المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحقيق موقف الإمام مالك من الدلالة اللغوية دليل الخطاب د. عبد الكريم بناني المغرب



عبد الكريم محمد بناني
11-06-28 ||, 03:12 PM
لم يدوّن الإمام مالك أصوله التي سار عليها في استنباطه للأحكام الشرعية وإنما قام بتدوينها علماء المذهب وفقهاؤه، فقد جاء هؤلاء " إلى الفروع وتتبعوها واستخرجوا منها ما يصح أن يكون أصولا قام عليها الاستنباط في ذلك المذهب العظيم ، ودونوا تلك الأصول على أنها أصول مالك فيقولون مثلا : مالك يأخذ بمفهوم المخالفة ، وبفحوى الخطاب وبظاهر القران ويقول في العموم كذا وكذا " ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))،أو يقولون أنه لا يأخذ بكذا وكذا أو يقدم كذا على كذا . وسأحاول من خلال هذه الدراسة المتواضعة الوقوف على تصورات إمام المذهب من الدلالة اللغوية " دليل الخطاب " وبالتالي تحقيق موقفه منها خاصة أن التنظير الأصولي يعرف تناقضا واضطرابا في هذا الجانب ،مما يستدعي الرجوع إلى الممارسة الفقهية العملية لتوضيح الأفكار والآراء ، وذلك في نقاط ثلاث : خصصت الأولى لتحديد مفهوم دليل الخطاب ـ وفي نقطة ثانية تحقيق موقف الإمام مالك من هذه الدلالة انطلاقا مما ذكره الأصوليون ـ وفي نقطة ثالثة التمثيل على موقفه من أنواعه بالفروع الفقهية التي تصلح أن تكون استدلالا على ذلك .


أولا : مفهوم دليل الخطاب


يشكّل دليل الخطاب أداة فاعلة في تفسير النصوص الشرعية والقانونية وحتى في كلام الناس أيضا ، خاصة في المسائل التي ليس لها طريق آخر غير طريق المفهوم المخالف ، كما أنه يعتبر من المباحث اللغوية الشائكة والدقيقة ، وهذا لما عرفه من خلافات وردود ومناقشات سواء من حيث إقراره جملة ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، أو من حيث إقرار بعض أنواعه فقط والتي اختلف أيضا في عدّها من المفهوم .

وتتمحور فكرة هذا الدليل ، أن دلالة اللفظ على المعنى عند الجمهور – ومنهم المالكية – قسمان : منطوق ومفهوم ، وأن هذا الأخير موافقة ومخالفة ، وأن كلا منهما يعبر عن جملة أحكام ، فإذا كان مفهوم الموافقة في المسكوت عنه يوافق حكمه حكم المنطوق به ، سواء بالمساواة أو بالأولى ، فإن دلالة قسمه الآخر في المسكوت عنه هي مخالفة حكمه حكم المنطوق به في الإثبات والنفي ، بمعنى أن حكم المنطوق إذا كان مثبتا كان حكم المسكوت عنه نافيا أو العكس ، وذلك لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في المنطوق ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3) )فيكون لنا حكمان : الحكم الأول يسمى منطوق النص والحكم الثاني والثابت للمسكوت عنه ، يسمى مفهوم المخالفة أو دليل الخطاب ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) .

يقول د. حمادي موضحا هذه الفكرة : ( فيتضح أن الأصوليين لم يكتفوا بما يؤخذ من الخطاب من زاوية المعنى اللغوي – من المعنى ذاته – بل خطو خطوة أخرى تنطلق هذه المرة من هذه القيود المبثوثة في الخطاب الشرعي باعتبارها تشعر بالعلة كالصفة والشرط والغاية والعدد ونحوها ، إذ رأوا أن مثل هذه القيود لا بد وأن تكون مقصودة من طرف الشارع ، ولا بد وأن تستهدف تحقيق غرض معين ، ومحال أن يكون المتكلم أو الشارع قد أتى بها اعتباطا من غير أدنى قصد ولا يترتب عليها أي غرض ، إذ الأسلوب العربي الصحيح يرفض مثل هذا الاتفاق العفوي بين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والعقل الجماعي( [5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) ، بل صار لهذه الدلالة أهمية أيضا في منطق الناس ومعاملاتهم وعرفهم واصطلاحهم ، نظرا للحاجة إليها في تفسير نصوص العلماء وعقود المتعاملين وتصرفاتهم ، فكل عبارة " من أي عاقد أو متصرف أو مؤلف أو أي قائل إذا قيدت بوصف أو شرط أو حددت بعدد أو غاية تكون حجة على ثبوت الحكم الوارد فيها حيث يوجد ما قيدت به وعلى نفيه حيث ينتفي " ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).

وقد حاولت تعاريف الأصوليين المالكية أن تلامس هذه الفكرة وأن تحدد زاوية هذا الدليل بشكل دقيق ، فمن التعاريف المشهورة عندهم، نذكر تعريف القرافي (660هـ) حيث عرفه بقوله : " هو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه " ([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)) وتعريف التلمساني (771هـ) يقول :" أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه " ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) ، لكن ابن رشد الحفيد (595هـ) كان واضحا في حدّه للدليل مشيرا إلى الباعث والسبب في تغير الحكم إلى النقيض وهو انتفاء القيد وارتفاعه عن المنطوق ، وقد جاء تعريفه كالتالي :" هو أن يرد الشئ مقيدا بأمر ما أو مشترطا فيه شرط ما ، وقد علق به حكم ، فيظن أن ذلك الحكم لازم لذلك الشيء من جهة ما هو مقيد وموصوف وأن الحكم مرتفع عنه بارتفاع تلك الصفة ولازم نقيضه " ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).


ثانيا : تحقيق موقف الإمام مالك من دليل الخطاب عند الأصوليين
إذا أردنا أن نعطي تصورا صريحا عن موقف الإمام مالك من دليل الخطاب فالأمر يبدو صعبا إذا اقتصرنا على كتب الأصول لأنها تعرف مدّا وجزرا حول موقفه ، فبعض الأصوليين مثلا يصرح بحجيته عنده كابن القصار (397هـ) فى مقدمته الأصولية حيث قال :'' ومن مذهب مالك رحمه الله أن دليل الخطاب محكوم به وقد احتج بذلك في مواضع منها حيث قال: " أن من نحر هديه بالليل لم يجزه لقول الله عز وجل ((ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات )) [الحج 25] دليله أنه لا يجزيه إذا نحره بالليل... وهذا نص منه في القول بدليل الخطاب " ([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وحكاه أيضا القرافي (684هـ) ولكن استثنى منه مفهوم اللقب ([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)) ، و هـذا لأن ابن القصار اعتبر المثال المذكور مفهوم لقب ، فهو استدل بأضعفها عند مالك ، أما القرافي ومن قال بقوله([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)) ، فيرى أنه ظرف وليس بلقب ( لفظ الأيام ) في الآية .


ونجد في المقابل من يحكي نسبته إلى الإمام كابن العربي (543 هـ) في المحصول ، قال : " ونسب أهل المقالات إلى مالك أنه يقول به " ([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)) وإن كان في الأحكام يعتبره أصلا من أصول المالكية ([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14))، وفي اعتقادي أن اعتباره أصلا عند المالكية ، لا يتأتى دون عمل الإمام به وتوظيفه في استنباط الأحكام .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل ذهب بعض المالكية إلى أبعد من ذلك ، كالإمام المازري (536هـ) ([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)) الذي أنكر نسبته إلى مالك في شرح البرهان ، وقال : " ما استدلوا به على قوله به من أنه استدل على أن الخيل لا تؤكل بقوله تعالى (( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة )) [النحل 6 ]، فذكر منافعها من ركوب وزينة ولم يذكر الأكل ، ففيه نظر ، لاحتمال أن يكون تعلق بالآية لأجل أنها وردت للامتنان فلو كان الأكل مباحا لامتن به ، لأنه من أعظم النّعم التي يمتن به فلا يكون هذا الاستدلال اقتصارا على أن المسكوت عنه بخلاف المنطوق لأجل هاته القرينة التي أشرنا إليها" ([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16))، ثم إن بعض الأصوليين اختار أن يفصل في بعض الأنواع فقط ، فمثلا ذكر القاضي عبد الوهاب البغدادي (422هـ) في الملخص ، عن مفهوم الصفة أنه ظاهر قول مالك ([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)).

وذكر الرازي الشافعي (606 هـ) أن الإمام مالك لا يقول بها ([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18))، لكن جمهور المالكية وغيرهم على أنه أخذ بمفهوم الصفة ، ونصّ عليه الغزالي (505هـ) في المستصفى وابن قدامة (620هـ) في الروضة([19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)) وغيرهم كثير .

- مفهوم الشرط : وقد نفاه عن مالك ابن التلمساني([20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20)) في شرح المعالم كما حكاه القرافي([21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21)) .

- مفهوم العدد : قال صاحب مختصر تحقيق الأمل أنه أخذ به ([22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22))، بينما ذكر الغزالي أنه ينسب له فقط ([23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)).

- مفهوم اللقب : قلنا قبل قليل أن القرافي وبعض المتأخرين ينفون عن مالك حجيته، بيد أننا نجد المازري والذي سبق أن أنكر نسبته إلى مالك يشير إلى عمله بمفهوم اللقب وذلك " لأجل استدلاله في المدونة على أن الأضحية إذا ذبحت ليلا لا تجزئ بقوله تعالى (( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام )) وقال في المدونة : " ذكر الأيام ولم يذكر الليالي" ([24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24))، وقد أثبته أيضا صاحب شرح الكوكب المنير([25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25)) .

وفي رأيي أن هذا الاختلاف في الخروج بموقف حاسم في المسألة ، مرده إلى الاختلاف في تخريج المسائل عن مالك ، فالفروع الفقهية التي تومئ إلى أن مالك عمل به ثابتة في الموطأ والمدونة ، لكن توجيه تلك المسائل هو الذي أعطانا مثل هذا الاختلاف ، أضف إليه ، النقل عن المتقدمين دون تحقيق ولا تثبت ، ولهذا تبدو مسألة الرجوع إلى الفروع أمرا ضروريا لا غنى عنه .




ثالثا : تحقيق موقفه بالفروع الفقهية

سوف أقتصر على بعض الفروع التي تصلح في نظري أن تكون استدلالا واضحا على موقفه منها ، وسأتناولها مقسمة على أنواع دليل الخطاب المشهورة عند الأصوليين المالكية وهي: الصفة ، الشرط ، الغاية ، العدد ، الحصر واللقب ، وإن كان بعض المالكية يوصلها إلى تسعة أو عشرة وذلك لأن بعض الأنواع قد تضم تحت نوع واحد يجمعها([26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26)) :

· مفهوم الصفة :

ومنه قوله تعالى (( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات )) [النساء 25 ]، ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة ، بدليل قوله تعالى (( من فتياتكم المؤمنات )) ، ومفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال ([27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn27))، وهذا ما نص عليه مالك بعد ذكره للآية قال : " فإنما أحل الله فيما نرى نكاح الإماء المؤمنات ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية "([28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn28)) ، ويبدو أن قوله " ولا يحل نكاح .... بعد قوله فإنما أحل " ظاهر في إيراده لمنطوق الآية أولا ثم مفهومها ، ولهذا قال ابن العربي في القبس : " وهذا نص منه على التعلق بالتخصيص والقول بدليل الخطاب "([29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn29)) ويشير إليه أيضا القرطبي (671هـ) في تفسيره للآية بقوله :" فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه" ([30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn30)).

· مفهوم الشرط :

ومنه قوله تعالى في آية اللعان (( ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين )) [النور 8-9]، فمنطوق هذا النص أن المرأة إذا لاعنت زوجها عند لعانه لها ، ارتفع عنها العذاب ، أما إذا امتنعت ونكلت ، فإنها تعذب اعتبارا لمفهوم الشرط الذي قيد به النص ، وعذابها هو الحد أي حد الزنى وهو الرجم ([31] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn31)) لأنها تقر به بامتناعها ، وهذا كلام مالك في المسألة كما حكاه عنه تلميذه ابن القاسم ([32] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn32))في المدونة " قال : قال مالك : يقال للمرأة التعني وادرئي العذاب عن نفسك ولا ميراث لك ، فإن أبيت اللعان وأكذبت نفسك أقيم عليك الحد " ([33] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn33))، فمنطوق النص هنا ( التعني وادرئي العذاب ) ومفهومه في قوله ( فإن أبيت اللعان ،،،،الخ ) .

· مفهوم الغاية :

يفيد مفهوم الغاية أن الحكم إذا علق على غاية ، دلّ على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها ، ومن الأحكام التي تشير إلى هذا الأمر ، تعليقه عليه الصلاة والسلام بيع الطعام بغاية القبض في قوله : " من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه "([34] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn34)) أي إذا تم القبض جاز بيعه ، وإليه يشير قول مالك في المدونة بأنه لا يجوز بيع الطعام الذي أسلف فيه ، إلا أن يقبضه ([35] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn35))، وكذا حرمة الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المفهوم من قوله تعالى (( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من السود من الفجر )) [البقرة 186 ] ([36] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn36))، وغيرها كثير في الموطأ والمدونة .

وأشير هنا إلى أن عدم وجود من ينفي العمل بمفهوم الغاية عند الإمام مالك من الأصوليين أو الفقهاء ، وأن المسائل التي علق الحكم فيها على غاية ، وكان الحكم المسكوت فيها عنده بخلاف المنطوق – المقيد بغاية – يؤيد أن هذه المسائل بني الحكم فيها على دليل الخطاب وأنه يقول بها .

· مفهوم العدد :

مفهوم العدد يعني الاقتصار على العدد المنطوق به دون زيادة ولا نقصان ، وأهم المسائل التي تشير إلى هذا عند مالك ، الاقتصار في الطواف بالبيت على سبع دون زيادة ولا نقصان ، جاء في الموطأ في الرجل يدخل في الطواف فيسهو حتى يطوف ثمانية أم تسعة أطواف ، قال مالك : " يقطع إذا علم أنه قد زاد "([37] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn37)) .

والاقتصار في الحدود على العدد المنصوص ، كحد القاذف ثمانين جلدة ، لا تقلّ ولا تزيد عنها واحدة ([38] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn38))، وغيرها كثير .

· مفهوم الحصر :

الحصر إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه ([39] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn39))، وقد أخذ به مالك في قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج " ([40] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn40))، حيث يفيد الحديث بمفهومه حصر إحداد المرأة على زوجها فقط ، فلا إحداد على المطلقة ولا على أم الولد ولا الأمة بملك اليمين ، يقول مالك في المسألة : " لا إحداد على المطلقة مبثوثة كانت أو غير مبثوثة وإنما الإحداد على المتوفى عنها زوجها وليس على المطلقات شئ من الإحداد ([41] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn41)) وكذا قوله في أم الولد أيضا ([42] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn42)) ، وقد أوضح ابن رشد (595هـ) الدليل هنا فقال : " فعلم بدليل الخطاب أن من عدا ذات الزوج لا يجب عليها إحداد " ([43] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn43)).

وإن اقتصرت هنا على هذا الفرع ، فإن المدونة تعج بتطبيقات مفهوم الحصر ، كمسألة الرجوع في الهبة لغير الوالد ([44] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn44))، وحصر الصدقة في الحرث والعين والماشية ([45] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn45)) ، وحصر حق الولي في القصاص ([46] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn46))، مما لا يحتاج معه إلى توضيح .

· مفهوم اللقب :

وهذا هو بيت القصيد في المسألة ، لأن المفاهيم السابقة أغلب المالكية يأخذون بها ، والفروع الفقهية تشهد لذلك ، أما مفهوم اللقب فإنهم يصرحون بترك العمل به – إلا ماكان من ابن خويز منداد ([47] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn47))– ولكني أجد في المدونة ما يفيد العكس ، ذلك أن الإمام مالك قال بالدليل في قوله صلى الله عليه وسلم : " من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه " ([48] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn48)) فتقييد الكلام هنا بالطعام يفيد أن غير الطعام بخلافه ، فيجوز بيعه قبل الاستيفاء " لأن الحديث إنما جاء في الطعام وحده " ([49] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn49))، وقال المازري (536هـ) يحكي دليل مالك في المسألة ويؤيد ما قلناه : " ويقول مالك فإن دليل خطاب الحديث يقتضي جواز غير الطعام ولو كان سائر المكيلات ممنوعا بيعها قبل قبضها لما خص الطعام بالذكر ، فلما خصه دل على أن ماعداه بخلافه " ([50] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn50))

وهكذا يتضح لنا من خلال ما ذكر ، أن الإمام مالك يأخذ به في استنباط الأحكام ، وكما قلت بدءا ، فإن هذه النتيجة وإن كانت واضحة عند أغلب من كتب في الموضوع ، لكنها كانت تحتاج إلى الفروع لتأكيدها ، واستجماع خيوطها ، وهو ما حاولت فعله .


والله الموفق ، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد .




[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - الإمام مالك : حياته وآراءه وفقهه، محمود عبد المتجلي خليفة ص 159 مجلة الأزهر عدد شهر ذي القعدة 1413هـ .


[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - من الذين ينكرون العمل به الحنفية والظاهرية الذين يردونه جملة . (ن) الفصول في الأصول ، أحمد بن علي الرازي الجصاص 1\296 تحقيق :د .عجيل حاسم ط2\1414هـ .والإحكام في أصول الأحكام ، ابن حزم الأندلسي 7\2 وما بعدها ( د.ت ).



[/URL] - هذا إذا كان القيد في المنطوق لغرض بيان التشريع ، وليس لغرض آخر ،ككون القيد خرج مخرج الغالب أو جوابا لسؤال ..... [3]



(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) - الوجيز في أصول الفقه ، عبد الكريم زيدان ص 366 مكتبة القدس ،ط6\1405هـ .1985 .[4]



- الخطاب الشرعي وطرق استثماره ،د. ادريس حمادي ص 260 المركز الثقافي العربي ط1\1994 .[5]


[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6"][6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - علم أصول الفقه ، عبد الوهاب خلاف ص 156 ، دار القلم ط12\1398هـ- 1978 .


[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) - شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول ص55 ، دار الفكر ط1\1393هـ -1973 .


[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ، ص79 ،دار الكتب العلمية بيروت –لبنان ط1\1417هـ - 1996 .


[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) - الضروري في أصول الفقه ، ص 119 ،تحقيق :جمال الدين العلوي ،دار الغرب الإسلامي ط1\1994 .


[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) - المقدمة في الأصول ، أبي الحسن ابن القصار ص 81-82 ، دار الغرب الإسلامي ط1\1996.


[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) - الفروق ،شهاب الدين أبو العباس القرافي المالكي 2\37 ،دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان (د.ت) . وفي تنقيح الفصول لم يستثن اللقب ص 270 ط. دار الفكر \1393هـ،1973.


[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) - أغلب المتأخرين كالشنقيطي في نثر الورود على مراقي السعود 1\113،تحقيق :د.محمد ولد سيدي حبيب الشنقيطي دار المنارة للتوزيع والنشر ط1\1415هـ.1995. والسباعي الرجراجي في منار السالك إلى مذهب الإمام مالك ص83 ،المطبعة الجديدة ومكتبتها بفاس ط1\1359هـ،1940 .


[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) - المحصول في علم الأصول ، أبو بكر ابن العربي 2\204 دراسة وتحقيق :د.الحسين التاويل ، أطروحة دكتوراه مرقونة بدار الحديث الحسنية بالرباط .


[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) - أحكام القرآن ، أبو بكر ابن العربي 1\392 ،مراجعة وتحقيق :محمد عبد القادر عطا ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان (د.ت) .


[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) - "هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المعروف بالإمام ...بلغ من العمر نيفا وثمانين سنة ولم يفت بغير مشهور مذهب مالك ، مات في ربيع الأول 536هـ بالمهدية ودفن بالنشير « . شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ،الشيخ محمد بن محمد مخلوف ص127\128 ،دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع (د.ت.)


[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) - نقلا من حاشية منهج التحقيق والتوضيح لحل غوامض التنقيح ، الشيخ محمد جعيط 1\187ـ188 ،مطبعة النهضة ط1\1340هـ.1920 .


[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) - (ن ). البحر المحيط tفي أصول الفقه ، بدر الدين الزركشي 4\31 ،وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت ،ط2\1413هـ\1992.


[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) - المعالم في أصول الفقه ،فخر الدين الرازي ص63 ،تحقيق الشيخين :عادل عبد الجواد،محمد علي عوض،دار عالم المعرفة1414هـ\1994 .


[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) - المستصفى من علم الأصول أبو حامد الغزالي 1\191 دار صادر ط1\1322هـ . وروضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه ابن قدامة المقدسي 2\23،مكتبة المعارف الرياض ط2\1404هـ\1984.


[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) - "هو عبد الله بن محمد بن علي الفهري المصري الشافعي المعروف بابن التلمساني ، فقيه أصولي ، تصدر للإقراء بالقاهرة وتوفي بها سنة (644هـ)" . معجم المؤلفين ،عمر رضا كحالة 6\133 مكتبة المثنى بيروت ودار إحياء التراث العربي بيروت (د.ت) .


[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21) - نفائس الأصول في شرح المحصول ، القرافي2\1390 تحقيق الشيخين : عادل عبد الجواد،محمد علي عوض المكتبة العصرية بيروت(د.ت) .


[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref22) - مختصر تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل ،عبد المومن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي (739هـ) ، ص69 ،مركز إحياء التراث المغربي ، الرباط (د.ت) .


[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23) - المنخول من تعليقات الأصول ، الغزالي ص 209 ،تحقيق د. حسن هيتو (د.ت.)


[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref24) - نقلا من حاشية منهج التحقيق 1\192. وانظر المدونة الكبرى للإمام مالك 1\432-433 ، دار الطباعة والنشر والتوزيع ط1\1419هـ\1998 .


[25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref25) - محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار (972هـ) ، 3\509 ، تحقيق د.محمد الزحيلي ود.نزيه حماد دار الفكر دمشق ط1400هـ\1980 .


[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref26) - كمفهوم الحصر الذي يضم الحصر بإنما وبالاستثناء ،توسط ضمير الفصل،تقديم المعمول،الألف والام .....فكلها يجمعها قولهم مفهوم الحصر ، أما الزمان والمكان والعلة فترجع إلى الصفة ، قال ابن العربي :" إذا قلت الصفة أغناك عن الزمان والمكان والعدد لأنها كلها أوصاف للأعيان " المحصول في علم الأصول 2\205


[27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref27) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ،محمد الأمين بن المختار الشنقيطي 1\387 ،الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، الرياظ السعودية ط1\1403هـ،1982 . .


[28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref28) - الموطأ للإمام مالك بن أنس برواية يحي بن يحي الليثي ،ص305 ،المكتبة العصرية بيروت ، ط1\1421هـ\2000 .


[29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref29) - القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ،أبو بكر ابن العربي 2\710 ،دراسة وتحقيق :محمد عبد الله ولد كريم ،دار الغرب الإسلامي ط1\1992 .


[30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref30) - الجامع لأحكام القرآن ،أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 5\89 ،دار الفكر ط1\1419هـ\1999 .


[31] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref31) - أحكام القرآن ، ابن العربي 3\356 ، مراجعة وتحقيق :محمد عبد القادر عطا ،دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان ، (د.ت) .


[32] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref32) - "هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي مولاهم المصري الفقيه صاحب مالك وله ستون سنة ، ولزم مالك مدة وسأله عن دقائق الفقه ...توفي سنة 191 هـ ،" شذرات الذهب في أخبار من ذهب ،عبد الحي ابن العماد الحنبلي 1\329 ، دار الآفاق الجديدة بيروت (د.ت.) .


[33] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref33) - المدونة 3\1440


[34] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref34) - البخاري كتاب البيوع باب الكيل على البائع والمعطي 2\26، مسلم كتاب البيوع ، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض (ح32)، مالك كتاب البيوع باب العينة ومايشبهها (ح42) عن ابن عمر .


[35] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref35) - المدونة 3\1572-1573


[36] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref36) - نفسه 1\202


[37] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref37) - الموطأ 218


[38] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref38) - المدونة 6\2794


[39] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref39) - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ،سيدي محمد الزرقاني 4\91 ،دار الفكر (د.ت.) .


[40] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref40) - الحديث مختصر : كتاب الجنائز باب المرأة عن أم حبيبة ، مسلم كتاب الطلاق باب 9 رقم 58 ، النسائي كتاب الطلاق باب الإحداد عن عائشة 6\198


[41] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref41) - المدونة 2\828


[42] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref42) - نفسه 2\834


[43] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref43) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، أبو الوليد بن رشد الحفيد 2\202 ،تحقيق الشيخين : عادل عبد الموجود ، محمد علي عوض دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط2\1420هـ\2000 .


[44] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref44) - المدونة 6\2708 في قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد " .


[45] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref45) - الموطأ 146


[46] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref46) - المدونة 6\3012 في قوله عليه الصلاة والسلام : " كتاب الله القصاص " .


[47] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref47) - هو محمد بن أحمد بن عبد الله خويز منداد المالكي ، العراقي ، فقيه وأصولي صاحب أبي بكر الأبهري ، من تصانيفه (كتاب كبير في الخلاف )و(كتاب في أصول الفقه)و(اخنيارات في الفقه) " . معجم المؤلفين 8\280 .


[48] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref48) - سبق تخريجه .


[49] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref49) - المدونة 3\1573


[50] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref50) - المعلم بفوائد مسلم ،محمد بن علي المازري 2\165 ، تحقيق الشيخ :محمد الشاذلي النيفر ، دار الغرب الإسلامي ط2\1992 .

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
11-12-11 ||, 10:24 PM
مفهوم اللقب :
وهذا هو بيت القصيد في المسألة ، لأن المفاهيم السابقة أغلب المالكية يأخذون بها ، والفروع الفقهية تشهد لذلك ، أما مفهوم اللقب فإنهم يصرحون بترك العمل به – إلا ماكان من ابن خويز منداد ([47] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn47))– ولكني أجد في المدونة ما يفيد العكس ، ذلك أن الإمام مالك قال بالدليل في قوله صلى الله عليه وسلم : " من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه " ([48] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn48)) فتقييد الكلام هنا بالطعام يفيد أن غير الطعام بخلافه ، فيجوز بيعه قبل الاستيفاء " لأن الحديث إنما جاء في الطعام وحده " ([49] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn49))، وقال المازري (536هـ) يحكي دليل مالك في المسألة ويؤيد ما قلناه : " ويقول مالك فإن دليل خطاب الحديث يقتضي جواز غير الطعام ولو كان سائر المكيلات ممنوعا بيعها قبل قبضها لما خص الطعام بالذكر ، فلما خصه دل على أن ماعداه بخلافه " ([50] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn50))




وهكذا يتضح لنا من خلال ما ذكر ، أن الإمام مالك يأخذ به في استنباط الأحكام ، وكما قلت بدءا ، فإن هذه النتيجة وإن كانت واضحة عند أغلب من كتب في الموضوع ، لكنها كانت تحتاج إلى الفروع لتأكيدها ، واستجماع خيوطها ، وهو ما حاولت فعله .




قال الزركشي في البحر المحيط في مباحث الخاص والخصوص والتخصيص بعد ذكر التخصيص بالمفهوم ج2 ص516 :

الثالث قال القاضي أبو الطيب : تخصيص العام بدليل الخطاب واجب إلا أن يمنع منه دليل من المفهوم ، فيسقط حينئذ المفهوم ، ويبقى العام على عمومه مثاله : نهيه عن بيع ما لم يقبض ، مع قوله : { من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه } فإنا لم نقل بالمفهوم ، وخصصنا به العام ، كما فعل مالك حيث قصر العموم على الطعام ، لأن معنا دليلا أقوى من المفهوم ، وهو التنبيه ، لأن الطعام إذا لم يجز بيعه قبل القبض مع حاجة الناس إليه ، فلأن لا يجوز غيره أولى ؛ ولأن القياس يقدم على المفهوم ، والقياس يدل على أن غير الطعام بمنزلته ؛ لأنه إنما لم يجز بيع الطعام لأنه لم يحصل فيه القبض المستحق بالعقد ، هذا المعنى موجود في غير الطعام .

على أن بعضهم أجاب عن هذا بأنه من باب مفهوم اللقب ؛ لأن الطعام اسم ، وتعلق الحكم بالاسم لا يخصص ما عداه . قال القاضي وهذا غلط ، لأن ذلك في الاسم اللقب أما الاسم المشتق ، فإنه يجري مجرى الصفة ، كالفاسق والنائم . اهــ

د. أيمن علي صالح
11-12-12 ||, 08:59 AM
أين أنتم يا شيخ عبد الحكيم؟ لا تحرمونا من فوائدكم

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
11-12-12 ||, 11:47 AM
بارك الله فيك شيخنا الفاضل الدكتور أيمن.

هموم الدنيا و لقمة العيش تأخد الوقت كله ، أسأل الله أن يعين الجميع في طاعته.



لمزيد من الفائدة : المقرر عند المالكية أن الإمام مالك لا يقول بمفهوم اللقب و لم يقل به إلا الدقاق والصيرفي من الشافعية وابن خويز من المالكية و بعض الحنابلة كأبي حامد المروزي ( نقله بعضهم عنه لكن الزركشي قال أن المعروف عن أبي حامد المروزي إنكار القول بالمفهوم مطلقا ) ، قال ابن حسين المكي المالكي في حاشيته على الفروق (تهذيب الفروق : ( الفرق الحادي والستون بين قاعدة مفهوم اللقب وبين قاعدة غيره من المفهومات )) : لم يقل بها (أي مفهوم اللقب) إلا الدقاق والصيرفي من الشافعية وابن خويز من المالكية وبعض الحنابلة كما في جمع الجوامع وبين قاعدة غيره من المفهومات قال بها جمع كثير كمالك والشافعي وغيرهما ، وذلك أن غير مفهوم اللقب من بقية المفاهيم كمفهوم الصفة والغاية والحصر فيه رائحة التعليل ضرورة أن الصفة والغاية والحصر والزمان والمكان والمانع والاستثناء والشرط شروط لغوية والشروط اللغوية أسباب شرعية كالعلة فمتى جعل الشيء شرطا أشعر بسببية ذلك الشرط للمعلق عليه سواء أدركنا نحن ذلك أم لا وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند المتكلم بها والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول كان اللازم في صورة المسكوت عنه عدم الحكم لعدم علة الثبوت فيه وأما مفهوم اللقب فإنه وإن استدل له من احتج له بأنه لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره كالصفة ونحوها إلا أنه يفرق بينه وبين الصفة ونحوها من جهتين الأولى أن الكلام لا يستقيم بدون ذكره بخلاف الصفة ونحوها . اهــ

وقد سألني أحد طلاب الشريعة على ما قرره شيخنا الفاضل الدكتور عبد الكريم محمد بناني في هذا البحث حول إحتجاج الإمام مالك بمفهوم اللقب بدليل تقييده الحديث بالطعام فأجبته بجوابين :
أن الإمام مالك قد يكون قد نظر إلى البراءة الأصلية فالأصل في البيوع الجواز لقوله تعالى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } ثم خصص الطعام بالحديث السابق فيكون على هذا قد عمل بالإباحة الأصلية في غير الطعام و ليس بمفهوم اللقب.

و الجواب الثاني أن الطعام مشتق من صفة فيكون العمل في الحديث بمفهوم الصفة لا اللقب.

ثم وقفت على كلام الزركشي في البحر المحيط فنقلته هنا للفائدة.

هناك رسالة دكتورا بعنوان الآراء الشاذة في أصول الفقه ، دراسة استقرائية نقدية لعبد العزيز بن عبد الله بن علي النملة بحث فيها : حجية مفهوم اللقب و قد توصل في خلاصته إلى أن القول بحجية مفهوم اللقب بإطلاق، رأي شاذ لمخالفة الأدلة القطعية في ذلك ، ومن نقل عن الإمام مالك ، والإمام أحمد شيئـًا من ذلك فقد قالا به لوجود قرينة تدل على التعليل ، وهذا خارج محل النـزاع .اهـ ينظر خلاصة البحث على هذا الرابط لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

و الله أعلم