المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأصل مقاصدي



د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-05-10 ||, 02:13 PM
خواطر أصولية برؤية المقاصدي :



الحمد لله الذي تعبدنا بمنطوقات و بما قد يلزم ، و الشكر له على ما خصنا به من علامات لاقتناص الأحكام و حكم ،

و الصلاة و السلام على محمد سيِّد العُرب و العجم ، خير من أقبل و أحجم ،



و على آله و صحبه ذوي الهيئات و القيم..



أما بعد : فإنّ التشريع ضرب الأمثال في طرائق الاستدلال ، و وقّت المسالك لتحصيل المراد من غير إملال ، و اقتضت حكمته التشوف إلى منهج الترديد بين مقامات و جهات متقابلة ؛ لدفع السآمة عن التكليف ، و توريث معيار في التصحيح و التضعيف ، و التعديل و التجريح .



و قد تجلت مظاهر هذا المعتقد في الموازنة بين العزائم و الرخص ، و العموم و الخصوص ، و الإطلاق و التقييد ، و التعبد و التعليل ، و الاحتياط و التيسير ، و الظهور و الخفاء ،
و جمع النظائر و الضرائر ، و تفريق الضرائر و النظائر ، و الكليات و الجزئيات ، و المعتبرات و المرسلات ، و المنطوقات و المفهومات ، و جـعل من مـعهود الأميين معتبرا ومرسلا و مهملا ، و أحـال على الأحـوال و المآلات ، و كره أن تبنى الأحكام على "اللعلات"..



و مقاصد الاعتدال و العدول :



1-تحقيق العدل ودرء الإغراق في توحيد الجهة فيما تعددت أطرافه ومتعلقاته:



لأن مسمى الوسط لا يتحقق إلا بتصور جهتين يتردد التوقيع بينهما ؛ جلبا لأحـدهما و دفعا للآخر حال وجود ما يقتضي . و عدم الإغراق في طرد الأصول و القواعد متشوف إليه شرعا .



2-استغراق المكلف مقام العبودية حال التردد بين المقامات:



إن إناطة الأحكام بمنهج الترديد يحقق التعبد المطلق من حيث الجمع بين حظوظ المكلفين و مقام الربوبية ؛ لأن في رعي الحظ مداومة المكلف على امتثال الأحكام ، و في نفي الحظ تحصيل الخشية.



يدل على ذلك:قول الله تعالى:<و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك



و العاقبة للتقوى>



ووجه ذلك : أن في الصلاة تحقيقا لرغبات المكلفين مما يكفل المداومة عليها ، كما أن ترك ما يجوز خوفا من الوقوع فيما لا يجوز ، يورث الخشية و الخضوع .



3-دفع السآمة عن المكلف، لأن طلب اليسير مطلقا أو ما فيه كلفة مطلقا يورث مللا، وقد قيل:إنّ الأشياء بضدها تتميز:



و هذا منهج ورثه النظار من القرآن و السنة ؛ فقد ترددت نصوص الكتاب من حيث المبنى بين آيات و سور، و من حيث المعنى بين وعد و وعيد، و إرشاد و تشويق، و معهود
و غريب ، و قصص و إنشاء و تجديد...كما أن سوق السنن تبعا للخطاب القرآني يلمح إلى ذاك القيل ؛ فقد سلك النبي صلى الله عليه و سلم طائفة من المسالك لبيان الحق ؛ كالأمـر ، و النهي ، و السكوت بمنهج ضرب المثل ، و التعريض ، و التصريح ، و الإيماء ، و شرائع من سبق . بل إن العذاب أو النعيم على مقتضى جهتين ؛ فالمنعم يعرض عليه الجحيم، و المعذب ترى عيناه النعيم.



و أسوة بالمنهجين اعتبر أولوا الألباب التردد بين طرق البيان مقصدا مشروعا ؛ فجاءت مدوناتهم على تقسيمات المادة العلمية إلى كتب ، و أبواب ، و فصول ؛ لئلا يمل الناظرون من الاطراد.



و عليه: فإن التردد بين جهة رفع العنت حيث شاء ، و جهة الاحتياط حيث شاء ، يدفع مفسدة تقديس الجهات على الدوام.



4-كما أن مقاصد الإصلاح لا تتحقق إلا بالتشوف إلى الرتبتين:



إن المستعرض للتعاليم الإصلاحية في التشريع ليدرك جملة من الذرائع المتوسل بها ؛ كذريعة الوازع الإيماني ، و الوازع الجبلي، و الوازع السلطاني. و هي تتوزع على مقتضى طبائع المكلفين ؛ لأن بعض الفئات لا يصلحها إلا السلطان و إن تظاهرت عليها فصوص الإيمـان ، و قد تكون الأخرى بخلاف ذلك .



و عليه: فإن السعي لإعمال الرتبتين محقق للغرض المقصود من جهة استيعاب أهل التكليف جميعا إرشادا و هداية و إصلاحا.



5-كما أن تعليق الأحكام الشرعية بهذا الترديد، إيذان وإلزام لأهل الاجتهاد بهذا المنهج فيما لم يشرع لعدم الوجود:



قد أطبق أهل الحكم و القيم على أن غياب التنصيص ، يوجب على المتوسم أن يقتنص أصول التشريع ، و الخلفية التي توكأ عليها الشارع في توقيت المعتبرات . و إذا وفق في تحصيل شيء منها، كان لزاما عليه أن يترجمه.



و عليه: فتعدد الجهة ، مناط يطوق الفكر الاجتهادي ، و أن العدول عنها عدول عن التشريع.



6-ترديد الاحتكام إلى ميزان يستوعب اختلاف المكلفين والأزمنة والأمكنة ، وهو العمدة فيما يسمى اليوم بفقه الأقليات:



من المعلوم أن النصوص الجزئية متناهية و إن تعددت ، و النصوص الكلية غير متناهية و إن قلت . و أن سوق الجزئي في شرعنا ، إنما كان لبيان المنهج الأمثل في محاكمة الوقائع مع بيان الأحكام اللائقة في بيئة الخطاب ، و لكن بالقصد الثاني.



و لا تتحقق خاصية المرونة الشرعية إلا بجلب الكليات باعتبار تغير الدار و الأشخاص.



و عليه : فنحن بأمس الحاجة إلى علم الميزان لفهم ما كان ، و ترجمته باعتبار ما يكون ، و أن المنهج ذي الوجهين وصف كلي يستغرق الزمان و المكان ، و لا يخرج من حياض التشريع. و لا أرى فلسفة لفقه الأقليات إلا ما ذكر و أصل.



و عليه : فإنّ للفتيا قانونا ، و للاستنباط تقنينا يحدّ ملامسة المراد بما ورثناه من تأصيلات و مسالك متباينة باعتبار عرف الحذاق المتوسمين..



تأبت علينا فلسفة التردد ، ففرضت أصولها على السالكين ، و ألزمت النظر بخلف متوقع ،



و انتخبت ذرائع للوصول إلى الحق المقصود ؛ فتوزعت على نحوين : للأصولي فيها سهم ، وللمقاصدي سهمان..

نبيل محمد أبوبكر
11-05-11 ||, 12:34 AM
كلام نفيس، لو مُزج في مجلد لمزجه... وما هو إلا مقدمة لمحاضرة ألقاها الشيخ أمام جمع من العلماء والباحثين من عدة دول في ملتقى حول الفتوى بمدينة تلمسان.
واسمحوا لي أيها الإخوة أن أحيد قليلا عن هذا الموضوع النفيس، لأسجل ما يلي، تعقيبا على ما دار من نقاشات مع الشيخ الأخضري في هذا الملتقى العامر:
1- إن رواد الملتقى إخوة لنا مهما كانت مشاربهم وتوجهاتم، ولا نود أن نكون في رخاء ويشاك أحدهم بشوكة، فالذي يجمع بيننا وبينهم لا هو عِرق ولا إقليم... إنه أعظم من ذلك بكثير، إنه "لاإله إلا الله"، وما أدراك ما "لا إله إلا الله"!!!...
2- إننا لا نعتقد العصمة في مشايخنا، فهذا ليس من مذهبنا، ولكن المذهب الذي نتفق عليه جميعا هو توقير العلماء ...
3- ولعلك تقول لي كيف نعرفهم؟ فأقول لك أن سؤالك في غاية الوجاهة، لأن العالم لا يطلق على نفسه هذه الصفة، وكثيرا ما نغتر بتواضعهم وعدهم أنفسهم من غبراء الناس، حتى إننا لنحاورهم كما نحاور أقراننا من طلبة العلم، بل ربما بجرأة أكبر... والمطلوب أن يُعرِف أهل كل قطر بعلمائه...
4- أقول بكل صدق، لا يحسبن أحد أن الأخضري دكتور من دكاترة الجامعة، لا والله ... بل إنه عالم من علماء هذه الأمة، من جالسه تعلم تواضعه وسمته قبل أن يتعلم علمه وفقهه، ومن رآه أحبه، وليس الخبر كالمعاينة...
وإنه أحيانا يقول الكلمة لا أدرك مغزاها إلا بعد شهر، فأوصي إخوتي من طلبة العلم أن يتريثوا...
وليس من لوازم هذا الكلام انتقاص من أحد سواء من المشايخ الموقرين أو من الطلبة الأفاضل، فإني لن أغامر بالحديث عمن لم أتشرف بعد بمعرفتهم، إلا أنني أتوسم فيهم كل خير، ولا أُكن لهم إلا المحبة والتقدير...
أسأل الله تعالى أن يجعل اجتماعنا هذا متصلا باجتماعنا في جنته (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين).

نصرالدين عبد الله أجدير
11-05-14 ||, 10:25 PM
الحمد لله على مجموه آلائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه، وآله وصحبـه، وعترته وحزبـه :
لقد عودنا الشيخ جزاه الله عنا خيرا- أن يجمع لنا في الأوراق ما رقّ وراق، مما تتروح به نفائس النفوس وتترنح له أفنان السطور في رياض الطروس، وهي من بنات أفكاره اللاتي لم يطمثهمن إنس قبلهم ولا جان....
شيخي : ما قيل في المحاضرة استحضار كلي لمباحث المقاصد في قالب راقٍ، مع توظيف وإعمال الفن لنخلص إلى فتيا توافق مقصود الباري عز وجل.
شيخي نبيل :

فلو قبل مبكـاها بكيت صبابة لكنت شفيت النفس قبل التنــدم
لكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلـت الفضـل للمتقــدم
والله لا أسبقك في ولائك للشيخ أبدا - مشكور-

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-05-19 ||, 12:02 PM
أخي الشيخ نبيل المحترم ، و الخلفة التي أفتخر بها الشيخ نصر الدين :
إني أحجم عن مقايضة الثناء بالثناء علانية ، و أبتغي أن يكون من الأسرار التي أبوح بها يوم التلاقي ، فأنت نعمة مهداة و أهل لكل ثناء..
عبارات الودّ التي صنفتها شهادة أعتز بها ، و أسأل الله أن يتقبلها..
أشهد الله أني أحبك في الله ، و لا يعلم هذا القدر إلى الله..و لا أغامر بهذا الحديث إلا لمن عاشرتهم و استفدت منهم..
أما الشيخ نصر الدين : فأنت الخلفة الطيبة التي نتوسم فيها الخير العميم لهذه الأمة..
بارك الله فيكم جميعا

د. يوسف بن عبد الله حميتو
11-05-19 ||, 01:03 PM
كلام نفيس، لو مُزج في مجلد لمزجه... وما هو إلا مقدمة لمحاضرة ألقاها الشيخ أمام جمع من العلماء والباحثين من عدة دول في ملتقى حول الفتوى بمدينة تلمسان.
واسمحوا لي أيها الإخوة أن أحيد قليلا عن هذا الموضوع النفيس، لأسجل ما يلي، تعقيبا على ما دار من نقاشات مع الشيخ الأخضري في هذا الملتقى العامر:
1- إن رواد الملتقى إخوة لنا مهما كانت مشاربهم وتوجهاتم، ولا نود أن نكون في رخاء ويشاك أحدهم بشوكة، فالذي يجمع بيننا وبينهم لا هو عِرق ولا إقليم... إنه أعظم من ذلك بكثير، إنه "لاإله إلا الله"، وما أدراك ما "لا إله إلا الله"!!!...
2- إننا لا نعتقد العصمة في مشايخنا، فهذا ليس من مذهبنا، ولكن المذهب الذي نتفق عليه جميعا هو توقير العلماء ...
3- ولعلك تقول لي كيف نعرفهم؟ فأقول لك أن سؤالك في غاية الوجاهة، لأن العالم لا يطلق على نفسه هذه الصفة، وكثيرا ما نغتر بتواضعهم وعدهم أنفسهم من غبراء الناس، حتى إننا لنحاورهم كما نحاور أقراننا من طلبة العلم، بل ربما بجرأة أكبر... والمطلوب أن يُعرِف أهل كل قطر بعلمائه...
4- أقول بكل صدق، لا يحسبن أحد أن الأخضري دكتور من دكاترة الجامعة، لا والله ... بل إنه عالم من علماء هذه الأمة، من جالسه تعلم تواضعه وسمته قبل أن يتعلم علمه وفقهه، ومن رآه أحبه، وليس الخبر كالمعاينة...
وإنه أحيانا يقول الكلمة لا أدرك مغزاها إلا بعد شهر، فأوصي إخوتي من طلبة العلم أن يتريثوا...
وليس من لوازم هذا الكلام انتقاص من أحد سواء من المشايخ الموقرين أو من الطلبة الأفاضل، فإني لن أغامر بالحديث عمن لم أتشرف بعد بمعرفتهم، إلا أنني أتوسم فيهم كل خير، ولا أُكن لهم إلا المحبة والتقدير...
أسأل الله تعالى أن يجعل اجتماعنا هذا متصلا باجتماعنا في جنته (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين).
ما أحوجك إلى هذا أيها الفاضل؟
بعض الناس لا يشهد عليهم ولا يستشهد، إنما يقومون هم شهادة بأنفسهم.
والشيخ الفاضل الأخضري له علينا أياد سابغة إن لم يعلمها هو فقد علمها من لا يجازيه عليها إلا هو.

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-05-19 ||, 07:03 PM
بل أنتم أصحاب الفضل و الكرم..أنا متابع جيد لكل تحقيق و كتابة لكم..أسأل الله أن يجازيك خير الجزاء..