المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذكرة في أحكام الاجتهاد و التقليد .



أبو محمد ياسين أحمد علوين المالكي
11-08-02 ||, 04:05 PM
مذكرة
في
أحكام الاجتهاد و التقليد
بقلم
ياسين أحمد العلوين
المالكي مذهبا
(الحقوق محفوظة للكاتب إلا لمن أذن لهم بنشر البحث)

مذكرة مختصرة في أحكام الاجتهاد و التقليد
تقديم
لما كان مبحث الاجتهاد و التقليد من المباحث التي وقعت فيها معارك بين من يدعي الاجتهاد و بين من ينفي ذلك من أتباع المذاهب الأربعة،رأيت أن أدلي بدلوي بهذه المذكرة المختصرة، و التي التمست فيها هدي أئمتنا رحمهم الله تعالى،مبينا أقوالهم في المسألة، و هم أئمة الفقه و نقلة الدين، ناسبا كل قول لقائله من علماء المذاهب الأربعة المتبعة.
و قد حاولت اختصار مباحث هذه المذكرة مركزا على الأهم فقط، عسى أن ينفع الله تعالى بها،خصوصا في هذا الزمان الذي كثر فيه أدعياء الاجتهاد دون تحصيل أدنى مراتب شروطه،بل لعل الكثير ممن يدعي الاجتهاد لا يستطيع الترجيح في المذهب الواحد بالقواعد و الأصول،بله الترجيح بين المذاهب الأربعة.
و سأقسِّم المذكرة إلى قسمين:
1- أحكام الاجتهاد.
2- أحكام التقليد.
و أسأله سبحانه و تعالى أن يمن علينا بالاتباع و يجنبنا الابتداع، و أن يكثر هذا القليل و يتم التقصير

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الفاتح و آله الطيبين الطاهرين
و رضي الله عن صحابته المهاجرين و الأنصار
و من تبعهم بإحسان

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
11-08-03 ||, 10:49 PM
بارك الله فيكم ونفع بكم...
متابعين معاكم...

محيي الحميد محمد خليل
11-08-03 ||, 11:59 PM
شكر الله لكم .. وبارك فيكم

أبو محمد ياسين أحمد علوين المالكي
11-08-04 ||, 05:31 AM
القسم الأول
أحكام الاجتهاد
1- تعريف الاجتهاد:
هو في اللغة: (بذل الجهد و استفراغ الوسع لإدراك أمر شاق).
أما في الاصطلاح: (بذل الفقيه وسعه لبلوغ الغرض).
2- طبقات المجتهدين:
- طبقة المجتهد المستقل:
تعريفه: (هو من اطلع على قواعد الشرع، و أحاط بمداركها و وجوه النظر فيها،فهو يبحث عن حكم نازلة بنظره في دلالتها على المطلوب).
شروطه عند أئمة الاجتهاد:
1- شروطه عند الإمام الشافعي:
قال الخطيب البغدادي رحمه الله في الفقيه و المتفقه(2/34): (قال الشافعي: لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله : بناسخه ومنسوخه , وبمحكمه ومتشابهه , وتأويله وتنزيله , ومكيه ومدنيه , وما أريد به , وفيما أنزل , ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبالناسخ والمنسوخ , ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن , ويكون بصيرا باللغة , بصيرا بالشعر , وما يحتاج إليه للعلم والقرآن , ويستعمل مع هذا الإنصاف , وقلة الكلام , ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار, ويكون له قريحة بعد هذا , فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام , وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي)إهـ
2- شروطه عند الإمام أحمد بن حنبل:
قال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (1/46): (قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح عنه ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
وقال في رواية ابنه عبد الله إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم واختلاف الصحابة و التابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح(...)
وقال في رواية حنبل ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي.
وقال محمد بن عبد الله بن المنادي سمعت رجلا يسأل أحمد إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها قال لا،قال مائتي ألف قال لا،قال فثلثمائة ألف قال لا،قال فأربعمائة ألف قال بيده هكذا وحرك يده.
قال أبو الحسين وسألت جدي محمد بن عبيد الله قلت فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل قال أخذ عن ستمائة ألف.)إهـ
شروطه عند علماء المذاهب الأربعة:
الشرط الأول: إشرافه على نصوص الكتاب و السنة،سواء المتعلقة بالأحكام أو غيرها.
الشرط الثاني: معرفته لمواضع الإجماع.
الشرط الثالث: معرفته بالقياس و إن لم يقل به.
الشرط الرابع: أن يكون عارفا بلسان العرب.
الشرط الخامس:معرفته بالناسخ و المنسوخ.
الشرط السادس:معرفته بعلم الحديث،كحال الرواة و المتون و ما يقدح في السند و المتن...
الشرط السابع:العدالة، و ذلك من حيث الاعتماد على قوله،لا أنه شرط في تحقق الاجتهاد.
(شروط مختلف فيها):
- معرفته بأصول الدين (علم الكلام أو العقيدة).
- معرفته بتفاريع الفقه.
- معرفته بالحساب,
تنبيه مهم: المقدار المطلوب معرفته من هذه الشروط أن يعلم جمهور ذلك و معظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل.
و ما ذُكِر هنا تتفق عليه المذاهب الأربعة في الجملة.
(يتبع إن شاء الله)

أبو محمد ياسين أحمد علوين المالكي
11-08-04 ||, 05:26 PM
طبقات المجتهدين غير المستقلين في المذاهب الأربعة:

1- في المذهب الحنفي:
قال الامام عبد الحي اللكنوي في شرح الجامع الصغير(1/7): (واعلم أن لأصحابنا الحنفية خمس طبقات:
الأولى :
طبقة المتقدمين من أصحابنا : كتلامذة أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهم كانوا يجتهدون في المذهب ويستخرجون الأحكام من الأدلة الأربعة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم فإنهم وإن خالفوه في بعض الفروع لكنهم قلدوه في الأصول ، بخلاف مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنهم يخالفونه في الفروع، غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد .
والثانية:
طبقة أكابر المتأخرين : كأبي بكر الخصاف والطحاوي وأبي الحسن الكرخي والحلوائي والسرخسي وفخر الإسلام البزدوي وقاضيخان وصاحب الذخيرة والمحيط البرهاني الصدر برهان الدين محمود والشيخ طاهر أحمد صاحب النصاب وخلاصة الفتاوى وأمثالهم فإنهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب ولا يقدرون على مخالفته لافي الفروع ولا في الأصول .


والثالثة:
طبقة أصحاب التخريج من المقلدين : كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا ، لكنهم لإحاطتهم بالأصول يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن أبي حنيفة أو أصحابه ، وما وقع في الهداية في بعض المواضع : كذا في تخريج الرازي من هذا القبيل .
والرابعة :
طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين : كأبى الحسن أحمد القدوري وشيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض بقولهم : هذا أولى وهذا أصح رواية وهذا أوضح دراية وهذا أوفق بالقياس وهذا أرفق بالناس .
والخامسة :
طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية ورواية النادرة كشمس الأئمة محمد الكردري وجمال الدين الحصيري وحافظ الدين النسفي وغيرهم مثل أصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين : كصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع وشأنهم أن لا ينقل في كتابهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة وهذه الطبقة هي أدنى طبقات المتفقهين وأما الذين هم دون ذلك فإنهم كانوا ناقصين عامين يلزمهم تقليد علماء عصرهم لا يحل لهم أن يفتوا إلا بطريق الحكاية كذا ذكره الكفوي أيضا).إهـ

2- في المذهب المالكي:
قال الإمام القرافي رحمه الله في الفروق(2/183): (اعلم أن طالب العلم له أحوال:
الحالة الأولى:
أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره وعمومات مخصوصة في غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه وإن أجاده حفظا وفهما إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان وتكون هي عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي هي حرفا بحرف لأنه قد يكون هنالك فروق تمنع من الإلحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف.


الحالة الثانية :
أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات.ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومسنداته في فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا،ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك إنما يصح ممن :
- أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة.
- ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية.
- وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم.
- وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو أو قياس الإحالة أو المناسب القريب.
إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين.
وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده.
فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه فكذلك هو أيضا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعا على فرع نص عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما(...)فلا يجوز التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة (...)ثم بعد اتصافه بصفات الاجتهاد ينتقل إلى مقام بذل الجهد فيما علمه من القواعد وتفاصيل المدارك (...)
وحينئذ بهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعا أو نازلة على أصول مذهبه ومنقولاته وإن كثرت منقولاته جدا فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما تقدم كما أن إمامه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة رضي الله عنهم ولم يكن عالما بأصول الفقه حرم عليه القياس والتخريج على المنصوصات من قبل صاحب الشرع بل حرم عليه الاستنباط من نصوص الشارع لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه.
فهذا الباب المجتهدون والمقلدون فيه سواء في امتناع التخريج بل يفتي كل مقلد وصل إلى هذه الحالة التي هي ضبط مطلقات إمامه بالتقييد وضبط عمومات مذهبه بمنقولات مذهبه خاصة من غير تخريج إذا فاته شرط التخريج كما أن إمامه لو فاته شرط أصول الفقه وحفظ النصوص واستوعبها يصير محدثا ناقلا فقط لا إماما مجتهدا كذلك هذا المقلد.
فتأمل ذلك فالناس مهملون له إهمالا شديدا ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها فصار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممن يتعمده (...)
الحالة الثالثة :
أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك).إهـ
3- في المذهب الشافعي:
يقول الإمام العلم النووي رحمه الله تعالى في المجموع (1/43): ( قال أبو عمرو: المفتون قسمان: مستقل و غيره (...)
(القسم الثاني):
المفتى الذى ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتى المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتى المنتسب أربعة أحوال:
(أحدها):
أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله،لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد،وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا،فحكى عن أصحاب مالك رحمه الله وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم،ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي: وذكر أبو على السنجى(بكسر السين المهملة) نحو هذا فقال:اتبعنا الشافعي دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه (...)
قال أبو عمرو:دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم، وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل،ثم فتوى المفتى في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
(الحالة الثانية):
أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل،غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده،وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريخ والاستنباط قيما بالحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله،ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل،بأن يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد،ثم يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع،وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص،وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه وعليها كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم،والعامل بفتوي هذا مقلد لإمامه لا له ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية.
قال أبو عمرو:ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التى منها استمداد الفتوى لأنه قام مقام إمامه المستقل تفريعا على الصحيح ،وهو جواز تقليد الميت ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما تقدم،وله أن يفتى فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله هذا هو الصحيح الذى عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثى وما أكثر فوائده.
قال الشيخ أبو عمرو: وينبغى أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي والأصح أنه لا ينسب إليه،ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتى بموجبه،فإن نص إمامه على شئ ونص في مسألة تشبهها على خلافه،فخرج من أحدهما إلى الآخر سمى قولا مخرجا،وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقا فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما،ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق،(قلت)- أي النووي-: وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه.

(الحالة الثالثة):
أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه،لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته،قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح،لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب،أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها من أدوانهم،وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين،الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم،ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج،وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلي ومنهم من جمعت فتاويه ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه.
(الحالة الرابعة):
أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات،ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته،فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه،وتفريع المجتهدين في مذهبه،وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به ،وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه،ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط،وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه،قال أبو عمرو:و أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة و التي قبلها بكون المعظم على ذهنه، ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب.)إهـ كلام النووي.
4- في المذهب الحنبلي:
قال العلامة تقي الدين الفتوحي رحمه الله تعالى في شرح الكوكب المنير (4/467): ( (وَ) أَمَّا (الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) فَهُوَ (الْعَارِفُ بِمَدَارِكِهِ) أَيْ مَدَارِكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ (الْقَادِرُ عَلَى تَقْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَ) عَلَى (الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ) بَيْنَ مَسَائِلِهِ،
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَنَظَرُهُ فِي بَعْضِ نُصُوصِ إمَامِهِ وَتَقْرِيرِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَاجْتِهَادِ إمَامِهِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. انْتَهَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَرْبَعَ حَالات:
الأُولَى :
أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى. وَدَعَا إلَى مَذْهَبِهِ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ.
الثَّانِيَةُ :
أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، مُسْتَقِلاًّ بِتَقْرِيرِهِ بالدَّلِيلِ، لَكِنْ لا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ مَعَ إتْقَانِهِ لِلْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا بِالْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الْفُرُوعِ وَالأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي لإِمَامِهِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ:
أَنْ لا يَبْلُغَ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ وَيُحَرِّرُ وَيُمَهِّدُ وَيُقَرِّرُ، وَيُزَيِّفُ وَيُرَجِّحُ لَكِنَّهُ قَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولَئِكَ، إمَّا لِكَوْنِهِ لا يَبْلُغُ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَخْلُو مِثْلُهُ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ الْفِقْهِ وَيَعْرِفُهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ، الْحَاصِلِ لأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ:
أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ بِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ وَمِنْ مَنْصُوصَاتِ إمَامِهِ، أَوْ تَفْرِيعَاتِ أَصْحَابِهِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ.
وَمَا لَمْ يَجِدْهُ مَنْقُولاً فِي مَذْهَبِهِ،فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَنْقُولِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِ فَضْلِ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ أَنَّهُ لا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي إعْتَاقِ الشَّرِيكِ جَازَ لَهُ إلْحَاقُهُ بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ، وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ مَنْقُولٍ مُمَهَّدٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنْ الْفُتْيَا بِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَكْثَرَ الْمَذْهَبِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُطَالَعَةِ بَقِيَّتِهِ.
انْتَهَتْ الْحَالاتُ مُلَخَّصَةً، مِنْ كِتَابِ " آدَابِ الْمُفْتِي " لابْنِ حَمْدَانَ.)إهـ كلام ابن النجار الفتوحي.

يتبع إن شاء الله

أبو محمد ياسين أحمد علوين المالكي
11-08-04 ||, 05:26 PM
طبقات المجتهدين غير المستقلين في المذاهب الأربعة:

1- في المذهب الحنفي:
قال الامام عبد الحي اللكنوي في شرح الجامع الصغير(1/7): (واعلم أن لأصحابنا الحنفية خمس طبقات:
الأولى :
طبقة المتقدمين من أصحابنا : كتلامذة أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهم كانوا يجتهدون في المذهب ويستخرجون الأحكام من الأدلة الأربعة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم فإنهم وإن خالفوه في بعض الفروع لكنهم قلدوه في الأصول ، بخلاف مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنهم يخالفونه في الفروع، غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد .
والثانية:
طبقة أكابر المتأخرين : كأبي بكر الخصاف والطحاوي وأبي الحسن الكرخي والحلوائي والسرخسي وفخر الإسلام البزدوي وقاضيخان وصاحب الذخيرة والمحيط البرهاني الصدر برهان الدين محمود والشيخ طاهر أحمد صاحب النصاب وخلاصة الفتاوى وأمثالهم فإنهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب ولا يقدرون على مخالفته لافي الفروع ولا في الأصول .


والثالثة:
طبقة أصحاب التخريج من المقلدين : كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا ، لكنهم لإحاطتهم بالأصول يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين منقول عن أبي حنيفة أو أصحابه ، وما وقع في الهداية في بعض المواضع : كذا في تخريج الرازي من هذا القبيل .
والرابعة :
طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين : كأبى الحسن أحمد القدوري وشيخ الإسلام برهان الدين صاحب الهداية وأمثالهما وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض بقولهم : هذا أولى وهذا أصح رواية وهذا أوضح دراية وهذا أوفق بالقياس وهذا أرفق بالناس .
والخامسة :
طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية ورواية النادرة كشمس الأئمة محمد الكردري وجمال الدين الحصيري وحافظ الدين النسفي وغيرهم مثل أصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين : كصاحب المختار وصاحب الوقاية وصاحب المجمع وشأنهم أن لا ينقل في كتابهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة وهذه الطبقة هي أدنى طبقات المتفقهين وأما الذين هم دون ذلك فإنهم كانوا ناقصين عامين يلزمهم تقليد علماء عصرهم لا يحل لهم أن يفتوا إلا بطريق الحكاية كذا ذكره الكفوي أيضا).إهـ

2- في المذهب المالكي:
قال الإمام القرافي رحمه الله في الفروق(2/183): (اعلم أن طالب العلم له أحوال:
الحالة الأولى:
أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره وعمومات مخصوصة في غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه وإن أجاده حفظا وفهما إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان وتكون هي عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي هي حرفا بحرف لأنه قد يكون هنالك فروق تمنع من الإلحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف.


الحالة الثانية :
أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات.ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومسنداته في فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا،ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك إنما يصح ممن :
- أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة.
- ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية.
- وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم.
- وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو أو قياس الإحالة أو المناسب القريب.
إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين.
وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده.
فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه فكذلك هو أيضا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعا على فرع نص عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما(...)فلا يجوز التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة (...)ثم بعد اتصافه بصفات الاجتهاد ينتقل إلى مقام بذل الجهد فيما علمه من القواعد وتفاصيل المدارك (...)
وحينئذ بهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج فرعا أو نازلة على أصول مذهبه ومنقولاته وإن كثرت منقولاته جدا فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما تقدم كما أن إمامه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة رضي الله عنهم ولم يكن عالما بأصول الفقه حرم عليه القياس والتخريج على المنصوصات من قبل صاحب الشرع بل حرم عليه الاستنباط من نصوص الشارع لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه.
فهذا الباب المجتهدون والمقلدون فيه سواء في امتناع التخريج بل يفتي كل مقلد وصل إلى هذه الحالة التي هي ضبط مطلقات إمامه بالتقييد وضبط عمومات مذهبه بمنقولات مذهبه خاصة من غير تخريج إذا فاته شرط التخريج كما أن إمامه لو فاته شرط أصول الفقه وحفظ النصوص واستوعبها يصير محدثا ناقلا فقط لا إماما مجتهدا كذلك هذا المقلد.
فتأمل ذلك فالناس مهملون له إهمالا شديدا ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها فصار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممن يتعمده (...)
الحالة الثالثة :
أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك).إهـ
3- في المذهب الشافعي:
يقول الإمام العلم النووي رحمه الله تعالى في المجموع (1/43): ( قال أبو عمرو: المفتون قسمان: مستقل و غيره (...)
(القسم الثاني):
المفتى الذى ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتى المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتى المنتسب أربعة أحوال:
(أحدها):
أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله،لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد،وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا،فحكى عن أصحاب مالك رحمه الله وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم،ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي: وذكر أبو على السنجى(بكسر السين المهملة) نحو هذا فقال:اتبعنا الشافعي دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه (...)
قال أبو عمرو:دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم، وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل،ثم فتوى المفتى في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها، والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
(الحالة الثانية):
أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل،غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده،وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريخ والاستنباط قيما بالحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله،ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل،بأن يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد،ثم يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع،وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص،وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه وعليها كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم،والعامل بفتوي هذا مقلد لإمامه لا له ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية.
قال أبو عمرو:ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التى منها استمداد الفتوى لأنه قام مقام إمامه المستقل تفريعا على الصحيح ،وهو جواز تقليد الميت ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما تقدم،وله أن يفتى فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله هذا هو الصحيح الذى عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثى وما أكثر فوائده.
قال الشيخ أبو عمرو: وينبغى أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي والأصح أنه لا ينسب إليه،ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتى بموجبه،فإن نص إمامه على شئ ونص في مسألة تشبهها على خلافه،فخرج من أحدهما إلى الآخر سمى قولا مخرجا،وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقا فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما،ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق،(قلت)- أي النووي-: وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه.

(الحالة الثالثة):
أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه،لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته،قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح،لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب،أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها من أدوانهم،وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة المصنفين،الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم،ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج،وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلي ومنهم من جمعت فتاويه ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه.
(الحالة الرابعة):
أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات،ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته،فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه،وتفريع المجتهدين في مذهبه،وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به ،وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه،ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط،وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه،قال أبو عمرو:و أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة و التي قبلها بكون المعظم على ذهنه، ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب.)إهـ كلام النووي.
4- في المذهب الحنبلي:
قال العلامة تقي الدين الفتوحي رحمه الله تعالى في شرح الكوكب المنير (4/467): ( (وَ) أَمَّا (الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ) فَهُوَ (الْعَارِفُ بِمَدَارِكِهِ) أَيْ مَدَارِكِ مَذْهَبِ إمَامِهِ (الْقَادِرُ عَلَى تَقْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَ) عَلَى (الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ) بَيْنَ مَسَائِلِهِ،
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ فَنَظَرُهُ فِي بَعْضِ نُصُوصِ إمَامِهِ وَتَقْرِيرِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَاجْتِهَادِ إمَامِهِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. انْتَهَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَرْبَعَ حَالات:
الأُولَى :
أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى. وَدَعَا إلَى مَذْهَبِهِ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ.
الثَّانِيَةُ :
أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، مُسْتَقِلاًّ بِتَقْرِيرِهِ بالدَّلِيلِ، لَكِنْ لا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ مَعَ إتْقَانِهِ لِلْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا بِالْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الْفُرُوعِ وَالأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي لإِمَامِهِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ:
أَنْ لا يَبْلُغَ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ وَيُحَرِّرُ وَيُمَهِّدُ وَيُقَرِّرُ، وَيُزَيِّفُ وَيُرَجِّحُ لَكِنَّهُ قَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولَئِكَ، إمَّا لِكَوْنِهِ لا يَبْلُغُ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَخْلُو مِثْلُهُ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ الْفِقْهِ وَيَعْرِفُهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ، الْحَاصِلِ لأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ:
أَنْ يَقُومَ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَفَهْمِهِ، فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ بِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ وَمِنْ مَنْصُوصَاتِ إمَامِهِ، أَوْ تَفْرِيعَاتِ أَصْحَابِهِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَذْهَبِهِ وَتَخْرِيجَاتِهِمْ.
وَمَا لَمْ يَجِدْهُ مَنْقُولاً فِي مَذْهَبِهِ،فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَنْقُولِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، بِحَيْثُ يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِ فَضْلِ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ أَنَّهُ لا فَارِقَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الأَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي إعْتَاقِ الشَّرِيكِ جَازَ لَهُ إلْحَاقُهُ بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ، وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطٍ مَنْقُولٍ مُمَهَّدٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الإِمْسَاكُ عَنْ الْفُتْيَا بِهِ، وَيَكْفِي أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَكْثَرَ الْمَذْهَبِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مُطَالَعَةِ بَقِيَّتِهِ.
انْتَهَتْ الْحَالاتُ مُلَخَّصَةً، مِنْ كِتَابِ " آدَابِ الْمُفْتِي " لابْنِ حَمْدَانَ.)إهـ كلام ابن النجار الفتوحي.

يتبع إن شاء الله

أبو محمد ياسين أحمد علوين المالكي
11-08-08 ||, 07:15 PM
3- حكم خلو العصر عن المجتهد المستقل في المذاهب الأربعة المتبعة:

اختلف علماء المذاهب الأربعة المتبعة في هذه المسألة على قولين:
الأول: جواز خلو الزمان عن المجتهد، و هو مذهب الجمهور من الحنفية و المالكية و الشافعية و قول عند الحنابلة.
الثاني: عدم جواز خلو الزمان عن المجتهد، و هو معتمد مذهب الحنابلة و عليه بعض المالكية و الشافعية.



1- في المذهب الحنفي:

قال ابن أمير حاج رحمه الله في التقرير و التحبير(3/452) : (( مسألة يجوز خلو الزمان عن مجتهد ) كما هو المختار عند الأكثر منهم الآمدي وابن الحاجب ( خلافا للحنابلة ) والأستاذ أبي إسحاق والزبيدي من الشافعية في منع الخلو عنه مطلقا ولابن دقيق العيد في منعه الخلو عنه ما لم يتداع الزمان بتزلزل القواعد ، فإن تداعى بأن أتت أشراط الساعة الكبرى جاز الخلو عنه (...)).إهـ
2- في المذهب المالكي:

ليس هناك كلام واف للسادة المالكية في هذه المسألة، و قد لخص قولهم العلامة الحطاب رحمه الله كما في مواهب الجليل شرح مختصر خليل(8/74): (وأما الملازمة في قوله: (وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ) ففي صدقها نظر؛ لأن تقديرها إن خلا الزمان عن مجتهد اجتمعت الأمة على الخطأ وهذه مصادرة؛ لأنه لا يلزم كونها مخطئة إلا إذا ثبت عدم الاكتفاء بالتقليد وأما إذا كان جائزا فلا، والمسألة مشهورة في أصول الفقه، قال ابن الحاجب: يجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافا للحنابلة، زاد الآمدي وغيره وجوزه آخرون وهو المختار.).إهـ
3- في المذهب الشافعي:

قال الإمام الزركشي رحمه الله في البحر المحيط(4/497): (مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عن الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَجَزَمَ بِهِ في الْمَحْصُولِ وقال الرَّافِعِيُّ الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ على أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ من الْإِمَامِ الرَّازِيَّ أو من قَوْلِ الْغَزَالِيِّ في الْوَسِيطِ قد خَلَا الْعَصْرُ عن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَنَقْلُ الِاتِّفَاقِ فيه عَجِيبٌ وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا (...) ).إهـ
4- في المذهب الحنبلي:

قال العلامة الفتوحي رحمه الله في شرح الكوكب المنير(4/564): ( (وَلا يَجُوزُ خُلُوٌّ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ مُجْتَهِدٍ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَطَوَائِفَ).إهـ
مسألة مهمة: هل باب الاجتهاد المستقل مفتوح أم مغلق؟
قال الإمام ابن الصلاح في أدب المفتي و المستفتي(1/29): (منذ دهر طويل طوي بساط المفتي المستقل المطلق والمجتهد المستقل وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة)إهـ
و قال العلامة الفتوحي رحمه الله في شرح الكوكب المنير(4/568): (قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فُقِدَ الآنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَمِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ، نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ لِجَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ أَنْ لا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ. نَقَلَهُ الأَرْدَبِيلِيُّ فِي الأَنْوَارِ.)إهـ
قال العلامة سيدي محمد بن عليش في فتح العلي(1/86): (وَذَكَرَ عَنْ الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ادِّعَاءُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ إلَّا لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَحْوِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْمُزَنِيِّ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّمَا كَانَ اجْتِهَادًا مُنْتَسِبًا لِمَذْهَبٍ.)إهـ
و قال الإمام الذهبي رحمه الله في السير(8/92): (ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الاربعة وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدا.)إهـ
قال العلامة ابن رجب الحنبلي في الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ضمن مجموع رسائله(2/628): (وعلامة صحة دعواه : أن يستقل بالكلام في المسائل كما استقل غيره من الأئمة ، ولا يكون كلامه مأخوذاً من كلام غيره . فأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره ، إما حكماً أو حكماً ودليلاً : كان غاية جهده أن يفهمه ، وربما لم يفهمه جيداً أو حرفه وغيره . فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد كما قيل :
فدع عنك الكتابة لست منها ***ولو سودت وجهك بالمداد(...)
إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير ، كما هو حال أهل هذا الزمان . بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان ، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات.)إهـ
فتأمل كلام هؤلاء الأئمة الأعلام و قارنه بكلام من يتعالم في هذه الأزمان و يدعي مراتب ليس من أهلها، و يدعي أنه بلغ درجة الاجتهاد و هو لم يصل إلى درجة مشتغل بمذهب من المذاهب. و الله الموفق.
يتبع

أم طارق
11-08-19 ||, 11:48 PM
في انتظار باقي البحث أستاذنا الكريم

جزاكم الله خيرا

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
11-08-20 ||, 06:47 AM
بارك الله فيك
ما مضى من أحكام الاجتهاد والتقليد نافع ومفيد ونحن في انتظار ما يتبع لكي نستفيد منه ونفيد

إسماعيل إبراهيم محمد
11-12-16 ||, 08:08 PM
طبقات المجتهدين
السلام عليكم

المرجاني رحمه الله من الحنفية فـنّـد نظرية طبقات الفقهاء الذي أحدثها المتأخرون من الحنفية، وكلام ينبغي أن يكتب بماء الذهب.

انظروا بارك الله فيكم صفحة 56 وما بعدها:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد