المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة في المقاصد لشيخ عرش مجاهر الهلالي



د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-09-08 ||, 11:33 PM
مقدمة الشيخ الجليل محمد قابورة على كتاب الإمام :


" الحمد لله العليم الخبير ، والصلاة والسلام على البشير النذير , وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ومصابيح الحياة ، وعلى أئمة الاجتهاد من السلف الصالح صحبا وتابعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :


فقد كان فقهنا الإسلامي الذي ما يزال موضع اعتزاز وفخر وتقدير بين أنواع الفقه العالمي خير صورة عملية للمسلمين ، لبى مطالب المسلمين في أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم وتنظيم شؤون حياتهم ، وفيه تبلورت بحق أحكام القرآن والسنة ، وبه تحقق المقصد الإسلامي والغاية الكبرى لهذا الدين الحنيف ، لأن ما جاء به الإسلام من مبادئ في العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والمعاملة المستقيمة إنما يستهدف في الحقيقة تحقيق أغراض تهذيبية تؤدي إلى تصحيح المعاملات والسلوك الاجتماعي ، ومن ثم إلى إسعاد الإنسان في الحال والمآل .

فإن للفقه الإسلامي مكانته الخاصة وأهميته الكبرى في المجتمع الإسلامي من حيث إنه العامل الأساسي في إظهار سلوكياتنا الاجتماعية في حياتنا العملية كل يوم ، على مر الأزمنة والعصور، ومن حيث إنه توضيح لأصوب الطرق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المجتمع الإسلامي الأول وما تلاه من عصور .

ولعل الفقه الإسلامي قد اكتسب هذه المكانة العظيمة لما له من دور حيوي في توجيه سلوكيات الأفراد وتصرفاتهم وتنظيم حياة الأسر والمجتمعات على أساس نظيف تشمله المبادئ الإلهية القائمة على أسس الخير والمحبة

إن الفقه الإسلامي جزء أصيل لا يتجزأ من حياة الأمة الإسلامية ، وهو من مفاخرها العظيمة وخصائصها الرئيسة التي لم تكن لأية أمة قبل ذالك ، فلو أن المسلمين عملوا بأحكام الفقه والدين على وجه الصواب كما كان أسلافهم لكانوا من أرقى الأمم تقدما وحضارة .

ومن المعلوم بداهة أن شريعة الإسلام جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم في الحال والمآل ، ومن ثم فإنه ليس من حكم من أحكام الشرع إلا كان معه أمور ثلاثة :

الوصف الظاهر المنضبط كالبيع والغصب والزنا وهو العلة ، وما في الفعل من نفع أو ضرر، ويعبر عنه بالمصالح والمفاسد أو حكمة التشريع ، وما يترتب على التشريع من جلب منفعة أو دفع مضرة ويسمى مقصد التشريع ، وهذه سمة ملازمة لكل أحكام الشرع ، فما من حكم إلا وقد قرر لرعاية مصلحة أو درء مفسدة وإخلاء العالم من الشرور والآثام ، مما يدل على أن الشريعة تستهدف تحقيق مقصد عام ألا وهو إسعاد الفرد والجماعة وحفظ النظام وتعمير الدنيا بكل ما يوصِّل البشرية إلى أوج مدارج الكمال والخير والمدنية .

فالتشريع كله جلب مصالح ، فما طلبه الشرع محقق للمصلحة إما عاجلا أو آجلا ، والمنهيات كلها مشتملة على المفاسد والمضار .

ومما يجب اعتقاده بشكل جازم وبصورة قاطعة لا تحتمل الظنون ولا تنزل بساحتها الشكوك والأوهام أن هذه الشريعة المعصومة ليست تكاليفها موضوعة حيث ما اتفق لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين ، بل وضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معا .

وروعي في كل حكم منها إما حفظ شيء من الضروريات الخمس الدين والنفس والنسل والمال والعقل التي هي أسس العمران ، والتي تمت مراعاتها في كل ملة ، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ولفاتت النجاة في الآخرة .

وإما حفظ شيء من الحاجيات كأنواع المعاملات التي لولا ورودها على الضروريات لوقع الناس في الضيق والحرج .

وإما حفظ شيء من التحسينيات التي ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات .

وعلى أي حال لا يخلوا باب من أبواب الفقه عبادات ومعاملات وجنايات وغيرها من رعاية هذه المصالح وتحقيق هذه المقاصد التي لم توضع الأحكام إلا لتحقيقها .

قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى : ( وزعم الرازي أن أحكام الله تعالى ليست معللة بعلة البتة كما أن أفعاله كذالك ، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكام الله تعالى معللة برعاية المصالح ، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين ، ولما اضطر ـ أي الرازي ـ في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذالك على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة ، ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة ) .

قلت : لأنها جاءت في مثل ضوء النهار .

ثم تابع قائلا : [ والمعتمد أنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره ] .

ثم بسط جملة من الأدلة هي أشبه ما يكون بشمس الضحى طالعة في الأفق وقد عم نورها الأنام .

أقول : وإلى هذا الأفق المضيء سمت همم المجتهدين ، وعليه انصبت أنظار العلماء الراسخين وحوله طافت أفكار الجهابذة المتشرعة والمفتين كل بقدر ما أوتي من بسطة في العلم وسعة في الفهم وجودة في الذهن وخصوصية في ملامسة المراد وموهبة في تقدير النوازل والأحداث بحجمها وشكلها وظروفها والقضاء فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا تاما دقيقا ، سواء ما كان منها على الصعيد الخاص أم على الصعيد العام .

قال القرطبي رحمه الله تعالى : [ استدل مالك رحمه الله تعالى في رواية بن وهب وبن القاسم على صحة القول بالقسامة بقول المقتول دمي عند فلان ، أو قتلني فلان ، ومنعه الشافعي وجمهور العلماء .

قالوا وهو الصحيح ـ أي المنع ـ لأن قول المقتول قتلني فلان خبر يحتمل الصدق والكذب ، ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين ولا يقين مع الاحتمال فبطل اعتبار قول المقتول دمي عند فلان .

وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه وذالك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما لا يدخله احتمال فافترقا .

قال ابن العربي رحمه الله تعالى : ( المعجزة كانت في إحيائه فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك رحمه الله تعالى .

وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب تصديقه فلعله أمرهم بالقسامة معه ، واستبعد ذالك البخاري والشافعي وجماعة من أهل العلم فقالوا كيف يقبل قوله في الدم وهو لا يُقبل قولهم في درهم )

تأمل كيف اختلفت القصود عند النظار والفحول لما تعلقوا بمقصد حقن الدماء وصيانة النفوس ، واختلفوا بعد ذالك في المتعلق ، فهذا الشافعي آثر صيانة دم المتهم لأن دمه معصوم ولا تجوز إراقته إلا بقطع وهو منتف ، في حين رجح إمام دار الهجرة القصاص على الجاني متوكئا على مقصد الزجر والردع وصيانة الدم وفي ذالك حياة .

ولكي يظل فقهنا الإسلامي ثابتا على مجاراة الزمن ومواكبة العصر ومسايرة التطور في تلبية حاجات الآمة ، وتقديم الحلول العملية لمشكلاتها ، والإجابة على تساؤلات الحاضر ، لابد من مراعاة المقاصد واستثمارها وتفعيلها بشكل دقيق بعيدا عن التزمت والجمود ، بعيدا عن التعصب المذهبي والإصرار على التقليد ، وأنا أرى الحق شاخصا في غير مذهبي ، بعيدا عن الغلو والمبالغة في الوقوف مع ظواهر الأدلة دون السماح للأفكار بأن تمتد أعناقها للغاية المرجوة والثمرة المقصودة من تشريع الحكم الذي أرشد إليه ذالك الدليل ، عبر اعتماد المقاصد المعبرة عن روح الشريعة السمحة ، وعن الاتجاه العام للدين الحنيف لا سيما في عصرنا هذا ، والذي أصبحت فيه الحياة جد معقدة خصوصا فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي وبالجانب السياسي وبالجانب الاجتماعي وبالجانب الإنساني ، قلت وبالجانب الإنساني ، تلكم هي نقطة الارتكاز التي يقوم عليها الحكم بصلاح شريعة الإسلام في كل زمان ومكان .

ولله در بن العربي إذ قال : ( والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين ، فالعموم إذا استمر ، والقياس إذا اطرد ، فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى ـ يقصد المصلحة ـ ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس ، ويريان معا تخصيص القياس ونقض العلة ، ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا ) .

وهذا الذي قال ابن العربي هو نظر في مآلات الأحكام من غير الاقتصار على مقتضى الدليل العام و القياس العام .

وهذا لا شك يصب في تحقيق المقاصد وتفعيلها وتطبيقها تطبيقا عمليا في حياة الناس الخاصة والعامة الفردية والجماعية والأسرية والمجتمعية .

وأعود فأقول مرة أخرى وبعبارة أخرى : إذا ما روعيت مقاصد الشرع وتم اعتمادها بشكل دقيق وبصورة معمقة وبطريقة يبقى الربط فيها بين روح الدليل والواقع قائما في كل فتوى تصدر وفي كل حكم يعتمد وفي كل قرار يتخذ وفي كل قانون يصاغ ، كان ذالك من العوامل الأساسية والضمانات الرئيسية في خلود شريعتنا واستمرارها و بقائها صالحة لتغطية كل ما يستجد من وقائع ويحدث من نوازل ، وينجم من مشاكل على كافة الأصعدة وفي شتى مناحي الحياة .

ومؤلف كتاب ( الإمام في مقاصد رب الأنام ) الدكتور الشيخ أبو عبد الرحمن الأخضر الأخضري أفاد فيه وأجاد ، إذ أنه ألبس المقاصد ثوبا جديدا وسلك بها طريقا فريدا وقفز بها قفزة نوعية تثير اهتمام كل راغب ، وتلفت انتباه كل طالب ، وتشجع كل باحث على التعامل مع نصوص الشرع وأدلة الشريعة بروح مقاصدية عالية ، وبرؤية تركز أكثر على التوظيف والإعمال والتفعيل والاستثمار .

ولكن البحث في هذا العلم بهذا الأسلوب الفريد ، وبهذه المنهجية الرائعة ، التي انفرد بها مؤلف الكتاب الأستاذ الدكتور ، وبهذا المستوى العالي من التحقيق والتدقيق والتفصيل والتحليل ، هو في الحقيقة عزيز ، بل هو في مثل ندرة الذهب الإبريز .

ويحق فيه قول إمام المقاصد الشاطبي وهو يقرر ما يعرف بمسألة النظر في المآلات :

( وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشرع ) .

ولكن ما أبان عنه المؤلف في هذا الكتاب من حقائق وأظهر من دقائق وقرره من مسائل هي في منتهى الروعة والأهمية بالنسبة للمباحث المقاصدية ، بعث في نفوسنا روح الأمل من جديد ، وزاد من يقيننا بكل تأكيد بأن أمتنا الإسلامية لا تخلوا من جهابذة أفذاذ وعلماء مخلصين أجواد .

وإنه لمن الهبات الإلهية والمنن الربانية أن من الله على البلاد الجزائرية بهذه الشخصية العلمية المقاصدية ، فأعادت لهذا العلم اعتباره ، ونشرت له أعلامه ، وفتحت للطالبين أبوابه .

ولهذا فإني أقول وبكل صدق وأمانة ، وأنا أرى هذا البدر قد طلع في سماء البلاد ، فسرى نوره في ضواحيها ، فهشت له نفوس الخيرة من العباد فزالت عن النفوس همومها

بَصُرْتُ بِبَدْرٍ فِي مَبَادِي الدُّجَى بَدَا *** فَعَادَ لَنَا ضَوْءُ الصَّبَـاحٍ مُوَرَّدَا

أَلَا قُلْ لِسَاعٍ كَيْ يَنَالَنَّ مَقْصِــــــــدًا *** عَلَيْكَ بِوِهْرَانَ فَتُعْطَاهُ مُجَــــوَّدَا

فَطُوبَى لِمَنْ أَهْدَى إِلَيْكُمْ مَحَبَّـــــــةً *** وَزَادَ فَأَضْحَى لِلرِّجَالِ مُؤَيِّــــدًا

وَمَنْ لَا فَكَيْدُهُ يَعُودَنْ بِنَحْــــــــــرِهِ *** وَأَيَّ طَرِيقٍ لَمْ يَجِدْهُ مُعَبَّـــــــــدَّا

َفََقَلَّ مُعَــــــادٍ لِلْكِرَامِ تَشَرَّفَـــــــــــا *** فَأَمْسَى بِأَغْلَالِ الهَوَانٍ مُقَيّـَـــدَا

وَمَنْ شَكَّ فَالتَّارِيخَ عَنْ ذَاكَ يَسْــأَلُ *** يَجِدْهُ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ مُخَلَّــــدَا

فَصَبْرًا أَخَا الأَنْوَارِ وَالصَّبْرُ شِيمَةٌ *** بِهَا فَازَ عاَلِمٌ فَظَلَّ مُمَجًّــــــــدَا

بَقِيتَ بَقَاءَ الدَّهْرِ يَا كَهْفَ أَهْلِــــــهِ *** وَهَذَا دُعَاءٌ لِلأَنَــــــــــامِ مُجَدَّدَا "

تنبيه مهم : مقصدي من هذا العرض التعريف بالمغمورين من علماء الجزائر..و عليه : فكلما وجدت الأخضري فامحه ـ و روح القدس يؤيدك ـ

الدرَة
11-09-09 ||, 02:03 AM
أسال الله أن يبارك لكم في علمكم .

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-09-09 ||, 01:42 PM
أسال الله أن يبارك لكم في علمكم . آمين أستاذتنا الكريمة..فتح الله عليكم أبواب المعارف كلها.

د. يوسف بن عبد الله حميتو
11-09-13 ||, 01:23 AM
سلمنا إليكم القياد والقول بعد هذا نفل.

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-09-13 ||, 08:02 PM
دكتورنا المفضل أبا حاتم :
حكم الجزائر ـ إن وجدت ـ فهي من الحسنات المغربية..أطلاؤها ينهضن من كل مجثم..حفظ الله تواضعكم و علمكم أهل المغرب

رشيد بن محمد عمري
11-09-17 ||, 07:09 PM
السلام عليكم:
أقول على استحياء: أعلم أن أستاذي الأخضاري حصين في تواضعه، ولولا الورع ونكران الذات، لقال الكثير في شيخنا محمد قابورة نفعنا الله بعلمه.
و لكن ؟ كيف يصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا.
وقديما قالوا: خذ بدِركَة الدلو لا ينقطع
حفظ الله شيخنا، وأستاذنا.

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-09-22 ||, 08:08 AM
و فقت في الردّ شيخ رشيد..و كان على استحياء
و أنت أولى بتعريف الشيخ مني ؛ لأنك الصاحب الملازم ، و المعاشر المداوم..فأعط الشيخ كرائم الأوقات..
وفقك الله يا نبيه !

د. ملفي بن ساير العنزي
11-09-23 ||, 08:05 AM
توضيح لأصوب الطرق التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المجتمع الإسلامي الأول وما تلاه من عصور .
جزاكم الله خيرا ونفع بكم وبنقلكم الكرم...

وهذه الكلمات المقتبسة عليها مدار الإخلاص... (فالصواب مقصد أهل المعرفة...)
وما أحوج البشرية جمعاء؛ (لاجتماعيات الصحب, وأدبيات الرّعيل الأول...)