيمته يوم القرض لأنه لا مثل له . الثاني : يجب رد مثله لأن النبي استلف من رجل بكراً فرد مثله .
النتائج :
1- القرض عقد إرفاق ، له ثوابه وجزاؤه من الله ، وقد ينتهي بالتصدق قال تعالى : ( وأن تصدقوا خير لكم ) وبناء على هذه القاعدة لابد من مراعاة المقترض مع ضمان حق المقرض .
2- الدين يؤدى بمثله لا بقيمته ، ويؤدى عند تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء ، لا يوم ثبوت الدين .
3- لا بد من مراعاة فارق العملة والنظر عند تحديد طريقة السداد بالقيمة أم بالمقدار إلى سبب الفرق حيث اختلف الفقهاء فيما يجب أداؤه في حالتي الكساد والانقطاع أما في الغلاء والرخص فأرجعوا الأمر في تحديد السداد إلى ضرورة مراعاة الفارق .
المراجع :
1- حاشية رد المحتار على الدر المختار ، محمد أمين السيد عمر بن عابدين ، دار الكتب العلمية بيروت ، 1415هـ 1994م .
2- التاج والإكليل شرح مختصر خليل ، محمد بن يوسف العبدري ، مطبوع بهامش مواهب الجليل ، دار الفكر 1978م .
3- المجموع شرح المهذب ، يحيى بن شرف النووي ، المكتبة السلفية .
4- المغني مع الشرح الكبير ، شمس الدين بن قدامة المقدسي ، دار الفر بيروت
5- مختار الصحاح ، محمد بن أبي بكر الرازي ، طبعة المكتبة الأميرية .
6- معجم المصطلحات الاقتصادية ، نزيه حماد ، ط دار الفكر .
7- أثر تغير قيمة النقود ، على السالوس ، كلية الشريعة ، جامعة قطر . مجلة مجمع الفقه الإسلامي .
مقدمة لليوم الدراسي الرابع عشر لكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية غزة لعام 2008م

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،،