المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في فكر نجم الدين الطوفي حول المصلحة



طارق يوسف المحيميد
11-08-17 ||, 12:24 AM
ترجمة الطوفي :

نسبه وعلمه : هو سليمان بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي , الفقيه الأصولي المتفنن , نجم الدين أبو الربيع , ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة بقرية طوفى , من أعمال صرصر , وحفظ بها مختصر الخرقي في الفقه .
ثم دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ المحرر في الفقه , وقرأ العربية والتصريف والأصول والفرائض والحديث .
ثم سافر إلى دمشق فسمع بها الحديث ولقي جمعا من العلماء , ثم سافر إلى مصر وسمع بها , ثم حج وجاور بالحرمين الشريفين وسمع بها وقرأ بنفسه كثيرا من الكتب والأجزاء , وولي بالقاهرة الإعادة بالمدرستين المنصورية والناصرية , وصنف تصانيف كثيرة , منها بغية السائل في أمهات المسائل في أصول الدين , وشرح مختصر الروضة في أصول الفقه , والانتصارات الإسلامية في دفع شبه النصرانية .

تشعيه :
ذكر بعض من ترجم للطوفي أنه كان كان شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السنة , معتمدا على ما روي عنه من قوله :

حنبلي رافضي أشعري هذه إحدى العبر

بل ونسبوا إليه أن من دسائسه الخبيثة : أنه قال في شرح الأربعين النووية : اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص , وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب وذلك ان الصحابة استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعم من ذلك , على أن من ينسبه للتشيع قد اختلفوا في توبته عن ذلك فمنهم من اعتبرها مجرد تقية .

وفي الوقت الذي فرّغ بعض المعاصرين ممن بحثوا في المصلحة صفحات للتهجم على الطوفي وإثبات نسبته للشيعة كالدكتور البوطي في ضوابط المصلحة , فرّغ آخرون صفحات مماثلة للرد عنه ونفي التهمة كالدكتور مصطفى زيد في بحثه الموسوم بـ " المصلحة ونجم الدين الطوفي " . في حين رأى آخرون كالإمام أبو زهرة أنه " لا ينقص من قدر الطوفي أن يكون شيعيا ولا يزيد في علمه أن يكون سنيا فهو في الحالتين العالم العميق والدارس الذي خاض في العلوم الإسلامية خوض العارف بطرائقها ,السابح فوق بحرها المتلاطم , الغائص المستخرج لجواهرها , وإن ذل كقدر يعليه مهما تكن نزعته ومهما تكن نحلته ".
وإذ يتفق هذا البحث مع ما ذهب إليه الشيخ أبو زهرة فإنه يود أن يضيف أن نسبة الطوفي لو ثبتت للشيعة فإن ذلك لن يغير من مسار البحث في دراسة طريقة تناول الطوفي للمصلحة , ومع ذلك يظهر لي أن الطوفي لم يكن شيعيا وذلك من خلال :
* أنه حنبلي درس كتب الحنابلة وتتلمذ عليها وحفظها وترجم له علماء الحنابلة في طبقاتهم .
* أن الشيعة لم يترجموا له في طبقاتهم ومصنفاتهم التي تهتم بعلم الرجال , مع ما نعلمه من حرص الشيعة لنسبة أي عالم مشهور لهم , فضلا عن أن يكون هذا العالم سنيا ثم تشيع .
* أن بحثه المذكور في المصلحة لم يقل به الشيعة في أصولهم فالشيعة لا يحتجون بالمصلحة مقابل النص , بل إن المشهور عنهم أنهم يعتبرون نصوص الأئمة حجة لا تضاهيها حجة .
* ومما يذكر أيضا أن تهمة التشيع والرفض كانت ولا تزال حجة بيد من يريد مهاجمة عالم من أهل السنة بسبب بغضه له , وقد نسب الشافعي للرفض والتشيع , وقال في ذلك شعر:
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
مما يدل على ان هذه التهمة كانت شائعة –ولا تزال –بحق وبغير حق , مما يجعلنا نشكك في نسبة رجل للغلو في الرفض دون ذكر عباراته في ذلك ومن كتبه مباشرة وليس بالتناقل .مع الإشارة إلى أن الطوفي كان مطلعا على مذهب الشيعة - في الأغلب - كما سيظهر من سرد الأدلة فيما بعد.
وأما قوله فيما نقل عنه :
حنبلي أشعري رافضي هذه إحدى العبر
فهذه واضحة في أنه اتهم بالمتناقضات فكيف يكون حنبليا ورافضيا في آن , فهو – بلا شك- يرد على أولئك بأنهم يرمونه بما لا يستقيم .
وكذا قوله : " وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب ............." السابق , فليس فيه أكثر من رواية عن قوم يزعمون ما يزعمون .
*ومن يراجع شرح مختصر الروضة للطوفي يجده يذهب مذهب أهل السنة في عدالة الصحابة فهو يرى :" أن الصحابة رضي الله عنهم عدول مطلقا لا حاجة إلى البحث عن عدالتهم " ,
ويقول :" ولهذا سميت بيعة الرضوان لأن الله عز وجل رضي عنهم لأجلها والله لا يرضى عن القوم الفاسقين ".
كما يسرد الأدلة من الكتاب والسنة على عدالة الصحابة ويرد على مخالفي هذا الرأي . ومن العجب أن عالما معاصرا بنى على اتهام الطوفي بالتشيع في مناقشة فكرة ليس لها ارتباط بالبحث , ثم نراه يتمنى –في إحدى خطبه- أن يكون " إصبعاً في جسم حسن نصر الله " الأمين العام لحزب الله اللبناني ذو الصبغة الشيعية . ينظر (-ينظر خطب الدكتور البوطي في موقعه الالكتروني الخاص به : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد )





وفاته : توفي نجم الدين الطوفي سنة سبعمائة وستة عشرة في شهر رجب في بلد الخليل من أرض الشام المقدسة .

خلاصة نظرية الطوفي المصلحية :

أثار نجم الدين الطوفي موضوع المصلحة بطريقة مغايرة لما تم طرحه من قبل سابقيه , فقد أثار موضوعَ التعارض بين المصلحة والنص , والمصلحة عنده ليس هي المصلحة المرسلة التي عرفها المذهب المالكي بل هي " أبلغ من ذلك وهي التعويل على النصوص والإجماع في العادات والمقدرات , وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام " .
ومن ثم فلم يعد وجود للمصلحة المرسلة والمعتبرة والملغاة في فكر الطوفي , بل ثمة مصلحة واحدة معتبرة , ومجال عملها وإنتاجها هو " أحكام المعاملات " .
وتصدى الطوفي لهذا البحث بجرأة كبيرة ,وأدلى برأيه بشكل صريح مما أثار حفيظة الآخرين ممن عاصره وممن لم يعاصره , وأتى الطوفي في رسالته المسماة "رعاية المصلحة " بنظرية جديدة أعرض فيها عن كل التقسيمات السابقة للمصلحة , ورسالته المذكورة عبارة عن شرح لحديث من الأربعين النووية وهو " لا ضرر ولا ضرار " .
ينطلق الطوفي في بناء نظريته من ثقة عالية بالعقل البشري وأنه مستقل بمعرفة المصالح والمفاسد , وأن الله " جعل لنا طريقا إلى معرفة مصالحنا عادة فلا نتركه لأمر مبهم يحتمل أن يكون طريقا إلى المصلحة وأن لا يكون " .
ويرفض الطوفي أن يقال : "إن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته لأن المصلحة أصلا من أدلة الشرع وليست من خارجه " .
والحقيقة أن هذا التناول ينبئ عن تطور خطير في تناول موضوع المصلحة , فالمصلحة بهذا التناول وهذا الفهم لم تعد تستمد شرعيتها في كل المراحل من نصوص الشرع , بل يكفي –عنده – أنها اعتمدت على النصوص في اكتساب الشرعية فقط ثم هي بعد ذلك مولدة للأحكام بل وقادرة على معارضة بعض هذه النصوص .
ومن ثَم فلا داعي لكل التقسميات السابقة لأنها بناء على هذا التنظير ليست سوى تكلف وعبث في نظره .
والطوفي كما يبدو لي لا يرى في تقسيمات من سبقه سوى أنها تدور حول مقولة واحدة :
إن النصوص تراعي المصلحة , ثم يعود هؤلاء ليؤكدوا أن :المصلحة توجد في النصوص فقط .
وهذه العملية لم يقبلها فكر الطوفي ورأى فيها تسلسلا وتناقضا , فذهب إلى تقديم المصلحة متجاوزا كل الشروط التي جاءت عبر الغزالي والتي أكدها كل من الأمدي وابن قدامة والزركشي وغيرهم , لأن تلك الشروط كانت منسجمة مع تلك التقسيمات , وهو الأمر الذي تجاوزه الطوفي بشكل كامل .

يذهب الطوفي إلى أن أدلة الشرع – بالاستقراء - تسعة عشر دليلا : الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة والقياس وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعادات والاستقراء وسد الذرائع والاستدلال والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة عند الشيعة وإجماع الخلفاء الراشدين , وبعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه , ومعرفة حدودها ورسومها والكشف عن حقائقها وتفاصيل أحكامها مذكور في أصول الفقه .
وبعد أن يعدد الأدلة التي يعد بعضها أشبه بقاعدة وليس دليلا – كالعادة مثلا – يقرر ما يريده من تقديم المصلحة , فهذه الأدلة " أقواها النص والإجماع ,ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها , فإن وافقاها فبها ونعمت ولا تنازع إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم وهي النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام " لا ضرر ولا ضرار " وغن خالفاها وجب تقديم المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما , كما تقدم السنة على القرآن بطريق البيان .

وهذا الكلام للطوفي يجلي موقفه بوضوح , وهو كلام مفهوم لطالب الأصول والعارف بمصطلحاته الأولية كالتخصيص وتعارض الأدلة والبيان .
ومن ثَم يجب فهم كلام الطوفي على أنه يفترض إمكانية التعارض بين المصلحة والنص , وجدير بالذكر أنه يخصص عدة صفحات لموضوع تعارض الأدلة عموما وليس تعارض المصلحة والنص فقط , وأن المصلحة تقدم عند التعارض بوصفها مخصصا ومبينا للنص لا ناسخا له .
ويعول الطوفي –في نظريته - على أساس لغوي صرفي يرى في المصلحة وزن مفعلة من الصلاح , وهذا يعني أن المصلحة تحتوي في تركيبها اللغوي ما يدل على كون الشيء على هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشيء له كالقلم يكون على هيئة المصلحة للكتابة , ويفهم من هذا أن كون الشيء مصلحة , أي كأن له قوة ذاتية تدل على المراد والمعنى المنوط بهذه المصلحة كالسيف على هيئة المعد للضرب والتجارة المؤدية إلى الربح .
نال الطوفي- بالطبع- جراء طريقة تفكيره الجريئة وغير المسبوقة هجوما كبيرا في القديم والحديث , بعضها على الأقل نتج عن سوء فهم عبارات الطوفي , تلك العبارات التي لم تكن - بتقديري- متماسكة ومتسلسلة , بشكل يلغي الظنون والاحتمالات ويزيل الشك .


أدلة الطوفي :
أولا : أدلته على رعاية المصلحة :
يستدل الطوفي على رعاية المصلحة من قبل الشارع بما يلي :
1- قول الله عز وجل : " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) " يونس .ودلالة هذه الآية من وجوه : ودلالتهما من وجوه:* - قوله عز وجل " قد جاءتكم موعظة" حيث أنه توعدهم وفيه أكبر صالحهم إذ في الوعظ كفهم عن الأذى وإرشادهم إلى الهدى .* - وصف القرآن "أنه لما في الصدور" يعني من شك ونحوه وهو مصلحة عظيمة.*-وصفه بالهدى .*- وصفه بالرحمة وفي الهدى والرحمة غاية المصلحة .*- إسناد ذلك إلى فعل الله عز وجل ورحمته ولا يصدر عنهما إلا مصلحة عظيمة .*- الفرح بذلك لقوله عز وجل "فبذلك فليفرحوا" وهو في معنى التهنئة لهم بذلك، والفرح والتهنئة إنما يكونان لمصلحة عظيمة .*- قوله عز وجل "هو خير مما يجمعون" والذي يجمعونه هو مصالحهم فالقرآن ونفعه أصلح من مصالحهم والأصلح من المصلحة غاية المصلحة .فهذه سبعة وجوه من هذه الآية تدل على أن الشرع راعى مصلحة المكلفين واهتم بها ولو استقرأت النصوص لوجدت على ذلك أدلة كثيرة . 2- يرى الطوفي – ضمن أدلته - أن أفعال الله عز وجل معللة بحكم غائية تعود بنفع المكلفين وكمالهم لا بنفع الله عز وجل لاستغنائه بذاته عما سواه., وأن أفعال الله عز وجل منزهة عن العبث كما أن القرآن مملوء بتعليل الأفعال . 3- كما يرى أن رعاية المصالح واجبة من الله عز وجل، حيث التزم التفضل بها لا واجبة عليه . و أن الشرع حيث راعى مصالح الخلق كلها في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم , كقوله تعالى "ولكم في القصاص حياة "، " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ، " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " . وبالجملة فما من آية من كتاب الله عز وجل إلا وهي تشتمل على مصلحة أو مصالح . 4- و مما يستدل به الطوفي على رعاية المصلحة من السنة :قوله عليه السلام " لا يبع بعضكم على بيع بعض "ولا يبع حاضر لباد " ، " ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " . 5 - وأما الإجماع فقد أجمع العلماء إلا من لا يعتد به من جامدي الظاهرية على تعليل الأحكام بالمصالح المرسلة , بل إن المخالفين في كون الإجماع حجة قالوا بالمصالح . 6- أما النظر فلا شك عند كل ذي عقل صحيح إن الله عز وجل راعى مصلحة خلقه عموما وخصوصا.


ثانيا : أدلته على تقديم المصلحة على النص :

بعد أن دلل الطوفي على حجية المصلحة واعتبارها بشكل حاول التدليل على تقديمها على النصوص والإجماع وذلك من وجوه : أحدهما: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذا محل وفاق والإجماع محل الخلاف والتمسك بما اتفقوا عليه أولى من التمسك بما اختلفوا فيه. الوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعا، ورعاية المصلحة أمر متفق في نفسه لا يختلف فيه فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعا، فكان إتباعه أولى وقد قال عز وجل "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، وقوله عليه السلام: " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم "، وقال عز وجل في مدح الاجتماع "وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أنفقت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم "، وقال عليه السلام " وكونوا عباد الله إخوانا " . الوجه الثالث: قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها في قضايا : - منها معارضة ابن مسعود النص والإجماع بمصلحة الاحتياط للعبادة . -ومنها قوله عليه السلام حين قوله عليه السلام حين فرغ من الأحزاب "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة"، فصلى أحدهم قبلها وقالوا لم يرد منا ذلك وهو سبيه بما ذكرنا. - ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة "لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم " وهو يدل على أن بنائها على قواعد إبراهيم هو الواجب في حكمها فتركه لمصلحة الناس. - ومنها أنه عليه السلام لما أمرهم بجعل الحج عمرة قالوا كيف وقد سمينا الحج وتوقفوا وهو معارضة للنص بالعادة وشبيه بما نحن فيه. - وكذلك يوم الحديبية لما أمرهم بالتحلل توقفوا تمسكا بالعادة في أن أحدا لا يحل قبل قضاء المناسك حتى غضب صلى الله عليه وسلم وقال "مالي آمر بالشيء فلا يفعل ". فقد ظهر بما قررناه أن دليل رعاية المصالح أقوى من دليل الإجماع فليقدم عليه وعلى غيره من أدلة الشرع عند التعارض بطريق البيان. ويرد الطوفي خلال عرض أدلته على بعض الاعتراضات التي تتلخص في أنه يعطل أدلة الشرع , ليرد على ذلك بأن المصلحة من أدلة الشرع وليست شيئا خارجا عليها , ومن ثم فالموضوع كله هو تعارض بين أدلة الشرع . مناقشة النظرية :
النقطة الأولى : جوانب القوة :
تعتبر نظرية الطوفي في المصلحة – بتقديري - الوجه الآخر لموضوع تعارض العقل والنقل أو التحسين والتقبيح العقليين أو الشرعيين, ولطالما شغل العلماء بهذا الموضوع وناقشوه منذ القرن الثاني الهجري , فقد كانت هذه المعضلة تواجه العلماء وتتطلب منهم إجابة شافية , وحصلت حروب كلامية ورسائل ورسائل ناقضة بين المعتزلة والأشعرية وغيرهم من المذاهب الكلامية والفقهية مما سنبحثه بشكل تفصيلي في فصل لاحق .
فتصدى الطوفي لمعالجة هذه المعضلة من جهة أصولية , ومن الموضوعية القول أن هذه المعالجة كان من الممكن أن تتسم بطابع إشكالي لما للموضوع من أهمية وخطورة .

ومن جوانب القوة في هذه النظرية عدم الاعتماد على الأقوال السابقة بما فيها التقسيمات والأمثلة , فلم نر تكرارا في نظرية الطوفي لأفكار الغزالي والآمدي وغيرهما على أهمية كلامهم في هذا الموضوع , ومن ثم يمكن وصف هذه النظرية بالجديدة حقا في الفقه الإسلامي , وربما كان هذا سببا من الأسباب في رفض هذه النظرية وعدم تقبلها من جمهرة الأصوليين , إذ النفوس تألف المعتاد , خاصة و قد رأينا حجم التكرار وعدم التجديد والابتكار والإضافة بشكل يكاد يكون عبارة مجرد نسخ لا أكثر ولا أقل .

ومن الحق تبيان أن الطوفي –خلافا لما يشاع – لم يقدم المصلحة على النص على سبيل النسخ أو الطعن في النصوص والافتئات عليها , وإنما قدمها على سبيل التخصيص والبيان كما صرح هو بذلك, وهذا التخصيص لم ينفرد به الطوفي , بل ذهب إليه الغزالي والآمدي وغيرهما من الأصوليين , بل إن الغزالي قال :" لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل , إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما " .
وصرح الشاطبي بذلك فرأى " أن العموم إذا استمر والقياس إذا اظطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى ويستحسن مالك أن يخصص بالمصلحة ".
كما ذهب جمع من الأصوليين المعاصرين إلى جواز تخصيص العام بالقياس والمصلحة كالدكتور مصطفى شلبي والدكتور فتحي الدريني .
وبالتالي يفترض حمل كلام الطوفي على هذا الوجه , لأنه قد صرح بذلك أولا , ولأن حسن الظن بعالم مسلم يدعو للقول بذلك ثانيا .
ومن ثَم فيفترض أيضا أن الطوفي لا يرى التعارض بين المصلحة والنص القطعي , بل يقتصر ذلك على النص الظني , وإلى هذا ذهب الدكتور القرضاوي حيث قال : " وحين عدت إلى مقولات الطوفي وقرأت كلامه بإمعان تبين لي بيقين أنه حين يذكر النص لا يريد به سوى النص الظني في سنده أو ثبوته أو في متنه ودلالته " .
وإلى ذات التفسير ذهب الدكتور حسين حامد حسن فرأى أن العبارات التي قدم بها الطوفي مذهبه تفيد أنه لا يرى فرض تعارض النص القطعي مع المصلحة , بل يقتصر ذلك على النص الظني .
ويساعد على هذا الفهم أن الطوفي لم ينطلق في بناء نظريته من العقل والنظريات الكلامية الفلسفية , بل انطلق في كل ما ذهب إليه وهو يشرح " نص حديث نبوي " سبق الإشارة إليه .

ومن التجني واللاموضوعية بعد ذلك أن ينسب للطوفي تقديم المصلحة على النص والإجماع مطلقا .
ومن المؤكد ان الطوفي وهو يبني نظريته قد استحضر قواعد تفيد بشكل تقريبي ما ذهب إليه كـ " الضرورات تبيح المحظورات " و "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان " , وخاصة أنه قصر نظريته على مجال المعاملات كما ذَكر , وهي تخضع للكثير من التغيرات وفقا للزمان والمكان , كما أنها تعتبر مجالا واسعا ترك الشارع الحكيم للمجتهدين أن يستنبطوا فيها وفقا للمبادئ العامة للتشريعات الإسلامية وعلى رأسها المصلحة , فالمصلحة بهذا الشكل تلتقي مع آراء علماء آخرين في تطبيقاتها الفقهية , وقد ذهب إلى هذا الدكتور مصطفى شلبي فقال : " وهناك مذهب رابع خلاصته أن المصلحة يعمل بها مرسلة وغير مرسلة ويعني بها تلك التي عارضت نصا او إجماعا متى كانت راجحة , لكن في صنف من الأحكام وهي المعاملات وما شابهها , وهو رأي نجم الدين الطوفي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولا ولكن فتواهم تؤيد ذلك " .

ويمكننا أن نختم بتساؤل مشروع وهو هل لعب غياب مفهوم وتعريف واضح للمصلحة دورا في تفكير الطوفي ؟ , وهل كان لهذا الغياب تأثير في رفضها واستبدالها بما ذهب إليه ؟ .



النقطة الثانية : جوانب الضعف :

- أهم ما يؤخذ على الطوفي في طريقة تقديمه لنظريته أنه لم يقدم مثالا واحدا لما ذهب إليه من إمكانية التعارض بين النص والمصلحة , لتبقى نظريته بعد ذلك مجرد افتراض لم يقم عليه دليل .
- بدت عبارات الطوفي غير متماسكة وبحثه غير متكامل , فلم يقدم بحثا بالمعنى الأكاديمي مبتدئا بالتعريف والأدلة والأمثلة ومناقشة الاعتراضات والوصول للنتائج , مما أثر على فهم نظريته واتهامه بالخروج على الإجماع والشذوذ على الجماعة .
وهذا الأمر توقعه الطوفي فقال :" فأوصيك أيها الناظر فيه المحيك طرفه في أثنائه ومطاويه أن لا تسارع فيه إلى إنكار ما ألفه وهمك وأحاط به علمك , بل أجد النظر وجدده وأعد الفكر ثم عاوده , فإنك حينئذ جدير بحصول المراد " .
ولما كان الطوفي متوقعا لهذا الأمر كان يتوجب عليه بدل مطالبة القراء بمعاودة البحث لربط أفكاره بعضها ببعض وتحصيل المراد , كان يتوجب عليه بيان مراده وربط أفكاره بشكل يزيل الشك والظنون ولا يدعو للإنكار .
ويبدو للقارئ –في الوهلة الأولى - أن الطوفي كتب رسالته على عجالة , وهو ما يتبين له في نهاية الرسالة , حيث يقول الطوفي أنه بدأ بحثه يوم 13 ربيع الآخر وفرغ منه يوم 28 من الشهر نفسه سنة 713 هـ وهذه مدة غير كافية لتقديم نظرية فيها غير قليل من الإشكال
, خاصة أنها مسبوقة بنظرية مغايرة فكان من الواجب إعطاؤها وقتا أطول لتكون واضحة متكاملة .

- بحث الطوفي مسألة أصولية في كتاب مخصص لشروح الحديث , في الوقت الذي خلا كتابه الأصولي "شرح روضة الناظر " من التفصيل في هذه النظرية على ذات الطريقة, بل سار في شرح الروضة على طريقة مذهب الحنابلة الذي كان ينتسب إليه . فهو يرى في رسالته المذكورة أن رعاية المصلحة واجبة من الله , بعد أن يسرد مذهب المعتزلة القائلين بوجوب رعاية المصلحة على الله , ومذهب الجمهور القائلين بتفضل الله على خلقه بمراعاة مصالحهم , بينما له رأي آخر في شرح الروضة الأصولي نلحظه في كلامه " فعندهم –أي المعتزلة – يجب على الله سبحانه وتعالى رعاية مصالح خلقه , على معنى أن العقل يدرك وجوب ذلك منه جزما تحقيقا للجود والعدل , ثم قالوا : لولا مراعاة المصالح والمفاسد لكان تخصيص الفعل المعين من بين سائر الأفعال بحكم معين من بين سائر الأحكام ترجيحا من غير مرجح , فلما خص بعض الأفعال بالوجوب وبعضها بالتحريم وبعضها بالإباحة دل على أن الإيجاب لتحصيل المصلحة والتحريم لدفعها , والإباحة لخلو الأفعال عن مصلحو ومفسدة .
وعند الجمهور لا يجب على الله سبحانه وتعالى رعاية المصالح , وإنما يدرك العقل ذلك منه على سبيل الجواز , فيجوز أن يكون رعاية المصالح تفضلا وأنه سبحانه يتفضل رعاية المصالح وأن لإكماله أن يتفضل بأنواع النعم من العافية والغنى والعز والعلم وأن لا , وقد وقع ذلك مشاهدا في العالم حيث الناس ما بين معافى ومبتلى وفقير وغني وعزيز وذليل وعالم وجاهل " .

- يزعم الطوفي أن مجال نظريته هو أبواب المعاملات فقط , ولكن يلاحظ أن الأدلة التي ساقها للتدليل على ما ذهب إليه هي من قسم العبادات كاجتهاد ابن مسعود في مسألة التيمم واجتهاد بعض الصحابة في صلاة العصر في بني قريضة وإعادة بناء الكعبة (التي سبق ذكرها ) ,
في حين لم يقدم أي دليل من باب المعاملات .

- لم يضع الطوفي أي شرط لتقديم المصلحة على النص , مما يضفي على البحث مزيدا من الغموض , واكتفى عوضا عن ذلك بتعريف المصلحة ملقيا على كاهل هذا التعريف مهمة بيان أيَّ مصلحة تقدم على النص , ولما لم يكن التعريف كافيا في إجلاء هذه الحقيقة فإن المصلحة بهذا الشكل من الممكن أن تصبح فيما بعد مجالا للتفلت من الشريعة والالتفاف عليها .

-ومن نقاط الضعف – بظني - والتي لا يتحملها فكر الطوفي وحده بل يتحملها من جاء بعده أيضا خاصة تلاميذه , أن هذه النظرية لم تتابع وتنقح ويزاد عليها لتكتمل , لأنه لا نظرية تولد كاملة , كما هو الحال مع نظرية الجويني التي لاحقها تلميذه الغزالي ومن بعدها حتى رسخت واستقرت .(كما سبق الإشارة إلى ذلك ) .

- - لا تخلو عبارات الطوفي السابقة من نظرة لا تحمل قدسية لنصوص الوحي , إذ يراها –كما سبق- مصدرا للاختلاف المذموم , بينما يرى القدسية في المصلحة فهي سبب الاتفاق المحمود , ونسبة الاختلاف للنصوص فيها من الجرأة على النصوص المقدسة ما يوجب رد هذه الفكرة وعدم قبولها بأي شكل من الأشكال , وكان من الممكن التدليل للمصلحة والأخذ بها , وهو حق فكري للطوفي وغيره , دون المس بقدسية بنصوص الوحي وأن الاختلاف إنما هو بكل بساطة في فهم هذه النصوص وكيفية الاستنباط منها .

محمد ال عمر التمر
11-08-17 ||, 04:22 AM
تكلم الدكتور عبد الوهاب خلاف رحمه الله عن الموضوع في كتابه مصادر التشريع الإسلامي في ما لانص فيه

طارق يوسف المحيميد
11-08-17 ||, 05:09 PM
شكرا اخ محمد
فكرت أنه ما أحد كتب قبلي عن الطوفي
جميل انك ذكرتني

سلمان عبود يحيى الجبوري
13-12-23 ||, 05:02 PM
شيخي واستاذي الفاضل فقط أقول:أغلب من ترجم للطوفي قبل العلامة البوطي نسب اليه التشيع ولكن انت تعلم انها جهد بشري وانت تحقق فيه الامر ونحن نتابعك مع خالص الدعاء بوركت،صدقني استاذي انا احترم واجل هذا العالم.

محمد أفرس بن محمد نوفر
17-12-13 ||, 03:31 PM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

محمد بن عبدالله بن محمد
17-12-13 ||, 08:51 PM
* أنه حنبلي درس كتب الحنابلة وتتلمذ عليها وحفظها وترجم له علماء الحنابلة في طبقاتهم .
وهم نسبوه للتشيع!!

د. نعمان مبارك جغيم
17-12-15 ||, 08:43 AM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

محمد بن عبدالله بن محمد
17-12-17 ||, 04:57 PM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد