المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل (1335 - 1432هـ)) خُلق ومنهجية ووفاء.



د. ملفي بن ساير العنزي
11-09-25 ||, 06:30 AM
الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل (1335 - 1432هـ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))) خُلق ومنهجية ووفاء.
((إنا لله وإنا إليه راجعون))
والحمد لله على كل حال وإليه المرجع والمآل.
لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى...
الحمد لله على قضائه, والشكر له على نعمائه, ولا نقول إلا مايرضي ربنا سبحانه.
ولقد ابتليت الأمة بموت عالم من علمائها, وطاح نجم وأفل, وكان نور وأمل.
مات الشيخ عبد الله العقيل في ثامن شوال 1432هـ, واستراح من نصب الدنيا, وهمّها وشقائها, ونسأل الله أن يكون مستراحه الفردوس الأعلى في جنة الخلد التي وُعد المتقون, وكان في دنياه ممن يُريح, ويعز فراقه, وكان في حياته حيّاً حييِّا حبيباً.
وكانت جنازته حافلة.
وما تمالكت نفسي - بعد أن حضرت لدرس أسبوعي في الفقه - في أحد الجوامع بعرعر؛ إلا أن تكلمت عن الشيخ وعلمه؛ للاقتداء به والدعاء له, وكان موقفاً عصيباً؛ وذلك بعد مضي نحو أسبوع من وفاته.
لقاء الشيخ:
قابلته بمكة المكرمة – وبمسجد الكعبة – في أيام البيض من أوائل عام 1427هـ, وكان يحضر درسه بالمسجد الحرام بعض الطلاب, ثم رأيته وجلست معه على فترات وتابعت أخباره... خلال الأعوام 1427- 1432هـ؛ فلم أر منه - وأشهد الله - إلا حسن خلق بإيمان, وحسن السؤال, وحسن الإجابة, والتثبّت؛ فكان يرغِّب بالسؤال, ويجيب بالمفيد. (والمسجد بيت كل تقي).
وكنت أتحرّى قدومه, كما كنت أتمنى لقاءه ومعرفته, وتأخر في أحد الشهور؛ فعلمت بدخوله المستشفى... وبعد أن جاء لمكة المكرمة, قابلته وبشوق أكثر... وكنت رأيت فيه رؤيا فقصصتها عليه وسكت ثم قال: الحمد لله ها انت رأيتني... وأنه بخير.
والرؤيا باختصار: رأيته بثوبه الأبيض وغترته البيضاء... وهو في المسجد الحرام وقد اتّجه للكعبة المشرفة - يمشي الهوينا - من خلال بعض الفُرَج... وكنت أسير خلفه, وتجاوز زمزم وتقدم جهة الباب والحجر الأسود, ثم أقيمت صلاة المغرب!!! فصلى....
مجلس الشيخ بالمسجد الحرام:
كانت حلقته ليست بكثيرة الطلاب؛ ويختلف العدد بحسب المواسم.
وفي ابتداء لقائي به, لم يكن هناك حتى مكبّر الصوت! ثم أحضره بعض الأخوة, وكنت قد اقترحت وبعض الطلاب أن تكون هناك سماعة صغيرة - مكبّر صوت - بعد أن يستأذن الشيخ.

ومما ينبهر المرء المؤمن به؛ تواضع الشيخ وحبه لتلاميذه, وتوقيره لأهل العلم!
فلقد جاءه مرة أحد الأشخاص... فقال له: لماذا تدرّس هنا, وكان أسلوبه فظّا,,, فأجابه الشيخ بالدعاء له... وأسكن ثورته!

ومرة كنت جالسا مع الشيخ والطلاب – في مكانه الأول جهة الشامية مستندا إلى سارية عريضة - وكنت على يمين الشيخ – في الحلقة – فجاء شخص فقال بصوت منخفض للشيخ: الشيخ البراك قد قدم إليك, أو جاء الشيخ البراك.. - وكان معه أحد أبنائه - ؛ فأراد شيخنا القيام مع وصول وانحناء العلامة الشيخ عبد الرحمن البراك؛ ليسلم عليه وهو جالس, فقام الشيخ.... ولم يسلم عليه إلا بعد قيامه...! وكان العلامة البراك - حفظه الله - قد أبدى عتابه لمن أبلغ الشيخ بحضوره؛ ليسلم عليه وهو جالس, فقدّر الله هذا الموقف الذي جاء بسجية الكبار أما الطلاب؛ وهكذا العلماء, يعلّمون ويربون بصغار العلوم قبل كبارها, عن أثر وعلم ومنهجية.
وهذا الموقف بحق موقف وفاء واحترام, ولمن لا يعرف... فالعلامة البراك بصيرا... قد تجاوز السبعين في عمره؛ أمده الله بتوفيقه وطاعته, ومهّل بأيامه بعافية وخير.
وصف لمجلس الشيخ الذي رأيت:
كانت تروق لي الجلسة التي رغبها شيخنا في المسجد الحرام, والتي كانت عبارة عن حلقة أمام الشيخ, تُعقد بعد الصلاة والسنة أو الأذكار, ومع كل طالب كتابه من نسختين, نسخة للطالب يقرأ منها, ونسخة للشيخ يتابع قراءة الطالب ويعلق بكلامه الماتع عندما يستدعي الأمر لذلك – وسواء كانت النسخة مصورة أو من طبعة أخرى - وكانت تعليقاته نافعة للفقيه والمتفقه والمبتدي وطالب العلم.
وعند الانتهاء من القراءة التي يختمها الشيخ بكتابته (بلغ) فيتوقف الطالب ثم يأتي طالب آخر؛ فيقرأ من كتاب آخر, بحسب موضوعه الذي وقف عنده سابقاً؛ فيكمل الشيخ الشرح والتعليق وحلّ الإشكال, وفك العبارات.
وقد يكون عدد الطلاب عشرة أو أكثر؛ فيقرأ الأول – بعد صلاة الفجر وبعد ورد الشيخ من الأذكار - من كتاب القضاء في زاد المستقنع مثلاً صفحة أو نصفها أو أكثر, وعند انتهاءه مباشرة, يقرأ الثاني من كافي المبتدي المقدمة والطهارة, وبعدها يقرأ الثالث من كتاب المعونة للقاضي عبد الوهاب من كتاب الصلاة, ثم الرابع من كتاب القواعد الفقهية لشيخه ابن سعدي رحمهما الله, والخامس من كتاب منهج السالكين... والخامس من الزاد كتاب الصيام, والسادس من الزاد كتاب الحج, والسابع من أخصر المختصرات كتاب البيع, والثامن من عمدة الطالب باب الوديعة, والتاسع من عمدة الطالب باب عشرة النساء, والعاشر من مقدمة التفسير لتقي الدين (شيخ الإسلام) رحمه الله.
ثم يأتي الشيخ بعد صلاة الظهر وراتبتها؛ فيُستكمل ما قُرئ عليه, وكان قد علّمه بـ (بلغ) مقابل السطر الذي وقف عنده, وكل طالب يحرص على التقدم في القراءة على الشيخ.
وهكذا الحال بعد صلاة العصر إلى قُبيل الغروب, وبعد صلاة المغرب إلى العشاء.!
بل وهكذا دأبه خلال تواجده في مكة, ومما قيل لي حتى في الرياض, التي دعاني إليها قائلاً: زُرنا بالبيت في الرياض.
وعند حضور الشيخ في الشهر القادم أو في شهر رمضان أو للحج؛ (في كل زيارة لمكة المكرمة) يقرأ عليه استكمالا لما سبق... وفي كتب الحنابلة وغيرهم.
وبعض الطلاب يأخذ مواعيد أخرى مع الشيخ تناسبه, ولا يكلّ منها الشيخ فهناك متّسع وبركة في وقته؛ في الضحى وبعد صلاة العشاء, وأحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل.!
كل هذا من رجل بلغ التسعين من عمره, وناوش الهنيدة, وهو (صائم)؛ فلقد وهبه الله -الوهّاب - حسن العمل وإتقانه, ومع ذلك كان يستجيب للدعوة ويذهب إلى بعض المناسبات.
و ((الصوم جُنَّة)) كما قالها صلى الله عليه وسلم !
وكان يجد الوقت؛ لقراءة القرآن! فلم تقطعه عنه الدروس ولا الارتباطات.
ولقد قرأت على شيخنا رحمه الله, واستمعت لعلمه, واستأذنته في التسجيل للفائدة العلمية؛ فأذن ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وفي أماكن أخرى يُقرأ على الشيخ الأبواب بل الكتب في مجالس متصلة.
ويقرأ على الشيخ كتب الحديث والفقه وغيرها. وهكذا طيلة إقامته في مكة المكرمة.
من أخلاق ومنهجية الشيخ:
التواضع, والجود, والمحافظة على الوقت؛ بقراءة الطلاب عليه أو بإلقائه العلم.
يحسّ من يجالسه أنه من أخص الناس به, ولا يميّز بين أحد من الطلاب فالوقت للجميع واحد, بل كان يحضر إليه العلماء وطلبة علم والعامة.
لا يسأم من العلم وطلابه.
فكان بالفعل؛ خلقه مستمد من تعلم القرآن, مع ما فيه من محبة وجود, ونشر العلم
ولقد عُمِّر, وعمَّر أجيالاً... فجزاء الإحسان؛ الإحسان...
والجميع أحبّه وترقّى بعلمه وسمته.
من قابَله؛ ثم وصفه يشعر بكل ما تعنيه كلمة (الطِّيْب) "طيب النفس والخُلق" ؛لأنه أحسن التفاعل مع الآخرين, من الأموات؛ بالوفاء لهم وقراءة كتبهم وحفظ حقهم والدعاء لهم؛ والأحياء بالجود الملازم له...
ومن الوصف المنصف؛ سجيّته العلمية, المكتسبة – خلال هنيدته وقرنه - ؛ من القرون الصحبية, والاستمرارات الذهنية, والعطاءات الزكيّة.
فجزاء الإحسان؛ الإحسان...

والشيخ رحمه الله تولّى القضاء وترقى بمناصبه, وهو من أهل الإفتاء.
كُتب عنه ووصف بأوصاف منها: "عميد القضاة حيث تولى أعماله من عام 1353هـ إلى تقاعده عام 1405هـ" ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
عمل بالقضاء, وتولّاه, وترأس هيئته الدائمة بمجلس القضاء الأعلى.

وقرأ كتب الأصحاب وعرفها فلقِّب بشيخ الحنابلة.

ألّف تلميذه – البارّ - الشيخ محمد زياد التكلة كتاباً بعنوان: "فتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة عبدالله العقيل".
والذي أجازني الشيخ في مروياته فيه, كرما وتفضّلا, وتشجيعاً للعلم واشتغالاً به, وتبرّكا بسنده وحفظه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وطبع كتاب (الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة...) اعتنى بها تلميذه الشيخ هيثم بن جواد الحدّاد. بإشراف الشيخ رحمه الله ومراجعته.
وهي مسائل وأجوبة نفيسة وكتابات عزيزة من الشيخ العلامة السعدي لتلميذه ابن عقيل رحمهما الله, فيها:
الحث على العلم وفوائده, والحث على المداومة على العمل, وفوائد وفروق, وأخبار بتواريخ, وتحريرات ونصائح, وأسئلة وفتاوى, وأسباب ومسببات؛ كلها تؤكَّد الحرص على العلم والعمل والصدق في القصد.

والشيخ - باختصار - مربي وموجّه ومعلم وموثِّق, ويوافي شيوخه, ويوقّيهم حقهم, وكان خلقه مستمدّ من الكتاب, وحب السنّة التي جاءت بالطرق الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم, ومحبة أهلها, وفي مقدمتهم العلماء الأبرار.
ولا يكفي ما كتبته عن الشيخ ولكنها ستخرج - بإذن الله – الرسائل والكتابات والفوائد والتسجيلات؛ عن علمه وأجوبته وتربيته ومراسلاته لمشايخه؛

تكفي اللبيب إشارة مرموزةٌ ... وسواه يُدعى بالنداء العالي.

ومما قلت - فيما سلّمت للشيخ رحمه الله - :
يا أيها الشيخُ ؛ العديم الغائلة قد كبِّلت لـك العلوم صائحة
تقول : نحن صحبه وناديه لا فُضَّ فوه ... سلفيّ الرائحة
عبدُ الله آل عقيل شيخ الحنابلة علمٌ عَمِلَ بِهِ , وقاد اللائحة
والصوم في البيض شهود شاملة عِطر تثرَّى بالعلوم الفائحة
......................... .... ......................... .
إن جئت للتدريس والمسائلة تجده جَلداً وافر المسامحة
أو جئت للعلوم والمشاكلة تجده نبلاً. قلّ مَن يزاحمه
يارب في الفردوسِ؛تلك الغالية أجزِل ثواب الشيخ؛عيناً رائيه
......................... ...... ......................... .....
اللهم اغفر الله لشيخنا عبد الله العقيل وأسكنه أعلى الجنة وأوسطها {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء]
اللهم ولا تحرمه أجر {... الذين اتقوا والذين هم محسنون}
اللهم واجعل قبره روضة من رياض الجنة, واجزِه اللهم عن المسلمين وطلاب العلم خيراً.
اللهم ارحمه ووالديه والمسلمين والمسلمات,
اللهم وبارك في ذرّيته وأهله وطلابه
والحمد لله على كل حال, وإليه المرجع والمآل.
وهو الهادي إلى سواء السبيل.
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وكتب
أبو محمد ملفي بن ساير بن مجاهد العنزي
منتصف شوال 1432هـ.

([1]) وقيل مولده عام 1333هـ, وقيل في 20/12/1334 وسجله والده بعد عشرة أيام...

([2]) سأرفق - بإذن الله - تسجيل خاص ونفيس وعزيز؛ ينشر لأول مرة, ولا أحبّذ تحميله بل أُفضِّل الاستماع له وهو في موقعه...

([3]) ينظر: مقال: العلاّمة عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل 1335 – 1432هـ. أ.د. عبداللطيف بن محمد الحميد. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. نشر في: جريدة الرياض 14 شوال 1432 العدد 15785.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
11-09-25 ||, 09:27 AM
بارك الله فيكم ...
وأنزل الله الشيخ الفردوس الأعلى من الجنة ...

عبدالرحمن بن محمد الحريري
11-09-25 ||, 01:43 PM
رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته


بارك الله فيك

أصلان بن عبد الرحمن الشيشاني
11-09-26 ||, 05:55 AM
رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته

عمرو بن هيمان بن نصر الدين
11-09-26 ||, 06:10 AM
وهذا إخوانى الفضلاء أحد تلامذة الشيخ بن عقيل النجباء - نحسبه كذلك - وهو الشيخ محمد بن عمر زياد التكلة قام بهذا بعدما نشر خبر الوفاة الشيخ رحمه الله .
لقاء على قناة المجد العلمية: مواقف وعبر من حياة سماحة الشيخ عبد الله العقيل
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
مغرب الجمعة 18 شوال 1432
ضيف الحلقة: فضيلة الشيخ محمد بن عمر زياد التكلة
وكان لقاءا ممتعا جدا أنصح بمشاهدته

أم همام
11-09-26 ||, 04:15 PM
جزاكم الله خيرا
ورحم الله الشيخ عبد الله العقيل وعلماء السنة
وغفر الله لموتانا وموتى المسلمين .

د. ملفي بن ساير العنزي
11-10-04 ||, 12:14 AM
بارك الله فيكم ...
وأنزل الله الشيخ الفردوس الأعلى من الجنة ...
تقبل الله منك
وجزاك خيرا

د. ملفي بن ساير العنزي
11-10-04 ||, 12:17 AM
الاخوة الكرام/ عبد الرحمن, أصلان, عمرو, أم همام
جزاكم الله خيرا وتقبل منكم

د. ملفي بن ساير العنزي
11-10-04 ||, 12:43 AM
وهذا رابط كتاب: "فتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة عبدالله العقيل".
(حفظ باسم) : تحميل
ملف الكتاب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الردفتح الجليل في ترجمة وثبت شيخ الحنابلة عبدالله بن عبدالعزيز العقيل.pdf)

من موقع: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
(بإذن المؤلف جزاه الله خيراً)

شادن عبدالله
11-11-19 ||, 08:49 PM
رحمه الله رحمة واسعة

د. ملفي بن ساير العنزي
12-08-28 ||, 03:26 PM
رحمه الله رحمة واسعة
اللهم آمين
ورحم الله علماء المسلمين