المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يغني علم أصول الفقه عن علم المقاصد؟



أمين بن منصور الدعيس
08-06-21 ||, 05:38 PM
هذا كلام نفيس للطاهر ابن عاشور رحمه الله في التمييز بين علم مقاصد الشريعة، وعلم أصول الفقه، ودفع توهم الاستغناء عن النظر في مقاصد الشريعة اتكالا على علم أصول الفقه قال رحمه الله:
«وقد يظن ظان أن في مسائل علم أصول الفقه غنية لمتطلب هذا الغرض بيد أنه إذا تمكن من علم الأصول رأى رأي اليقين أن معظم مسائله مختلف فيها بين النظار مستمر بينهم الخلاف في الأصول تبعا للاختلاف في الفروع، وإن شئت فقل: قد استمر بينهم الخلاف في الأصول لأن قواعد الأصول انتزعوها من مصنفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يدون إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين، على أن جمعا من المتفقهين كان هزيلا في علم الأصول يسير فيها وهو راجل وقلَّ من ركب متن الفقه فدُعيت نزال فكان أول نازل، لذلك لم يكن علم الأصول منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه، وعسر أو تعذر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.
على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثا على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة......
فهم –أي الأصوليون- قصروا مباحثهم على ألفاظ الشريعة وعلى المعاني التي أنبأت عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية، وربما يجد المطلع على كتب الفقه العالية من ذكر مقاصد الشريعة كثيرا من مهمات القواعد لا يجد منها شيئا في علم الأصول وذلك يخص مقاصد أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة.
ومن وراء ذلك خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو مغمور أبوابها، المهجورة عند المدارسة، أو المملولة ترسب في أواخر كتب الأصول لا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة، ولا المتعلمون إلا الذين رزقوا الصبر على الإدامة، فبقيت ضئيلة ومنسية وهي بأن تعد في علم المقاصد حرية ». (مقاصد الشريعة الإسلامية ص166-168).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-08-18 ||, 02:59 PM
بارك الله فيك

الإشكاليات الحقيقية الواقعة اليوم بين الإفراط في الاعتبار المقاصدي، وبين الإفراط في التجافي عنه سببه تأخر في معرفة دقائق المدرسة المقاصدية، كما رسمها الشافعي، والجويني، والغزالي، والعز بن العبد السلام، والقرافي، وابن دقيق العيد، والطوفي، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، وغيرهم، فإن دراسة تفاصيل ودقائق هؤلاء الرجال لهو حلٌ كافٍ في إدراك مساحة مناسبة بين الغلو في اعتبار المقاصد إلى درجة إسقاط النص، وبين التجافي عنه إلى درجة الخروج عن معاني النصوص، كما أجد فيه حلاً منطقياً مفصَّلاً بين دعاوى الشذوذ والتقليد التي تكافأها المعاصرون فيما بينهم.

محمد أمين الهنيني
09-08-20 ||, 08:53 PM
السلام عليكم وجزاكم الله خيرا.
عندي سؤال طالما دار في ذهني ولم اجد له جوابا شافيا الا وهو اننا لو سلمنا بمقاصد الشريعة كما فهمها الشاطبي وغيره فما دورها وعلاقتها بالاجتهاد؟ فاذا كان تعريف الاجتهاد يدور على انه بذل الوسع في طلب شيء من الاحكام الشرعية من الادلة التفصيلية، وواقعه ان المجتهد يدرس واقع المشكلة التى يراد حلها ثم يبحث في الادلة التفصيلية للوصول الى الحكم الشرعي اما نصا او دلالة، فأين تقع المقاصد الشرعية في هذه العملية؟ وجزاكم الله خيرا

د. رأفت محمد رائف المصري
09-08-21 ||, 07:24 PM
على طريقة المدارسة أقول :

ثمة فرقٌ بين استنباط الحكم الشرعي مجرَّداً عن الواقع وملابساته وبين "الفتوى"، وهي تنزيل الحكم الشرعي على الواقع .

أما العملية الأولى، وهي استنباط الحكم الشرعي؛ فعمل الفقيه فيها ضمن الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة، والنظر في الإجماع والقياس، وما أشبه ذلك .

وأما العملية الثانية، وهي الفتوى؛ فيقوم الفقيه فيها بضمّ أمور أخرى إلى ما تحصّل لديه من العملية الأولى، بأن ينظر في المقاصد الشرعية، ومدى توافق ما تحصل لديه من النظر في الأدلة التفصيلية مع المقاصد العامة للتشريع، ثم المآلات التي تجرّ إليها نتائجه، ومدى سلامتها مما قد يرتب عليها من مفاسد متحققة،من مقاصد الشريعة الكاملة دفعها والاحتراز عنها .

ولذلك نبّه الشاطبي على أنه لا بد من النظر الكلّي لا الجزئي في الفتوى، وأن أي دليل جزئي لا يكفي لإطلاق حكم الفتوى، بل لا بد من اعتبار الشريعة ككل دليل هذا الحكم أو ذاك .

هذا ما خطر بالبال على عجل، والموضوع ما يزال في إطار النقاش .

محمد أمين الهنيني
09-08-23 ||, 06:44 PM
جزاك الله خيرا على جوابك
اليس الحكم الشرعي نفسه هو انزال الحكم على واقع معين؟ فالاجتهاد هو عملية البحث في النصوص التفصيلية للوصل الى الحكم الشرعي في واقعة معينه، أي ان الحكم الشرعي هم ثمرة الاجتهاد. فبهذا المعنى تكون الفتوى هي مرادفة للحكم الشرعي ولا تختلف عنه. فالمفتي هو الذي يبين الحكم الشرعي للسائل أي ينقله اليه، ففي اللغة: أفتى افتاء في المسألة: أبان له الحكم فيها. واستفتى استفتاء العالم في مسألة، سأله ان يفتيه فيها. وعلى هذا فالمفتي لا يشترط فيه القدرة على الاجتهاد بعكس المجتهد، لأن عمله الابانه وليس الاستنباط. والابانة قد تكون من حكم شرعي استنبطه المفتي بنفسه او استنبطه غيره ونقله هو.
والقول ان المفتي في انزاله الحكم الشرعي على الوقع يأخذ بالحسبان المقاصد وغيرها يجعل الحكم الشرعي حكمان: حكم مستنبط من الادلة وحكم منزل على الواقع وهو الفتوى، اي ان المسلم المقلد لا يرجع الى الحكم الشرعي وانما يرجع الى الفتوى والتي فيها الحكم الشرعي الذي استنبط من النصوص مع زوائد وهي المقاصد والمآلات الخ... وهذا اشكال...
تعليقكم جزاكم الله خيرا *

د. رأفت محمد رائف المصري
09-08-24 ||, 12:47 PM
أضرب للكلام مثالاً، فبه - إن شاء الله - يتضح المقال .

روى الأئمة في بعض كتبهم أن رجلاً جاء ابن عباس يسأله : هل لقاتل نفسٍ من توبة ؟
فأجابه ابن عباس : لا، فلما انصرف الرجل اجتمع على ابن عباس طلابُه، فراجعوه بأنك لم تكن تفتينا بهذا ؟
فبيّن لهم رضي الله عنه أن الرجل قد ظهرت عليه أمارات إرادة القتل، فإن أفتاه بحصول التوبة للقاتل تجرّأ على ما أراده .

والمقصود : أن فتوى ابن عباس في هذه الحالة التُفتَ فيها إلى ما هو أبعد من النظر في الأدلة المجرّدة عن واقع الحالة..

وأردف بكلام آخر ..

ما الحكم الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟

فرضية الكفاية على قول، والعينية مع الاستطاعة على قول آخر، وهذا هو الحكم الشرعي .

فإن أدّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى وقوع منكر أشدّ من الأول امتنع النهي عن الأول .


وفيه القصة التي يرويها ابن القيم عن فقه شيخه ابن تيمية رحمهما الله، من أنهم مشوا يوماً فوجدوا جند التتار يشربون الخمر، فهمّ أحد تلامذة الشيخ بنهيهم، فأرشده شيخ الإسلام إلى أن تركهم على ما هم عليه من السكر، أهون من منعهم عنه، فيتسلطوا على أموال المسلمين وأعراضهم - إن هم أفاقوا من سكرتهم - ..

فقدّم ارتكاب المنكر الأقل على الأعظم - إن كان لا بد من وقوع أحدهما - ودفع المفسدة الأعلى بالمفسدة الأدنى .

هذه التفاصيل والملابسات خارجة عن ذات النصوص الشرعية المجرّدة، ومتعلقة بالنظر إلى المقصود الشرعي من تشريع الأحكام ..


فالشرع إنما أراد من تشريعه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : توسيع بقعة المعروف، والتقدير على بقعة المنكر، فإن أدّى الأمر والنهي إلى عكس مطلوب الشرع ومقصوده : وجب الدوران مع مقاصد الشارع، والله أعلم .

محمد أمين الهنيني
09-08-27 ||, 02:22 AM
جزاك الله خيرا – لقد وضح الفرق ولكن السؤال في الاصل كان في موضوع المقاصد الشرعية، ولا ادري اذا كان المثالين الذين تفضلت بذكرهما هما من هذا القبيل. اذا نظرنا في فتوى ابن عباس رضي الله عنه او في فتوى ابن تيمية رحمه الله يبدو وان الواقع الذي حكما فيه اختلف، وتداخلت امور مختلفة ادت الى حكم شرعي اخر.
... أوضح ما اعني وصحح فهمي، ان اخطأت ،حفظك الله
مثلا في فتوى ابن تيمية في الجنود، اجتمع حرامان: شرب الخمر ،وهو حرام متعلق بشاربه فقط، والحرام الثاني هو التعرض للمسلمين واموالهم بالاذى، وهو حرام وظلم للنفس ووالغير. الا يجوز انه افتى بفتواه بناء على قواعد اصولية (وليس بناء على مقاصد الشريعة) مثل "سد الذرائع" او "ما ادى الى الحرام فهو حرام" او قاعدة "اخف الضررين"؟ فلماذا حملنا دليل الفتوى عل المقاصد وليس على هذه القواعد (مع العلم ان ابن تيمية رحمه الله يقول بالمقاصد)
الذي اقصد ان اقوله ان ما سميته با"التفاصيل والملابسات خارجة عن ذات النصوص الشرعية المجرّدة" هي جزء من واقع المشكلة التي يراد معالجتها وليس لها علاقة بمقصود الشارع كما ذكرت. فالواقع في موضوع فتوى ابن تيمية ليس مجرد شرب خمر وانما اجتماع شرب خمر مع حرام اخر، وبناء على هذا اصدر فتواه، رحمه الله. وكذلك ابن عباس فالواقع (مناط الحكم) لم يكن مجرد التوبة من القتل وانما الدلائل التى قامت ان الرجل ينوي القتل.
مرة ثانية – جزاك الله خيرا ، وعذرا على الاطاله ولكنه موضوع يشغلني كثيرا

محمد اليوسف الودعاني
09-12-26 ||, 04:35 PM
جزاك الله خيرا – لقد وضح الفرق ولكن السؤال في الاصل كان في موضوع المقاصد الشرعية، ولا ادري اذا كان المثالين الذين تفضلت بذكرهما هما من هذا القبيل. اذا نظرنا في فتوى ابن عباس رضي الله عنه او في فتوى ابن تيمية رحمه الله يبدو وان الواقع الذي حكما فيه اختلف، وتداخلت امور مختلفة ادت الى حكم شرعي اخر.
... أوضح ما اعني وصحح فهمي، ان اخطأت ،حفظك الله
مثلا في فتوى ابن تيمية في الجنود، اجتمع حرامان: شرب الخمر ،وهو حرام متعلق بشاربه فقط، والحرام الثاني هو التعرض للمسلمين واموالهم بالاذى، وهو حرام وظلم للنفس ووالغير. الا يجوز انه افتى بفتواه بناء على قواعد اصولية (وليس بناء على مقاصد الشريعة) مثل "سد الذرائع" او "ما ادى الى الحرام فهو حرام" او قاعدة "اخف الضررين"؟ فلماذا حملنا دليل الفتوى عل المقاصد وليس على هذه القواعد (مع العلم ان ابن تيمية رحمه الله يقول بالمقاصد)
الذي اقصد ان اقوله ان ما سميته با"التفاصيل والملابسات خارجة عن ذات النصوص الشرعية المجرّدة" هي جزء من واقع المشكلة التي يراد معالجتها وليس لها علاقة بمقصود الشارع كما ذكرت. فالواقع في موضوع فتوى ابن تيمية ليس مجرد شرب خمر وانما اجتماع شرب خمر مع حرام اخر، وبناء على هذا اصدر فتواه، رحمه الله. وكذلك ابن عباس فالواقع (مناط الحكم) لم يكن مجرد التوبة من القتل وانما الدلائل التى قامت ان الرجل ينوي القتل.
مرة ثانية – جزاك الله خيرا ، وعذرا على الاطاله ولكنه موضوع يشغلني كثيرا


تعقب أرجو الله التوفيق لصاحبه ولكن لم توقفت المدارسة ؟

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-28 ||, 11:45 PM
بارك الله فيكم

لكن هل من تأصيل في كيفية تطبيق القواعد الأصولية و المقاصدية في استنباط الأحكام و كيف تتداخل في الفتاوي ؟