المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تخصيص العلة بمعنى يقتضي التصحيح هو عين الفقه بل هو عين كل علم بل هو عين كل نظر صحيح!



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 02:06 AM
تخصيص العلة بمعنى يقتضي التصحيح
هو عين الفقه
بل هو عين كل علم
بل هو عين كل نظر صحيح ورأي سديد




تمهيد:

عنوان مثير!



أليس كذلك؟

ربما ينقدح في الذهن حال قراءة هذا العنوان أن فيه شيئا من المبالغة

وربما يكون الأمر كذلك



ولكن ماذا لو أخبرتكم أن قائل هذه العبارة هو عين الفقهاء وعين العلماء ابن تيمية الحراني

الذي قد يكون من أبرز سماته هو تحرير العبارة !



---------------------------------------------------

تخصيص العلة




اختلف أهل العلم في جواز تخصيص العلة على أقوال كثيرة، وكالعادة فقد استوفى ذكرها بدر الدين الزركشي في كتابه البحر المحيط



وفي أكثر من موضع ومن عدة زوايا.....



لكن أشهر هذه الأقوال:


1- هو المنع من تخصيصها مطلقا تنزيلا لها منزلة العلل العقلية المستلزمة لمعلولها.


2- أو جواز تخصيصها مطلقا كما هي طريقة متقدمة الأحناف في استعمال الاستحسان والاستثناء به من القياس العام من غير موجب، معتبرين أنه استثناء انقدح في ذهن المجتهد تقصر عبارته عنه.


3- أو جواز تخصيصها في بعض الأحوال:


أ*- كمن أجاز تخصيص العلة المنصوصة دون المستنبطة.


ب*- أو من عكس ذلك.


ت*- أو من أجاز تخصيصها لمعنى يقتضي التخصيص من فوات شرط أو وجود مانع.


وهذا المعنى الأخير هو الذي ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله ونصره في مواضع من رسائله.


وقد تناول ابن تيمية الكلام على هذه المسألة بتوسع في ثلاث من رسائله:


1) بيان الدليل على بطلان التحليل


2) رسالة في الاستحسان


3) رسالة له في مجموع الفتاوى



وسأحاول في هذا الموضوع بحول الله وقوته أن ألخص كلامه وأجمع أطرافه ، سائلاً الله عز وجل أن ييسر وأن يعين.


فأقول مستعينا بالله:


1-فرَّق ابن تيمية رحمه الله بين نوعي العلة: العلة الموجبة والعلة المقتضية.


2-العلة الموجبة أوالتامة: هي التي يجب وجود معلولها عند وجودها، فهذه العلة يمتنع تخصيصها، ومتى انتقضت فسدت، ويدخل فيها ما يسمى جزء العله وشرط الحكم وعدم المانع فسائر ما يتوقف الحكم عليه يدخل فيها.


3-العلة المقتضيةوإن كانت ناقصة: هي ما مِنْ شأنها أن تقتضي ولكن بشرط أن تصادف محلا لا يعوق، فهذه تخصص إذا تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود مانع، وينجبر النقص بالفرق وهو المعنى المقتضي للتخصيص.


4- إن كان تخلف العلة عن الحكم لا لفوات شرط ولا لوجود مانع كان ذلك دليل على فسادها.


5-القول بجواز تخصيص العلة إنما يرد في المحل الذي قام على صحة العلة فيه دليل كالتأثير والمناسبة، وأما إذا اكتفي فيها بمجرد الطرد الذي يعلم خلوه عن التأثير والسلامة عن المفسدات، فهذه تبطل بالتخصيص باتفاقهم، وأما الطرد المحض الذي يعلم خلوه عن المعاني المعتبرة، فذاك لا يحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين.


6- ملاحظة القول بتخصيص العلة لفوات شرط أو لوجود مانع يدل على أنه أقرب إلى المعقول، وأشبه بالمنقول.


7- يدل على هذا القول تصرفات الصحابة والسلف من أئمة الفقهاء وغيرهم، ولا يشك من تأمل نظرهم ومناظرتهم:


أ- أنهم كانوا يخصون التعليل بوجود المانع.


ب*-وأنهم كانوا يجبرون النقض بالفرق بين الفرع وبين صورة النقض.


8-نسب ابن تيمية هذا القول إلى اثنين من الأصوليين، وهما أبو الحسين البصري المعتزلي وأبو بكر الجصاص الرازي.


9-قرر هذا القول جماعة من الأصوليين كالبيضاوي والهندي، وحرره الغزالي وبسط القول فيه [نقلته بتصرف من البحر المحيط للزركشي وبحث تخصيص العلة لمازن هنية]


10- أثنى ابن تيمية على هذه الطريقة حتى ذكر أنها هي عين الفقه، ثم استدرك فقال: إنها هي عين كل علم ثم لم ينتهي حتى اعتبرها هي عين كل نظر صحيح وكلام سديد .


11- من قال: إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لا لفوات شرط ولا لوجود مانع فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم فإنهم كلهم يقولون بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق، وكلامهم في ذلك أكثر من أن يحصر.


12- في المسألة قولان متطرفان من الجانبين :


13- قول من يجوز تخصيص العلة لا لمانع ولا لفوات شرط بل بمجرد دليل كما يخص العموم اللفظي.


14- وقول من يقول: إن العلة المنصوصة إذا تخصصت بطل كونها علة وعلم أنها جزء العلة .


15- فهذان قولان ضعيفان.


16- أكثر عقول الفقهاء بل أكثر عقول الناس بل عامة العقول التي لم يكدر صفاها رهج الجدل ترى صحة كون الشيء بصفة الاقتضاء , وإن كان معوقا عن عمله، وإن كان قد يخالف فيه بعض الناس إذا جردوا الأصول.


17- يرد على من ينازع في اعتبار تخصيص العلة ما يذكرونه من الاعتراض بالنص على قياس الأصول فإن هذا هو أحد أنواع تخصيص العلة، وهو تسليم منهم بأن العلة تقبل التخصيص في الجملة.

18- تخصيص العلة له استعمالان :

1- استعمال صحيح راجح.
2- واستعمال خطأ مرجوح.
1- الاستعمال الصحيح الراجح: هو ما كان التخصيص فيه لفرق مؤثر من فوات شرط أو وجود مانع.
2- والاستعمال الخطأ المرجوح: هو ما وقع فيه تخصيص العلة بمجرد دليل يدل على التخصيص وإن لم يبين اختصاص صورة النقض فقدان شرط أو وجود مانع.
19- العلة إن كانت مستنبطة: وخصت بنص ولم يبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها فهذا أضعف ما يكون.
20- هذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله مِنْ أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
21- السبب في ذلك: أن هذه العلة لم تعلم صحتها إلا بالرأي فإذا عارضها النص كان مبطلا لها، والنص إذا عارض العلة دل على فسادها كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع.
22- إذا كانت العلة منصوصة: وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي وغيرهما، كما إذا جاء نص في صورة ، ونص يخالفه في صورة أخرى، لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم، فهؤلاء يقرون النصوص، ولا يقيسون منصوصا على منصوص يخالف حكمه ، بل هذا من جنس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} وهذا هو الذي قال أحمد فيه: "أنا أذهب إلى كل حديث جاء، ولا أقيس عليه" أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر، فأجعل الأحاديث متناقضة، وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها.
23- حقيقة هذا كله: أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر وبمنع القياس على المخصوص يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر.
وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأكثرون كالشافعي وأحمد وغيرهما:
وهم تارة ينكرون:
صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان.
وتارة ينكرون:
مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي.
وتارة ينكرون:
صحة الاثنين فلا يكون القياس صحيحا ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا بل كلا الحجتين ضعيفة وإنكار هذا كثير في كلام هؤلاء.
24- القول بالاستحسان المخالف للقياس لا يمكن إلا مع القول بتخصيص العلة .
ولذلك فقد تناقض من قال بالاستحسان ثم أنكر القول بتخصيص العلة، أما الأحناف القائلين بهما معا، و الشافعية المنكرين لهما معا فإن قولهما مطرد في هذا الباب.
25- صور الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها.
وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يقاس عليها، فإن المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي فلا يقاس عليه لأن من شرط القياس وجود العلة وتفريقها.
26- طرق ابن تيمية رحمه الله مسألة تخصيص العلة من جهتين:
1- من جهة أصولية محضة: وهي الحديث عن العلة نفسها وعن أنواعها وعن مدى اطرادها وتخصيصها.
2- ومن جهة فقهية فروعية، وهو النظر في الصور المعينة والبحث في استواءها وافتراقها في الصفات المؤثرة في الشرع.
والطريقة الثانية هي طريقة عكسية في تناول المسألة، فإن كانت الجهة الأولى قد تناولت المسألة على طريقة التدلي من الأعلى إلى الأسفل ومن الأصول إلى الفقه فإن الجهة الثانية تناولتها على طريقة الترقي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الفقه إلى الأصول.
وهذا يدل على أمرين:
1- على وضوح المسألة عند ابن تيمية رحمه الله حتى تبدَّى له مخ عظمها.
2- وعلى معالجته لفروعها التطبيقية العملية حتى استطاع أن يلج بيت الأصوليين من نافذة الفقهاء.
27- تقوم الطريقة الثانية على إحدى أمور ثلاثة:
1- إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع.
2- وإما أن يعلم افتراقهما.
3- وإما أن لا يعلم واحد منهما.
والمقصود بالعلم هو:
1- أن يقوم الدليل على التماثل والاستواء.
2- أو الاختلاف والافتراق.
3- أو لا يقوم على واحد منهما.

26- متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض ولم تختص صورة النقض بفرق معنوي فإنه يعلم بذلك أن العلة باطلة؛ فإن انتقاض العلة يوجب بطلانها فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين فلا تكونان الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف الصورتين في نفس الأمر.

27-يظهر فساد العلة المستنبطة من خلال النظر في أمرين اثنين:
1- مخالفة العلة للنص.
2- افتقار العلة إلى المصدر المصحح لها.
وهذا لا يرد في العلل المنصوصة لأنها لا تكون إلا حقا بخلاف المسنتنبطة التي قد يقع فيها الغلط إما في الاعتبار وإما في الاستعمال.
28- من أسباب انتقاض العلة المستنبطة التي جاء من النص ما يعارضها:
1-أن معنى هذه العلة المستنبطة لم ينص الشارع على علته، ولا دل لفظ الشرع على عموم المعنى فيه.
2-أن التعليل بها إنما هو لمناسبة أو لمشابهة ظنها الرائي مناط الحكم.
3- أنه إن لم يعلم أن مورد النص مختص بمعنى يوجب الفرق فإنه يجوز أن تكون العلة معنىً آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ فلا يفترق الحكم من جميع موارد ما ظنه علة.
29- إن لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقا مؤثرا بطل تعليله:
1- فإن الحكم اقترن بالوصف تارة كما في الأصل.
2- وتخلف عنه تارة كما في الأصل.
3- ويختلف عنه تارة كما في صورة النقض
والمستدل: إن لم يبين أن الفرع مثل الأصل دون صورة النقض فلم يكن إلحاقه بالأصل في ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه لأن الوصف موجود في الصور الثلاث وقد اقترن به الحكم في الواحدة دون الأخرى وشككنا في الصورة الثالثة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 04:44 PM
أمثلة تطبيقية لاستعمال ابن تيمية القول بـ تخصيص العلة في الفروع الفقهية:
مجموع الفتاوى - (ج 21 / ص 355)
ذكر ابن تيمية أن قول القائل في التيمم:
1- يرفع الحدث.
2- أو لا يرفعه.
ليس تحته نزاع عملي شرعي وإنما هو نزاع اعتباري لفظي
ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة أصولية تتعلق بمسألة:
تخصيص العلة وأن المناسبة هل تنخرم بالمعارضة وأن المانع المعارض للمقتضى هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته
وكشف الغطاء عن هيئة النزاع:
أن لفظ العلة يراد به العلة التامة:
وهو مجموع ما يستلزم الحكم بحيث إذا وجد وجد الحكم ولا يتخلف عنه فيدخل في لفظ العلة على هذا الاصطلاح جبر العلة وشروطها وعدم المانع إما لكون عدم المانع يستلزم وصفا ثبوتيا على رأي وإما لكون العدم قد يكون جبرا من المقتضى على رأي
وهذه العلة متى تخصصت وانتقضت فوجد الحكم بدونها دل على فسادها
كما لو علل معلل:
قصر الصلاة بمطلق العذر.
قيل له:
هذا باطل فإن المريض ونحوه من أهل الأعذار لا يقصرون وإنما يقصر المسافر خاصة فالقصر دائر مع السفر وجودا وعدما ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما دليل على المدار عليه للدائر
كما لو علل:
وجوب الزكاة بمجرد ملك النصاب قيل له: هذا ينتقض بالملك قبل الحول
وقد يراد بلفظ العلة ما يقتضي الحكموإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء موانع:
وقد يعبر عن ذلك بلفظ السبب فيقال الأسباب المثبتة للإرث: ثلاثة رحم ونكاح وولاء فالعلة هنا قد يتخلف عنها الحكم المانع كالرق والقتل واختلاف الدين
فإذا أريد بالعلة هذا المعنى:
جاز تخصيصها لفوات شرط ووجود مانع
فأما إن لم يبين المعلل بين صورة النقض وبين غيرها فرقا مؤثرا بطل تعليله:
1- فإن الحكم اقترن بالوصف تارة كما في الأصل.
2- وتخلف عنه تارة كما في الأصل.
3- ويختلف عنه تارة كما في صورة النقض
والمستدل:
إن لم يبين أن الفرع مثل الأصل دون صورة النقض فلم يكن إلحاقه بالأصل في ثبوت الحكم أولى من إلحاقه بصورة النقض في انتفائه
لأن الوصف موجود في الصور الثلاث وقد اقترن به الحكم في الواحدة دون الأخرى وشككنا في الصورة الثالثة
وهذا كما:
لو اشترك ثلاثة في القتل:
1- فقتل الأولياء واحدا.
2- ولم يقتلوا آخر إما لبذل الدية وإما لإحسان كان له عندهم.
3- والثالث لم يعرف أهو كالمقتول أو كالمعفو عنه فإنا لا نلحقه بأحدهما إلا بدليل يبين مساواته له دون مساواته للآخر
إذا عرف هذا فالأصوليون والفقهاء متنازعون في:
استحلال الميتة عند الضرورة
فمنهم من يقول:
قد استحل المحظور مع قيام السبب الحاظر وهو ما فيها من حيث التغذية
ومنهم من يقول:
الضرورة ما أزالت حكم السبب وهو التحريم إزالة اقتضاء للحظر فلم يبق في هذه الحال حاظر إذ يمتنع زوال الحظر مع وجود مقتضيه التام
وفصل النزاع:
أنه إن أريد بالسبب الحاظر :
السبب التام وهو ما يستلزم الحظر فهذا يرتفع عند المخمصة فإن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والحل ثابت في هذه الحال فيمتنع وجود السبب المستلزم له.
وإن أريد بالسبب:
المقتضي للحظر لولا المعارض الراجح فلا ريب أن هذا موجود حال الحظر لكن المعارض الراجح أزال اقتضاءه للحظر فلم يبق في هذه الحال مقتضيا فإذا قدر زوال المخمصة عمل السبب عمله لزوال المعارض له
وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه ...
من قال إنه ليس برافع ولكنه مبيح والحدث هو المانع لصلاة وأراد بذلك أنه مانع تام كما يكون مع وجود الماء فهذا غالط فإن المانع التام مستلزم للمنع والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها ووجود الملزوم بدون اللازم ممتنع
وإن أريد أن سبب المنع قائم ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة الشرعية الرافعة لمنعه فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في هذه الحال فهذا صحيح
وكذلك من قال هو رافع للحدث إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه الماء فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطا ....
وإن قال: أريد برفعه أنه رفع منع المانع فلم يبق مانعا إلى حين وجود الماء فقد أصاب وليس بين القولين نزاع شرعي عملي
وعلى هذا فيقال على كل من القولين لم يبق الحدث مانعا مع وجود طهارة التيمم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 04:58 PM
مثال ثاني في استعمال هذه القاعدة الأصولية:
يقول رحمه الله كما في مجموع الفتاوى - (ج 29 / ص 471، 472):
والمقصود هنا:
الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير و الدراهم.
والأظهر:
أن العلة في ذلك هو الثمنية لا الوزن كما قاله جمهور العلماء و لا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص و الحديد و الحرير و القطن و الكتان
ومما يدل على ذلك:
اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات و هذا بيع موزون بموزون إلى أجل فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا
والمنازع يقول:
جواز هذا استحسان و هو نقيض للعلة.
و يقول:
إنه جوز هذا للحاجة مع أن القياس تحريمه.
فيلزمه:
أن يجعل العلة الربا بما ذكره و ذلك خلاف قوله و تخصيص العلة الذي قد سمي استحسانا إن لم يبين دليل شرعي يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة و اختصاص صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع والأحاديث و إلا كانت العلة فاسدة.
والتعليل بالثمنية:
تعليل بوصف مناسب فان المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال
ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية
واشتراط الحلول و التقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطالب فان ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع أنها ثمن من طرفين فنهي الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل
فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل
كما أن النبي صلى الله عليه و سلم:
نهى عن بيع الكالىء بالكالىء و هو المؤخر بالمؤخر و لم ينه عن بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت في الذمة يسقط فان هذا الثاني يقتضي تفريغ كل و احدة من الذمتين
ولهذا كان هذا جائزا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك و أبي حنيفة و غيرهما بخلاف:
ما إذا باع دينا يجب في الذمة و يشغلها بدين يجب في الذمة كالمسلم إذا أسلم في سلعة و لم يقبضه رأس المال فانه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم و في ذمة المسلف رأس المال و لم ينتفع و احد منهما بشيء ففيه شغل ذمة كل و احد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض و هو المقصود بالعقد كما أن السلع هي المقصودة بالأثمان
فلا يباع:
ثمن بثمن إلى أجل
كما لا يباع:
كاليء بكاليء
لما في ذلك من الفساد و الظلم المنافي لمقصود الثمنية و مقصود العقود.
-----------------------

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 06:21 PM
نقولات عن ابن تيمية تقرر ما سبق نقله عنه:
النقل الأول:
قال رحمه الله:
وقد علم أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط أو وجود مانع دل على فسادها وليس فيما جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض بل حكم الشيء حكم مثله والحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها.
مجموع الفتاوى - (ج 24 / ص 46)
--------------------------------------
النقل الثاني:
قال رحمه الله:
فإن قال:
المقتضى لدخولهم قائم والمانع من خروجهم مشكوك فيه.
قلت:
على قول من يمنع تخصيص العلة:
لا أسلم قيام المقتضى لدخولهم ؛ فإن المقتضى لدخولهم هو اللفظ الذي لم يوصل به ما يخرجهم فلا أعلم أن هذا اللفظ لم يوصل به ما يخرجهم حتى أعلم أن هذا الاستثناء لا يخرجهم وهذا الشرط مشكوك فيه .
أما على قول من يقول بتخصيصها:
فأسلم قيام المقتضى لكن شرط اقتضائه عدم المانع المعارض وهنا ما يصلح أن يكون مانعا معارضا فما لم يقم دليل يبقى صلاحه للمعارضة وإلا لم يعمل المقتضى عمله والصلاح للمعارضة لا مزية فيه.
مجموع الفتاوى - (ج 31 / ص 164)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 06:58 PM
المثال الثالث التطبيقي في استعمال ابن تيمية رحمه الله لهذه القاعدة الأصولية في االمسائل الفقهية:




ناقش ابن تيمية رحمه الله في كتابه بيان الدليل على بطلان التحليل أقوالَ الناس في العقود الفاسدة إذا ارتكبت على وجه الخطأ أو الجهل، وقال - وقد حان الشروع في المقصود -:



هل توصف بأنها حلال في الظاهر والباطن كما هو قول كثير من المتكلمين وبعض الفقهاء؟


وأنها في هذه الحال ليست بحرام أصلا بل هي كالميتة للضطر


لأن التحريم هو المنع من الفعل


والمنع لا يثبت حكمه إلا بإعلام الممنوع أو تمكنه من العلم


وهذا لم يعلم التحريم ولا أمكنه علمه فلا تحريم في حقه.


أو أن التحريم ثابت في الباطن دون الظاهر كما هو قول أكثر الفقهاء والمتكلِّمين؟


ونصر ابن تيمية رحمه الله الطريقة الثانية، وقال:


لا نقول:


إنه فعل مباحا له فإن الله سبحانه ما أباح هذا لأحد قط


لكن نقول:


فعل ما لم يعلم تحريمه.


ثم ذكر:


أن عدم علمه بالتحريم صار مانعا من ثبوت مقتضى التحريم من الذم والعقاب.


أو يقال:


لم يثبت حكم التحريم من الذم والعقاب لفوات شرط الذم والعقاب الذي هو العلم وتخلف المقتضى عن المقتضي لفوات شرط أو وجود مانع لا يقدح في كونه مقتضيا.


وهذا ينبني على:


حكم العلة إذا تخلف عنها لفوات شرط أو وجود مانع:


هل يقدح في كونها علة؟


ويؤخذ من الشروط وعدم المانع قيود تضم إلى تلك الأوصاف، فيجعل الجميع علة؟


أو لا يقدح في كونها علة؟


ولكن يضاف التخلف إلى المانع وفوات الشرط.


وهذه مسألة تخصيص العلة وفسادها بالنقض مطلقا جبر أو لم يجبر.


والناس في هذه المسألة من أصحابنا وغيرهم مختلفون خلافا مشهورا:


فمن قال بتخصيصها :


فرَّق بين :


1-الشرط.


2- وجزء العلة.


3- وعدم المانع.


وقال:


قد يعدم الحكم مع بقائها إذا صادفها مانع أو تخلى عنها الشرط المعين .


ومن لم يخصصها:


فعنده الجميع شيء واحد ومتى تخلف عنها الحكم لم يكن علة بحال بل يكون بعض علة . وفصل الخطاب أن لفظ العلة:


يقال على:


العلة الموجبة :- وهي العلة التامة التي يجب وجود معلولها عند وجودها - فهذه لا تخصص.


ويقال على:


العلة المقتضية وإن كانت ناقصة :- وهي ما من شأنها أن تقتضي ولكن بشرط أن تصادف محلا لا يعوق - فهذه تخصص.


فالنزاع:


1- عاد إلى عبارة كما تراه.


2- ويعود أيضا إلى ملاحظة عقلية:


وهو أنه عند تخلف المعلول لأجل المعارض:


هل يلاحظ في العلة وصف الاقتضاء ممنوعا؟


بمنزلة الحجر الهابط إذا صادف سقفا .


وبمنزلة ذي الشهوة الغالبة بحضرة من يهابه


أو يلاحظ معدوما؟


بمنزلة العينين وبمنزلة العشرة إذا نقص منها واحد فإنها لم تبق عشرة.


فإذا كان النزاع:


1- يعود إلى اعتبار عقلي، أو إلى إطلاق لفظي لا إلى حكم عملي أو استدلالي فالأمر قريب.


2- وإن كان هذا الخلاف يترتب عليه إصلاح جدلي:


وهو أنه هل يقبل من المستدل جبر النقض بالفرق بين صورة النزاع وصورة النقض ؟


أو لا يقبل منه ذلك؟ بل عليه أن يأتي بوصف يطرد لا ينتقض البتة ومتى انتقض انقطع؟


فيه أيضا اصطلاحان للمتجادلين:


1- وكان الغالب على أهل العراق في حدود المائة الرابعة قبلها وبعدها إلى قريب من المائة الخامسة إلزام المستدل بطرد علته في مناظراتهم ومصنفاتهم .


2- وأما أهل خراسان فلا يلزمونه بذلك بل يلزمونه تبيان تأثير العلة ويجيزون النقض بالفرق , وهذا هو الذي غلب على العراقيين بعد المائة الخامسة.


وتجد الكتب المصنفة لأصحابنا وغيرهم في الخلاف بحسب اصطلاح زمانهم ومكانهم:


1- فلما كان العراقيون في زمن القاضي أبي يعلى والقاضي عبد الوهاب بن نصر وأبي إسحاق الشيرازي ونحوهم يوجبون الاطراد


غلب على أقيستهم تحرير العبارات وضبط القياسات المطردات ويستفاد منها القواعد الكليات


لكن تبدد الذهن عن نكتة المسألة يحوج المتكلم أو المستمع إلى أن يشتغل بما لا يعنيه في تلك المسألة عما يعنيه .


ولهذا كانوا يكلفون بأن يأتي بقياس مطرد ولا يظهر خروج وصفه عن جنس العلل الشرعية وإن لم يقم دليلا على أن ذلك الوصف علة للحكم وربما غلا بعضهم في الطرديات.


2- ولما كان العراقيون المتأخرون لا يلزمون هذا فتحوا على نفوسهم سؤال المطالبة بتأثير الوصف وطوائف من متقدمي الخراسانيين.


فيستفاد من طريقهم الكلام في المناسبات والتأثيرات بحسب ما أحاطوا به من العلم أثرا ورأيا.


وهذا أشد على المستدل من حيث احتياجه إلى إقامة الدليل على تأثير الوصف.


والأول أشد عليه من حيث احتياجه إلى الاحتراز عن النقض.


ولهذا سمى بعضهم الأولين:


أصحاب الطرد.


وسمى الآخرين:


أصحاب التأثير.


وليس المراد بكونهم أصحاب الطرد:


أنهم يكتفون بمجرد الوصف المطرد الذي لا يظهر فيه اقتضاء للحكم ولا دلالة عليه ولا إشعار به، فإن هذا يبطله جماهيرهم ولم يكن يقول به ويستعمله إلا شرذمة من الطاردين.


رأي ابن تيمية في هاتين الطريقتين:


في كل واحدة من الطريقتين ما يقبل ويرد، ولا يمكن هنا تفصيل القول في ذلك.


لكن الراجح في الجملة:


قول من يخصص العلة لفوات شرط أو لوجود مانع فإن ملاحظته أقرب إلى المعقول، وأشبه بالمنقول , وعلى ذلك تصرفات الصحابة والسلف من أئمة الفقهاء وغيرهم.


ولهذا رجع القاضي أبو يعلى في آخر عمره إلى ذلك:


وذكر أن أكثر كلام أحمد يدل عليه , وهو كما قال، وغيره يقول: إنه مذهب الأئمة الأربعة, ولا شك أن من تأمل نظر السلف ومناظرتهم:


1- علم أنهم كانوا يخصون التعليل بوجود المانع.


2- وأنهم كانوا يجبرون النقض بالفرق بين الفرع وبين صورة النقض ....


وهذا عين الفقه . بل هو عين كل علم بل هو عين كل نظر صحيح وكلام سديد .


نعم في المسألة قولان متطرفان من الجانبين :


1- قول من يجوز من أصحابنا وغيرهم تخصيص العلة لا لمانع ولا لفوات شرط بل بمجرد دليل كما يخص العموم اللفظي.


2- وقول من يقول من أصحابنا وغيرهم: إن العلة المنصوصة إذا تخصصت بطل كونها علة وعلم أنها جزء العلة .


فهذان قولان ضعيفان :


وإن كان الثاني:


لازما لمذهب المانعين لزوما عقليا


والأول:


قد يتمحل له المخصصون بدعوى أن الدليل المخصص مستلزم لمانع وإن لم يعلمه


فإن هذا إنما يكون له وجه أن لو كانت العلة علمت بنص والمخصص لها نص فهناك لا يضرنا أن لا نعلم المانع المعنوي على نظر فيه , إذ قد يقال :


1- إن كان التمسك بالعموم اللفظي فلا كلام.


2- وإن كان التمسك بالعموم المعنوي فقد علمنا انتفاءه مع مانع مجهول فيكون بمنزلة العام إذا استثني منه شيء مجهول فما من صورة معينة إلا ويمكن أن تكون داخلة في المستثنى منه ويمكن أن تكون داخلة في المستثنى فلا يجوز إدخالها في أحدهما بلا دليل.


كذلك كل صورة تفرض وجود العلة فيها إذا كانت مخصصة بنص فلا بد أن يشتمل على مانع معنوي فإن تلك الصورة :


1-جاز أن تكون مشتملة على ذلك المانع.


2-وجاز أن تكون لم تشتمل عليه.


ولا يقال:


اشتمالها على المقتضي معلوم واشتمالها على المانع مشكوك فيه


لأن المقتضي الذي يجب العمل به هو ما لم يغلب على الظن مصادمة المانع له وهذه العلة منتفية هنا.


وهذا المقام أيضا مما اختلف فيه العلماء من أصحابنا وغيرهم:


وهو جواز التمسك بالظواهر قبل البحث عما يعارضها.


والمختار عندنا - وعليه يدل كلام أحمد وكلام غيره من الأئمة - أنه ما لم يغلب على الظن عدم المعارض المقاوم وإلا فلا يجوز الجزم بمقتضى يكون جواز تخلفه عن مقتضيه وعدم جوازه في القلب سواء.


وينهي الآن ابن تيمية رحمه الله كلامه في هذه المسألة مبينا مناسبة ذكرها لها، يقول:


وتمام الكلام في هذه القواعد ليس هذا موضعه


وإنما نبهنا عليه ليظهر المأخذ في قولهم أنه يكون الشيء حراما في الباطن , وإن لم يثبت مقتضى التحريم في حق من لم يبلغه للعذر


فإن التخلف هنا لفوات شرط ولا يقدح في كون الفعل مقتضيا للعقاب في الجملة.


ولهذا لما كان أكثر عقول الفقهاء بل أكثر عقول الناس بل عامة العقول التي لم يكدر صفاها رهج الجدل


ترى صحة كون الشيء بصفة الاقتضاء , وإن كان معوقا عن عمله


صاروا في عامة ما يفعلونه ويقولونه ينتهجون مناهج القائلين بتخصيص العلة لمانع إذ هذا ثابت في كل ما يتكلم فيه الآدميون , وإن كانوا قد يكونون ممن خالف في ذلك إذا جردوا الأصول


فلهذا كان الغالب على الناس من الفقهاء وغيرهم من يقبل عقله كون الشيء حراما في الباطن لكن انتفاء حكم التحريم في حق هذا المعين لفوات شرط العقاب أو لوجود مانع فيه .


ثم قال رحمه الله:


فإن من تأمل دلالة الكتاب والسنة وإجماع السابقين على توجيه الأحكام بالوجوه المناسبة للأحكام مناسبة معقولة يشهد فيها معنى الاقتضاء والطلب كما يشهد في سائر الأسباب المقتضية، ودخل مع الفقهاء من الأئمة المتبوعين وسائر المفتين حتى الذين ينكرون بألسنتهم اقتضاء الصفات العلية، ويزعمون أنها مجرد أمارات ظنية فيما هم مجمعون عليه إلا من لعله يشذ من ظاهري صرف لا يلاحظ المعاني البتة أصلا في شيء من الأحكام، وما أندر هذا، ودخل معهم فيما هم مجمعون عليه من توجيه الأحكام بالأوصاف المناسبة والنعوت الملائمة . بل دخل مع الأئمة فيما يشهده ببصائرها من الحكم الباهرة المنطوية في الأحكام الظاهرة والمصالح الدينية والدنيوية التي جاءت بها هذه الشريعة الحنيفية التي قد أربى نورها على الشمس إضاءة وإشراقا وعلاء إحكامها على الفلك انتظاما واتساقا


ثم نازع بعد هذا في أن الأسباب والعلل فيها اقتضاء وملاءمة ورأى ما في الدليل الصرف فهو أحد رجلين :


1- إما معاند يقول بلسانه ما ليس في قلبه وما أكثر السفسطة من بني آدم عموما ومن المناظرين في العلم خصوصا في جزئيات المقدمات وإن كانوا مجمعين أو كالمجمعين على فسادها في الأنواع الكليات .


2- وإما ذاهل بل جاهل حقيقة ما يقوله من أن العلل مجرد أمارات معرفات، لم يجمع بين معنى هذا القول وبين ما هو دائما يراه ويقوله في الأحكام الشرعية .


ثم فسر ابن تيمية رحمه الله قوة هذا القول فقال:


وإنما قلنا إن هذا القول قوي إذا رأينا ما في الأفعال المحرمة من المفاسد ; لأن المفسدة ثابتة في أكثر الأفعال وإن لم يدر الفاعل .


ألا ترى من شرب الخمر قبل أن يعلم التحريم فإن فسادها من زوال العقل وتوابعه ثابت في حقه إن لم يعلم


نعم العقوبة الحدِّية وتوابعها في الدنيا والعقوبة الأخروية مشروطة بقيام الحجة عليه , وهذا الوصف وإن كان اقتضاء التحريم مثلا مشروط بجعل الشارع أو بالحال التي جعله الشارع فيها مقتضيا فقد وجد هذا الجعل والحال التي حصل فيها هذا الجعل .


وهنا أمور أربعة:


أحدها : الوصف الثابت المقتضي للحرمة في الحال التي اقتضاها .


والثاني : علم الله سبحانه بهذا الوصف المقتضي .


والثالث : حكم الله الذي هو التحريم مثلا فإنه سبحانه لما علم ما في الفعل من المصلحة والمفسدة حكم بمقتضى علمه , وهذه الإضافة ترتيب ذاتي عقلي لا ترتيب وجودي زماني كترتيب الصفة على الذات وترتيب العلم على الحياة والترتيب الحاصل في الكلام الموجود في آن واحد ونحو ذلك مما يشهد العقل ملازمته ترتيبا اقتضته الحقيقة وكنه ذلك مغيب عن علم الخلق .


والرابع : المحكوم به الذي هو الحرمة القائمة بالفعل.


فالموجب للعقوبة:


هو التحريم.


وسبب التحريم:


هو علم الله بما فيه من المفسدة لا نفس المفسدة حتى لا تعلل صفات الله القديمة بالأمور المحدثة كما اعتقده بعض من نازع في هذا المقام , بل يضاف حكمة التحريم إلى علة سبب التحريم فإنه سبحانه عليم حكيم , فهذا الموجب للعقوبة من العلم والحكم ثابت بكل حال لكن بشرط حصول موجبه وهو قيام الحجة على العباد كما نبه عليه قوله عز وجل : { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }


وإذا كان كذلك:


1- فالتحريم الذي هو حكم الله .


2- والحرمة التي هي صفة الفعل.


3- والمقتضي للتحريم الذي هو علم الله .


4- والمقتضي للحرمة التي هي الوصف الذي هو معلوم الله .

فهذه الأمور الأربعة ثابتة وإن لم يعلم المكلف بالتحريم , فظهر معنى قول جمهور الفقهاء وذوي الفطر السليمة أن هذا محرم باطنا لا ظاهرا .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 08:06 PM
تخصيص العلة لـ مازن هنية


وهو بحث منشور في مجلة الجامعة الإسلامية بغزة الصامدة

مجلة الجامعة المجلد الثاني عشر ( 1425هـ / 2004 م ) > الدراسات الإسلامية > العدد الثاني
ملخــص يتناول هذا البحث مسألة أصولية في باب القياس، وهي تخلف حكم الأصل عن علته في صورة من صورها، وقد اعتبر عدد من الأصوليين ذلك تخصيصاً للعلة، واعتبره آخرون نقضاً لها، وقد قسم البحث المسألة إلى أقسام مختلفة، من حيث كون العلة منصوصة، أو مستنبطة، أو أعم من ذلك، فتعرض لأقوال العلماء في كل قسم، مناقشاً ومرجحاً، ثم بسط قول الغزالي في هذه المسألة؛ لما له من الأهمية.


والملف مرفق

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 08:08 PM
فوائد



من بحث "تخصيص العلة لـ مازن هنية


1- اتفق العلماء: على أن العموم من عوارض الألفاظ، واختلفوا في عموم المعاني كالمقتضى والمفهوم والعلة، فمن العلماء من جعل لها العموم وصححه ابن الحاجب، ومنهم من منع، ومنهم من توسط فجعل عمومها مجازيا وهم الأكثرون.
2- سبب الخلاف: هو أن المعنى في ذاته شيء واحد لكن محالّه متعددة فهل يعتبر بالنظر إلى تعدد محاله عاما أو لا؟
3- الراجح قول الأكثر لأمرين:
1- أن العموم شمول أمر واحد لمتعدد، والمعنى ليس كذلك لأنه شيء واحد في ذاته جملته تتناول الجملة ولا تتناول الآحاد.
2- أن القول بعموم المعاني حقيقة يقتضي أن يكون عمومها مطردا، والمعنى ليس كذلك فإن عمومه لا يطرد.
4- وعليه: فإن عموم العلة عموم مجازي فهي جزء من المعاني فعمومها يكون بتأثيرها في محال متعددة، والحديث عن تخصيصها إنما هو حديث عن إخراج بعض المحال عن تأثيرها.
قال أبو فراس:
انظر في مسألة عموم المعنى:
1- كشف الأسرار 4/32
2- مباحث العلة في القياس عند الأصوليين لـ عبد الحكيم السعدي ص 531



4/ سبب الخلاف في تخصيص العلة:
السبب الأول:
هو الاختلاف في حقيقة العلاقة بين العلة والحكم:
1- فذهب بعض العلماء إلى أن العلة مؤثرة في الحكم بحسب المصلحة
2- وهناك من غالى فجعل العلة موجبة للحكم بذاتها
3- ومن العلماء من جعل العلة أمارة على الحكم أو علما عليه فلم يجعلها مؤثرة في الحكم ولا موجبة له.
واستنادا لهذا:
أ*- فإن من جعل تلازما بين العلة والحكم فجعل العلة مؤثرة في الحكم أو موجبة له فإنه يمنع من تخلف الحكم عن علته في أي صورة فإن تخلف الحكم عن علته في محل كان ذلك نقضا للعلة.
ب*- وأما من لم ير هذا التلازم بين العلة والحكم فرأى أن العلة علامة أو أمارة فإن فريقا منهم تصور إمكانية تخلف الحكم عن علته في بعض الصور لأن الأمارة لا تستلزم وجود الحكم في كل الصور.
السبب الثاني:
عدم وجود أدلة قاطعة أو نصوص صريحة تتناول محل النزاع فتحسمه، والنص القرآني الذي استدل به المانعون على مذهبهم نص عام لا يتناول محل النزاع فهو ينفي التناقض عما جاء من عند الله، ومحل النزاع في تخصيص العلة متعلق بكون القول بالتخصيص يفضي إلى التناقض في الشريعة أم لا، ولو حصل الاتفاق على أن تخصيص العلة مفض إلى التناقض لاتفق الجميع على إبطاله.
السبب الثالث:
الاختلاف في دعوى الإجماع: فقد ادعى المجوزون لتخصيص العلة أن الإجماع منعقد على جواز تخصيصها، والمانعون منكرون لهذه الدعوى، وكيف يكون إجماعا والخلاف محتدم في المسألة.
السبب الرابع:
تعارض الأقيسة فكل فريق يقيس المسألة على شبهها في ظنه:
فقاسها المانعون:
على النص الخاص وعلى علل العقل، فالنص الخاص لا يقبل التخصيص، وكذلك علل العقل.
والمجوزون قاسوها:
على النص العام فإنه يقبل التخصيص والعلة في معناه، وقاسوها بالعكس على علل العقل ليجوزوا تخصيص علة الشرع.
السبب الخامس:
الاختلاف في المعقول: ففيها ما يقتضي الجواز وفيها ما يقتضي عدم الجواز.
5/ الراجح:
جواز تخصيص العلة بقيود.
6/ لهذا الترجيح أسباب:
1- العلة أشبه بالعموم منها بالخصوص، بل إن أكثر العلماء يرى أن العلة تدل على العموم بالمعنى إما حقيقة أو مجازا، والعام يجوز تخصيصه فيجوز تخصيص العلة قياسا عليه.
2- إن القول بجواز تخصيص العلة مطلقا له محذورات مختلفة، منها التساهل في تعليل الأحكام في باب الاجتهاد، فحيث اعترض على صاحب العلة بالنقض دفعه بدعوى التخصيص وهذا بدوره يولد الجرأة على التعليل، فوجب تقييد التخصيص بقيود تمنع منه المحذورات.
3- في حجج العقل ما يمنع تخصيص العلة مطلقا، وفيها ما يجيزه مطلقا، وكل من هذه الحجج يستند إلى وجه في تخصيص العلة، فيكون القول بالتوسط جمعا بين جملة هذه الحجج، وأخذا بكل وجوه المسألة وهو الأولى.
7/ اختلف العلماء في جواز تخصيص العلة حال كونها مقيدة بقيد ما:
ككونها منصوصة أو مستنبطة أو بكون تخلف الحكم عن الوصف لوجود مانع أو شرط أو لغير ذلك على أقوال عدة يمكن حصرها على النحو التالي:
1- يجوز تخصيص العلة المنصوصة مطلقا ولا يجوز تخصيص العلة المستنبطة مطلقا.
وقيد بعضهم جواز تخصيص العلة المنصوصة بكونها ثابتة بنص ظاهر أما الثابتة بنص قطعي فلا يجوز تخصيصها.
2- عدم جواز تخصيص العلة المنصوصة مطلقا، وجواز تخصيص العلة المستنبطة مطلقا.
3- يجوز تخصيص العلة سوءا أكانت منصوصة أم مستنبطة إذا فقد شرط أو وجد مانع يمنع من إجرائها في الصورة المخصصة، أو كانت الصورة المخصصة مستثناة من حكم الأصل، وهو ما يفهم من قول الآمدي واختاره البيضاوي، ونسبه السبكي إلى أغلب فقهاء الشافعية.
وللغزالي تفصيل في التأصيل لتخصيص العلة يمكن اعتباره مرحلة متقدمة عن القول بالتخصيص العلة بقيود.
فقد قسم الغزالي تخصيص العلة إلى ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يعرض في طريق جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو قسمان:
القسم الأول: عدم جريان حكم العلة في فرع من الفروع بسبب استثناء المشرع لهذا الفرع، وحيث يثبت هذا الاستثناء بطريق القطع، فإن عدم اطراد العلة في هذا الفرع لا ينقضها؛ سواء أكان الاستثناء من علة قطعية أم من علة ظنية.
مثال الاستثناء من العلة القطعية: ما ورد على لسان المشرع في مسألة المصرَّاة، والقياس ضمان المثليات بالمثل لا بالقيمة.
مثال الاستثناء من العلة الظنية: الرخصة في بيع العرايا مع وقوع النهي عن بيع المزابنة والذي فيه تنزيل الجهل بالتماثل في الربويات منزلة العلم بالتفاضل بينها.
القسم الثاني: عدم جريان حكم العلة في فرع من الفروع مع عدم كونه استثناء كما في المثال السابق: يرى الغزالي عدم تصور وقوع هذا الأمر، وأن الأمر لا يعدو خطأ في تكييف الوقائع إذا كانت العلة منصوصة.
ومثال ذلك: القول بنقض الوضوء بالخارج النجس من أعماق البدن، وحينئذ فإن القياس يقتضي نقض الوضوء بالدم الخارج من جرح أو حجامة، فإذا ثبت عدم نقض الوضوء من مثل هذه الأشياء...
فهنا لا يقال: تخلف الحكم عن علته، بل يقال: علة نقض الوضوء الخارج النجس من المخرج المعتاد، وهي لم توجد في الواقعة الجديدة، بل الموجود بعضها وهو الخارج النجس، وبعض العلة لا يوجب حكمها، فتخرج هذه الصورة عن كونها تخصيصا أو نقضا للعلة.
وأما إذا كانت العلة اجتهادية:
فالأمر يرجع إلى اجتهاد المجتهد، إما أن يكيف الأمر على نحو يحكم به على العلة بالنقض، أو على نحو يحكم عليها بالتخصيص.
ومثال ذلك:
القول باشتراط النية للصوم في رمضان ووجوب استغراقها جميع النهار، وهذا معارض بصوم التطوع، والمجتهد إما أن يكون يحكم بنقض العلة بسبب التطوع، أو يكيف التطوع على أنه استثناء من باب الرخصة.
الوجه الثاني:
انعدام حكم العلة في فرع من الفروع، مع وجودها كاملة في هذا الفرع، وذلك بسبب وجود المعارض لها في هذا الفرع، وهو وجود علة أخرى فيه، فيكون امتناع حكمها بهذا المعارض لا بسبب اختلالها أو نقصان شيء منها.
مثال ذلك:
ولد المغرور بحرية الأمة: إن ولد الجارية يكون مملوكا لسيدها، فملكها علة لملك ولدها، ولكن في حال المغمور بحريتها لا يكون ولدها مملوكا لسيدها وهنا تخلف حكم العلة في هذا الفرع.
لكن هذا التخلف لا لاختلال في العلة ونقضها، فالعلة موجدة كاملة، وإنما منعت علة أخرى حكم الأصل في هذا الفرع، وهذه العلة هي التغرير بالزوج، فالتغرير بزوج الأمة علة لعدم رق ولده منها.
ويؤكد هذا الأمر وجوب الغرم على المغرور، فالغرم دليل وجود العلة الموجبة لحكمها، ولكن المعارض منع من جريانها فانتفى الرق بالمعارض، وثبت الغرم استنادا إلى حكم الأصل.
الوجه الثالث:
أن يتخلف الحكم عن علته لا لخلل في ركن العلة بل لخلل في محلها أو شرطها أو أهلها.
ومثال ذلك:
السرقة علة للقطع، وهذه العلة موجودة في النباش فاستحق القطع، ولكن القطع ينتقض بتخلف الشرط أو المحل أو الأهل، كسرقة دون النصاب، والسرقة من غير الحرز، وسرقة الصبي.
الخلاصة في قول الغزالي:
إن الإمام الغزالي حاول تبسيط المسألة والنظر إليها من جميع وجوهها ، وذلك ليخفف حدة الخلاف، ويقرب الآراء، فيبين أن هذا الموضوع له وجوه عدة هذه الوجوه هي التي أفضت إلى تعدد الآراء وتشعبها، والمدقق ينبغي أن ينظر إلى الأمر من كل الوجوه نظرة شمولية، وهذا ما حاول الغزالي بيانه، ليصل إلى أن تخلف الحكم عن علته قد يكون تخصيصا للعة، وقد يكون نقضا لها، كما جاء في بيانه السابق.
----------------
فائدة استطرادية من البحث السابق سببها تعريف الخاص إذ الكلام عن تخصيص العلة متوقف على معرفة الخاص:
هناك فلسفتان أصوليتان في التخصيص:
1- فلسفة الحنفية.
2- وفلسفة الجمهور
فاهتم الحنفية بتعريف الخاص بأنه:
قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقارن
فالقيد بالاستقلال:
لإخراج المخصصات المتصلة كالصفة والشرط فهي ليست من قبيل التخصيص عندهم بخلاف الجمهور.
والقيد بالمقارن:
لإخراج الخصوص المتأخر عن زمن تشريع العام فإنه لا يكون خاصا عندهم وإنما يكون نسخا للعموم، ولا بد في الخاص مِنْ أن يكون في نفس الزمن التشريعي للعام.

والمسألة بصياغة أخرى:


الأحناف اعتنوا في تعريف الخاص بأن يكون مقارنا في زمن التشريع للعام



فقالوا:



إنه قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقارن.



فإن تأخر كان نسخا لا تخصيصا.



أما الجمهور فالغالب عليهم أنهم أهملوا قيد المقارنة إلا ما كان من أبي الحسين البصري والشيرازي.


والتعبير بالاستقلال هو احتراز من ذكر الشرط والوصف ونحوهما بخلاف الجمهور الذين يعتبرون ذلك تخصيصا متصلا.

زايد بن عيدروس الخليفي
08-07-15 ||, 03:53 PM
جزاك الله خيرا أخي فؤاد هلى هذا النقل المتميز ... ورحم الله ابن تيمية والزركشي ...

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-26 ||, 08:53 PM
وإياك أخي العزيز، نسأل الله عز وجل أن يتغمدنا جميعاً برحمته، وأن يحشرنا في زمرة حزب الله فإن أولئك هم المفلحون.

د.محمد جمعة العيسوي
10-12-27 ||, 12:50 AM
كلام الأصول غذاء العقول .
شكر الله لك هذا المجهود أخي فؤاد .
وبارك لك في علمك وعملك وسدد خطاك.