المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة التورق



أبو عبدالعزيز
11-06-02 ||, 05:10 PM
تتألف هذه الدراسة من ثلاث مباحث:المبحث الأولحقيقة التورّق( أ ) التورّق لغةً:1- يقال في اللغة: أورق الرّجل؛ أي صار ذا ورق، واستورق: أي طلب الورق، فهو مستّورق. والورق: الدراهم المضروبة (أي المسكوكة) من الفضّة. وقيل: الفضة مضروبةٌ أو غير مضروبة.وجاء في "معجم مقاييس اللغة": "الورق: المال. من قياس ورق الشّجر، لأنّ الشجرة إذا تحاتّ ورقها انجردت كالرجل الفقير".وقال الفيروزآبادي: أورق؛ أي كثر ماله ودراهمه. ويقال: التجارة مورقةٌ للمال- أي مكثّرةٌ.وكلمة "التورق" على هذا القياس، وهي تعني: سعي المرء بكلفةٍ ومشقّة في الحصول على النّقد. وذلك لأنّ صيغة "تفعّل" تدلّ على دخول المرء في الشيء بعناءٍ وكلفةٍ، وأنه ليس من أهله، كتحلّم، وتشجّع، وتشجّع، وتشدّق، وتكلّف، وتصبّر، وتجلّد.. إلخ. وعلى ذلك فإنه لا يقال لغةً للتاجر الذي يبيع سلعة بالنقد، ولا للمرء الذي يبيع شيئاً من أعيان ماله نقداً لوفاء دينه أو للتوسّع أو غير ذلك "متورّق" لانتفاء ذلك المعنى في بيعها.(ب) التورّق في الاصطلاح الفقهي2- مصطلح "التورّق" مستعملٌ على ألسنة فقهاء الحنابلة دون غيرهم من أهل العلم، ومرادهم به: "أن يشتري المرء سلعةً نسيئةً، ثم يبيعها نقداً لغير البائع بأقل ممّا اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد".قال ابن تيمية: "وإن كان المشتري يأخذ السلعة فيبيعها في موضع آخر، فيشتريها بمائة ويبيعها بتسعين لأجل الحاجة إلى الدراهم، فهي مسألة التورّق".3- وقد أشاروا إلى أنّ المعنى الاصطلاحي للكلمة مستمدّ من المعنى اللغوي، نظراً لاستقامتها من "الورق" الذي يعني في أصل الوضع الدراهم الفضية، فقالوا: "لأنّ مشتري السلعة يبيع بها"، و"لأنّ غرضه الورق لا السلعة"، و"لأنّ المقصود منها الورق". ثم توسّع في مفهومها حتى شملت تحصيل مطلق النقود بواسطة هذه العملية. وعلى ذلك نصت (م 234) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد: "التورّق: وهو أن يشتري الشيء نسيئة بأكثر من قيمته ليبيعه ويتوسع بثمنه" دون تقييد بالدراهم الفضية.4- ومسألة التورّق هذه معروفةٌ عند الشافعية باسم "الزرنقة" حيث ذكرها الإمام اللغوي والفقيه الشافعي الثبت أبو منصور الأزهري في كتابه "الزاهر" فقال: "وأمّا الزّرنقة: فهو أن يشتري الرجل سلعةً بثمنٍ إلى أجل، ثم يبيعها من غير بائعها بالنقد". ثم قال: "وهي العينة الجائزة".أما بقية الفقهاء، فقد عرفوا هذه المسألة، وأشاروا لحكمها الشرعي في معرض كلامهم عن العينة أو بيوع الآجال، ولكن دون إطلاق أية تسميةٍ خاصةٍ عليها.5- ومن جهة أخرى، فنظراً لوجود نوعٍ شبهٍ بين التورّق والعينة خلط بعض أهل العلم بينهما في المفهوم أو اعتبروا التورّق (أو الزرنقة) نوعاً من العينة، وربما كان منشأ ذلك استواءهما في الحكم الشرعي في نظرهم. ومن ذلك قول ابن الأثير: "الزّرنقة، وهي العينة: وذلك بأن يشتري الشيء بأكثر من ثمنه الأجل، ثم يبيعه منه أو من غيره بأقل مما اشتراه. كأنه معرّب زرنه، أي ليس الذهب معي"، وقول ابن القيم: "فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه (أي إلى البائع)، بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينةً؟ قيل: هذه مسألة التورّق، لأنّ المقصود منها الورق. وقد نصّ أحمد- في رواية أبي داود- على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها"، وقول الفيومي: "فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس، فهي عينةٌ أيضاً".ملخص البحث1- التورق مصطلح فقهي جرى استعماله على ألسنة فقهاء الحنابلة دون غيرهم من أهل العلم، ومرادهم به "أن يشتري المرء سلعةً بالنسيئة، ثم يبيعها لغير بائعها نقداً بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد"، وهذا المفهوم الاصطلاحي مستمدٌ من المعنى اللغوي للكلمة، وهو: سعي المرء بكلفة ومشقةٍ للحصول على النقد. (نظراً لاشتقاقها من "الورق" الذي يعني في أصل الوضع الدراهم الفضية، التي هي مقصود المتورّق وغرضه، ثم توسّع في مدلول الكلمة حتى شملت تحصيل مطلق النقود على ذلك النحو).ويستعمل الشافعية مصطلح "الزرنقة" بدل التورق، أما بقية الفقهاء فقد عرفوا مفهوم التورق، وتكلموا عنه في معرض كلامهم عن "العينة" أو "بيوع الآجال"، ولكن من غير إطلاق تسمية خاصة عليه.2- وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة في المذهب إلى جواز التورق، وخالفهم في ذلك ابن تيمية، وذهب إلى كراهته، وهي رواية عن أحمد، وحكي عنه أنه اختار حرمته، وهي رواية ثالثة عن أحمد. وقد ارتضى ابن القيم مذهب شيخه ابن تيمية بحظر هذه المعاملة.3- وظهر لنا بعد النظر والتأمل في أدلة الفريقين ومناقشتها بإنصاف وتجرد أن حجج جمهور الفقهاء المجيزين للتورق صحيحةٌ قويةٌ، سالمةٌ من لا يراد عليها، بخلاف أدلة المانعين، فإنها ضعيفةٌ واهيةٌ لا تصمد أمام النقد العلمي النزيه، البعيد عن التقليد والتعصب، ولا يصحّ الركون إليها أو الاعتماد عليها.4- أما عن التطبيقات المعاصرة للتورق، فقد بينّا توجه كثير من المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة إلى التعامل ب"التورق المصرفي المنظّم" كبديل شرعي للقرض الربوي، الذي تقدمه البنوك التقليدية من جهة، وكبديل عملي منسق مبرمج للتورق الفردي، الذي يكلف المتورق عادةً خسائر مالية فادحة، وكثيراً من المشقة والعناء من جهة أخرى، وأنه يقوم على قاعدة التورق الشرعي وآليته، غير أنه يجري وفق منظومة تعاقدية مستحدثة أفضل، تكفل حصول العميل على السيولة النقدية المطلوبة في الوقت المرغوب، من غير تعرض للصعوبات والخسائر البالغة التي تكتنف عملية التورق الفردي عادةً، وذلك عن طريق شراء المصرف للعميل سلعة أو أكثر من سوق السلع الدولية (التي تتسم أسعارها بالثبات النسبي، لتقيه مخاطر التقلبات الحادة في أسعار غيرها) ثم بيعها نقداً لطرف ثالث بالنيابة عن العميل بعد ثبوت ملكيتها له، بغية توفير النقد المطلوب له.5- وقد تبين لنا بعد المناقشة المستفيضة للتورق المصرفي المنظم أنّ حكمه الشرعي- إذا وقعت سائر عقوده ووعوده على الوجه الشرعي- هو الجواز والمشروعية، بشرط أن تباع السلعة أو السلع التي يشتريها العميل لشخص ثالث، لا علاقة للمصرف به، وأن لا تؤول المعاملة بأي وجه من الوجوه إلى رجوع السلعة إلى بائعها بثمن معجل أقلّ مما باعها به نسيئة.منقول من مجلة البحوث الإسلامية المعاصرة

أسامه يحيى هاشم
11-09-08 ||, 10:26 PM
أشكرك أخي عبد العزيز على هذه المشاركة وبحث موفق.
غير أني أحيلك إلى القرار الأخير للمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بشأن التورق المنظم ..