المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد



فاطمة الجزائر
11-06-13 ||, 09:19 PM
يتعرض الإسلام فى عصرنا الحاضر لموجات عاتية من التشويه لحقائقه والتزييف لتعاليمه. وتأتى هذه الموجات التي اشتدت حدتها بصفة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م من جانب خصوم الإسلام فى المقام الأول، وذلك في محاولة لإبعاد الإسلام عن التأثير فى حياة المسلمين، وعزله عن تيار الحياة بصفة عامة حتى ينزوي فى النهاية فى أركان المساجد بلا فاعلية أو تأثير فى حياة الناس الخاصة أو العامة، هذا إذا لم يمكن القضاء عليه نهائياً.
ولكننا فى الوقت نفسه لا نعفي أنفسنا نحن المسلمين من مسؤولية انتشار هذه النظرة السلبية للإسلام. فهناك فريق من أبناء المسلمين يشارك فى هذا التشويه لتعاليم الإسلام بشكل أو بآخر، سواء كان ذلك عن طريق بعض التصرفات الحمقاء التي تسىء إلى هذا الدين أو بتقديم نماذج سيئة عن الإسلام والمسلمين من حيث الشكل أو المضمون. وقد يكون ذلك عن غير قصد أو بحسن نية مثل الدبة التى قتلت صاحبها بحجر كبير ألقته فوق رأسه فى حين أنها أرادت بذلك أن تبعد ذبابة حطت على وجهة أثناء نومه .
وكلا الفريقين بعيد عن الفهم الحقيقى لتعاليم الإسلام، وبعيد عن إدراك المقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية. ومن هنا تأتي ضرورة التوضيح لحقائق الإسلام والتعريف بقيمه وتعاليمه، والكشف عن مقاصد الشريعة الإسلامية وما ترمي إليه من خير كثير للبشرية جمعاء.
ولا شك فى أن المسؤولية عن ذلك كله تقع على عاتق كل قادر على تحمل هذه المسؤولية والقيام بحقها من علماء الإسلام ومفكريه، فهم حماة هذا الدين والحراس على شريعته. وعليهم تقع مهمة تصحيح الأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة عن الإسلام، والقضاء على الأحكام المسبقة فى عقول خصومه والتي تنبني على أوهام وظنون وشائعات عن هذا الدين وترجع كلها إما إلى جهل أبنائه أو ظلم خصومه.
ولن يكون ذلك أمراً ممكناً وفعالاً دون أن يكون هناك لدى من يتصدى لهذه المهمة سعة فى الأفق ومرونة فى الفكر، و وعي حقيقى بمقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها العليا ، وإدراك سليم لطبيعة العصر ومتغيرات الحياة، وقراءة صحيحة للواقع المحلي والعالمي، واقتناع بضرورات التجديد المستمر للفكر الإسلامي بصفة عامة والفكر الفقهي بصفة خاصة .
ومن شأن ذلك كله أن ينتج لنا خطاباً دينياً جديداً مفيداً ومثمراً لمجتمعاتنا الإسلامية يساعد على تطوير الحياة الإسلامية والدفع بها إلى آفاق التقدم والنهوض، وفي الوقت نفسه يثري علاقات العالم الإسلامى بكل شعوب العالم.

مقاصد الشريعة الإسلامية :

ويمكن إجمال المقاصد الشرعية من الأحكام التى جاءت بها الشريعة الإسلامية فى كلمة واحدة تعد عنواناً على الإسلام ذاته، ونعني بذلك "الرحمة"، التى جعلها القرآن الكريم الهدف الأسمى من الرسالة الإسلامية كلها، وذلك فى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء آية: (107)]، والتى تعد على قمة منظومة القيم الإسلامية .
ومن منطلق هذه "الرحمة" بالعباد جاءت الشريعة الإسلامية – بما تشتمل عليه من أحكام – ترجمة حقيقية لهذه القيمة الأساسية. ومن هنا اتجه الإسلام فى أحكامه إلى تأكيد أمور ثلاثة تنبع كلها فى النهاية من ينبوع الرحمة. وأول هذه الأمور يتمثل فى العبادات التى شرعها الله تهذيباً للنفس الإنسانية لتجعل من الفرد مصدر خير للمجتمع. أما الأمر الثاني فهو إقامة العدل بين الناس دون استثناء بأي حال من الأحوال، وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم تأكيداً واضحاً لا لبس فيه في قوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة آية: (8)] .
الموضوع الأصلى من هنا: منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

أما الأمر الثالث فإنه يتمثل فى تأكيد المصلحة الحقيقية للعباد. وهذه المصلحة – كما سبق أن أشرنا – لا صلة لها بالأهواء والأغراض، ولا بالمصالح الفردية وإنما تعني الخير كل الخير بأشمل معانيه للناس جميعاً.
ومقاصد الشريعة الإسلامية منها ما هو فى مرتبة "الضروريات" ومنها ما هو فى مرتبة "الحاجيات"، ومنها ما هو فى مرتبة "التحسينات".
وقد عرف الإمام الشاطبي الضروريات بقوله: إنها تعنى "ما لابد منه فى قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين"
ومن هنا شرع الإسلام من الأحكام والتكاليف ما يحمي هذه المصالح التى تبلغ الحاجة إليها مبلغ الضرورة، ولا تقوم حياة الناس بدونها. وهذه المقاصد الضرورية خمسة هي: حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل. وحياة الإنسان فى هذه الدنيا تقوم على هذه الأمور الخمسة التى تعد ضروريات لازمة للإنسان من حيث هو إنسان، كما تعد أصولاً راسخة لحقوق الإنسان العامة التى ينادي بها المجتمع الإنساني في العصر الحديث، والتي لا تتوافر الحياة الإنسانية الرفيعة إلا بها.
ولاشك فى أن تحقيق هذه المطالب الخمسة تحقق للإنسان مصلحة حقيقية فى دينه ودنياه. ومن هنا جاءت الشرائع السماوية للمحافظة عليها، كما أن الشرائع الوضعية تحاول أن تحققها.
أما الحاجيات والتحسينات فإنها بمثابة الأمور التكميلية. وليس معنى ذلك أنها غير مطلوبة ويمكن الاستغناء عنها، وإنما هي في مرتبة دون مرتبة الضروريات. فالحاجيات هي الأمور التي لا يكون الحكم الشرعي فيها لحماية أصل من الأصول الخمسة المشار إليها، بل يقصد بها دفع المشقة أو الحرج أو الاحتياط لهذه الأمور الخمسة.
أما التحسينات فهي فى مرتبة الكماليات وهى الأمور التى لا تحقق أصل هذه المصالح (الخمسة) ولا الاحتياط لها، ولكنها ترفع المهابة وتحفظ الكرامة وتحمي الأصول الخمسة. ومن ذلك بالنسبة للنفس حمايتها من الدعاوى الباطلة والسب وغير ذلك مما لا يمس أصل الحياة، ولا حاجيات من حاجياتها، ولكن يمس كمالها ويشينها.
وفي الخاتمة؛ يقول المؤلف: من خلال هذا العرض الموجز لمقاصد الشريعة الإسلامية يتضح لنا أن هذه الكليات الخمس التي تشكل مقاصد الشريعة الإسلامية تستوعب حياة الإنسان كلها، وإدراكها على وجهها الصحيح من شأنه تمكين المسلم من بناء حياته و حياة أسرته ومجتمعه على الوجه الصحيح، والإسهام فى بناء المجتمع الإنساني والمشاركة فى بناء الحضارة الإنسانية، وإرساء دعائم الأمن والسلام فى العالم.
إن الإسلام من خلال هذه المقاصد يريد مسلماً يشعر بانتمائه إلى الإنسانية، ويتفاعل مع الآخرين ويتعايش فى سلام مع كل الناس من كل الأعراق والأديان والحضارات. يريد مسلماً متفتح العقل متيقظ الوعي، له من الإدراك لمسؤولياته والفهم للذات و لمن حوله ولمجتمعه الإنساني ما يجعله عضواً فعالاً فى المجتمع يعمل على تقدمه وتطويره متسلحاً بالعلم والوعي بمتغيرات العصر. يريد مسلماً يعيش دنياه ويعيش عصره، ولكنه لا ينسى صلته بخالقه، بل يظل موصولاً بأصله الروحي. يريد مسلماً صاحب نظرة تكاملية للأمور: نظرة مرتبطة بالأرض التى يعيش عليها، ولكنها فى الوقت نفسه مرتبطة بالسماء، وهذه النظرة المرتبطة بالسماء تصحح له مساره على الأرض.
يريد الإسلام من المسلم أن يكون متديناً عن وعي، وليس متديناً ساذجاً يرتمي فى أحضان الخرافة والكسل العقلي والفكري الذي يجعل منه عضواً غير فاعل فى المجتمع، لا يسهم فى تطويره، بل يشكل عبئاً عليه. يريد الإسلام نسلاً قوياً يستطيع أن يتحمل مسؤولية خلافته لله فى الأرض، لا يعتمد على الكثرة العددية غير الفاعلة ولكنه يعتمد على الكيف والنوعية أكثر من اعتماده على الكم الكبير الذى لا فاعلية له. فالإسلام لا يريد غثاء كغثاء السيل يصل تعداده اليوم إلى أكثر من خمس سكان العالم ولكنه ضعيف وغير فاعل ويتحكم الآخرون الأقل عدداً فى مصيره، بل في مصير العالم كله. يريد الإسلام من المسلم ألا يحتقر العمل للدنيا، بل يدرك أن مهمته الحضارية فيها هى بناؤها وتعميرها مادياً وروحياً. وأن هذا البناء يتطلب عقلاً واعياً ويتطلب مالاً وثروة تساعد على هذا التعمير.
يريد الإسلام أن يسابق المسلم غيره فى عالمه الذى يعيش فيه فى "الخيرات" بشتى ألوانها من علوم وآداب وفنون، وذلك من أجل توفير حياة حرة كريمة لنفسه ولمجتمعه وللعالم الذى يعيش فيه، استجابة للأمر الإلهي: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة آية: (148)].

نحن فى حاجة ماسة إلى إدراك مغزى هذه المقاصد الضرورية وما تمثله من منهج حياة للمسلم إذا سار عليه أمكنه أن يصل إلى غاياته النبيلة وأهدافه السامية.
ومن هنا نعتقد أن الإدراك الواعي والتطبيق السليم لهذه الغايات والمقاصد للشريعة الإسلامية يشكل صمام أمان للمجتمع الإسلامي وحماية له من الوقوع فى براثن التطرف أو التعصب أو الإرهاب. ولكن غياب الوعي بهذه المقاصد والانشغال بالأمور الثانوية والقضايا الهامشية يجعله يتوه فى دوامة من اللاوعي تبتلعه وتبتلع نشاطه العضلي والفكري وتجعل منه فريسة لكل الظواهر السلبية التى تجعله فى النهاية لقمة سائغة فى فم الآخرين.
ومن هنا نقول: إن إدراكنا الواعي بمقاصد الشريعة الإسلامية من شأنه أن يحرك المياه الراكدة، ويحيى الأمل فى النفوس المحبطة، ويحفز الهمم، ويوقظ الغافلين ويدفع الكسالى إلى العمل المثمر.
والأمل كبير فى عودة الوعى إلى جماهير المسلمين وعلمائهم وقادتهم ليخرجوا بعالم الإسلام من النفق المظلم الذى حوصر فيه، والأخذ بيده إلى مستقبل مشرق يستعيد فيه المسلمون أمجادهم وعزتهم وحضارتهم ويسهمون إسهاماً فعالاً فى تقدم وسلام البشرية جمعاء.

قراءة في كتاب بعنوان " مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد " تأليف الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق