المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "خيار التصرية" بين مذهب الجمهور، وبين مذهب الحنفية



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-06-13 ||, 12:56 AM
"خيار التصرية"
بين مذهب الجمهور، وبين مذهب الحنفية




نعم، مذهب الجمهور أصح في اعتبار خيار التصرية خلافاً للحنفية، لكنني اختلف مع فريق من الجمهور؛ فإن "جمهور" الجمهور قد ذهبوا إلى معنى "التعبد" في تعيين "التمر"، وفي تعيين "قدر الصاع"، وأجد أن هذا الخطأ في "المبالغة في التعبد" لا يقل عن خطأ الحنفية في "المبالغة في الرأي"، وأن القول الوسط في المسألة هو قول فريقٍ من الجمهور ذهبوا إلى عدم تعيين الرد بالصاع من التمر، وأن الشارع إنما حده بذلك ضبطاً للباب ومنعاً للنزاع، ويجوز للمجتهدين أن ينظروا في تعيين ما يقدَّر به الرد إذا كان قوت الناس من غير التمر، وفي تعيين قدره أيضاً، فلا تعبد في تعيين التمر، ولا في تعيين قدره بالصاع، والله أعلم.

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
11-06-13 ||, 03:10 AM
بارك الله فيكم
هذا تفصيل المذاهب التي أشرتم إليها :
-مذهب الجمهور مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأبي يوسف وأبي ثور وفقهاء المحدثين أنه يرد صاعا مع المصراة سواء كانت واحدة أم أكثر وسواء كانت بقرة أو ناقة أو شاة فلا يزيد على الصاع الواحد من أغلب قوت أهل ذلك البلد عملا بحديث المصراة وفي بعض رواياته في الصحيح من اشترى غنما مصراة ..الحديث وحمله مالك رحمه الله على أنه إنما قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالتمر لأنه كان غالب قوت أهل المدينة وقال النووي هنا كلاما دقيقا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بالصاع ليكون ذلك حدا يرجع إليه ويزول به التخاصم وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على رفع الخصام والمنع من كل ما هو سبب له وقد يقع بيع المصراة في البوادي والقرى وفي مواضع لا يوجد من يعرف القيمة ويعتمد على قوله فيها وقد يتلف اللبن ويختلفون في كثرته وقلته ..إلخ فجعل لهم ضابطا لا نزاع معه وهو صاع تمر . ونظير هذا الدية فإنها مائة بعير ولا يختلف باختلاف القتيل قطعا للنزاع ومثله الغرة ..إلخ
2-مذهب أبي حنيفة وبعض المالكية أنه يرد المصراة ولا يرد معها شيئا واستدلوا بحديث الخراج بالضمان ولأن الأصل في المتلف أن يرد مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان مقوما لا جنسا آخر وهذا القول في العتبية ومختصر ابن عبد الحكم عن مالك .
وذكروا هنا كلاما متجها في الاكتفاء بصاع ولو تعددت المصراة قالوا غاية ما يفيده التعدد كثرة اللبن وهو غير منظور إليه بدليل اتحاده في لبن الشاة والبقرة والناقة مع قلة لبن الشاة وكثرة لبن الناقة غالبا وتوسط لبن البقرة كذلك .
كما نبهوا هنا على أن محل الخلاف إنما هو في المشترى منها بعقد واحد فإن تعدد العقد تعدد الصاع بتعددها اتفاقا
والله أعلم

صلاح الدين
11-06-14 ||, 12:26 AM
وقد خرج بعض الأصوليين من الحنفية قول أبي حنيفة رحمه الله على قاعدة اعتمدها بعضهم وهي أن رواية غير الفقيه إن خالفت القياس ولم يمكن الجمع فيرد الحديث إن كان الراوي غير فقيه وفي هذه القاعدة عند الحنفية نظر كما قرره البخاري وغيره.

وضاح أحمد الحمادي
11-06-14 ||, 03:40 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الحقيقة كلام الفقهاء أكثر مرونة مما قد يوهمه كلام الشيخين الفاضلين ، فمثلاً مذهب الشافعي أن الواجب صاع من تمر إلا أن يتراضيا على غير التمر من قوت أو غيره ومنه رد اللبن المحلوب، وفي مذهب أحمد أقوال منها تعين التمر فقيمته إن لم يوجد ، ومنها أن الواجب صاع من غالب قوت البلد وقيل يجزئ القمح.
وبخلاف ما ذكره الأخ الفضل سيدي ولد أحمد فالصاع يتعدد عند الشافعية والحنابلة بتعدد المصراة وهو منقول عن نص الشافعي في الأم.
وهذا فيما يظهر أوفق وأرفق من تركه لاجتهاد الفقيه ، لما تقدم من كلام الإمام النووي وهو حسن جداً .
والله أعلم.

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
11-06-17 ||, 07:33 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فمثلاً مذهب الشافعي أن الواجب صاع من تمر إلا أن يتراضيا على غير التمر من قوت أو غيره .
وبخلاف ما ذكره الأخ الفضل سيدي ولد أحمد فالصاع يتعدد عند الشافعية والحنابلة بتعدد المصراة وهو منقول عن نص الشافعي في الأم.

والله أعلم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قولكم بارك الله فيكم "مذهب الشافعي ..إلخ ":يقتضي أنه لا خلاف في ذلك في المذهب الشافعي وفي فتح الباري أن ابن كج أثبت الخلاف في ذلك
قولكم : "فالصاع يتعدد عند الشافعية والحنابلة بتعدد المصراة" في فتح الباري أيضا أن ابن قدامة نقل عنهما عدم تعدده وأن ابن بطال نقله عن أكثر العلماء وأن ابن عبد البر نقله عمن استعمل الحديث.
والله أعلم

وضاح أحمد الحمادي
11-06-18 ||, 01:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لكن كلامي على المعتمد في المذهب، لذا حيث لم يكن المعتمد في مذهب أحمد كذلك اضررت إلى نقل الخلاف.
وجزاك الله خيرا

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله خيرا

أنا فهمت أن كلامك عن المعتمد في المذهب الشافعي بارك الله فيك
ولكن عبارتك هذه "وبخلاف ما ذكره الأخ الفضل سيدي ولد أحمد فالصاع يتعدد عند الشافعية والحنابلة بتعدد المصراة" توهم أن القول بعدم التعدد غير منقول في المسألة وهذا الإيهام هو ما أردت إزاحته بالنقل المذكور
مع أني نقلت عزو عدم التعدد من كتاب فتح المنعم للعلامة محمد حبيب الله الشنقيطي ولكن لم يسمح لي الوقت حينها بتحرير المسألة من كتب الشافعية

والله أعلم

يبدو أنني ضغطت على زر تعديل المشاركة بدل زر الاقتباس !
فمن استطاع من الإدارة إرجاعها لوضعها الطبيعي فليفعل جزاه الله خيرا

وضاح أحمد الحمادي
11-06-18 ||, 04:58 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد دخلت مشاركتكم في مشاركتي بارك الله فيكم وحاولت فصلهما إلا أني لم أستطع إعادة مشاركتي كما كانت أولاً فاستغنيت عن التعديل بإعادة مشاركتي ما استطعت ثم الكلام على تعليقكم عليها.
حاصل ما ذكرته أني إنما ذكرت المعتمد في المذهب وأنه ليس في عبارتي ما يوهم نفي الخلاف فضلاً عن أن يقتضيه وإلا كان قولكم :

مذهب الجمهور مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأبي يوسف وأبي ثور وفقهاء المحدثين أنه يرد صاعا مع المصراة سواء كانت واحدة أم أكثر وسواء كانت بقرة أو ناقة أو شاة فلا يزيد على الصاع الواحد من أغلب قوت أهل ذلك البلد عملا بحديث المصراة
يوهم نفي الخلاف أو يقتضيه.
ثم علقتم على كلامي هذا بما حاصله تكرار ما ذكرتموه أولاً ولم تزيدوا سوى أن نقلتم نص كلامي.
وفي الحقيقة كلامي واضح وأقل إيهاماً مما ذكرتموه بل ظاهر كلامكم المنقول أن المعتمد في مذهب الشافعي هو عدم تعدد الصاع ، وفي كلامي تقييد الرد بشخصكم الكريم بحيث يفهم القارئ أن المعتمد خلاف ما ذكرتموه أنتم خاصة من غير نظر إلى باقي الأقوال في المذهب إذ ليس الموضوع بيان حكم المسألة في نفسها بل في بيان أن ما ذكرته هو المعتمد بخلاف قولكم خاصة. أما نصكم الذي اقتبسناه فكان مطلقاً من غير قيد لا أقول بحيث يوهم بل هو ظاهر في كون ما نقلتموه هو المعتمد في مذهب الشافعي إذ لم يكن هذا النقل مقيداً بشيء يدل على خلافه.
أما ما ذكرتموه من أنكم اعتمدتم على ما ذكره حبيب الله الشنقيطي فكلامنا معكم ينسحب عليه بارك الله فيكم.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-07-04 ||, 04:42 AM
الأخ الفاضل وضاح رعاه الله
الجمهور ذهبوا إلى معنى "التعبد" في تعيين الصاع وفي قدره.
وهذه مقدار ظاهر عند تحرير مذاهب الفقهاء الأربعة في المسألة.
ولا يشكل على هذا تراضي البيعان؛ لأن لهما إسقاطه فضلاً عن الصاع وتعيين التمر.
ولا يشكل على الإضافة إلى الجمهورية رواية عن أحمد، فهذا يكون معززاً للقول الذي صار إلى "معقولية التعويض" خلافا لقول الجمهور.
تنبيه: الكلام هو في مذاهب "جمهور الجمهور" أما الحنفية فلم يأخذوا بالخيار أصلا.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-07-04 ||, 05:43 AM
وقد خرج بعض الأصوليين من الحنفية قول أبي حنيفة رحمه الله على قاعدة اعتمدها بعضهم وهي أن رواية غير الفقيه إن خالفت القياس ولم يمكن الجمع فيرد الحديث إن كان الراوي غير فقيه وفي هذه القاعدة عند الحنفية نظر كما قرره البخاري وغيره.
بارك الله فيكم، نعم، هذا موطن غير مستتب عند الحنفية أنفسهم، فعند الكرخي والبخاري والأكثرين: أن خبر العدل الضابط كخبر المجتهدين، وهي أيضاً طريقة الجمهور لاسيما أهل الحديث، وهم أصحاب الصنعة.

ثم إن أبا هريرة رضي الله عنه لم يعدم أسباب الاجتهاد، وقد كان مفتيا في زمن وفرة الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد.

هذا كله إذا سلمنا انفراد أبي هريرة رضي الله عنه برواية الحديث، والحال أنه لم ينفرد برواية هذا الأصل.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-07-04 ||, 05:57 AM
تفصيل مذاهب الفقهاء بحسب المعتمد:

- الحنفية لم يأخذوا بخيار التصرية أصلاً، وأوردوا عليه الأسئلة المشهورة في مخالفته الشديدة للقياس.

- الآن الكلام في مذاهب الجمهور الذين أثبتوا خيار التصرية:

- الشافعية والحنابلة والظاهرية (جمهور الجمهور): الواجب الصاع من التمر عينا.

- المالكية وقولٌ للشافعي ورواية عن أحمد: الواجب صاع من غالب قوت البلد.

- ابن أبي ليلى وأبو يوسف: الواجب أن يرد قيمة اللبن المحتلب ؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات.

وما ذكرته في صلب الموضوع الأصلي يتطابق مع مذهب ابن أبي ليلى وأبي يوسف، وبهذا القول يجتمع الأخذ بحديث المصراة كتطبيق لقيمة اللبن بصاع التمر لصعوبة الرد باللبن ولتيسر الرد بالتمر في زمنه صلى الله عليه وسلم.
وبهذه الطريقة يكون الجواب تاماً عن أسئلة الحنفية؛ أما أجوبة الجمهور فهي مدخولة، منها أنهم هم أنفسهم لا يعتبرون الرد بصاع التمر لو أنه رد الشاة بعيب غير التصرية؛ فأين قولهم: إنه موافقٌ للقياس؟

أما ادعاء معنى "التعبد" فهو "غريب" في أبواب "المعاملات"؛ فما يدرينا في مسائلنا المعاصرة عن أحكامها فربما يكون في بعضها معنى التعبد؟!

وضاح أحمد الحمادي
11-07-04 ||, 05:40 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الشيخ الفاضل فؤاد الهاشمي ، قول فضيلتكم :

الجمهور ذهبوا إلى معنى "التعبد" في تعيين الصاع وفي قدره.

فيه نظر ، إذ لو كان تعبداً محضاً لما جاز لا إسقاطه ولا الإستعاضة عنه ، ولكن فيه معنى التعبد بمعنى أن صاع التمر هو المقدار الواجب لكنه معلل بعلة كما تقدم عن النووي ووافقه عليه ابن قيم الجوزية ونص الأخير على أن حديث الشاة المصراة موافق للقياس الصحيح.



ولا يشكل على هذا تراضي البيعان؛ لأن لهما إسقاطه فضلاً عن الصاع وتعيين التمر.

في الحقيقة يشكل عليه لما قدمنا أنه لو كان تعبداً محضاً لما جاز إسقاطه ولا الإستعاضة عنه كما لو تراضَ الراهن والمرتهن على عدم قبض المرتهن للرهن وتركه بيد الراهن فإنه لا ينعقد رهناً والعمدة في ذلك قوله جل وعلا (فرهان مقبوضة) ، وكما لو تبايعا بشرط عدم خيار المجلس ، والعمدة فيه قوله صلى الله ع ليه وسلم (فكل واحدٍ منهما بالخيار) وغير ذلك من المعاملات فهي مع كونها معللة فلا تخلو من وجه تعبد ، ولا يلغى بالتراضي على تركه.

ولا يشكل على الإضافة إلى الجمهورية رواية عن أحمد، فهذا يكون معززاً للقول الذي صار إلى "معقولية التعويض" خلافا لقول الجمهور.

في الحقيقة قول الإمام أحمد هو اللاغي لمعقولية التعويض لا قول الجمهور ، فإن المعتمد في مذهبه تعين التمر ما دام موجوداً فلا ينتقل إلى غيره ، بخلاف الجمهور الذين أباحوا الإنتقال إلى غيره ، ورد الحليب ما دام باقياً ، والإنتقال إلى القيمة بالاتفاق بين المتعاقدين.



ابن أبي ليلى وأبو يوسف: الواجب أن يرد قيمة اللبن المحتلب ؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات.

الذي رأيته عنهما خلاف هذا، ففي (الاستذكار) 21/90 : ( وقد روي عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف أنهما قالا : لا يعطي مع الشاة المصراة إذا ردها قيمة اللبن ) ، وفي رواية عنهما مذهب الجمهور لكنهما لم يعينا صاع التمر بل قيمته ، لا قيمة اللبن المحتلب .

وقولكم :

الحنفية لم يأخذوا بخيار التصرية أصلاً، وأوردوا عليه الأسئلة المشهورة في مخالفته الشديدة للقياس.
فلها أيضاً أجوبة مشهور ، ونص غير واحدٍ من أهل العلم والتحقيق على موافقته للقياس ، وعلى فرض مخالفته فالجمهور على قبول خبر الآحاد ولو خالف القياس بما في ذلك أكثر الأحناف فيما أذكر.
وكذا في مخالفة الآحاد للأصول المقررة كما نص عليه الإمام السمعاني في (قواطع الأدلة) وليس هذا موضع بسط ذلك.
والحديث نص في موضع النزاع ، ولا أدري ما وجه المصلحة في جعل المقدار والصفة تعود إلى رأي الفقيه أصلاً.
وجزاك الله غيرا وبارك فيك

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-09-19 ||, 04:49 AM
هاهنا نكتة منهجية في التعامل مع بعض النصوص التي يظهر مخالفتها للقياس، فقد ظهر لي هاهنا - من خلال بحث خاص أعددته في المسألة - خطأ استغراق الحنفية في الرأي والقياس حتى ردوا العمل بالحديث، كما ظهر أيضاً خطأ جماعات جمة من الجمهور في المبالغة في إدراج صورة الحديث في أقيسة الباب الخاصة، حتى وقع منهم التكلف في ذلك، والوسط – وهو الميسور أيضاً – العمل بالحديث جملة وتفصيلاً، ولا مانع أن يكون الحكم فيه انكساراً للقياس الخاص، وهذا ليس ببدْعٍ في أحكام الشريعة، فإن الشريعة يسع فيها الاستثناء المصلحي لمعارض راجح، كما أن في تحرير المناط ما قد يدفع المجتهد إلى تجاوز الصورة التي نطق بها النص، إلى صورة أخرى أومأ إليها نصٌ آخر، وما دليل الاستحسان الذي استعمله الفقهاء إلا نوع من تخفيف حدة غلواء القياس، وهذا وغيره من المواطن التي يمارس فيها الفقيه وظيفة الاجتهاد، ومن هنا ندرك أن الإشكالات التي أُوردت على حديث المصراة، وما أثاروه من العُقَد الغليظة آلت إلى روح الفقه وغايته في أرقى درجات الاجتهاد.

عمرو بن الحسن المصري
12-10-17 ||, 08:57 PM
السلام عليكم

مسألة الخيار في المصراة: روى البخاري (2148)، ومُسلم (3890) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع التمر.
والمصراة: هي الناقة أو البقرة أو الشاة التي يُصّرَّى اللبن في ضَرْعها، أي يُجمع ويُحبس فلم يُحلب أيامًا. وهي مأخوذة من التصرية، وأصل التصرية حبس الماء، يُقال: صريت الماء إذا حبسته. والمعنى: جمع اللبن وحبسه في ضرع الحيوان بفعل البائع ليكبر الضرع، فيغتر المشتري بذلك ويشتريها ظنًّا منه أن عظم الضرع لسبب كثرة اللبن كثرة طبيعية، وهو منهي عنه شرعًا.
قال الشافعي: هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. اهـ. راجع: فتح الباري (4/ 362)، والنهاية (3/ 28).
واختلف الفقهاء فيمن اشترى ناقة أو شاة أو بقرة مصراة ولم يعلم بأنها مصراة ثم علم ذلك، فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف: هو بالخيار بين أن يُمسك وبين أن يردها بالعيب، فإن ردها رد معها صاعًا من تمر. وقال أبو حنيفة ومُحمد بن الحسن: ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب.

جاء في الفقه على المذاهب الأربعة: أن الشافعية- قالوا: إذا اشترى المصراة فحلبها فإن له ردها مع رد صاع من تمر معها. وكذا إذا استهلك لبنها بغير الحلب كأن ترك ولدها يرضعها. وإذا علم أنها مصراة قبل أن يتلف لبنها فإن له ردها بدون أن يكون ملزمًا برد شئ معها: كما لا يلزم برد صاع التمر بخصوصه إذا اتفق المتعاقدان على غيره فيصح أن يرد بدل اللبن نقودًا أو برًا أو غيرهما مع الاتفاق. واللبن الذي يجب معه الرد هو لبن مأكول اللحم، أما لبن غيره كالأتان فإنه لا يرد بدله. وإن كانت التصرية عيبًا فيه يرد به. وكذا لا يرد بدل القليل التافه، وإذا كرر حلبها فإنه لا يلزم إلا برد صاع واحد، نعم إذا كانت الناقة أو الشاة ملكًا لشركاء متعددين، أو اشتراها شركاء فإن لكل واحد من البائعين صاعًا، وعلى كل واحد من الشارين صاعًا. اهـ.
والمالكية- قالوا: إذا اشترى المصراة فحلبها فإن له ردها بشرط أن يرد معها صاعًا من غالب قوت بلده، ولا يشترط رد صاع التمر بخصوصه، ويحرم أن يرد اللبن فقط، إنما له رده مع رد الصاع. وكذا يحرم رد بدل الصاع من نفوذ أو غيرها. وإذا لم يحلبها ثم علم بأنها مصراة فله ردها بدون أن يلزم بالصاع. واللبن الذي يجب معه الرد هو لبن مأكول اللحم، أما غير مأكول اللحم فإنه لا يجب معه رد الصاع وإن كان يرد نفس الحيوان بالتصرية لأنها عيب فيه. وإذا كرر حلبها فلا يرد إلا صاعًا واحدًا ما لم يدل تكرار الحلب على الرضا، وذلك كأن يحلبها لينتفع بلبنها. أما إذا حلبها لاختبارها مرة أخرى فإنه يدل على الرضا، وإذا حلبها مرة ثالثة فإنها تدل على الرضا إلا إذا ادعى أنه حلبها الثالثة ليختبرها، لأن الحلبة الثانية لم تكف في اختبارها ولكن عليه اليمين. فإذا حلبها بعد الثالثة كان ذلك رضًا قولًا واحدًا. وإنما يعتبر تكرر الحلبات ثلاثة أو أقل إذا حلبها في مواعيد حلبها، فإذا حلبها في يوم واحد ثلاث مرات وكانت عادتها حلبتين حسب له اثنان فقط. وإذا اشترى من بائع واحد شياهًا متعددة في عقد واحد فوجدها مصراة كلها فإن له ردها، وعليه أن يدفع على كل واحدة حلبها صاعًا على الأرجح.
والحنابلة- قالوا: إذا اشترى المصراة فإن له ردها بذلك العيب وعليه أن يرد معها صاعًا من تمر عملًا بالحديث المذكور، ويسمون هذا خيار التدليس.
والحنفية- قالوا: إذا اشترى المصراة فليس له ردها بذلك العيب مطلقًا، وإنما له المطالبة بالتعويض عما نقص من قيمتها بذلك العيب. ويقولون: إن الحديث الوارد في ذلك وإن كان صحيحًا في ذاته ولكن يُعارضه شئ واحد آخر، وهو أن القياس الثابت بالكتاب والسنة والإجماع قد دل على أن ضمان العدوان يكون بالمثل أو القيمة، وفي مسألة المصراة قد تعدى البائع بالتصرية تغريرًا بالمشتري فعليه أن يضمن قيمة النقص الحاصل بالعيب. أما المشتري فلم يتعد بالحلب، وعلى فرض أنه تعدى فإنه يلزم بقيمة اللبن أو مثله، والتمر ليس واحدًا منهما، فكان الحديث مُخالفًا للقياس فلم يُعمل به. وقال أبو يوسف: إنها ترد ويرد معها قيمة اللبن.
وراجع: الفقه على المذاهب الأربعة (2/ 182).
قال الكمال ابن الهمام في فتح القدير (6/ 397): إذا حلب المصراة ليس له ردها عندنا، وهل يرجع بالنقصان؟ في رواية الكرخي: لا، وفي رواية شرح الطحاوي: يرجع لفوات وصف مرغوب فيه بعد حدوث زيادة منفصلة. وقيل: لو اختيرت هذه للفتوى كان حسنًا لغرور المشتري بالتصرية، ولو اغتر بقول البائع هي حلوب فتبين خلافه بعد الولادة يرجع فكذا هنا. اهـ. وراجع: شرح معاني الآثار (4/ 19)، والمبسوط (13/ 38).
وقال النووي في روضة الطالبين (3/ 466)، والمجموع (11/ 198): يثبت بالتصرية الخيار للمشتري، وفي خياره وجهان: أصحهما أنه على الفور. والثاني يمتد إلى ثلاثة أيام. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني (4/ 104): من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام، لم يعلم تصريتها ثم علم، فله الخيار في الرد والإمساك. اهـ.
وقال ابن عبدالبر في التمهيد (18/ 202): اختلف العلماء في القول بحديث المصراة؛ فمنهم من قال به، ومنهم من رده ولم يستعمله، وممن قال به: مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور أهل الحديث. ذكر أسد وسحنون عن ابن القاسم أنه قال لمالك: تأخذ بهذا الحديث؟ قال: نعم. وقال مالك: أَوَ لأَحَدٍ في هذا الحديث رأي. قال أبو عمر: ورده أبو حنيفة وأصحابه وزعم بعضهم أنه منسوخ وأنه كان قبل تحريم الربا، وبأشياء لا يصلح لها معنى إلا مجرد الدعوى، وقد روى أشهب عن مالك نحو ذلك، ذكر العتبي من سماع أشهب عن مالك: أنه سئل عن حديث المصراة فقال: قد سمعت ذلك وليس بالثابت ولا الموطأ عليه، ولئن لم يكن ذلك: إن له اللبن بما أعلف وضمن. قيل له: نراك تضعف الحديث؟ فقال: كل شئ يوضع موضعه، وليس بالموطأ ولا الثابت وقد سمعته. قال أبو عمر: هذه رواية منكرة والصحيح عن مالك ما رواه ابن القاسم، والحديث عن أهل العلم بالحديث صحيح من جهة النقل. اهـ. وراجع: المدونة (3/ 3013)، والمنتقى شرح الموطأ (5/ 106).
وما حكاه ابن عبدالبر عن أصحاب أبي حنيفة صرح به الطحاوي كما في شرح معاني الآثار (4/ 19) فقال: ليس للمشتري رد المصراة بالعيب، ولكنه يرجع على البائع بنقصان العيب. وممن قال ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وذهبوا إلى أن ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك منسوح فروى عنهم هذا الكلام مجملًا، ثم اختلف عنهم من بعد في ناسخ ذلك ما هو. اهـ. وراجع: أحكام القرآن للجصاص (1/ 726).
ثم حَكَى الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 20) عن عيسى بن أبان: أن ذلك كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات في الذنوب يُؤخذ بها الأموال حتى نسخ الله الربا، يوضح ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نهى عن بيع المصراة، جعل عقوبة من يفعل ذلك أن يكون اللبن المحلوب في الأيام الثلاثة للمشتري بصاع من تمر، ولعله يساوي آصعًا كثيرة، ثم نُسخت العقوبات في الأموال بالمعاصي، وردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كانت لها أمثال، وإلى قيمتها إن كانت لا أمثال لها، فلما كان ذلك كذلك، ووجب رد المصراة بعينها وقد زايلها اللبن، علمنا أن ذلك اللبن الذي أخذه المشتري منها، قد كان بعضه في ضرعها في وقت وقوع البيع عليها فهو في حكم المبيع، وبعضه حدث في ضرعها في ملك المشتري بعد وقوع البيع عليها فذلك للمشتري، فلما لم يكن رد اللبن كله للمشتري إن كان ملك بعضه من قبل البائع ببيعه إياه الشاه التي قد ردها عليه بالعيب، وكان ملكه له إياه بجزء من الثمن إذا كان وقع به البيع، فلا يجوز أن يرد الشاة بجميع الثمن ويكون ذلك اللين سالمًا له بغير ثمن، فلما كان ذلك كذلك منع المشتري من ردها، ورجع على بائعه بنقصان عيبها. اهـ.
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 12): والذي قال عيسى من هذا يحتمل غير ما قال، إني رأيت في ذلك وجهًا هو أشبه عندي بنسخ هذا الحديث من ذلك الوجه الذي ذهب إليه عيسى، وذلك أن لبن المصراة الذي احتلبه المشتري منها في الثلاثة الأيام التي احتلبها فيها، قد كان بعضه في ملك البائع قبل الشراء، وحدث بعضه في ملك المشتري بعد الشراء، إلا أنه قد احتلبها مرة بعد مرة، فكان ما كان في يد البائع من ذلك مبيعًا، إذا أوجب نقض البيع في الشاة وجب نقض البيع فيه، وما حدث في يد المشتري من ذلك فإنما كان ملكه بسبب البيع أيضًا، وحكمه حكم الشاة؛ لأنه من بدنها هذا على مذهبنا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل لمشتري المصراة بعد ردها، جميع لبنها الذي كان حلبه منها بالصاع من التمر الذي أوجب عليه رده مع الشاة، وذلك اللبن حينئذ قد تلف أو تلف بعضه، فكان المشتري قد ملك لبنًا دينًا بصاع تمر دين، فدخل ذلك في بيع الدَّين بالدَّين ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد عن بيع الدين بالدين، فنسخ ذلك ما كان تقدم منه، مما روي عنه في المصراة، مما حكمه حكم الدين. اهـ.
وقد رد بعض الحنفية هذا الحديث بدعوى مخالفته لقياس الأصول المعلومة، وما كان كذلك لم يلزم العمل به، إذا كان من رواية غير الفقه وانسد باب الرأي فيه، فالحديث عند هؤلاء مخالف للقياس من كل وجه، وأبو هريرة في نظرهم ليس من فقهاء الصحابة، وقد أنكر بعض الحنفية ذلك، ونازعوا في صحة هذه القاعدة، وذهبوا إلى عدم اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياسم، وبينوا أن الحديث ليس مُخالفًا للقياس وشهدوا لأبي هريرة بالفقه والفضل.
والظاهر عند بسط التفصيل في هذه المسألة: أن فقه الراوي لم يكن مشترطًا عند الإمام أبي حنيفة لقبول الحديث، وإنما كان يستعمله كمُرجّح بين الأدلة، فيُقدم حديث الفقيه على حديث غيره عند التعارض، ولم يذكر الحنفية أمثلة لهذه القاعدة عدا مسألة المصراة وقد تباين أقوال الحنفية في تحديد السبب في رد أبي حنيفة لحديث المصراة، بناءً على موقفهم من هذه القاعدة، فمن أقرها ذهب إلى أن ترك الحديث كان لأجلها، ومن رفضها التمس سببًا آخر لرد الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/ 364): واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث المصراة بأعذار شتى: منهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مُخالفًا للقياس الجلي. وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته عنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر، والقهقهة في الصلاة، وغير ذلك، وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك، قال ابن السمعاني في الأحكام: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله؛ بل هو بدعة ضلالة. اهـ.
ورده بعضهم؛ لأنه مخالف لظاهر الكتاب في قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ) [البقرة: 194] وخبر الواحد لا يُخصص ظاهر الكتاب؛ لأن ذلك نسخ عندهم، والنسخ لا يكون إلا بالمتواتر أو السنة المشهورة.
ولم أر مسألة اضطربت فيها أقوال الحنفية كهذه المسألة؛ فبعضهم ادعى النسخ، والبعض رده؛ لأنه مخالف للقياس وراويه غير فقيه، والبعض الآخر لمخالفته ظاهر الكتاب، وهذا يدل على ضعف موقفهم تجاه العمل بهذا الحديث؛ ولذلك نجد أن بعض الحنفية خالف المذهب وأخذ بمذهب الجمهور كأبي يوسف وزفر وإليه مال السرخسي فقال كما في المبسوط (13/ 38): وبعد ما صحَّ الحديث فكل قياس متروك بمقابلته، مع أن الحديث موافق للأصول.
وذكروا وجوهًا كثيرة لمخالفة الحديث للأصول، لخصها الكوثري في النكت الطريفة ص(91) فقال: إنه اوجب الرد من غير عيب ولا شرط، وقدر الخيار بثلاثة أيام وإنما يتقيد بالثلاثة خيار الشرط، وأوجب الرد بعد ذهاب جزء من المبيع، وأوجب البدل مع قيام المبدل، وقدر بالتمر والطعام والمتلفات إنما تضمن بالمثل أو القيمة، وجعل الضمان بالقيمة مع أن اللبن مثلي، ويؤذي إلى الربا إذا كان ثمن المصراة بالتمر حيث يزيد صاعًا منه، كما يؤدي إلى الجمع بين العوض والمعوض. وهذه ثماني مخالفات تقضي بترك العمل بالحديث. اهـ.
وقد أجاب النووي عن دعوى النسخ بأنها دعوى بالاحتمال من غير دليل، وعن دعوى مخالفة الحديث لقياس الأصول بأن ما ورد النص به فهو أصل بذاته، ولا يعتبر فيه موافقه الأصول كالدية على العاقلة، والغرة في الجنين وغير ذلك، وليس إبطال أصل لمخالفته أصولًا أخرى بأَوْلَى من إبطال تلك الأصول لمخالفتها ذلك الأصل، والصواب العمل بها جميعًا، وترك القياسم من أجل خبر الواحد؛ لأنه أقوى منه.
ولهذا قال أبو حنيفة: إن القياس أن الأكل ناسيًا يفطِر، ولكن ترك القياس بخبر أبي هريرة: (إنما اطعمه الله وسقاه). وقَبِلَ أبو حنيفة خبر أبي فزارة في جواز التوضؤ بالنبيذ وخبر زاذان في إبطال المصلي بالقهقهة، مع أنهما خالفا القياس. راجع: المجموع شرح المهذب (11/ 198).
ثم أجاب جوابًا تفصيليًّا استوعب فيه جميع الوجوه التي ذكرها الحنفية لمخالفة الحديث للأصول والرد عليها، وبيَّن أن الحديث ليس فيه مخالفة للأصول، وممن اعتنى بذلك أيضًا الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/ 366)، فمن أراد الوقوف على تلك الوجوه والرد عليها فليرجع إليهما.
وقال ابن عبدالبر في التمهيد (18/ 209): وممن رد حديث المصراة أبو حنيفة وأصحابه، وهو حديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل، وهذا مما يعد وينقم على أبي حنيفة من السنن التي ردها برأيه وهذا ما عيب عليه، ولا معنى لإنكارهم ما أنكروه من ذلك؛ لأن هذا الحديث أصل في نفسه، والمعنى فيه والله أعلم على ما قال اهل العلم: أن لبن المصراة لما كان مغيبًا لا يوقف على صحة مقداره، وأمكن التداعي في قيمته وقلة ما طرأ منه في ملك المشتري وكثرته، قطع النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة في ذلك بما حده فيه. اهـ.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 236): الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة والقياس الصحيح الموافق للكتاب والسنة؛ فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله، وكلام رسوله، وما عداهما فمردود إليهما؛ فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد: إنما القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجئ إلى الأصل فتهدمه ثم تقيس، فعلى أي شئ تقيس؟ ويا لله العجب كيف وافق الوضوء بالنبيذ المشتد للأصول حتى قبل وخالف خبر المصراة للأصول حتى رد. اهـ.
وكما نرى فإن مسألة المصراة من المسائل التي توجه بسببها النقد لمذهب أبي حنيفة، وعدها العلماء من مخالفته للحديث، وقد التمس أصحابه سببًا لذلك فتباينت أقوالهم وتضاربت، والذي يعينان في هذا المقام: أن دعوى مخالفة خبر المصراة للقياس، وأن راويه ليس فقيهًا فلا يقدم خبره على القياس، قول لبعض الحنفية وليس كلهم، وأن هذا القول قد انتُقد بشدة من الحنفية ومن غيرهم، مما يقوي أن اشتراط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس ليس من قواعد أبي حنيفة.

وللحديث تتمة فيما بعد إن شاء الله تعالى،،

والله أعلم.

عمرو بن الحسن المصري
12-10-17 ||, 10:19 PM
السلام عليكم


..
وقد رد بعض الحنفية هذا الحديث بدعوى مخالفته لقياس الأصول المعلومة، وما كان كذلك لم يلزم العمل به، إذا كان من رواية غير الفقه وانسد باب الرأي فيه، فالحديث عند هؤلاء مخالف للقياس من كل وجه، وأبو هريرة في نظرهم ليس من فقهاء الصحابة، وقد أنكر بعض الحنفية ذلك، ونازعوا في صحة هذه القاعدة، وذهبوا إلى عدم اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياسم، وبينوا أن الحديث ليس مُخالفًا للقياس وشهدوا لأبي هريرة بالفقه والفضل.
والظاهر عند بسط التفصيل في هذه المسألة: أن فقه الراوي لم يكن مشترطًا عند الإمام أبي حنيفة لقبول الحديث، وإنما كان يستعمله كمُرجّح بين الأدلة، فيُقدم حديث الفقيه على حديث غيره عند التعارض، ولم يذكر الحنفية أمثلة لهذه القاعدة عدا مسألة المصراة وقد تباين أقوال الحنفية في تحديد السبب في رد أبي حنيفة لحديث المصراة، بناءً على موقفهم من هذه القاعدة، فمن أقرها ذهب إلى أن ترك الحديث كان لأجلها، ومن رفضها التمس سببًا آخر لرد الحديث.
..
وكما نرى فإن مسألة المصراة من المسائل التي توجه بسببها النقد لمذهب أبي حنيفة، وعدها العلماء من مخالفته للحديث، وقد التمس أصحابه سببًا لذلك فتباينت أقوالهم وتضاربت، والذي يعينان في هذا المقام: أن دعوى مخالفة خبر المصراة للقياس، وأن راويه ليس فقيهًا فلا يقدم خبره على القياس، قول لبعض الحنفية وليس كلهم، وأن هذا القول قد انتُقد بشدة من الحنفية ومن غيرهم، مما يقوي أن اشتراط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس ليس من قواعد أبي حنيفة.
..
يُنظر: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

..
لقد اتفق الحنفية مع المُحدثين في تقسيم الرواة إلى معروف ومجهول؛ وذلك من حيث اللفظ، وأما من حيث الدِلالة والأحكام؛ فمُختلف، قسّم الحنفية الرواة إلى: معروف، ومجهول..
المعروف من الرواة عند المُحدثين: هو معروف الوصف. وهو إما مُعدل أو مُجرح، فيُعمل بما عُلم فيهم من الجرح أو التعديل حسب مراتبهما.
والمعروف عند الحنفية: هو من عُرف برواية أكثر من حديثين. وهو نوعان:
الأول/ من عُرف بالفقه والتقدم في الاجتهاد: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إن وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيد به، وإن خالفه تُرك القياس به.
الثاني/ من عُرف بالرواية دون الفقه والفُتيا: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إذا وافق القياس، وأما إذا خالف القياس؛ فقد اختلف الحنفية فيه: فمنهم من ذهب إلى تقديم القياس على حديثه، وذهب بعضهم إلى تقديم حديثه على القياس. ويُنظر: كشف الأسرار (2/ 384)، (3/ 20)، وأصول السرخسي (1/ 342)، وشرح المنار (2/ 622)، والتلويح على التوضيح (2/ 7)، وقفو الأثر ص(86).
وقد اختلف العلماء في تقديم القياس على خبر الواحد؛ فقال أهل الأثر: إن خبر الآحاد مُقدّم على القياس؛ لأن الرأي لا يكون إلا حيث لا نص وقد وُجد النص فلا مجال للرأي، ولأن الراوي لا يكون إلا في حالة الضرورة، والضرورة تُدفع بوجود أثر منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأن القياس في الجملة ظني، وحديث الآحاد ظني في ثبوته، وإذا تعارض ظني منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بظني منسوب إلى الفقيه؛ فالمنطق يُوجب ترجيح المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكبار التابعين من بعدهم كانوا يرجعون عن آرائهم إذا نُقل إليهم حديث يُخالفها.
وهذا مسلك عامة فُقهاء الأثر، لا يجعلون للرأي مجالًا عند وجود حديث، ولو كان من أخبار الآحاد، ولا يشترطون فقه الراوي ولا موافقة القياس ولو كان ضعيفًا، ولقد سلك هذا المسلك الشافعي من بعد وبينه في الرسالة بيانًا كاملًا، وقال ذلك القول من فقهاء الحنفية أبو الحسن الكرخي.
وقال عيسى بن أبان: إن كان راوي خبر الآحاد عدلًا فقيهًا وجب تقديم خبره على القياس، وإن كان غير فقيه كان موضع الاجتهاد بمعنى أنه لا يرد خبره المُخالف للقياس جملة؛ بل يجتهد المُجتهد فإذا وجد ذلك الخبر له وجه منا لتخريج أي لا يسند فيه باب الرأي مُطلقًا؛ قُبل، بأن كان يُخالف قياسًا ولكنه يوافق من بعض الوجوه قياسًا آخر لا يُترك بل يُعمل به، وهذا معنى قولهم: لا يُترك خبر الواحد العدل الضابط غير الفقيه إلا للضرورة بأن يسند فيه باب الرأي من كل الوجوه، وهذا كله إذا كان الراوي عدلًا، أما إذا كان الراوي مجهولًا لم تُعرف عدالته، فإن خبره المُخالف للقياس يُرد ويؤخذ بالقياس، ولا يجتهد المُجتهد في تخريجه باستنباط ضرب من ضروب الرأي يوافقه. راجع: أبو حنيفة ص(245).
وأصحاب هذا الرأي يشترطون في قبول خبر الواحد أحد شرطين: فقه الراوي أو موافقة الخبر للقياس، فلو انتفي أحد الشرطين لم يُقبل خبر الواحد إلا بوجود الآخر، فيشترطون فقه الراوي إذا كان الخبر مُخالفًا للقياس، ويشترطون موافقة خبر الواحد للقياس إذا كان الراوي غير فقيه، ولذلك يحتاطون من التغيير المثحتمل عند فقد أحد الشرطين؛ فرواية الفقيه لخبر مُخالف للقياس، وموافقة الخبر للقياس من راوٍ غير فقيه، ينفيان احتمال تطرق الخطأ والتغيير إلى الرواية.
وهذه المسألة قد تسبتت فيما يُشاع عن الإمام أبي حنيفة من تقديمه للقياس إذا تعارض مع خبر الواحد، والحق أن تقديم الخبر على القياس هو الأقرب لمنهج وقواعد أبي حنيفة؛ حيث احتج بالمُرسل وبرواية المستور وبأقوال الصحابة ليستوعب بذلك العمل بجميع السنة المشرفة، وما كان ليُعارض الأخبار بالقياس.
وقبل الخوض في تحرير مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس، يحسن بنا أن نقف على الأصل الذي من أجله اشتُرط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس؛

(أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي)..
رُوي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. انظر: أصول السرخسي (1/ 341)، والفصول في الأصول (3/ 227).
ورَوى عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا أبو أُسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صيرفيًّا في الحديث أجيئه بالحديث. قال: فكتبت مما أخذته عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة. وانظر العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد ص(140).
ورُوي عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئًا وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شرٍّ جاء القرآن به. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (8/ 109)، والفصول في الأصول (3/ 127).
قال الذهبي في ترجمة إبراهيم النخعي: ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انظر: ميزان الاعتدال (1/ 75) وأورده أيضًا في سير أعلام النبلاء (2/ 438) ثم قال: هذا لا شئ؛ بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: أفت يا أبار هريرة. اهـ. وقد استوفى الرد على النخعي ومن تبعه من الحنفية في ذلك الأستاذ عبد المنعم صالح العلي في كتابه الجامع "دفاع عن أبي هريرة" فليرجع إليه ص(237- 346).
وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يعتمد كثيرًا على ما رواه له شيخه حمّاد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، ولا شك أن الحنفية تأثروا بكلام النخعي في أبي هريرة عند تأصيلهم لقاعدة اشتراط فقه الراوي.
فهذا عيسى بن أبان يُتابع إبراهيم النخعي فيما قال فيقول: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يتم وهمه فيه؛ لأنه كان عدلًا.
وقال: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يُخالف نظائره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شئ من ذلك قَبِلَهُ الصحابة والتابعون ولم يردوه.
وقال في موضع آخر: ولم ينزل حديث أبي هرير منزلة حديث غيره من المعروفين بحمل الحديث والحفظ، لكثرة ما أنكر الناس من حديثه وشكهم في أشيا من روايته. راجع: الفصول في الأصول (3/ 127).
أوضح عيسى بن أبان أن إنكار الصحابة على أبي هريرة هو سبب الشك فيما رواه أبو هريرة مُخالفًا للقياس. وإنكار الصحابة على أبي هريرة كان لأمرين:
الأول/ إكثاره للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه العموم؛ وقد رد على ذلك أبو هريرة فقال: إ الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا ىيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا قط: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنتِ..) إلى قوله: (الْرَّحِيمُ) [البقرة: 159، 160]. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. رواه البُخاري (1189 ومُسلم (6552).
الثاني/ إنكارهم أحاديث معيَّنة على وجه الخصوص؛ منها:
1- أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء مما مست النار ولو من ثَوْرِ أَقِطٍ -أي قطعية من لبن مُجفف-). فقال له ابن عبَّاس: يا أبا هريرة؛ أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي؛ إذا سمعت حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلًا. أخرجه الترمذي في سننه (79). فلم يقبل ابن عباس هذا الحديث وعارضه بالقياس.
2- وروى مُسلم عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم. قال: فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث؛ فأنكر ذلك، فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألها عبدالرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصبح جُنبًا من غير حلم ثم يصوم. فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبدالرحمن فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة -وأبو بكر بن عبدالرحمن حاضر ذلك كله- فذكر له عبدالرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك. رواه مُسلم في صحيحه (2645).
3- وروى أبو عبدالله الحاكم من طريق عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن أُمَتَّعَ بسوط في سبيل الله أحب إِلَيَّ من أن أعتق ولد الزنا). وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولد الزنا شر الثلاثة) -رواهما أبو داود الأول موقوفًا والثاني مرفوعًا (3963). وقال الخطابي في معالم السنن (4/ 73): اختلف الناس في تأويل هذا الحديث: فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان موسومًا بالشر. وقال بعضهم: إنما صار ولد الزنا شرًّا من والديه؛ لأن الحد قد يُقام عليهما فتكون العقوبة تمحيصًا لهما. وفي مُسند أحمد (2/ 311) عن عا ئشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل عمل أبويه). وفي السنن الكبرى للبيهقي (10/ 59) عن الحسن قال: إنما سُمي ولد الزنا شر الثلاثة: أن امرأة قالت له لست لأبيك الذي تدعي له، فقتلها فسُمي شر الثلاثة.- (وإن الميت يُعذب ببكاء الحي) -شارك أبا هريرة في روايته عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة كما في البُخاري (1286، 1290، 1291)- فقالت عائشة: رَحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إصابة، أما قوله: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن أعتق ولد الزنا). إنها لمّا نزلت: (فَلَا اْقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) [البلد: 11، 12] قيل: يا رسول الله؛ ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد). وأما قوله: (ولد الزنا شر الثلاثة). فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من يعذرني من فلان). قيل: يا رسول الله؛ مع ما به ولد الزنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو شر الثلاثة). والله عز وجل يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]. وأما قوله: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي). فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال: (إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب). والله عز وجل يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]. رواه الحاكم في مُستدركه (2/ 234).
ولم يقتصر استدراك أم المؤمنين عائشة على أبي هريرة وحده؛ بل كان لها استدراكات على جمع من الصحابة، جمعها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" وقد جابن الحقُّ عائشة في بعض هذه الاستدراكات لا سيّما فيما اتفق على روايته جماعة من الصحابة.
5- روى البُخاري ومُسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا). أخرجه البُخاري في صحيحه (5856)، ومُسلم (5617).
ورُوي أن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتُنكر على أبي هريرة هذا الحديث. أخرجه ابن أبي شيبة في مُصنفه (5/ 176).
قال ابن عبدالبر في التمهيد (18/ 179): وقد رُوي عن عائشة مُعارضة لأبي هريرة في حديثه، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك لضعف إسناد حديثها؛ ولأن السنن لا تُعارض بالرأي. وراجع الإجابة ص(114).
قال أبو بكر الجصَّاص في الفصول في الأصول (3/ 129): جعل عيسى رحمه الله ما ظهر من مقابلة السلف لحديث أبي هريرة بقياس الأصول، وتثبتهم فيه علة لجواز مُقابلة رواياته بالقياس، فما وافق القياس منها قبله، وما خالفه لم يقبله، إلا أن يكون خبرًا قد قبله الصحابة فيُتبعون فيه، ولم يجعل حديث أبي هريرة في ذلك كحديث غيره من الصحابة؛ لأنه لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غيره ومثابلته بالقياس مثل ما ظهر منهم في حديثه، فجعل ذلك أحد الوجوه الموجبة للتثبت في خبره، وعرضه على النظائر من الأصول، فإن لم ترده النظائر من الأصول قبله، وإن كانت نظائره من الأصول بخلافه عمل على النظائر ولم يعمل بالخبر كما اعتبر ابن عباس في روايته في الوضوء مما مست النار بما ذكر من النظائر، وكما فعلت عائشة في مشيها في خف واحد. والأصل في ذلك: أن خبر الواحد مقبول على جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي كالشهادات، فمتى كثر غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته، كان ذلك مسوغًا للاجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول. اهـ.
هذا أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي وهو مبنيٌّ على القول بأن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر أهل العلم على الحنفية ذلك القول وأثبتوا خلافه -راجع دفاع عن أبي هريرة ص(225- 246) فقد استوفى الرد على ذلك-، ومن انكر من الحنفية هذا الأصل لم يقل بالقاعدة والعكس صحيح.
..
(مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس):
اختلف علماء الحنفية في حقيقة رأي أبي حنيفة في هذه المسألة، فذهب أبو بكر الجصاص وفخر الإسلام البزدوي والسرخسي والنسفي إلى أن مذهب أبي حنيفة هو تقديم القياس على خبر الآحاد إذا لم يكن راويه فقيهًا، وذهب الدبوسي وابن أمير الحاج وعبدالعزيز البخاري وابن ملك إلى أن مذهب أبي حنيفة كمذهب الشافعي وفقهاء الأثر أن خبر الآحاد يقدم على القياس مطلقًا، سواء أكان الراوي فقيهًا أم كان غير فقيه، وسواء اسندَّ باب الرأي أم لم ينسد باب الرأي.
يقول البزدوي في أصوله: تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة: الراوي ضربان: معلروف ومجهول، والمعروف نوعان: مَن عُرف بالفقه والتقدم في الاجتهاد، ومَن عُرفَ بالرواية دون الفقه اولفتيا.
أما المعروفون فالخلفاء الراشدون وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وزياد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري وعائشة.. وغيرهم -رضي الله عنهم- ممن اشتهر بالفقه والنظر، وحديثهم حجة إن وافق القياس أو خالفه فإن وافقه تأيد به، وإن خالفه ترك القياس به.
وأما رواية من لم يعرف بالفقه ولكنه معروف بالعدالة والضبط مثل أبي هريرة وأنس بن مالك -رضي الله عنهم- فإن وافق القياس عمل به، وإن خالفه لم يترك إلا بالضرورة وانسداد باب الرأي. ووجه ذلك أن ضبط حديث النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الخطر، وقد كان النقل بالمعنى مستفيضًا عنهم، فإذا قصر فقه الراوي عن درك معاني حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإحاطتها، لم يؤمن في مثله، وإنما نعني بما قلنا قصورًا عند المقابلة بفقه الحديث، فأما ازدراء بهم فمعاذ الله من ذلك. اهـ. انظر: كشف الأسرار (2/ 377)، والكافي (1260).
وقال السرخسي في أصوله (1/ 338، 341): إن خبر الواحد إذا رواه من كان معروفًا بالفقه والرأي والاجتهاد؛ كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة -رضي الله عنهم- كان حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي، ويبتنى عليه وجوب العمل، سواء كان الخبر موافقًا للقياس أو مخالفًا له، فإن كان موافقًا للقياس تأيد به، وإن كان مخالفًا للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر.
وأما من كان معروفًا بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه، كأبي هريرة وأسن بن مالك -رضي الله عنهم- وغيرهما ممن اشتهر بالصحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع منه مدة طويلة في الحضر والسفر -أطال السرخسي في هذا الموضع ذكر فضائل أبي هريرة والثناء عليه لئلا يظن أحد أن في مقالته ازدراء به-، فما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وإلا فالقياس الصحيح شرعًا مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه. اهـ.
وقال ابن ملك في شرح المنار (2/ 625): اعلم أن اشتراط فقه الرواي لتقديم الخبر على القياس مذهب عيسى بن أبان واختاره القاضي أبو زيد الدبوسي -وهو خلاف ظاهر كلام الدبوسي التالي ذكره-، وخرج عليه حديث المصراة -يُشير إلى ما رُوي عن أبي هريرة في خيار المصراة، وقد رده بعض الحنفية بحجة أنه من رواية أبي هريرة ولم يكن فقيهًا، فلا يؤخذ بحديثه إذا خالف القياس، كما سبق تفصيل ذلك في المُشاركة السابقة أعلاه-، وتابعه أكثر المتأخرين من أصحابنا، وأما عند الكرخي ومن تبعه من أصحابنا فليس فقه الراوي شرطًا للتقديم؛ بل خبر كل عدل مقدم على القياس، إذا لم يكن مخالفًا للكتاب والسنة المشهورة؛ لأن تغيير الراوي بعد ما ثبت كونه عادلًا أمر موهوم، والظاهر أنه يُروى كما سمع ولو غير يغير على وجه لا يتغير به معنى، وإليه مال أكثر العلماء؛ ولهذا قَبِل عمر حديث حمل ابن مال في الجنين وقضى به -يُشير إلى ما رواه أبو داود (4572)، وابن ماجه (2641) عن ابن عباس عن عمر أنه نشد الناس قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين فقام حمل ابن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين لي فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد وأن تقتل بها. وقَبِلَ عمر أيضًا خبر الضحاك في توريث المرأة من دية زوجها، وكان القياس خلاف ذلك؛ لأن الميراث إنما يثبت فيما كان يملكه المورث قبل الموت، والزوج لا يملك الدية قبل الموت؛ لأنها تجب بعد الموت، ومعلوم أنهما لم يكونا من فقهاء الصحابة. روى أبو داود (2927)، والترمذي (1478) عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا. حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع عمر. ومن جملة ما استدل به القائلون بعدم اشتراط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس، ما ثبت عن أبي حنيفة أنه قال: ما جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين. وأنه لم يُنقل عن أحد من السلف اشتراط فقه الراوي، فثبت أن هذا القول مُحدث. كما في كشف الأسرار (2/ 383)-، وهو لم يكن فقيهًا وإن كان مخالفًا للقياس؛ لأن الجنين إن كان حيًّا وجبت الدية كاملة، وإن كان ميتًا لا يجب عليه شئ، وأجابوا عن حديث المصراة بأنه إنما لم يعمل به لمخالفة الكتاب، وهو قوله تعالى: (فاْعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ) [البقرة: 194]، وقد يمنع كون أبي هريرة غير فقيه؛ لأنه كان يُفتي في زمان الصحابة، وما كان يفتي في ذلك الزمان إلا الفقيه المجتهد. اهـ. وراجع: كشف الأسرار (2/ 381- 383)، والكافي (3/ 1263).
قال الدبوسي تأسيس النظر (47): الأصل عند علمائنا الثلاثة أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح، وعند مالك القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد، وعلى هذا قال أصحابنا: إن المَني نجس يطهر بالفرك عن الثوب إذا كان يابسًا وأخذوا في ذلك بالخبر -روى مُسلم (695)، وأبو داود (372) عن عائشة قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم-. وعند الإمام مالك لا يطهر إلا بالغسل بالماء كالبول، وعلى هذا قال أصحابنا: إن أكل الناسي لا يُفسد الصوم وأخذوا في ذلك بالخبر -روى البخاري (1933)، ومُسلم (2772) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما اطعمه الله وسقاه)-. وعند مالك يُفسد الصوم وأخذ في ذلك بالقياس. اهـ. ثم ذكر أمثلة كثيرة لذلك.
وقال الكمال ابن الهمام في التقرير والتحبير (2/ 892): إذا تعارض خبر الواحد والقياس بحيث لا جمع بينهما ممكن قدم الخبر مطلقًا عند الأكثرين منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد. اهـ.
وقال تقي الدين السبكي في معنى قول الإمام المطلبي ص(129) بتحقيق المؤلف: اشترط مالك -رحمه الله تعالى- فقه الراوي مطلقًا، واشترطه أبو حنيفة فيما يخالف القياس، وقاله بعض الحنفية مطلقًا كما قاله مالك، ومثله الحنفية بحديث المصراة، فردوه لزعمهم أنه مخالف للقياس، ولأنه من قول أبي هريرة، وزعمهم أن أبا هريرة ليس بفقيه، وهو كلام تقشعر منه الجلود، وأبو هريرة فقيه كبير. اهـ.
وقال سيف الدين الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (2/ 169): خبر الواحد إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه بأن يكون أحدهما مثبتًا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما مخصصًا للآخر، فإن كان الأول فقد قال الشافعي وأحمد بن حنبل والكرخي وكثير من الفقهاء: إن الخبر مقدم على القياس. وقال أصحاب مالك: يقدم القياس. وقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطًا عالمًا غير متساهل فيما يرويه قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد. اهـ.
وقال أبو الحسنات عبدالحي اللكنوي في ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني ص(65): وهل يُشترط كون خبر الواحد موافقًا للقياس؟ الذي ذكره المتأخرون من أصحابنا: هو أنه يشترط ذلك إذا كان الراوي غير فقيه كأنس وسلمان وبلال، ووجهوه بأن ضبط حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم، وكان النقل بالمعنى مستفيضًا فيما بينهم، والناقل لما كان غير فقيه لا يؤمن من أن ينقله بحيث يفوته بعض المراد، فتدخل الشبهة فيه والقياس يخلو عنها، فيحتاط في مثله فيترك الحديث لئلا ينسد باب الرأي المفتوح بقوله تعالى: (فَاْعْتَبِرُواْ يَآأوْلِي الأَبْصَارِ) [الحشر: 2]. اهـ.
وقال التهانوي في قواعد في علوم الحديث (207، 208): وإذا كان الراوي معروف الرواي والعدالة قُبِلَ مطلقًا، سواء عُرف بالفقه أو لا، وسواء وافق الحديث قياسًا ما أو لا، وسواء روى عنه واحد أو اثنان فصاعدًا، والتفرقة بين المعروف بالفقه والمعروف بالعدالة مذهب عيسى بن أبان، وأما عند الكرخي ومن تابعه من أصحابنا فليس فقه الراوي شرطًا لتقدم الحديث على القياس؛ بل خبر كل عدل مقدم على القياس إذا لم يكن مخالفًا للكتاب والسنة المشهورة. اهـ.
يظهر مما سبق اختلاف الحنفية في تحديد مذهب أبي حنيفة في اشتراط فقه الراوي، والذي أراه موافقًا للمنقول عن الإمام: أنه لم يكن يشترط ذلك لقبول حديث الراوي، وإنما كان يستعمله كمرجح بين الأدلة، فيقدم حديث الفقيه على حديث غيره عند التعارض، ولم يذكر الحنفية أمثلة لهذه القاعدة عدا مسألة المصراة بناءً على موفقهم من هذه القاعدة، فمن أقرها ذهب إلى أن ترك الحديث كان لأجلها، ومن رفضها التمس سببًا آخر لرد الحديث.
ويُنظر: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

..
والآن دعونا ننتقل إلى بيان مسألة أخرى لصيقة بهذا الموضوع، وهي:

(الترجيح بفقه الراوي)..
وهي أن أبا حنيفة يعتبر فقه الراوي من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدِّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من الأسباب التي دعت البعض إلى القول بأن أبا حنيفة يشترط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس، أو أن أبا حنيفة يرد خبر الواحد إذا خالف القياس.
اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عن الركوع والرفع منه. فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شئ. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمّاد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشئ من ذلك. فقال الأوزاعي: أُحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه؛ وتقول حدثني حمّاد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزُّهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة وله فضل صحبة؛ فالأسود له فضل كثير، وعبدُ الله: عبدُ الله. ذكر هذه المُناظرة الكمال ابن الهمام في فتح القدير (1/ 311)، والسرخسي في المبسوط (1/ 14)، والسيد مُحمد مرتضى الزبيدي في كتابه عقود الجواهر المنيفة (1/ 58) نقلًا عن الحارثي في مُسنده.
قال الكمال ابن الهمام بعد ذكر هذه المُناظرة: فرجَّح بفقه الراوي كما رجَّح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهذا المذهب المنصور عندنا.
وقال السرخسي: فرجَّح الأوزاعي حديثه بعلو إسناده، ورجَّح أبو حنيفة حديثه بفقه رواته وهو المذهب؛ لأن الترجيح بفقه الرواة لا علو الإسناد.
وقال الفخر البزدوي: قصرت رواية من لم يُعرف بالفقه عند مُعارضة من عُرف بالفقه في باب الترجيح، وهذا مذهبنا في الترجيح. راجع: كشف الأسرار (2/ 397)، والكافي (3/ 1272).
وقال علي القاري في شرح النُخبة ص(104): المذهب المنصور عند علمائنا الحنفية: الأفقهية دون الأكثرية.
وقال الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار ص(39): الوجه الثالث والعشرون -أي من وجوه الترجيح-/ أن يكون رواة أحد الحديثين -مع تساويهم في الحفظ والإتقان- فقهاء عارفين باجتناء الأحكام من مثمرات الألفاظ؛ فالاسترواح إلى حديث الفقهاء أَوْلَى.
وحكى علي بن خشرم قال: قال لنا وكيع: أي الإسنادين أحب إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله؟ أو سُفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله. فقال: يا سُبحان الله؛ الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسُفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه، وحديث تتداوله الفقهاء خير من أن تتداوله الشيوخ. رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص(11) وذكره ابن الأثير في جامع الأصول (1/ 62) ثم قال: فهذا من طريق الفقهاء رباعي إلى ابن مسعود وثنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قدّم الرباعي لأجل فقه رجاله.
وقال السيوطي في تدريب الراوي (2/ 198): ثالثًا -أي من وجوه الترجيح-/ فقه الراوي؛ سواء كان الحديث مرويًّا بالمعنى أو باللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي.
وقال أبو زهرة بعد مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي: وهذه المُناظرة تدل على أن أبا حنيفة كان يُلاحظ فقه الراوي عند الترجيح فهو يُقدِّم رواية الأفقه على من دونه فقهًا، ولذلك تقصر رواية غير الفقيه عن أن تُعارض رواية الفقيه؛ إذ الأول أشد وعيًا وأقوى ضبطًا وأكمل إدراكًا وأَوْلَى بالاتباع. وانظر: أبو حنيفة ص(245).

كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث لكيلاني محمد خليفة ص(257- 272).

والله الموفق،،

وضاح أحمد الحمادي
13-10-28 ||, 01:03 AM
وهذه المسألة قد تسبتت فيما يُشاع عن الإمام أبي حنيفة من تقديمه للقياس إذا تعارض مع خبر الواحد، والحق أن تقديم الخبر على القياس هو الأقرب لمنهج وقواعد أبي حنيفة؛ حيث احتج بالمُرسل وبرواية المستور وبأقوال الصحابة ليستوعب بذلك العمل بجميع السنة المشرفة، وما كان ليُعارض الأخبار بالقياس
أثابكم الله يا شيخ عمرو
للإمام الأسمندي الحنفي ت 552 هـ تفصيل حسن للغاية في تفصيل مسألة تعارض خبر الواحد مع القياس في كتابه (بذل النظر) ص 468 - 474.
طبعاً لا يعني استحساني قبولي له كله، ولكن وفقاً لقواعد الحنفية فالذي يظهر أن كلامه فيه جمع وتوفيق حسن ، بل هو لازم القبول لكثير من غير الأحناف ممن يجيز تخصيص العام وتقييده بالقياس.
والله أعلم

عمرو بن الحسن المصري
13-10-28 ||, 01:58 AM
السلام عليكم

بارك الله فيكم شيخنا الفاضل وضاح وجزاكم خيرًا على هذه الإشارة اللطيفة، وبالفعل كلامه حسن في الجُملة -وفق قواعد الحنفية-، ولمن يُريد الإطلاع فهذا رابط تحميل الكتاب (بحجم 17.63 MB) -من ملتقى أهل الحديث-:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

(ص 468- 474)
113- باب في: الحكم إذا اقتضى عمومُ القياس فيه، خلافَ ما اقتضاه خبر الواحد:
...
لكن عمومًا نُلاحظ أن كلامي المنقول أعلاه خاص بتحرير مذهب الإمام أبي حنيفة خاصة في هذه المسألة.

هذا، والله أعلم.

هديل
13-12-25 ||, 07:59 AM
شكرا على الافادة

عمرو بن الحسن المصري
14-01-10 ||, 10:44 PM
السلام عليكم


شكرا على الافادة
وشكر الله لكم.