المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأستاذ الكبير عبد القادر عودة رحمه الله رائد الفقه الجنائى فى العصر الحديث



أحمد عرفة أحمد
11-05-30 ||, 07:14 AM
الأستاذ الكبير عبد القادر عودة رحمه الله رائد الفقه الجنائى فى العصر الحديث
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
عبد القادر عودة (1906 (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)-1954م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)) قاضي وفقيه دستوري، ولد بقرية كفر الحاج شربيني (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %81%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8 %AD%D8%A7%D8%AC_%D8%B4%D8 %B1%D8%A8%D9%8A%D9%86%D9% 8A&action=edit&redlink=1) من أعمال مركز شربين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%86)، تخرج من مدرسة المنصورة الابتدائية عام 1330 هـ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)، اشتغل بالزراعة، ثم عاد فواصَل الدراسة، وحصل على البكالوريا سنة 1348 هـ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)، ثم التحق بكلية الحقوق بالقاهرة، وتخرج فيها عام 1930م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)، وكان من أول الناجحين.
التحق بوظائف النيابة، ثم القضاء، وكانت له مواقف مثالية. في عهد "عبد الهادي" قدمتْ إليه -وهو قاضٍ- أكثر من قضية من القضايا المترتبة على الأمر العسكري بحل جماعة "الإخوان المسلمين"، فكان يقضي فيها بالبراءة؛ استنادًا إلى أن أمر الحل غير شرعي. في عام 1951م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) استقال من منصبه الكبير في القضاء، وانقطع للعمل في الدعوة، مستعيضًا عن راتبه الحكومي بفتح مكتب للمحاماة، لكن لم يلبث أن بلغ أرفع مكانة بين أقرانه المحامين. في عهد اللواء محمد نجيب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8) عُيّن عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام، وتعاليم القرآن. في عام 1953م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) انتدبته الحكومة الليبية لوضع الدستور الليبي.
تم أعدامه بعد إتهام جماعة الإخوان المسلمين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7% D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D 9%85%D9%8A%D9%86) بمحاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7 %D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5% D8%B1) في حادثة المنشية (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85% D9%86%D8%B4%D9%8A%D8%A9) عام 1954م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)، وبسببها تم إلقاء القبض على عدد كبير من الإخوان المسلمين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7% D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D 9%85%D9%8A%D9%86)، ومعارضي حكم جمال عبد الناصر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7 %D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5% D8%B1) ومحاكمتهم أمام محاكمة عسكرية استثنائية بقيادة قائد الجناح جمال سالم، والتي أصدرت أحكام بإعدامه مع عدد آخر من قيادات الإخوان المسلمين وهم الشيخ محمد فرغلي (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%81%D8%B1%D8%BA%D9%84% D9%8A) ويوسف طلعت (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%B7%D9%84%D8%B9%D8%AA) وإبراهيم الطيب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9% 8A%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8% B7%D9%8A%D8%A8&action=edit&redlink=1) المحامى وهنداوي دوير (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %86%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9% 8A_%D8%AF%D9%88%D9%8A%D8% B1&action=edit&redlink=1) المحامى ومحمود عبد اللطيف (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %AD%D9%85%D9%88%D8%AF_%D8 %B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9 %84%D9%84%D8%B7%D9%8A%D9% 81&action=edit&redlink=1). وتم إعدامهم في 7 ديسمبر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 5%D8%A8%D8%B1) 1954 (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد). هذا بخلاف من قتلوا جراء التعذيب خلال الفترة من 26 أكتوبر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 88%D8%A8%D8%B1) 1954 (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) حتى عام 1965م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) [1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AF% D8%B1_%D8%B9%D9%88%D8%AF% D8%A9#cite_note-.D9.85.D8.B0.D9.83.D8.B1. D8.A7.D8.AA_.D8.A7.D9.84. D9.82.D8.B1.D8.B6.D8.A7.D 9.88.D9.8A_7-2-0#cite_note-.D9.85.D8.B0.D9.83.D8.B1. D8.A7.D8.AA_.D8.A7.D9.84. D9.82.D8.B1.D8.B6.D8.A7.D 9.88.D9.8A_7-2-0). وتلى ذلك محاكمة عدد آخر من زعماء الإخوان المسلمين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7% D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D 9%85%D9%8A%D9%86) في عام 1966م، وعلى رأسهم سيد قطب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%B7%D8%A8) حيث قضت المحكمة العسكرية بقيادة الفريق الدجوى بإعدامه مع كل من يوسف هواش (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %88%D8%B3%D9%81_%D9%87%D9 %88%D8%A7%D8%B4&action=edit&redlink=1) وعبد الفتاح إسماعيل (إخوان مسلمون) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7% D8%AD_%D8%A5%D8%B3%D9%85% D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84_( %D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7% D9%86_%D9%85%D8%B3%D9%84% D9%85%D9%88%D9%86)).
بدأ هذا الأمر في 28 فبراير (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد A7%D9%8A%D8%B1) 1954م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) بمظاهرة أمام قصر عابدين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%A7%D8%A8%D8%AF%D9%8A% D9%86)، قصر الجمهورية، لتهنئة محمد نجيب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8) بعودته لرئاسة الجمهورية. حين ارتفعت هتافات واحدة، ورفعت المصاحف: لا شرقية لا غربية.. إسلامية إسلامية.. إسلامية قرآنية. ثم ارتفع صوته بخطاب ملتهب أشار فيه إلى تصدي قوات من الجيش لطلاب جامعة القاهرة (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%82% D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9) وطلاب مدارس الجيزة، وإطلاق الرصاص عليهم وسقوط عدد من الشهداء. فكان جزاء الشهيد عبد القادر أن ألقي القبض عليه وعلى الأستاذ عمر التلمساني (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D9%84%D8%AA%D9%84%D9%85% D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A) بعد خمسة أيام من هذه المظاهرة، ووُجهت له تهمة العمل على قلب نظام الحكم في مظاهرة 28 فبراير (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8% A9_28_%D9%81%D8%A8%D8%B1% D8%A7%D9%8A%D8%B1&action=edit&redlink=1).
دمائي لعنة عليهم


في يوم الخميس 9 ديسمبر (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 5%D8%A8%D8%B1) عام 1954م (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على عبد القادر عودة وخمسة من إخوانه... وتقدم الشهيد "عودة" إلى منصة الإعدام وهو يقول: "ماذا يهمني أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو في ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إنني ذاهب إلى لقاء الله"، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: "أشكر الله الذي منحني الشهادة.. إن دمي سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها".
وهو والد الدكتور خالد عودة (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9) الأستاذ في كلية العلوم بجامعة أسيوط (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D8%B7) والذي تمت محاكمته بتهمة الانتماء إلى جماعة للإخوان المسلمين (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7% D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D 9%85%D9%8A%D9%86) ضمن أربعين من الشخصيات العامة وأساتذة الجامعات ورجال الأعمال أمام محاكمة عسكرية استثنائية بقيادة اللواء عبد الفتاح عبد الله. وقد تم إلقاء القبض عليه في 14 يناير 2007، واستمرت المحاكمة مدة 15 شهرا عقدت خلالها المحكمة سبعين جلسة حيث أنتهت في جلستها الحادية والسبعين إلى برائته مما نسب إليه بتاريخ 15 إبريل 2008م.
] من مؤلفاته


التشريع الجنائي الإسلامي
الإسلام (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%84%D8%A7%D9%85) وأوضاعنا القانونية.
الإسلام (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%84%D8%A7%D9%85) وأوضاعنا السياسية (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D8%A9).
الإسلام (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%84%D8%A7%D9%85) بين جهل أبنائه وعجز علمائه.
المال والحكم في الإسلام (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D9%84%D8%A7%D9%85).

له العديد من المقالات والبحوث القيمة التي طبعت مرات عديدة، ومنها ما ترجم للغات شتى، بل إن العديد من طلبة الماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية قدموا أطروحاتهم عن مؤلفات الشيخ عبد القادر عودة، باعتباره الرائد في هذا الميدان.[بحاجة لمصدر] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد D8%A8%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D 8%A7:%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D 8%AC%D8%A9_%D9%84%D9%85%D 8%B5%D8%AF%D8%B1)
من كلام عودة


"حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، إنما أقارن بين قانون متغير متطور، يسير حثيثًا نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين الشريعة التي نزلت منذ ثلاثة عشر قرنًا ولم تتغير ولم تتبدل فيما مضى، ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه..
نحن -إذن- حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة -على قدمها- أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء وما استُحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة".










عبد القادر عودة القاضي المجاهد

محمد أبو الهيثم (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)


الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها
أما الشريعة فصانعها هو الله، وتتمثل فيها قدرة الخالق، وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وبما هو كائن،
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } [الأحزاب: 23]
وقف القاضي المجاهد عبد القادر عودة؛ ليدافع عن الدعوة وقت محنتها، وترك منصبه القضائي؛ ليتفرغ لنصرة الحق المضطهد في زمنه, ضرب المثل الأعلى في العمل والفكر والجهاد، حتى لاقى ربه، ولسان حاله: "أني مغلوب فانتصر".

التحق عبد القادر عودة بكلية الحقوق بالقاهرة، وتخرج فيها عام 1930م، وكان من أول الناجحين, ثم التحق بوظائف النيابة، ثم القضاء، وكانت له مواقف غايةً في النبل والشجاعة، في مناصرة الحق، وقت محنة الإخوان المسلمين المشهورة في مصر, قدمت إليه - وهو قاضٍ - أكثر من قضية من القضايا المترتبة على الأمر بحل جماعة (الإخوان المسلمين)، فكان يقضي فيها بالبراءة؛ استنادًا إلى أن أمر الحل غير شرعي.

وفي عام 1951م، أصرَّ عليه (الإخوان المسلمون) بضرورة التفرغ؛ لمشاطرة المرشد أعباء الدعوة، فاستقال من منصبه الكبير في القضاء، وانقطع للعمل في الدعوة، مستعيضًا عن راتبه الحكومي بفتح مكتب للمحاماة، لم يلبث أن بلغ أرفع مكانة بين أقرانه المحامين.

الأستاذ الكبير "عبد القادر عودة" عَلَم من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة، وداعية من دعاة الإسلام في العصر الحديث، كانت له الكلمة المسموعة، والمكانة المرموقة، لدى (الإخوان) بخاصة، ولدى جماهير الشعب المصري بعامة، وكان له دوره الفاعل، والمؤثر في مجرى الأحداث بمصر، بعد مقتل الإمام "حسن البنا"، في 12/2/1949م، رحمه الله.

وفي عهد اللواء "محمد نجيب" عُين عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام، وتعاليم القرآن...

والأستاذ "عبد القادر عودة" عالم متمكن، أثرى المكتبة الإسلامية بالعديد من الدراسات الهامة في مجال التشريع الإسلامي فقد صدرت له - بالإضافة إلى كتابه القيم (التشريع الجنائي في الإسلام)- كتب أخرى، نذكر منها:
(الإسلام وأوضاعنا القانونية)، و(الإسلام وأوضاعنا السياسية)، و(الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه)، و(المال والحكم في الإسلام)، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات، التي تكررت طباعتها مرات ومرات، وتُرجمت إلى كثير من اللغات، بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات القاضي الشهيد، بإذن الله، "عبد القادر عودة" باعتباره الرائد في هذا الميدان.


ولـ "عبد القادر عودة" موقفه الثابت الراسخ من الشريعة الإسلامية ؛ فهو القاضي الذي أبى إلا أن يطبق قانون السماء، ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ورفض أن يقيد بقوانين الأرض، التي عجزت أن توفر لبني البشر أي مقوم من مقومات الحياة الصحيحة.


كان جريئًا في الحق، ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يفكر في إرضاء الناس. وقف إلى جوار ثورة يوليو، ظنًّا منه أن "عبد الناصر" سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس، وقد أغضب في ذلك الكثير من إخوانه ومحبيه، ولما تكشفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته - طريق الحق والصدق - قال له "عبد الناصر": "إنني سأقضي على كل من يعترض طريقي"، فأجابه: "عبد القادر عودة" في صراحة المؤمنين: "ولكن من يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة والظالمين"، وفي يوم 28 من فبراير 1954م خرجت جموع الأمة تطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين، وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تطالب الرئيس "محمد نجيب" بالإفراج عن المعتقلين، وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبري قصر النيل، وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذ خطورة الموقف، وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا، ولكن بلا مجيب، فاستعان "محمد نجيب" بالشهيد "عبد القادر عودة"؛ لتهدئة الموقف متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.

ومن شُرفة عابدين وقف الشهيد "عودة" يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء؛ لأن الرئيس "نجيب" وعد بإجابة مطالبها، فإذا بهذا الحشد الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة، وبمنطق البطش الذي كان يهيمن على البلد حينذاك، كان لا بد أن يصدر قرار في حق "عبد القادر عودة"، فإذا كان الرجل قد استطاع أن يصرف الجموع الحاشدة التي جاءت محتجةً، تطالب بإطلاق الحريات، وإفساح المجال للحياة الدستورية السلمية الأصيلة، والوفاء بالوعود وتأدية الأمانات، فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبَّى نداؤه، وعلى الأزرار فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا.

ومن هنا، كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد "عبد القادر عودة" بعد ذلك بالإعدام، ولذلك لم يكن غريبًا أن اعتُقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه، ووقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة فجرًا حتى السابعة صباحًا، ويضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.

وقُدِّم "عبد القادر عودة" في تهمة لا صلة له بها ولا علم، وحكموا على الشهيد بالإعدام، ظنًّا منهم أن قتل "عبد القادر عودة" سيمضي كحدث هيَّن لا يهتم به أحد، ولكن حاكم ذلك العهد "عبد الناصر"، لما رفعت له التقارير من جواسيسه عن أثر ذلك الإعدام في نفوس الناس، قال في حديث نشرته الصحف في وقته: "عجبت لأمر هذا الشعب، لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين"، ولكن ثورة العواطف عند الشعب لم تكن من أجل المجرمين، فما كان في الموقف واحد منهم، ولكن الشعب ثار كراهيةً منه للظلم، ووفاءً منه للأبرياء".


لقد وقف "عبد القادر عودة" أمام المحكمة الهزلية متحديًا وقال: أنا متهم بتُهَم - لو صحَّت - لكنت أنا الجاني، وأنتم المجني عليكم، ولم أعرف حقًّا للمجني عليه في محاكمة الذي جنى عليه، إنني لا أجد في الدنيا قانونًا يبيح مثل هذه المحاكمة؛ فكيف يُعقل أن يكون القاضي هو الخصم وهو الحكم؟!


• الحكم بالإعدام على "عبد القادر عودة":

قُدِّم "عبد القادر عودة" إلى المحاكمة في تهمة لا صلة له بها، وهي محاولة اغتيال "جمال عبد الناصر"، أمَّا الأسباب الحقيقة لإعدامه فهي ما تتميز به شخصيته من مكانة رفيعة، وقدرة حركية، وصبرٌ على مواقف الشِدّة والجهاد، وجرأة في الحق نادرة، ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:

ـ كان "عودة" قد تزعم الدعوة إلى التقريب بين الإخوان و"عبد الناصر" في مطلع الخلاف، وظن "عبد الناصر" أن بإمكانه تقريب (وكيل الجماعة) "عبد القادر عودة" إليه، وشطر الجماعة بذلك شطرين، وكان موقف "عودة" الصامد من هذه البادرة الصدمة التي ملأت صدر "عبد الناصر" حقدًا عليه، ورغبةً في البطش به.

وعندما نصح "عبد القادر عودة" "جمال عبد الناصر" عام 1954م بضرورة إلغاء قرار حل جماعة الإخوان؛ مخافةً أن يتهور شاب منهم في حالة غيظ واندفاع، فيقوم بعمل من أعمال الاعتداء بعيدًا عن مشاورة قادة الحركة، أجاب "عبد الناصر": "كم عدد الإخوان؟ مليونان، ثلاثة ملايين... إنني مستغنٍ عن ثلث الأمة، ومستعد للتضحية بسبعة ملايين إذا كان الإخوان سبعة ملايين"، وهنا غلب الذهول الشهيد "عودة"، وقال في ثورة: "سبعة ملايين ثمنًا لحياة فرد... ما أغناك عن هذا يا جمال!".
وكان هذا الموقف من الأسباب التي دفعت إلى المصادقة على حكم الإعدام.
ـ ومن الأسباب كذلك أن الشهيد "عودة" كان قد وقف موقفًا وطنيًّا خالدًا حين عمد الضباط إلى اتخاذ قرار بعزل "محمد نجيب" من رئاسة الجمهورية، فأقدم على استلام الراية، وابتدر قيادة الحركة، ونظَّم عشرات الآلاف من الجماهير في مظاهرة لم يشهدها تاريخ مصر كله؛ وهو ما أرغم الضباط والوزراء على الرضوخ لإرادة الشعب وإعادة اللواء "محمد نجيب" رئيسًا للجمهورية المصرية.
ومن هذا اليوم أيضًا تقرر انتهاز الفرص للحكم على "عبد القادر عودة" بالموت...


ـ ومن الأسباب كذلك، أن "عبد الناصر" أقدم على توقيع معاهدة مع الإنجليز، فطلب مكتب الإرشاد من الفقيه القانوني الشهيد "عبد القادر عودة" أن يتناول الاتفاقية تناولاً قانونيًّا، بعيدًا عن أسلوب التحامل والتشهير، فجاءت الدراسة التي سلمت إلى السلطات المصرية في ذلك الوقت، دراسةً قانونيةً تبرز للعيان ما تجره الاتفاقية على البلاد من استبقاء الاحتلال البريطاني مقنعًا، مع إعطائه صفة الاعتراف الشرعية، فضلاً عما يجره على مصر والبلاد العربية من ويلات الحروب دفاعًا عن مصالح الإنجليز والأمريكان كما وضح في الدراسة، وبذلك ازداد الحكم رغبةً في الانتقام من عبد القادر عودة.
ويوم الخميس الواقع في 9 من ديسمبر عام 1954م، كان موعد تنفيذ حكم الإعدام على "عبد القادر عودة" وإخوانه الخمسة... وتقدم الشهيد "عودة" إلى منصة الإعدام وهو يقول: "ماذا يهمني أين أموت؛ أكان ذلك على فراشي، أو في ساحة القتال.. أسيرًا، أو حرًّا.. إنني ذاهب إلى لقاء الله"، ثم توجَّه إلى الحاضرين وقال لهم: "أشكر الله الذي منحني الشهادة.. إن دمي سينفجر على الثورة، وسيكون لعنةً عليها".
ـ من أقوال عبد القادر عودة:

يقول الأستاذ "عودة" في كتابه (التشريع الجنائي في الإسلام) مقارنًا بالقانون الوضعي ما نصه: "حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، إنما أقارن بين قانون متغير متطور، يسير حثيثًا نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين الشريعة التي نزلت منذ ثلاثة عشر قرنًا ولم تتغير ولم تتبدل فيما مضى، ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه".

نحن - إذن - حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة - على قدمها - أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء وما استُحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة.


• عبد القادر عودة... والشعور بالواجب:

"لقد شعرت بأن علىَّ واجبًا عاجل الأداء نحو الشريعة ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسةً مدنيةً، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها، وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنًا طويلاً، إن القانون من صنع البشر، أمَّا الشريعة فمن عند الله، وكل من الشريعة والقانون، يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر، ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثم كان القانون عرضةً للتغيير والتبديل، أو ما نسميه "التطور"، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة، أو وُجدت حالات لم تكن منتظرةً، فالقانون ناقص دائمًا، ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يُوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يُحيط بما سيكون، وإن استطاع الإلمام بما كان.

أما الشريعة فصانعها هو الله، وتتمثل فيها قدرة الخالق، وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وبما هو كائن، ومن ثم صاغها العليم الخبير، بحيث تحيط بكل شيء وأمر- جل شأنه - ألا تغيير ولا تبديل حيث قال: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ}؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان، وتطور الإنسان".

جمع وترتيب: محمد أبو الهيثم.


المصادر:
ـ التشريع الجنائي في الإسلام – عبد القادر عودة.
ـ موقع إخوان أون لاين.

الأستاذ: عمر التلمساني- المرشد العام الأسبق للإخوان المسلمين
عبد القادر عودة.. القاضي الذي تقرر إعدامه قبل أن يُحاكم

"تمضي الأيام وئيدة الخطأ أو لاهثة.. وتضرب أستار النسيان على البلايين والبلايين من البشر في بطون الحقب والقرون؛ لأنهم عاشوا ولم يوجدوا.

كما تمضي القرون والحقب على أعلام من البشر لا تطوى ذكراهم، ولا تخفى معالم حياتهم ولا تدع للنسيان سبيلاً يزحف منه على جلائل مواقفهم من أجل الحق وفي سبيل الخير، رجال انفردوا بسجايا وخصال وعاشوا على مستوى المثل والقيم، وشقوا في الحياة طريقًا على مبادئ وأصولٍ لقوا الموت في سبيلها أو تحملوا صنوف العذاب من أجلها؟!

أرأيت إلى الرجل من آل فرعون يوم أن التقى القومُ على الفتك بموسى, وتلمس كل طريقة إلى رضا فرعون بالوشاية بموسى وذكره بكل سوء ومفسدة، فيقف فريدًا وحيدًا وسط الكفر والفساد, ومن خلال الظلم والظلام, لا يبالي ولا ينافق؛ بل يقذف بالحق من أعماقه.. ناصعًا كالنور قويًّا كجيوش يحركها الإيمان: "أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" (غافر: من الآية 28)، ويمضي إلى موسى محذرًا ناصحًا: "إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ" (القصص: من الآية 20)

ترى كم من الآلاف أو مئات الآلاف ممن انحنوا لفرعون وسجدوا له وتقربوا إليه وساروا في ركابه، وأعلنوا إيمانهم به إلهًا من دون الرحمن، والتمسوا الرزق والخير والقصور ومتاع الدنيا في رضاه ظنًا منهم أنه المانح والمانع والمحيي والمميت!! ترى كم من هؤلاء مضى كما مضى فرعون وراحوا في طي النسيان، وإنْ حلت ذكراهم يومًا في الأذهان انهالت عليهم اللعنات ولحق بهم كل خزي وعار!! ويبقى الرجل المؤمن ذكرى على الدرب الطويل تحتل مكانها في التاريخ.. صفحات كلها مجدٌ وفخار، قدوةً ومثلاً، وعطرًا ونورًا؟!.

وعبد القادر عودة، من هذا الصنف من الرجال، الذين ساروا وما زالوا يسيرون على الطريق.. وقف على حبل المشنقة فازداد على الحق إصرارًا, ورأى الموت بعينيه فأسرع إلى لقياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال الذين سبقوه على الطريق: ربى الله!! ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه للناس، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان يُراد للأمةِ أن تحيا خلالها وتعيش في ظلها، فمضى شهيدًا بعد أن سطَّر على صفحات التاريخ سطورًا لا تُبلى ولا تُمحى، وحفر في القلوب والأذهان ذكرى على مرِّ الأيام تنمو وتزدهر!!.

سنون منذ أن قُتل الشهيد عبد القادر عودة وإخوانه الأبرار انقضت، ونقول قُتل لأنه لو صحَّ- وهذا غير صحيح- أنه اشترك في شروع في قتل فما من قانون وضعي ولا سماوي يُعاقب على الشروع في القتل بقتل، ولكنه الظلم والبغي بغير حق!!




الشهيد عبد القادر عودة وبجواره اللواء نجيب خطيبًا

ولي عبد القادر عودة أعمال القضاء فكان المنارة الزاهية بين القضاء, لأنه أبى إلا أن يطبق قانون السماء ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ورفض أن يقيد نفسه بقوانين الأرض التي عجزت عن أن تُوفر لبني البشر أمنًا يفتقدونه وهدوءًا يبحثون عنه وحبًا يتوقون إليه, كان جريئًا في الحق ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يُفكر في إرضاء الناس.
وقف إلى جوار حركة 23 يوليو سنة 1952م ظنًّا منه أن رئيسها سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس, وأغضب في ذلك الكثيرين من إخوانه ومحبيه، ولكنه لما تكشَّفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته- طريق الحق والصدق- قال له رئيس الجمهورية السابق إنه سيقضي على كل مَن يعترض طريقه فأجابه الشهيد في صراحة المؤمنين: "ولكن مَن يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة الظالمين!!".
خرجت جموع الأمة في 28 فبراير سنة 1954م تُطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تُطالب رئيس الجمهورية وقتذاك السيد محمد نجيب بالإفراج عن عن المعتقلين وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبرى قصر النيل وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذٍ خطورةَ الموقف وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا ولكن بلا مجيب، فاستعان محمد نجيب بالشهيد عبد القادر عودة على تهدئة الموقف، متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.
ومن شرفة قصر عابدين وقف الشهيدُ يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء وقد وعد رئيس الجمهورية بإجابة مطالبها، فإذا بهذا البحر الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة, وبمنطق الحكم الديكتاتوري الذي كان يهيمن على البلد حينذاك كان لا بد أن يصدر قرار في عبد القادر عودة فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموعَ الحاشدة- التي جاءت محتجة تُطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة الدستورية السليمة الأصيلة والوفاء بالعهود وتأدية الأمانات- فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبى نداؤه، وعلى "الزرار" فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا، ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد عبد القادر عودة- بعد ذلك- بالإعدام؟!!.
لذلك لم يكن غريبًا أن اعتُقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه, وقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة صباحًا حتى السابعة صباحًا يضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.. شأنهم شأن الذين إذا خلا الميدان أمامهم طلبوا الطعان لوحدهم والنزالا!!
وقدم عبد القادر عودة في تهمة لا صلةَ له بها ولا علم، حكموا على الشهيد بالإعدام ظنًّا منهم أنَّ قتْل عبد القادر عودة سيمضي كحدثٍ هين لا يهتم به أحد, ولكن حاكم هذا العهد لما رُفعت إليه تقارير جواسيسه بأثر ذلك الاغتيال قال في حديثٍ نشرته الصحف ما معناه : "عجبتُ لأمر هذا الشعب لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عُوقِب المجرم ثار عطفه على المجرمين".. ولكن ثورة العواطف عند الشعب لم تكن من أجل المجرمين، فما كان في الموقف واحد منهم, ولكن الشعب ثار عاطفيًّا كرهًا منه للظلم ووفاءً منه للأبرياء، وسيق الشهيد إلى غرفة الإعدام فكان الرجل الذي لا يبالي ولا يهلع.. كان عبد القادر عودة الشهيد الذي جاد بالروح, في سبيل المبدأ واليقين!! رحمك الله يا عبد القادر وأسكنك الفردوس الأعلى وتلقاك بالروح والرياحين".
(إخوان أون لاين) يحاور الدكتور خالد عبد القادر عودة عالم الجيولوجيا نجل عبد القادر عودة: هكذا عاش أبي..!!
- قال الشهيد عند إعدامه ظلمًا: "إنه أمر الله وليس أمر عبد الناصر"
- كان يقابل المحن بالهرولة دومًا إلى الصلاة
- حاول عبد الناصر التنصل من مسئوليته عن الإعدام فكشف الله كذبه!!
- أتمَّ "عودة" كتابه الشهير (التشريع الجنائي) ليلة إعدامه!!
- زوجته تصف حياتَها معه بأنها كانت في الجنة
- خصَّص السادات معاشا ًللأسرة كنوعٍ من الاعتذار
- أوصانا الشهيد بعدم التخلي عن دعوة الله التي اصطفاه لها




الشهيد عبد القادر عودة


يظل القاضي الشهيد عبد القادر عودة- يرحمه الله- مَعلَمًا من معالم دعوة الإخوان المسلمين على مرِّ العصور، ورمزًا لمن جاد بنفسه من أجل كلمه الحق ودعوة الله تعالى؛ إذ ثبت عليها إلى أن لقي ربَّه وفيًّا لدعوته، مستمسكًا بمبادئه، وصَمَد في وجه الظلم والظالمين فاستحق أن يلقى ربَّه وهو شهيد إن شاء الله تعالى، ولا نزكيه على الله أحدًا أبدًا.
من هنا التقى موقع (إخوان ون لاين) بنجل الشهيد الدكتور خالد عبد القادر عودة، الذي يُعد أحد أبرع علماء الجيولوجيا في الوطن العربي، في محاولة لنتعرف إلى الشهيد عن قُرب، ولتسليط الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ الدعوة، خلال النصف الأول من القرن الماضي.
* بدايةً: هل حاول عبد الناصر استقطاب الشهيد عبد القادر عودة بعيدًا عن صفوف الإخوان؟!
** لقد تمَّ تنفيذ حكم الإعدام في والدي- يرحمه الله- يوم 7/12/1954م بسجن مصر بباب الخلق، وكان صدور حكم الإعدام مفاجأةً كبيرةً لنا؛ لأن الشهيد كان يلتقي قبل حادث المنشية كثيرًا بعبد الناصر في جلساتٍ للتفاوض فيما يخص علاقة الإخوان بالثورة، وعودة الجيش للثكنات، وعودة الحياة المدنية للبلاد، ومحاولات رأب الصدع بين جماعه الإخوان وعبد الناصر، وأفرزت هذه اللقاءات رفض الشهيد عبد القادر كل ما عرضه عليه عبد الناصر من إغراءات من أجل استقطابه، وكانت آخر دعوة لحضور مجلس الوزراء في شهر أغسطس- أي قبل الاستشهاد بنحو أربعه أشهر- عندما أرسل عبد الناصر ياور من الجيش إلى الشهيد بحجة استكمال المباحثات وحلِّ المشكلات بين الإخوان وعبد الناصر، وكان الشيخ محمد الراوي- أطال الله في عمره- في زيارة لوالدي الشهيد، فقال الياور لوالدي: "سيادة الرئيس عاوزك فورًا"، ردَّ عليه الشهيد: "أعلم ما عندك.. وما عند الله خير وأبقى"، ورفض الذهاب معه لمقابلة عبد الناصر، وتكشف هذه المقولة عن أن عبد الناصر حاول جاهدًا استقطاب الشهيد لحل المشكلات في هذه الفترة كما كان يزعم!!


تحديد الإقامة!!
* كيف تمَّ القبض على القاضي الشهيد؟
** تمَّ القبض على الشهيد عقب حادث المنشية مباشرةً، لكن تمَّ تحديد إقامته قبلها بنحو شهر بمنزله في شارع أورستا بالدقي، وكان البيت عبارة عن فيلا مكونة من ثلاثة طوابق، فحاصرت الشرطة البيت؛ مما يدل على أنَّ هذه الحادثة مدبرةٌ ومعدٌّ لها مسبقًا، وبعد المحاصرة تقدَّم كبير الشرطة وأخبر الشهيد بأنه محبوس في داره وغير مسموح له بالخروج أو استقبال أحد عنده أو الاتصال بأحد، وتقبَّل والدي الأمر بصدر رحب، وقال: هذه فرصة جيدة لاستكمال الكتاب- يقصد كتاب "التشريع الجنائي الإسلامي"- وقد أتمه في السجن بعد ذلك، وتسلَّمنا الورق من داخل السجن مكتوبًا بالقلم الرصاص، والعجيب أنه أتمه قبل إعدامه بليلة واحدة فقط!!


بعد الاستشهاد
* عقب استشهاد القاضي عبد القادر عودة تعرضت الأسرة لظروف قاسية.. فما ذكرياتكم عن هذه الفترة؟
** عندما تفقد الأسرة عائلها تصبح حياتها لله.. إنه نعم المولى ونعم النصير.. فقد مَنَّ علينا أننا كنا في بحبوحة من العيش والرغد برغم استشهاد والدي، فقد كان- عليه رحمة الله- يمتلك مساحةً كبيرةً من الأراضي الزراعية تُقدر بنحو 12 فدانًا تُدرُّ علينا دخلاً، وكان له معاش من وزارة العدل، ومعاش من نقابة المحامين، ومنحةٌ من "منظمة المؤتمر الإسلامي" استمرت لمدة عامين، خصصها لنا أنور السادات بعد تعيينه في هذه المنظمة، كأنه يحاول تقديم نوعٍ من الاعتذار، أو إبداء تعاطفه مع أسرة مَنْ قامت الثورة بإعدامه لرفضه التخلي عن دعوته!! ولم يتعرض أحد منا لاعتقال، لكننا مُنعنا من السفر إلى الخارج، وتَمَّ إدراج كل أفراد العائلة ضمن الممنوعين من السفر للخارج.. لدرجة أن أخي الأكبر فيصل- عليه رحمة الله- حاول السفر إلى الخارج فتوسط له السادات عند عبد الناصر، وكان السادات متعاطِفًا مع أخي فيصل لظروفه الصحية.
وحدث أيضًا أنني مُنعت من السفر للحصول على الدكتوراه عام 1969م، واضطررت لمقابلة أنور السادات، ووعدني ببحث الموضوع مع عبد الناصر، والمؤسف أني قابلت أغلب المسئولين للتوسط من أجل سفري- ومنهم حسين الشافعي- ولم تتم الموافقة على سفري إلا بعد تعبٍ مضنٍ وجَهدٍ جهيدٍ بناءً على وساطة السادات وحاتم صادق (زوج ابنة عبد الناصر)، وبعد الموافقة على سفري صدرَ أمرٌ من مكتب المشير محمد فوزي- وزير الحربية في ذلك الوقت- بالقبض عليَّ وترحيلي لأقرب منطقة تجنيد؛ بتهمة التهرب من التجنيد، علمًا بأنني كنت عضوَ بعثة داخلية ومعافًى من التجنيد لسن 28 أو الحصول على الدكتوراه.. أيهما أقرب!!
ومن المضايقات الأخرى التي تعرضَت لها الأسرة على يد عبد الناصر اعتقال زوج أختي الأستاذ" حسن حمد" المحامي- عليه رحمة الله- وهو من الإخوان، وذلك خلال الفترة من عام 1965 إلى عام 1971م.


عقدة ذنب
* هل كان عبد الناصر يشعر بالذنب نتيجة إعدام القاضي عبد القادر عودة؟
** نعم، فقد كان يحاول بين الحين والآخر إرسال رسائل غير مباشرة بأنه غير المسئول عن إعدام والدي الشهيد، وأن السبب في ذلك هو جمال سالم، وأنه في هذه الفترة كان غير مسيطر على الجيش، وأنه خشي قيام حرب داخلية بين الجيش والشعب، فإنني أذكر يوم زفاف أختي على المرحوم "حسن حمد" أن يوار من الجيش من طرف عبد الناصر أصرَّ على الانفراد بنا نحن أبناء الشهيد- وكان ذلك عام 1963م- وتحدث معنا كثيرًا عن عظمة الرئيس وتفانيه في خدمه الشعب، وعلق على إعدام أبي بقوله" إنه أمر خارج عن إرادة الرئيس، وإننا ما زلنا صغارًا على معرفة الحقيقة"، وتكشَّف لنا كذبُ مثل هذه الادعاءات عام 1965م عندما تم إعدام "سيد قطب" ورفاقه دون وجود جمال سالم (شماعة عبد الناصر لتبرير أخطائه)، ودون صدام بين الجيش والشعب، بل كان الإعدام بأمر مباشر من عبد الناصر، بل وإصرار شديد بالرغم من وساطة جميع رؤساء وملوك العالم الإسلامي في ذلك الوقت.


الزيارة الأخيرة
* قمتم بزيارة الشهيد قبل إعدامه بـ24 ساعة- حسب اللوائح في السجون المصرية- فماذا حدث في هذه الزيارة؟!
** يوم 5/12/1954م ذهبنا كلنا نحن الثمانية- أبناء الشهيد- مع الوالدة- عليها رحمة الله- التي كانت تحمل أخي الرضيع (زياد)، وذهب معنا أخوالي الاثنين إلى مجلس قياده الثورة لمقابلة عبد الناصر، فرفضوا دخولنا القصر وتقديم الالتماس لوقف تنفيذ حكم الإعدام في حق الشهيد، وكان يومًا لا يُنسى.. شاركتنا السماء فيه بالغضب؛ حيث كان ينزل المطر بشدة، وتخلو الشوارع من المارَّة، ولك أن تتخيل أسرة سيُعدم عائلها، لا لشيء سوى أنه يرفض أن يتخلى عن دعوته التي اصطفاه الله بها ليبلغها للناس، فكان منظرًا فريدًا.. أمٌ تحمل طفلاً رضيعًا يبلغ من العمر ثمانية شهور، يتعلق بها أحمد (عامين) ويمشي خلفها فاروق (سبع سنوات)، وكنت في العاشرة من عمري في ذلك اليوم العصيب، وتسير بجواري أختي نجوى (11)، وتُمسك بيد أختها الصغرى ناهد (تسع سنوات) ومعنا إخوتي فيصل ومحمد في الثقافة (الثانوية العامة)، والمفارقة الغريبة أن خالي- نقيب شرطة في ذلك الوقت- عندما حاول الدخول لمقابلة عبد الناصر هدده العسكري بوضعه في السجن في حالة عدم الانصراف!!
وبسبب الإصرار على مقابلة عبد الناصر خرج علينا مندوب من طرفه، وأخذ منا الالتماس، ودخل به إلى عبد الناصر، ثم خرج ومكتوب على الطلب "مرفوض المقابلة"!! وجاءت الشرطة بالليل إلى البيت وأخبرتنا بأن مقابلة الشهيد ستتم صباح الغد يوم 6/12/1954 بسجن مصر، فذهبنا إلى هناك، وتم اقتيادنا إلى زنزانة ضيقة، طولها متران تقريبًا وعرضها لا يزيد عن المتر الواحد، وكان في الطرف الآخر من الزنزانة أسياخ من الحديد، ثم حاجز من السلك، ثم أسياخ حديدية أخرى يقف خلفها والدي الشهيد في ملابس السجن، وكنا في هذه الغرفة نحو 13 شخصًا، وبيننا مخبر، وكان أول شيء تحدث به هو الوصية الخاصة به، وكان أهم ما أوصى به هو عدم مطالبة ورثة الإمام الشهيد حسن البنا بأي مبالغ مالية نظير دفاعه عن الورثة أمام المحكمة التي حاكَمَت قتلةَ الشهيد، ثم قال: "أوعي تفتكري أن عبد الناصر هو اللي حايعدمني بكره، ولكن الله أرادَ أن أموتَ غدًا هنا في السجن الساعة السابعة، واعلمي أني كنت حأموت في نفس التوقيت ولو على فراشي؛ لأنه أمر الله وليس أمر عبد الناصر"..!! وكان يتوجَّه بهذا الكلام إلى المرحومة والداتي، والمنظر الذي لا يمكن أن ينمحيَ من الذاكرة أن العساكر والضباط- الموجودين معنا وحولنا- يبكون بتأثر شديد، ونحن كنا منهمرين في البكاء.. الوحيد الذي كان لا يبكي هو الشهيد- عليه رضوان الله- وخصني بوصية خاصة دون إخوتي، قائلاً: "يا خالد.. صلِّ وصُم، ومُت على مبدئي".
وأُغمي على أخي الأكبر فيصل؛ لأنه كان أكثرَنا تعلقًا بوالده، وتم نقله إلى طبيب السجن، وأصر الشهيد على مقابلته على انفراد فحمله اثنان من عساكر السجن إليه وهو في شبه غيبوبة، وقرر الأطباء أنه أصيب منذ ذلك الحين بحالة "فصام في الشخصية"، وبعد تنفيذ حكم الإعدام تسلم أخي فيصل وعمي عبد القادر عودة وأخوالي أبو بكر (وكيل النائب العام) ومغازي (نقيب شرطة) الجثة، وتم دفنه بمقابر باب الوزير دون إقامة سرادقات للعزاء.


عبد القادر الأب
* جميعنا نعرف القاضي الشهيد كرمز من رموز حركة الإخوان.. لكننا نريد أن نعرفه كأب.. وكيف كان يعيش بين أسرته..!!
** كان والدي- عليه رحمة الله- يقسم يومه إلى قسمين: في الصباح في عمله الحكومي، وبعد الغذاء بالمركز العام أو في مكتبه بميدان الأوبرا (إبراهيم باشا)؛ حيث كان يستقبل إخوانَه، وكان يتميَّز بالصمود والصبر، وقد سأل فيصل أخي عشماوي (من قام بتنفيذ الإعدام) فأقسم له عشماوي أنه لم يَشدَّ ذراع الطبلية على الشهيد إلا بعد أن قال له الشهيد: "توكل على الله".
وأذكر أنني سألت والدتي- وأنا طفل- عن سرِّ قوة وصلابة أبي فقالت لي: "أصل أبوك كان واكل قلب أسد وهو صغير".. فتمنَّيت من يومها أن آكل قلب أسد!! وأذكر أن الشهيد كان دائمًا يهتم بغرس حب الصلاة فينا بالوسائل المرغبة كآفة: مثل إعطاء المكافآت لمن يصلي معه- خاصةً في جماعة- وهكذا كان أسلوب الشهيد في التربية قائمًا على الترغيب والترهيب، وكان يجلس مع كل واحد منا على انفراد، يتحدث مع كل منا على قدر سنِّه ومستوى إدراكه.
ومن الأشياء التي كان يحرص عليها تربية أبناء المرحوم عبد المجيد عودة (الأخ الشقيق الوحيد للشهيد)، وأيضًا قام بتربية أخوالي عقب وفاة والدهم، وكان من البارِّين بجدتي لأمي، ومن الأشياء التي كان يحرص عليها حرصًا شديدًا غرفة مكتبته؛ لأن حياته كانت كلها في التشريع، فورثنا مكتبةً ضخمةً، وأذكر أن آخر بيت أقمنا فيه في أورستا كانت المكتبة تشغل الدور الثاني كله.
وكان الشهيد- عليه رحمة الله- يطبق حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "خيركم خيركم لأهله"، فقد كان بارًّا بوالدتي، وغالبًا ما كنا نسمع منها "أنا كنت عايشة مع أبيكم في الجنة.. كل ما أطلب منه عربية يقول لنا عربية في الجنة، أطلب منه شراء بيت يقول لنا بيت في الجنة"..!!
ومن المواقف التي ترويها والدتي عن الشهيد قولها إنه كان يحتسب كل شيء عند الله، وإنه عندما فتح مكتب (الإرشاد) للمحاماة، ترافع في قضية تصادم قطارين عن السائق الذي كان متهمًا بالخطأ (وقبِل الشهيد هذه القضية لأنه أحسَّ أن السائق مظلوم)، وتمكن من الحصول على براءة لهذا السائق، فأرسل السائق مبلغ مائة جنيه- كان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت- وكانت أيام أعياد ولم يكن في البيت أي مبالغ نقدية، ولكن الشهيد أصرَّ على رفض هذا المبلغ، قائلاً: "إن هذا السائق فقير وإني أعلم أنه استدان هذا المبلغ، وقبلت الدفاع عنه لأنه فقير مظلوم، والله سيعطيني".
وكانت من أبرز صفاته- عليه رحمة الله- الحلم وسعة الصدر، وتحمُّل أخطاء الآخرين، وقد قال لي الأستاذ عمر التلمساني- رحمه الله-: "إنه كان مع الشهيد في محطة طنطا، وكان الشهيد يرتدي بدلةً بيضاءَ لامعةً، ويقف في شباك التذاكر لحجز مكانين إلى القاهرة، وفجأة جاء ولد يحمل صينية شاي ليضعها أمام موظف التذاكر وانسكب الشاي على بدلة الشهيد.. فما كان منه إلا أنه أخرج منديلاً وأخذ يمسح به، وقال وهو يبتسم في وجه الولد: "خير إن شاء الله".
وكان يقابل المحن بالهرولة إلى الصلاة، وأذكر أنه عقب إطلاق النيران في تمثيلية المنشية تم إلقاء القبض على والدي في الساعة الثالثة صباحًا؛ حيث اقتحم الفيلا 24 ضابطًا (كنا صغارًا ولا نعرف حاجة، وقعدنا نعد في الضباط الداخلين)..!! وكنا قاعدين على سلم الدور الثاني؛ لأن الشهيد أمرنا بذلك عقب سماعه لصوت الرصاصات بالراديو وعلَّق مباشرة: "عملوها لكي يقبضوا على الإخوان".. وعندما دخل الضباط الفيلا صعد الشهيد إلى غرفة نومه للصلاة وهم في انتظاره، والغريب أن كبيرهم كان يقول لزميله على مقربة منا على السلم: "نقوله إيه؟".



اختلاف المشارب
* قدمت عائلة عودة العديد من أبنائها المؤثرين في المجتمع المصري، فنجد من أبنائها من كان وكيلاً لجماعة الإخوان، ومن كان نقيبًا للممثلين ومن كان يتبنَّى الفكر اليساري.. فما السر في اختلاف المشارب بين أبناء هذه العائلة؟!
** أصل عائلة عودة من الجزيرة العربية، ثم هاجرت إلى منطقة الشام، واستقرت في فلسطين وشرق الأردن وسيناء.. لذلك تفرقت العائلة في أكثر من دولة، واستقرَّ الفرع الذي ننحدر منه في المنصورة، وهو فرع أحمد علي عودة أبو الشهيد الذي تزوَّج أربع مرات وأنجب من كل زوجاته، ولم يكن للشهيد أشقاء من أبيه سوى المرحوم عبد المجيد عودة الذي توفي عام 1948م، وكل من يحمل اسم عودة غير شقيق للشهيد، ولعل هذا هو السبب الرئيس في اختلاف المشارب، فتجد مثلاً المرحوم عبد الغفار عودة- نقيب الممثلين الأسبق- ذا طابع إسلامي، كان يصر على تطهير نقابة الممثلين والارتقاء بالفن الجاد الهادف؛ ومن أجل ذلك كان مضطَّهدًا من السلطة، ووضح ذلك في تكالبهم من أجل عدم فوزه كنقيب للممثلين للمرة الثالثة، وأثناء فترة رئاسته أصر على ضم جميع خريجي التعليم العالي من الممثلين كنوع من تطوير النقابة، والدليل على متانة خلق هذا الرجل أنه عندما مات لم يترك سوى معاش النقابة وشقة بالإيجار تقيم بها زوجته!!
أما بالنسبة للدكتور عبد الملك عودة فإنه مفكر سياسي معروف، له كتبه وعلومه المعترَف بها، والآن هو من النادرين في الشئون السياسية الإفريقية، لكنه كان يتخذ الاتجاه اليساري منذ أن كان طالبًا بالجامعة.


انتخابات سنة 2000م
* خضتم انتخابات عام 2000م المؤهلة لمجلس الشعب- كممثل للتيار الإسلامي بدائرة مدينة أسيوط كمرشح مستقل- فما تقويمكم لهذه الانتخابات؟!
** من النتائج المهمة لهذه الانتخابات:
1- الإخوان المسلمون هو التجمع الشعبي الوحيد الذي يلقى القبول، والدليل على ذلك خروج بعض الأحزاب من الانتخابات صفر اليدين.
2- إن الناس جمعيهم يعلمون أحقية الإخوان في الفوز الساحق بهذه الانتخابات.. لولا التزييف الذي تم وعلمه العالم كله.
3- إن العالم كله رصدَ وعلم تزييف إرادة المواطنين، فمثلاً في أسيوط تم منع دخول أي عضو من جامعتي أسيوط والأزهر إلى لجان الانتخابات، كما تم منع المحجَّبات، ثم تمَّ القبض على جميع وكلائي في اللجان!!


النشاط العلمي
* يُعدُّ الدكتور خالد عبد القادر عودة من أبرز علماء الجيولوجيا في مصر بل في العالم العربي.. فما حقيقة نشاطكم العلمي؟
** أهم نشاط علمي شاركت فيه هو: اكتشاف فترة زمنية مفقودة في معظم دول العالم في قرية الدبابية جنوب الأقصر بحوالي 35 كيلو، قام بها فريق دولي من جميع أنحاء العالم، وكنت ممثل مصر في هذا الفريق ورئيس الفريق المصري المشارك في هذا الاكتشاف، وتمت طباعة البحوث حول الاكتشاف بمعرفة المتحف الأمريكي للعلوم الطبيعية.
وتأتي أهمية هذا الاكتشاف في أنه يفتح باب السياحة العلمية بسبب وجود طبقات تمثل الفترة الانتقالية بين اختفاء الديناصورات من على الأرض وظهور الثدييات، وهو ما يعبَّر عنه علميًّا بالخط الفاصل بين حقب الحياة المتوسطة وحقب الحياة الحديثة، ومن المفارقات العجيبة أنه عقب الاكتشاف تم إرسال خطاب شكر لي على مساعدتي على الاستقرار الأمني في المنطقة وفتح آفاق سياحية جديدة في مصر، وكان ذلك قبل الانتخابات مباشره التي تكاتلت جميع القوى من أجل إسقاط ابن عبد القادر عودة فيها!!


السيرة الذاتية
- الاسم: خالد عبد القادر عودة من مواليد 1944م بالزقازيق.
- المؤهلات العلمية: حصل على الدكتوراة في فلسفة العلوم الجيولوجية عام 1971م.
- حصل على درجة الأستاذية عام 1998م.
- عضو الفريق الدولي المنبثق من الجمعية الدولية لعلم طبقات الأرض.
- أستاذ متفرغ بكلية العلوم بجامعة أسيوط.


الشهيد عبد القادر عودة


حين يأتي اعترافٌ من الخصم- الذي حكم على الإخوان بالإعدام والسجن والتشريد- بأن حكمه على أحدهم كان ظالمًا، ولا يستند لقانون أو تشريع، وإنما ينطلق من حسابات سياسية، هنا لابد للتاريخ والمؤرخين من وقفة؛ فإنَّ لهذا الاعتراف قيمة تاريخية ووثائقية لا تنكر، ولا يُماري فيها أحد من المدافعين عن الظلم والظالمين بالباطل، والوالغين في أعراض الدعاة بالكذب والبهتان.
وينسحب هذا الاعتراف منطقيًا على بقية الدعاة الذين عُلِّقوا على أعواد المشانق أو غُيِّبوا بين جدران السجون، ولم تكن هناك جريمة ارتكبوها يُعاقب عليها قانون أو تشريع، وإنما هي كما قال كبيرهم "أسباب سياسية" كان غرضها استئصال الدعوة والدعاة، ونورد اعترافَ جمال عبد الناصر نفسه ببراءة شهيد الإخوان: عبد القادر عودة الذي أُعدم عام 1954م.
تحدث الزعيم الوطني أحمد حسين في مذكراته التي نشرها بجريدة الشعب المصرية عام 1982م عن الشهيد عبد القادر عودة أحد قادة الإخوان المسلمين، والذي أُعدم ظلمًا وعدوانًا لتصفية حسابات سياسية بين جمال عبد الناصر والإخوان وشخصية بينه وبين شهيدنا المتهم البريء والقتيل المظلوم، كل ذلك باعتراف جمال عبد الناصر نفسه، وها هو نص المذكرات كما كتبها أحمد حسين: "نحن الآن في عام 1954م أفرج عني وتنازلت عن القضية، ولكنني ظللت مجروحًا؛ فلم يحدث في كل تاريخي النضالي أن أهنت واعتدي علي كما اعتدي علي في ظل الثورة.

ووقعت الواقعة: أُطلق الرصاص في ميدان المنشية على جمال عبد الناصر، وكان الضارب يُدعى محمود عبد اللطيف من الإخوان المسلمين، وعلى الرغم من أن عبد الناصر نجا فقد ظنَّ أنه أصيب في مقتل، وراح يثرثر بكلام فارغ يكشف عما في عقله الباطن، فراح يُخاطب الشعب بقوله: غرستُ فيكم العزة والكرامة.
واستغل هذا الحادث للبطش بالإخوان المسلمين، وتألفت محكمة خاصة لمحاكمتهم، وقضت على زعمائهم بعقوبات قاسية، وعلى الرغم من أن واحدًا منهم وهو عبد القادر عودة كان مسجونًا قبل وقوع الحادث فلم ينجُ من عقوبة الإعدام!.
وفزعتُ من هول المحاكمة، ومن فظاعة أحكامها، وأدركتُ أننا أصبحنا نعيش في ظل عهد جديد؛ حيث لا قانون ولا حدود، وإنما إرادة الحاكم ومطلق مشيئته، فقررتُ أن أهاجر من مصر، وإذا كان الوقت هو موسم العمرة، فقد قررت أن أسافر إلى السعودية؛ طلبًا للعمرة، ومن السعودية أختار البلد الذي أتوجه إليه، وإمعانًا في التمويه والتعمية طلبت مقابلة عبد الناصر لأستأذنه في السفر، وبالرغم من أنني كنت مقررًا أن لا أتحدث في غير التحيات والسلامات والمجاملات العادية، فقد كان هو الذي دفعني للكلام، حيث لم أتمالك نفسي عن نقده.
سألني: وما رأيك فى الإخوان المسلمين؟
قلتُ: إنك تعرف رأيي- أقصد الموقف الأخير- ووجدتني أندفع بلا وعي أندد بإعدام عبد القادر عودة.. لقد كان باستطاعتك أن توفر 50% من النقد الذي وجه إليك لو وفرت حياة إنسان واحد.
وأسرع يقول: تقصد عبد القادر عودة؟
قلتُ: نعم. فإن عبد القادر عودة بريء من الحادث الذي وقع عليك، كما أنه بريء من أعمال العنف.
ومضيتُ أترافع في حماسة: هناك ثلاثة أدلة يكفي كل واحد منها لتبرئة عبد القادر عودة، وقد ثبتت كلها أمام المحكمة:
الأول: أنه كان سجينًا قبل وقوع الحادث بعدة أسابيع.
الثاني: أنه اقترح من بعض الأعضاء القيام بمظاهرة مسلحة، فأنكر عبد القادر عودة هذا الاقتراح بشدة.
الثالث: أن البعض اقترح القيام بمظاهرة سلمية فرفض عودة القيام بأية مظاهرة.
وأصغى جمال عبد الناصر لمرافعتي ثم قال: "والله يا أحمد نحن لم ننظر للأمر من الناحية القانونية؛ بل نظرنا إليه من الناحية السياسية".
غادرتُ مصر إلى السعودية وأنا لا أكاد أصدق أنني هربت من الجحيم الذي أصبح الأبرياء فيه يعدمون لأسباب سياسية.
جريدة الشعب سنة 4 عدد 143 - 7/9/1982م
منقول من منتديات الدكتور طارق السويدان