المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم المقاصد الشرعية ما له وما عليه



وضاح أحمد الحمادي
11-10-14 ||, 07:33 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أبتدء فأقول : قد تَرَدَدْتُ كثيراً قبل إفراد هذا الكلام بموضوع يخصه ، حيث كانت لي نية في جعله مداخلات مع بعض مشائخنا الأفاضل في الملتقى ، لكني رأيت في جعله مداخلات إخراج لدروسه عن مقصودها ، لطول هذه المداخلات جداً كما سترى بحيث يحتاج الشيخ الفاضل إلى تخصيص وقتٍ لها وأن يستبق ما سيأتي من الدروس أثناء رده ، وسيشتت هذا دهن القارئ بحيث لا تكون تلك الدروس مرتبطة ببعضها في ذهنه.
فأقول : قد كان يدور في خلدي منذ فترة أن علم المقاصد المستحدث اليوم شبيه بعلم المنطق من جهة عدم الحاجة إليه إلا لفهم كلام المقاصديين أنفسهم ، فقد يدرس الدارس علم المنطق مثلاً لا لاعتقاده بجدواه وفائدته ، بل ليفهم كلام المنطقيين عند ترتيبهم للبراهين على الوضع المنطقي. فهو في ظني علم لا يحتاج إليه الفقيه ولا ينتفع به المقلد ، على نحو ما قالوا في المنطق (علم لا يحتاج إليه النبيه ولا ينتفع به البليد).
وقبل أن يقفز القارئ إلى الحكم عليَّ أقول : أنا لا أشك بأن الفقيه يحتاج إلى معرفة المقاصد الشرعية للأحكام الفرعية واستقرائها لما فيه من تمكينه من معرفة معاني النصوص وبخاصة عند تعارضها ، لكن معرفة المقصد الشرعي شيء وعلم المقاصد المستحدث اليوم شيء آخر تماماً كما سيأتي معك.
لم أكن قرأت كتاباً مفرداً في المقاصد إلا ما جاء في كتب المتقدمين نحو ما تضمنه كتاب (الموافقات) للشاطبي و(إعلام الموقعيين) لابن القيم و(القواعد الكبرى) لابن عبد السلام وكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية بشكل عام ، وكنت زاهداً كل الزهد في كتابات المعاصرين ، لكني كغيري سمعت منهم دعاوى كثيرة حول وجوب النظر في المقاصد الشرعية قبل الحكم على المسائل الجزئية وإعطائها أحكامها الشرعية ، وهي دعوى لا اعتراض عليها أصلاً ، لكن وجه الاعتراض أنهم يقصدون بالمقاصد التي يجب على الفقيه مراعاتها ما استحدثوه وسموه (علم مقاصد الشريعة) ومقصودي مراعاة المقاصد بمفهومه اللغوي والشرعي فقط ، فالمقصود الغاية التي من أجلها شرع الشارع الأحكام الشرعية والوضعية ، الكلية منها والجزئية ، وسيأتي عند الكلام على حد المقصد الشرعي .
وكنت ، ولا زلت ، أظن أن كتب أصول الفقه و الأشباه والنظائر والقواعد الفقهية مغنية عما استحدثه المقاصديون ، بل كتاباتهم في ظني شبيهة بالقص واللصق ، فيأخذون ما في علم الأصول في أبواب الخطاب الشرعي ودلالة الألفاظ ومسالك العلة والاستدلال وغيرها وما في كتب القواعد والأشباه والنظائر من العلل والضوابط المشتركة للمسائل التي يستقرئها المصنف ويجمعونها زاعمين أن هذا اللصق والترقيع علم مفرد مستحدث لا يستغني عنه الفقيه .
وظني أن هذا ممكن بشرط أن لا يُجْعَلَ علماً مفرداً بل إفراد علم ، للتيسير على الطالب المتفقه للوصول إلى المقاصد بأقرب طريق ، كما قد يُفْرَدُ باب القياس بتصنيف أو باب الإجماع أو باب الحديث أو باب التعليل أو باب الاستدلال أو الكلام في المرسل وغير ذلك من غير أن يخرجها ذلك عن كونها أجزاء من علم الأصول أو علم الحديث.
ثم عن لي أن أقطع الظن باليقين فبحثت عن كتب بعض المقاصديين ووجدت كتاب (مقاصد الشريعة) لابن عاشور رحمه الله فاقتنيته ونظرت فيه ، فإذا الأمر كما ظننت أولاً ، كما قمت بتحميل كتب المقاصد من الشبكة والنظر فيها ، فازددت وثوقاً بظني .
وقد رأيت أن المهتمين بهذا الشأن لم يدركوا جهات كلام الأصوليين على المقاصد ، لذا ظن عامتهم أن الأصوليون لم يتكلموا في هذا الباب إلا بكلمات مجملة وعبارات متفرقة ، والحق أنهم فصلوا فيها التفصيل الذي يحتاج إليه ، وما أورده المعاصرون ـ وليعذرني الأخوة ـ هو من باب التنطع والتزيد ، فبدلاً مثلاً من تعريف المقاصد الشرعية بالعلل أو الحكم الغائية التي راعها الشارع أو قصدها بتشريع الأحكام ، يمطون الكلام إلى الغاية ، ويزعمون أن هذا التعريف قد يدخل فيه المقاصد الكلية لا الجزئية الفرعية ، وفي حقيقة الأمر كل ما خرج عن هذا الحد فليس بمقصد أصلاً ، لا كلي ولا جزئي فرعي .
فليكن أول ما نتكلم فيه حد (المقاصد الشرعية) فأقول :
إذا نظرنا في موضوع هذا العلم علمنا أنهم لا يريدون نفس الحكم ولا دليله ولا طرق استنباط الحكم من ذلك الدليل ، أما الحكم فلأنهم يصرحون بتعليله بالمقاصد الشرعية ، ولا يجوز أن يكون الشيء هو علة نفسه.
أما دليله ، فلأن مقصودي به الجزئي الفرعي كالنصوص والإجماعات والقياسات الجزئية ، وهي نفس القرآن والسنة بالنسبة إلى حكم حكم من المسائل الفقهية ، والدليل على المسألة ليس هو مقصودها ، فمثلاً الدليل على وجوب القصاص قوله جل وعلا : (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) وليس المقصود من القصاص الشرعي هو نفس قوله جل وعلا (كتب عليكم القصاص) الذي هو دليلها الجزئي ، بل المقصود به الحفاظ على الأنفس مثلاً .
وأما طرق استنباطه ، فلأنها إما نفس الأدلة الكلية أو طرق استعمالها أو المجموع وكل ذلك لا يسمى مقصداً من الحكم الشرعي أو مقصداً شرعياً ، فليس مقصود الشارع من تشريع خيار المجلس السنة النبوية ، بل دفع الندامة ، ولا مقصوده من الأمر بالطاعة وعدم الخروج الإجماع والسنة بل الحفاظ على النفس ، وليس مقصوده بتشريع اعتداد الأمة منصفاً القياس على تنصيف الحد ، بل مجرد براءة الرحم الحاصل بالعدة منصفة أو غير ذلك وهكذا.
وهذا الذي أذكره هنا جلي جداً ، لكني نبهت عليه لِمَا رأيته من ظن بعضهم أن ذكر هذه الأشياء في التعريف يجعلها نفس المعرف أو أجزاء منه ، وهذا خطأ ، فلا يلزم من ذكرها في الحد كونها نفس المحدود بل ولا جزءً من المحدود ، إلا متى كان ذاتياً أو عرضياً له فقط ، وقد يذكر الشيء في طريق ما هو ولا يذكر في جوابه ، فلا يكون جزءً من المسأول عن ماهيته ، كما لو قلت : الذاتي هو الذي يسبق تصوره تصور ما هو ذاتي له ؛ فإن التصور ليس من أجزاء الذاتي ، ولا سبق التصور ولا ما هو ذاتي له ، فكل أجزاء التعريف هنا ليست جزءً من الذاتي أصلاً.
كما ظن بعضهم أنه لما كان المقاصدي ينظر في الأحكام الشرعية أن الأحكام الشرعية من أجزاء المقاصد الشرعية أيضاً فظن أنها إما مقاصدَ شرعية أو أجزاء لماهيتها.
وفيه نظر من جهة أن المقاصدي ينظر للأحكام الشرعية باعتبارين ، الأول لتحصيلها بما عرفه من المقاصد الشرعية ، فهذا ينظر لها باعتبارها نتيجة العلم بالمقصد لا جزءً منه .
الثاني أن ينظر في الأحكام الشرعية المعلومة له مسبقاً لتحصيل المقصد الشرعي كما يفعله صاحب (الأشباه والنظائر) وصاحب (القواعد الفقهية) فيستخرج الجامع لها ، وكثيراً ما يكون علة غائية أو مقصداً شرعياً ، فيجعله ضابطاً لتلك المسائل ، يضم إليها ما لم يعرف حكمه، فالناظر في الحكم هنا ينظر إليه باعتباره دليل المقصد لا جزءً منه.
فما هو المقصد إذاً ؟
المراد بها الحكمة الغائية من الفعل .
والمقصد الشرعي ، هو الحكمة الغائية من وضع الشارع للحكم الشرعي.
وقد جمع الدكتورالخادمي في كتابه (علم المقاصد الشرعية) ص16-17 جملة منها ، ولا غرض لي في استقصائها.
فما معنى الحكمة ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "الحكمة ما في خلقه وفعله من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة"
وقال ابن الوزير : "نوع مخصوص من علم الله تعالى بالمنافع الخفية والعواقب الحميدة والمصالح الراجحة"
فجعل شيخ الإسلام الحكمة نفس العواقب المحمودة والغايات المحبوبة أما ابن الوزير فجعلها العلم بها أو بما فيها من حسن.
وقال السياغي : "الحكمة عند أصحابنا كل فعل حسن فيه لصاحبه غرض صحيح"
وهو تعريف حسن لكن يرد عليه أن وصفه بالحسن إنما يكون لمعنى فيه وهو بعينه ذلك الغرض الصحيح ، فلا معنى لوصفه بالحسن مع التصريح بالغرض الصحيح ، ولكنه أبداه لغموض مقصوده بالمعنى الحسن ، ولو اقتصر على قوله : "كل فعل لصاحبه فيه غرض صحيح" لكفى ، إلا أن يقال : المراد بالغرض الصحيح ما هو أعم من الحسن والقبيح ، وذلك عند من يجعل الحسن والقبح ذاتي للفعل.
لكن غرض الشارع عندهم كله صحيح وكله جارٍ على صفة الحُسْنِ فقط . والله أعلم.
وبهذا يظهر معنى المقصد الشرعي ، أي المعنى الذي من أجله حسن وضع الحكم.
ثم ذلك المعنى ما هو ؟
قد بينا معناه ، لكني أردت أن أبين افتراق الناس فيه وجناية بعض المقاصدين على من تقدم من أهل العلم بدعوى أنهم أهملوا تعريف المقاصد ، فأقول : قد تناول المتقدمون هذه المعاني تحت أسماء متعددة ، منها (تعليل الأفعال) ومنها (التحسين والتقبيح) ومنها (المصالح والمفاسد) ولم أرَ من المقاصديين من تصدى للكلام في هذه العناوي بالتفصيل الذي ذكره أهلها في كتبهم ، فلم يكن هذا مجيزاً لدعوى إهمال المقاصدين لهذه المعاني لكونهم تكلموا عليها تحت مصطلح آخر ، كما لا يجوز أن يتهم المتقدمين بإهمالهم الكلام في المقاصد لمجرد أنهم تركوا هذا الاصطلاح وتكلموا على حقيقته تحت اصطلاحات مخالفة موافقة في الحقيقة .
فتحت عنوان التحسين والتقبيح وتعليل الأفعال تكلم كثيرون وبخاصة المعتزلة عن المقاصد الشريعة فيما لا يحصى من كتب أصول الدين وأصول الفقه ، وهكذا شيخ الإسلام وابن القيم ، بل أفرد ابن القيم لها كتاباً وابن الوزير ، وهكذا عامة المعتزلة ولا زال المقبلي يرددها في عامة كتبه ، فإن إثباتها هو مذهب أهل الحديث والكرامية والمعتزلة والماتريدية ، بل وأكثر الأشاعرة المتأخرين ، بل هم موافقون عموماً فيما يتعلق بالأحكام بتعليقها بالمصالح والمفاسد . والله أعلم.
وتكلموا عن كيفية استخراج الأحكام الشرعية الخمسة منها ، كما فعل عبد الجبار في (المجموع المحيط بالتكليف) الجزء الأول مثلاً ، وكما فعله صاحب المعتمد عند كلامه على العلة المنصوصة وأبي عبدالله البصري كلام نحوه أيضاً.
وتكلموا عن كيفية استنباطها في مباحث الاستدلال ومسالك العلة وكتب القواعد الفقهية وكتب الأشباه والنظائر وكتب الفقه.
بل كل ما جعلوه دليلاً على إثبات الحكم الشرعي فهو صالح عندهم لإثبات المقصد الشرعي .
بهذا اكتفي الآن ونكمل لاحقاً إن شاء الله
والله جل وعلا أعلم وأحكم

د. أيمن علي صالح
11-10-15 ||, 11:08 AM
جزيت خيرا يا شيخ وضاح
لي تعليق بعد أن تكمل عرض فكرتك بارك الله فيك

وضاح أحمد الحمادي
11-10-15 ||, 03:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله
شيخنا الفاضل الدكتور أيمن أشكرك على المتابعة والاهتمام ، ولك أن تشارك متى شئت

أقول : لنجعل كتاب (مقاصد الشريعة) لابن عاشور رحمه الله مثالاً وننظر هل انفرد المقاصديون ولو مسألة واحدة تتعلق بعلم المقاصد خاصة ليست بجزء من مسائل أصول الفقه أو قواعده ، فنقول : قد نص رحمه الله في أول كتابه أن مقصوده من تسطير هذا العلم هو رفع الخلاف ما أمكن وتيسير ما عسر من الاحتجاج ، ورد عسره إلى عدم انتهائه إلى الضروريات ، ورأى أن علم الأصول لا يفي بهذا الغرض لأمرين الأول نفس الاختلاف في أصوله ، والثاني كون تلك الأصول مخرجة من الفروع المختلف فيها ، مع تأخره عنها زماناً يقدر بالقرنين.
وزعم رحمه الله أن معظم مباحث الأصول لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها.
فأقول : حاصل ما ادعاه هنا يوجب أن يكون علم (مقاصد الشريعة) ينتهي إلى الضروريات بحيث يتيسر معه الاحتجاج ، ويوجب أن مباحثه غير مختلف فيها وأنها غير مخرجة على نفس الفروع ، وبخاصة وأنه متأخر عنها قروناً متطاولة ، وإلا كان في هذا العلم من العيوب الموجبة لتعسر الاحتجاج وعدم الاتفاق ما في غيره من العلوم ، بحيث يُعْدَم الحكمة التي نشأ لأجلها.
فإذا علمت أن أول ما اختلفوا فيه حده تهاوى عندك ما قد بناه أولاً وضخمه في نفسك من كون هذا العلم جاء لرفع الخلاف وتيسير الاحتجاج بالرجوع إلى علم ينتهي إلى الضروريات.
وفي الحقيقة هذا العلم ـ إن صح تسميته علماً ـ يعتمد كل الاعتماد على ظواهر الشريعة التي يسميها الشيخ ظنية ، وعلى الأحكام الفقهية لا أقول المتفق عليها بل والمختلف عليها أيضاً كما سيأتي معك لاحقاً ، ولا شك أن المستخرج من المختلف فيه مختلف فيه ، بل اعتمد في استنباط المقاصد الشرعية على أوهي من ذلك. والله أعلم.
وقد تجنى رحمه الله كثيراً على علم الأصول في مقدمة كتابه كثيراً ، ولعل لنا عودة إلى مقدمته .
وقد قسم رحمه الله كتابه إلى ثلاثة أقسام تحت كل قسم فصول أو أبواب بعضها لا تعلق له بعلم المقاصد أصلاً وإنما ذكر إما لكونه طريقاً إليه أو لازماً له أو نحو ذلك كما سيأتي . القسم الأول ، وأول فصوله : (إثبات أن للشريعة مقاصد من التشريع)
هذه المسألة من أوائل المسائل التي يتكلم عنها الأصوليون عند كلامهم على الأحكام الشرعية في حدها وفي أنه هل يمكن أن تدرك بالعقل أم لا ، وما يعرف باسم التحسين والتقبيح العقليين ، لكن قد لا ينتبه لذلك كثيرون ويمرون عليه مرور الكرام لكون أشهر كتب الأصول كتبت بأيدي أشعرية وهم من نفاة التعليل ونفاة القول بالتحسين والتقبيح العقليين بخلاف أهل الحديث والكرامية والمعتزلة والماتريدية.
ولما كانت كتب الأشاعرة الأصولية هي أشهر كتب الأصول كـ (البرهان) و(المنخول) و(المستصفى) و(المحصول) و(الإحكام) و(البحر) و(نهاية السول) و(المنهاج) وشروحه و(مختصر ابن الحاجب) وعامة شروحه و(جمع الجوامع) وعامة شروحه وما لا يحصى ، فقد كان يتبع نفيهم للقول بالتحسين والتقبيح ونفي تعليل أفعاله جل وعلا جملة عدم التفريع عليها ، فيذهل القارئ عن علاقة التحسين والتقبيح وتعليل الأفعال بالمقاصد ، فنحن نجمله ونختصره مقتصرين على ما يوافق الغرض فنقول : ذهب أهل الحديث والكرامية والمعتزلة إلى أن الأفعال تتصف بالحسن والقبح ، وعامتهم على أنهما صفتان تجبان لمعنى وقيل لذات الفعل ، وأنه يمكن أن تدرك بالعقل واختلفوا في تفاصيل ليس هذا موضعها .
ثم زعم المعتزلة أنه إن تم إدراكها بمحض العقل وجب لها الحكم اللازم بذلك المعنى من تحريم وكراهة وإباحة واستحباب ووجوب ، بناءً على اعتقادهم أن القبيح غير مقدور لله جل وعلا ، أما من أثبت قدرته جل وعلا عليه ، فإنه يسلم أن تلك المعاني والصفات قد تفيد الفعل حسناً أو قبحاً وأن هذا يدركه العقل ، لكنهم لا يدعون أنها تفيد الفعل الحكم الشرعي لذاتها ، بل هذا قد يدركه العقل بمعونة الشرع أو لا يدركه إلا من طريق الشرع .
لكن جميعهم يعرف الحسن والقبح في الأفعال بكونها أفعال نافعة أو ضارة ، ولا يخفى أن المقاصدي أول ما يبدهك به أن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودفع المفاسد ، فبان أن ما يريده المقاصدي هو مبحث أصولي متعلق بالكلام في الأحكام الشرعية.
وهي أيضاً مسألة ذات علاقة بأصول الدين كما قدمنا ، تذكر عادة تحت عنوان (تعليل الأفعال) أو (التحسين والتقبيح) .
ويرجع الأشاعرة عموماً إلى إثباتها من وجه خفي ، وربما رجع بعضهم إليه صريحاً كما نقل عن الرازي أنه رجع في آخره إلى القول به.
ثم يذكرون من الأدلة الشرعية عليه ما ذكره ابن عاشور رحمه الله من الآيات ويزيدون الإستدلال عليه بالحجج العقلية .
وهكذا كتب (القواعد الفقهية) عند كلامهم عن جلب المصالح ودفع المفاسد .
ثم يستدل الجميع بما ذكره ابن عاشور في هذا الفصل من النصوص.
أما فصل : (احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة) :
فليس هذا جزء من علم المقاصد بالذات ، بل يذكر تنبيهاً وتكميلاً ، فكما أن قولنا (احتياج الفقيه إلى معرفة اللغة العربية) ليس من علوم اللغة وقولنا (احتياج الفقيه إلى معرفة كتاب الله) ليس من كتاب الله وهكذا ، فهكذا هنا. فلا حاجة بنا إلى تعقبه فيه ، بل هي دعوى سليمة مستقيمة ، لكن الفقيه يمكنه تحصيل ذلك بدراسة كتب أصول الفقه باعتباره أحد علومه أو جزء منها كما سيأتي .
أما فصل (طرق إثبات المقاصد الشرعية) :
فهو أيضاً لم يأتِ فيه بجديد ، بل عند كلامه على الطريق الأول قال : "الأول أعظمها : وهو استقراء الأحكام المعروفة عللها ، الآيل إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة" رد أعظم طرق استنباط المقاصد الشرعية إلى مبحث إصولي محض هو (مسالك العلة) ، وباقي ما ذكره من الطرق لم يظهر لي فيها ما يمكن أن يستعمل ليستنبط منه مقصد من المقاصد ، وهاك تفصيل ذلك : قال رحمه الله عند كلامه عن النوع الثاني من الطريق الأول : "استقراء أدلة أحكام اشتركت في علة بحيث يحصل لنا يقين بأن تلك العلة مقصد مراد للشارع . مثاله : النهي عن بيع الطعام قبل قبضه علته طلب رواج الطعام في الأسواق ، والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة إذا حُمِلَ على إطلاقه عند الجمهور علته أنه لا يبقى الطعام في الذمة فيفوت رواجه ، والنهي عن الاحتكار في الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعاً : (من احتكر طعاماً فهو خاطئ) علته إقلال الطعام من الأسواق . فبهذا يحصل العلم بأن رواج الطعام وتيسير تناوله مقصد من مقاصد الشريعة فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً ، ونقول : إن الرواج إنما يكون بصور من المعاوضات ، والإقلال إنما يكون بصور من المعاوضات ؛ إذ الناس لا يتركون التبايع ، فما عدا المعاوضات فلا يخشى معه عدم رواج الطعام ؛ ولذلك قلنا : تجوز الشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل قبضه" انتهى.
أقول : في هذه طريق جعل العلم بالمقصد سابقاً على استنباطه ، بل لم يتطرق إلى استنباطه أصلاً ، فإنه دعا إلى استقراء الأدلة المشتركة في علة ، والسؤال : أنستقرئ هذه المسائل قبل علمنا بعلتها ؟
فكيف نعرف اتفاقها فيه ؟
أم بعد معرفتنا بالعلة ؟
فما حاجتنا إلى هذه الطريق بعد العلم بالعلة ؟
ولكنه أراد بهذه الطريق بيان كيفية جعل العلة أصلاً يحتج به بانفراده كما يدل عليه قوله : "فبهذا يحصل العلم بأن رواج الطعام وتيسير تناوله مقصد من مقاصد الشريعة فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً" ولا حاجة لنا به ، فإن الطريق التي عرفنا به أن المقصد من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه هو طلب رواج الطعام فيه ، هو بنفسه دال على كون ذلك المقصد معتبر وأنه أصلاً بذاته يمكن الاستدلال به.
ولكنه لم يبين ما هذه الطريق التي عرف بها ذلك .
وهو تعليل مختلف فيه ، فإن جاز أن نعتمد على العلل المختلف فيها لنتجت لنا مقاصد مختلف فيها ، وقد زعم أن مقصوده بهذه العلم تقليل الاختلاف .
بهذا أكتفي ونكمل لاحقاً
والله أعلم بالصواب

وضاح أحمد الحمادي
11-10-16 ||, 01:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قد كنت ذكرت أولاً أن الشيخ رحمه الله اعتمد على الأحكام المختف فيها لاستنباط المقاصد الشرعية ، ومثاله قد تقدم عند الكلام على استنباط أن رواج الطعام مقصود للشارع ، فإنه استنبطها من فهم المالكية لعلة النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، والعلة عند الشافعية مثلاً ضعف الملك ، والحكم عند المالكية مقصور على الطعام والشافعية كالحنفية يعمومنه بكل مملوك ، مع اختلاف يسير.
ثم إنه انتقل إلى الطريق الثاني فقال :
"الطريق الثاني أدلة القرآن الواضحة الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها بحسب الاستعمال العربي ؛ بحيث فلا يشك في المراد منها إلا من شاء الله أن يدخل على نفسه شكاً لا يعتد به ، ألا ترى أنانجزم بأن معنى (كتب عليكم الصيام) أن الله أوجبه ، ولو قال أحد : إن ظاهر هذا اللفظ أن الصيام مكتوب في الورق لجاء خطأً من القول" انتهى.
أقول : هذه الطريق هي من دلالات النص وهو قسم معروف في كتب الأصول ، ويدخل تحت الكلام في النص والظاهر.
لكن الشيخ رحمه الله قد ذكر هذه الطريقة للأصوليين في معرض ذمه أو تقليله من أهمية هذا العلم حيث قال ص4 ط دار السلام : "على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها ، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها ن انتزاع الفروع منها ، أو من اتنزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظٍ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع ، وهو الوصف المسمى بالعلة"
على أنهم أكثر مرونة في الدعوى ، وأقرب إلى العمل بدعواهم ، أي أنهم لم يشترطوا في استنباط العلل والمقاصد من الألفاظ أن تكون الألفاظ نصاً ولا ظاهراً قريب من النص ، وعند عملهم بما أصلوه من دلالات الألفاظ تجدهم كذلك يستنبطون العلل من النصوص سواءً كانت نصوصاً صريحة أو ظاهرة ، وتختلف قوة تلك العلل بحسب اختلاف دلالات الألفاظ عليها قوة وضعفاً.
أما الشيخ رحمه الله فقد ضيق ذلك بهذه الطريق بحيث قصره على ما كان قريب من النص في دلالته مع قرينة تؤيده ، مع أنه قبل في غير هذه الطريق كما تقدم ألفاظاً بعيدة كل البعد عن الدلالة على المقصود الشرعي الذي ادعاه فيها ، كرواج الطعام وتيسير تناوله ، لا أقول أن ذلك ليس مقصوداً للشارع ، بل ليس ظاهراً من النهي عن بيع الطعام بالطعام ، وهو بذلك لا يرقى لأن يكون يقينياً ولا قريباً من اليقين ، فلماذا اشترط ذلك في هذه الطريق؟
وعلى كل هو من باب دلالات الألفاظ المعروف في كتب أصول الفقه ، لكنه في كتب الأصول أوعب وأشمل.
ثم شرع في الطريق الثالث وهو السنة المتواترة وقسمه إلى المعنوي وعملي ، وهو أيضاً من مباحث أصول الفقه وهو هناك أوسع جداً تفصيلاً واستدلالاً.
هذا مع أن تواتر النص لا يدل على يقينية الاستنباط منه للفرق بين الثبوت والدلالة.
ثم شرع في الفصل الرابع من هذا القسم وهو بعنوان (طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها) وصرح أنه بمنزلة طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية ، أقول : ولعله أضعفها من جهة النقل والاستدلال ، وقد قال هو نفسه قبل الشروع فيه وهذا المبحث تنزل منزلة طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية ولكني لم أعده في عدادها من حيث إن لم أجد حجة في كل قولٍ من أقوالِ السلف إذ بعضها غير مصرح صاحبه بأنه راعى في كلامه المقصد وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه ، ولكنه لا يعد بمفرده حجة لأن قصاراه أنه رأي من صاحبه في فهم مقصد الشريعة" انتهى المراد ، ورد هذا الفصل إلى دلالة كلام السلف على أن مقاصد الشرع واجبة الاعتبار ، ولا نخالفه في ذلك وقد قدمناه.
على أن كلام السلف قد يكون حجة في حالين الأول إن قلنا بأن قول الصحابي مع عدم المخالفة حجة ، والثاني حال الإجماع. وهما مبحثان أصوليان معروفان ، فلو سلمنا له رحمه الله أنا ما قدمه طرق لاستنباط المقاصد الشرعية نكون استفدنا أن كتب الأصول أكثر طرقاً وأوسع دلالة على هذه المقاصد من كتب المقاصديين ، لما ذكرته هنا من دخول هذه الطريق فيه ، أو على الأقل تكون كتب الأصول ناقشت طرقاً أكثر ، ولما قدمته أن كل ما ثبتت حجيته في إثبات الأحكام فإنه حجة في إثبات المقاصد الشرعية.
ثم ضرب أمثلة شائكة جداً لا يوافق عليها قطعاً ولو من جمهور العلماء فقط ، وبالأخص مسألة كراء الأرض.
والله أعلم بالصواب.
سؤال : لم أستطع أن أتحكم بعرض الخط أي ميزة الـ Bold ، فقد حاولت إلغائها بلا فائدة ، فهل من سبيل؟
............

وضاح أحمد الحمادي
11-10-16 ||, 03:14 PM
في الحقيقة مللت ، إذ ليس في هذا العلم ما يشد همتي للنظر فيه وتمحيصه ، وإنما وقفت هذا الموقف لما أراه يتكرر كثيراً جداً من رد للنصوص التي هي كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم بدعوى أنها أدلة جزئية أو فرعية ، بتخرصاتهم على مراد الله جل وعلا من هذه النصوص لاصطلاحهم على تسميتها أصولاً ومقاصد كلية .
وقد راموا بذلك تقليل الخلاف فاختلفوا ، وقد كان الناس يختلفون في فهم النص فصاروا يختلفون فيه وفي مقصده ثم صاروا يختلفون فيه وفي المقصد لاختلافهم في القواعد التي يستنبط بها ذلك المقصد ، ثم زادوا فاختلفوا في أدلة تلك القواعد. فزاد ما راموا تقليله واتسع ما قصدوا إلى تضيقه ، ولازالوا مولعين بالعلم لحلاوة اسمه ورسمه ، ولم يكن الأول غافلاً عن أهمه ، لكن عرفوا أنهم ما أوتوا من العلم إلا قليلا فعملوا بالنصوص ما عرفوا حكمته وما لم يعرفوا ، فما عرفوه جروا حكمه إلا ما ساواه ولم يتنطعوا ، وربما ظن الظان منهم حكمة وصرح بها ، ثم ردها وأهملها من أجل نص بلغه ، فانتكست العقول وارتكست ، وصار يزعم الزاعم أنه بالنص عامل ، لكنه عن المقصد غير غافل ، فإذا تفقه رأيت جل همه دفع كلام الله وكلام الرسول لأجل معنى يخمن أنه الحكمة التي دلت عليها الأصول.
فلا سلمنا له جواز الدفع ، ولا صلاح ذلك المعنى للرفع .
ولو اتهم عقله ، وهيهات ،سلم وسلمت منه النصوص البينات.
فهبنا سملنا عموم الدعوى ، فهلا تريثاً تقل به البلوى ، فإن الأمر كما قيل :
رويدك بعض الشر أهون من بعضِ
ولينظر كلٌّ إلا ما يزعمه معنى هل يجد نفسه تسكن إليه سكونها إلى دلالة النص ؟
فإن أجاب بنعم فليتهم نفسه ولينظر إلى ما فعل نبيه صلى الله عليه وسلم ، حين خاطبه هلال في امرأته فقال صلى الله عليه وسلم : "البينة وإلا حدٌّ في ظهرك" فقال هلال : "يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول البينة وإلا حدٌّ في ظهرك"
وقد اتفقوا على أن الحكمة موافقة لما قاله هلال رضي الله عنه ، وليس بأعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، لكنه صلى الله عليه وسلم كان وقافاً عند أمر ربه.
فلا تعجلوا فلا أنتم أفقه من هلال ولا في غنى عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسأل الله جل وعلا أن يهدينا جميعاً لما يحب ويرضى.
والله سبحانه أعلم وأحكم.

د. أيمن علي صالح
11-10-17 ||, 12:17 PM
جزاكم الله خيرا أخي وضاح
لعلي ألخص فكرتكم بأمرين:
أحدهما: عدم جدوى علم المقاصد وأنه عبارة عن نُبَذ مأخوذة من علمي الأصول والقواعد الفقهية
والآخر: لا يجوز الاعتماد على ما يُزعم أنه "مقصد" جزئيا أو كليا في رد النصوص. وكثيرٌ من مقاصديي هذه الأيام يقعون في هذا الخطأ.

اتفق معكم على أن هناك تعسفا في استعمال فكرة "المقاصد" أو "إعمال المقاصد" لدى البعض ممن خاضوا في هذا الباب، ويظهر هذا التعسف في تقديمهم للمقصد المستنبط بالظن على الأخبار الصريحة.
كما اتفق معكم على وجود الترابط العضوي بين علم المقاصد وعلم أصول الفقه إلى الحد الذي قد لا يسمح بانفصالهما، وذلك لسببين:
أحدهما: أن أدوات الكشف عن المقاصد هي أدوات أصولية بامتياز.
والثاني: أن الدلالة اللفظية للنص ـ وهي مبحث أصولي ـ تؤثِّر وتتأثر في دلالته على العلة، وهي مبحث مقاصدي، وعزل إحدى هذين الدلالتين عن الأخرى في منهج الدرس غير ممكن عَمَليَّا؛ لأنه إما أن يُودِي بأساس العلة الذي هو اللفظ وإما أن يودِي بالظلال التي تلقيها هذه العلة على اللفظ وهي مهمة للغاية، وكلا الأمرين بدوره يفضي إلى نتائج غير حميدة على منهج الاستنباط الفقهي. ولعل الفصل بين الأصول والمقاصد عند المعاصرين كان أحد العوامل التي ساعدت على وجود التعسف في توظيف المقاصد لدى البعض إلى الحد الذي أدَّى بهم إلى رد الأخبار الصريحة، أو تأويلها تأويلات لا تستساغ.
ورغم هذا فإني لا أتفق معكم في التهوين من "علم المقاصد" سواء أعطيناه صفة الاستقلال كما دعا إليه ابن عاشور أو ألحقناه بعلم الأصول كباب مستقل في كتاب القياس أو بعده. وأتفق مع المقاصديين المعاصرين بأن علم الأصول في صورته التقليدية لا يفي بمباحث هذا العلم. والسبب هو أن عمليات "التقصيد" للأحكام الفرعية، وأعني بذلك البحث عن المعنى المناسب من وراء الحكم، ومن ثم استقراء هذه المقاصد ونظمها في أجناس أعلى لم يُعن به الأصوليون بل كان على نحو جزئي من عمل كتاب القواعد الفقهية. واستطاع الشاطبي أن يأخذ ما يتعلق بالمقاصد من هذه الكتب لا سيما قواعد العز وفروق القرافي ثم نظمه في كتابه الموافقات الذي يُعد التأسيس الحقيقي لعلم المقاصد وذلك لسببين: أحدهما: أنه أكد ووضَّح الآلية الأساسية في الكشف عن المقاصد وهي الاستقراء، وجعل هذا "الاستقراء" خاصة كتابه، والثاني: أنه طبَّق هذه الآلية في الكشف عن المقاصد في مناحي شتى: أصولية تتعلق بالأدلة، وفروعية تتعلق بالأحكام.
وعليه فعمل المعاصرين هو تكميل للجهود التي بدأ بها الشاطبي وتتميم لها باستخدام نفس الآلية وهي الاستقراء.
لن تكون الرؤية للجهود المقاصدية للمعاصرين دقيقة ولا الحكم عليها صائبا قبل هضم جهود رُوَّاد المقاصد الأُوَل لا سيما العز والشاطبي.
قراءة الشاطبي بعد التمكن من الأصول في وضعها التقليدي كفيلة وحدها بإحداث نقلة فكرية هائلة لدى الباحث المدقق.
شخصيا قراءة الشاطبي لأول مرة أحدثت عندي ما يشبه الزلزال في منهجيتي الخاصة في التعامل مع قضايا الفقه والأصول.
يُضاف إلى ذلك ما كتبه شلبي في تعليل الأحكام.
ومن أهم ما في ذلك النظر الشمولي للمسائل والموازنة بين الأدلة الجزئية والكلية دون إهدار أحدهما وإعمال اللفظ في المقصد وإعمال المقصد في اللفظ.
والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
11-10-17 ||, 01:48 PM
جزاك الله خيراً
قد نشطتني لأن أستمر لكن فيما ذكرتم خاصة وهما بابي تأثير المقاصد على دلالات الألفاظ ، ثم تقسيم وترتيب تلك المقاصد .
أما الأول ، فبخلاف ما يُظن قد راعاها الأصوليون وأعطوها حقها في ظني ، ولكن كأن المقاصديين اليوم إذ لم ينص الأصولي بصراحة على اللفظ وتأثره بالقصد يعسر عليه للغاية استخراج ذلك ، أو أنه لا يريد بالمقصد إلا ما كان استنباطه عن محض التخمين.
فمثلاً تكلم الأصوليون عن الأمر ودلالته على الوجوب الذي هو الإلزام بالفعل والاستحباب الذي هو طلب الفعل من غير إلزام والتهديد والتهكم والإباحة وغير ذلك ، وكلها مقاصد تتأثر صيغة الأمر به فتختلف بحسب اختلاف ذلك القصد.وهكذا النهي .وتكلموا في العموم وتخصيصه تحت مسميات مثلاً ، العام الذي يراد به الخصوص والخاص الذي يراد بها لعموم ، كما تكلموا على تخصيص العام بالقياس ، وغير ذلك ، وبيان تعلقه بتأثير القصد على دلالات اللفظ أو العموم هنا خاصة واضح في الخصوص المراد به العموم والعموم المراد به الخصوص ، للتصريح بتعليق إرادة العموم وإرادة الخصوص بالإرادة وهو القصد ، أما تخصيصه بالقياس فذلك لأن من أنواع القياس ما هو معلل بغرص ومقصد يراعيه الشارع ، وفي هذا القياس قصر اللفظ العام على بعض ما يصلح له مراعاة لذلك الغرض والمقصد الذي هو علة القياس.
وبإمعان النظر يظهر لك ذلك في أبواب كتب الأصول جلياً ، لكن كل قصد مؤثر مربوط ببابه اللائق به ، فالقصد الذي يكون علة لقياس هو في باب القياس ، والقصد الذي يخصص به العموم أو يقيد به المطلق أو يبين به المجمل أو يرجح به أحد معنيي المشترك مذكور في بابه ، لكنهم لا يصرحون بلفظ قصد أو مقصد أو حكمة أو علة ، وفي ظني أنهم لم يتصوروا أنه مثلاً إذا تعارض عموم وخصوص ، أنه سيأتي زمان لا يفهم فيه القارئ إرادة التخصيص الظاهرة في لفظ الخاص حتى يصرحوا بالإرادة ، فاكتفوا بلفظي العام والخاص على اعتبار أن العام ليس بعام حتى يراد عمومه والخاص ليس بخاص حتى يراد خصوصه ، وعند التعارض يتبين أن ذلك العام لم يراد به عمومه بدليل الخاص ، طبعاً متى كان صالحاً للتخصيص .
أما استقراء تلك المقاصد ، فأرباب الاستقراء هم المصنفون في (الأشباه والنظائر) فإن وظيفتهم هي النظر في المسائل الفقهية واستقراءها وربط بعضها ببعض معتبرين وجه الشبه ، ولا يوجد من يوازيهم في معرفة المعاني التي تشابهات بها أحكام المسائل الغائي منها وغيره.
أما ترتيبها ، فإن رجع علم مقاصد الشريعة إلى هذا لكاد يكون علم المقاصد هو العلم الذي اهتم بترتيب الحكم والغايات التي استخرجها الأصوليون والفقهاء بحيث يقدمون الأهم فالأهم .
ثم إعمال الأهم لا يمكن أن يكونوا هم من ابتدأه أو اختص به ، لأن تقديم الأهم قاعدة لا تخفى على أحد ولم يهملها أئمتنا قديماً ، ولهم في ذلك كلمات مشهورة من دفع أعظم الضررين وتحصيل أعظم المصلحتين وتقديم دفع المفسدة ، والكلام في المقاصد الكلية الخمسة مشهور .
فحينئذٍ أسأل فضيلتكم أن تعينوا لي على وجه التحديد ، مالذي تميز به المقاصدي عمن ذكرنا؟
وبارك الله فيك وأحسن إليك ، فإني سريع الملل ، لكن المشاركة تنشطني.

د. أيمن علي صالح
11-10-18 ||, 04:01 AM
لا شك أن أدوات الكشف عن المقاصد والتنظير لها هو مبحث أصولي بامتياز، ما خلا الاستقراء فإنهم لم ينظروا فيه ويبرزوه كما فعل الشاطبي
كما أنه لا شك أن علم القواعد الفقهية يغطي جانبا تطبيقيا للاستقراء على أحكام الفروع، ومنه فقه الموازنات بين المصالح كما تفضلتم
عمل المعاصرين من المقاصديين يتجلى في نظري في أمور ثلاث:
أحدها: إبراز أهمية النظر إلى المقاصد الكلية والجزئية عند الاستنباط، وعدم الاسترسال مع ظواهر النصوص إلى حد تعطيل المقاصد كليها وجزئيها. والتأكيد على أن معرفة المقاصد هو شرط مهم من شروط الاجتهاد.
والثاني: جمع ما كان متفرقا من أدوات الكشف عن المقاصد من كتب الأصول وإفرادها بالبيان كما تجده عند من كتبوا في طرق الكشف عن المقاصد. وجمع المتفرق وتهذيبه غاية ينتحى إليها في التأليف لا شك وإن كانت دون غاية الإنشاء والابتكار.
والثالث: تطبيق الاستقراء على أبواب الفقه، فتجد الكثير من الكتابات حول مقاصد الشارع في العبادات، ومقاصدالشارع في المعاملات وهكذا، وهناك من يكتب الآن، كما دعا إليه الريسوني، في مقاصد الشارع في العقائد، وهو من المهم الذي أهمل كثيرا في خضم الصراعات بين المدارس العقدية المختلفة.
ليس مطلوبا من المعاصرين أن ينشئوا علما جديدا من نقطة الصفر وإنما هو امتداد لكتب الأصول وكتب قواعد الفقه تجميعا وتهذيبا وإضافة وتطبيقا وهذا بحد ذاته كاف في تسويغ التخصص، والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
11-11-16 ||, 11:18 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركته
جزاك الله خياراً وبارك فيك

ما خلا الاستقراء فإنهم لم ينظروا فيه ويبرزوه كما فعل الشاطبي
كما أنه لا شك أن علم القواعد الفقهية يغطي جانبا تطبيقيا للاستقراء على أحكام الفروع، ومنه فقه الموازنات بين المصالح كما تفضلتم
أحسنت ، فالأصولي لم يراعي الكلام في المقاصد مراعاة القواعدي ـ لو جاز التعبير ـ والسبب أن نظر الأصولي هو في الأدلة الكلية مجردة ، ومقاصد الأحكام الفرعية أدلة فرعية أو مقاصد لأدلة فرعية ، وراعاها القواعدي لكون علمه ينظر في الأحكام الفرعية من جهة تشابهها واختلافها.
وعليه فمن يتعلم هذين العلمين قد استغنى عن علم المقاصد أو على الأقل لم يحتاج إلى استقراء مصنفات من يعرف اليوم بالمقاصديين.


عمل المعاصرين من المقاصديين يتجلى في نظري في أمور ثلاث:
أحدها: إبراز أهمية النظر إلى المقاصد الكلية والجزئية عند الاستنباط، وعدم الاسترسال مع ظواهر النصوص إلى حد تعطيل المقاصد كليها وجزئيها.
أما إبراز أهمية النظر فيها فيتناوله الأصوليون عند كلامهم على تعليل الأحكام والتحسين والتقبيح كما أشرنا إليه سابقاً ، ويفصلون فيه كثير عند اعتراك أنظار المعتزلة والأشاعرة تفصيلاً طويلاً مملاً ، وقدمنا نحن الكلام وذكرنا اهتمام كتب أصول الدين بذلك أيضاً.
أما عدم الاسترسال مع ظواهر النصوص إلى حد تعطيل المقاصد ، فهو أيضاً مبحوث فيما ذكرناه الآن وسابقاً ، وبخاصة عند مناقشة الظاهرية في العمل بالقياس والاجتهاد ، بل وفي حمل المطلق على المقيد ... إلخ.
ويشبه أن يكون هذا لا يفهم إلا بالمثال فنقول :
قد راعى الشارع في كفارة القتل الخطأ رقبة مؤمنة ، فنظر الشافعية مثلاً إلى أنه لا بُدَّ من مقصد في تقييد الرقبة بالإيمان ، ثم جعلوا هذا المقصد مقيداً لرقاب الكفارة في غير القتل ، إعمالاً للقصد وعدم استرسال لإطلاق اللفظ.
وهكذا التخصيص ، فمثلاً قال صلى الله عليه وسلم (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) فنظر الفقهاء في غيره من الأحاديث فوجدوا قوله صلى الله عليه وسلم :(من جر إزاره خيلاء) (إنَّك لستَ ممن يفعله خيلاءَ) وفي هذين اللفظين تنصيص على علة النهي وسببه ، فلم يسترسلوا مع الإطلاق في قوله السابق الذكر (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) وقيدوه ففرقوا بين الخيلاء وغيره.
وهكذا باقي النصوص.
وقد غَفلتُ عن علم شديد الاختصاص بالبحث عن المقاصد في النصوص وهو العلم الناظر في (اختلاف الحديث) وقد صنفت فيه مصنفات لا تحصى لعل من أشهرها (اختلاف الحديث) للشافعي و(اختلاف الحديث) لابن قتيبة (ومشكل الآثار) للطحاوي ، فانظر وتمعن كيف يستنبطون العلل والغايات والمقاصد التي يحتجون بها على ترك الاسترسال مع الظواهر المتعارضة.
أما قولكم :
والثالث: تطبيق الاستقراء على أبواب الفقه،
فهذه كتب الفقه وقواعده وكتب الأشباه والنظائر قد تناولت جميع جزئياته وكتب الأصول اعتنت بكلياته ، فما الذي انفرد به المقاصدي؟
وقولكم :
جمع ما كان متفرقا من أدوات الكشف عن المقاصد من كتب الأصول وإفرادها بالبيان كما تجده عند من كتبوا في طرق الكشف عن المقاصد.
إعلم أولاً أن قاصد الفقه لا بد وأن يقرأ شيئاً من الأصول وكتب القواعد وغيرها مما تقدم ، وبذلك يحصل هذه المتفرقات ، فإذا اطلع هذا على كتب المقاصديين المعتنية بجمع ما تفرق ، لم يستفد شيئاً إلا في حالتين :
الأول : أن يكون لم يفهم شيئاً مما قرأه أولاً ، فهذا لا يكون فقيها بالاقتصار على كتب المقاصديين ، بل عليه أن يعود ويقرأ في الأصول قراءة متأنٍ بقصد الفهم.
الثاني : أن يكون فهمها لكن لا يستحضرها في ذهنه عن قرب لتفرقها وتشتتها.
وفي هذا نظر إذ أن وظيفة القواعدي ومن يصنف في الأشباه والنظائر هو جمع هذه المتفرقات ، فهو سابقٌ للمقاصدي بالنسبة للمقاصد الجزئية.
الثاني : أن القواعد الأصولية ليس هذا شأنها ، بل يجب أن يكون قاصد الفقه فاهماً لها ، بحيث يسهل عليه تصورها بمجرد استحضارها ، وإن غاب عنه تفاصيل أدلتها.
ثم إذا أحببتم ناقشنا ما سميتموه (أدوات الكشف عن المقاصد) ونظرنا إيضاً كلام أئمتنا سلفاً وخلفاً ونظر المقاصديين فيها.
وجزاكم الله خيرا

وضاح أحمد الحمادي
12-02-04 ||, 10:05 PM
السلام عليكم ورحمة الله اشتهر المعتزلة بتقديهم العقل على النقل ما لم يشتهر غيرهم بذلك ، حتى نسب إليهم إدراك العقل للحُسْنِ والقُبْحِ عموماً ووجوب ترتيب الأحكام على ذلك واستحقاق الثواب على فعل الحسن وترك القبيح والعقاب على عكسه ولو لم يأتِ رسول يخبر بذلك.

وهذا خطأ عليهم قبيح ، نبه عليه الإمام المقبلي في (نجاح الطالب) ص35 وما بعدها ، فإنهم مع قولهم بترتيب الأحكام وما يتعلق بها من الثواب والعقاب على صفتي الحسن والقبح ، فإنهم يقيدونه بما إذا أدرك العقل صفتي الحسن والقبح ، ولا يقولون بأن العقل يدركه في كل موضع .

فتحصَّلَ من هذا أن هناك أمرين الأول معرفة صفتي الحسن والقبح في الفعل ، والثاني ترتيب الحكم عليه ، وهذا الثاني هو دعوى المعتزلة ، وهو ما تنفيه الأشاعرة ، أما نفس إدراك الحسن والقبح في الفعل ، فهذا عندهم لا يجب أن يعرفه العقل ، بل الأغلب عندهم أنه لا يعرف إلا من جهة الشرع ، قال الرصاص في الجوهرة : "أما المصالح والمفاسد الشرعية فلا هداية للعقول إلى معرفتها ؛ لأن العلم بها موقوف على العلم بأحكامها ووجهها ، وذلك مما يستأثر الله تعالى بالعلم به ، فلا يحصل إلا بوحي من جهته سبحانه"

لذا كان ما نسبه إليهم الدكتور الفاضل فخر الدين المحسي في (شرحه على مرتقى الوصول) ص 182 خطأ عليهم نرجو تصحيحه ، وقد عن القاضي عبد الجبار قوله : "واعلم أن النهي الوارد عن الله عز وجل يكشف عن قبح القبيح ، لا أنه يوجب قبحه ، وكذلك الأمر يكشف عن حسنه لا أنه يوجبه"

وهو مشعر بأن القبيح والحسن يعرفان من جهة النهي والأمر الواردين عن الله سبحانه ، لكن وظيفة الشرع كشف الحسن والقبيح لا التحسين والتقبيح.

[ وإنما ذكر الدكتور المحسي ذلك متابعاً لعامة من تكلم عن مذهب المعتزلة هنا ، فإن عامتهم يغلطون عليهم في ذلك ]

هذا قول أشهر مدارس المتكلمين عملاً بالعقل ، أن العقل لا يدرك المصالح الشرعية إلا من جهة الشرع ، وهم لا يقصدون بذلك أن العقل لا يعلم مثلاً أن حفظ الدين والنفس والعقل والمال مصالح يراعيها الشرع ، ولكن يريدون مثلاً أن حفظ المال لا يهدينا إلى وجوب قطع اليد في ربع دينار خاصة ، وأن يكون القطع في اليمنى من الرسغ ، فهذا المقدار لا نحصله من جهة معرفتنا بالمصلحة ، كما أن العكس صحيح ، فإنا لا نعرف المصلحة من تخصيص القطع باليمنى من الرسغ ، لكن معرفتنا جُمَلِيَّة لا تفصيلية ، أي نحن نعلم أن القطع من أجل حفظ المال ، ولا نعلم أن حفظ المال يكون بالقطع لولا مجيء الشريعة بذلك ، لذا مع أن حفظ المال مصلحة في كل دين وملة ، فإن كل شريعة اختارت لنفسها عقوبة للسرقة تخالف ما اختاره الآخرين لها.

وهكذا حفظ النفس ، فإن العقل يدرك أنه مصلحة ، والقصاص نعرف أنه جاء لحفظ النفس ، لكن لولا مجيء الشريعة بالقصاص وكيفيته لما فهمنا أن تحصيل المصلحة يكون بالقتل خاصة ولا فهمنا لماذا يقتل المسلم بكفئه خاصة ولا يقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي بالاعتماد على هذه المصلحة الكلية.

ثم المصالح الجزئية أعسر وأبعد عن إدراك العقل ، لذا ذهب عامة أهل العلم أن تحصيل المقاصد الجزئية يكون باستقراء النصوص والأحكام الشرعية والنظر في الفروق والنظائر والبحث في سبب افتراق الأحكام وسبب اجتماعها ما أمكن. و

هذا كله فيما لم ينص الشرع على أنه العلة أو لم يدل عليه الدليل بشكل مباشر ولو كان إجماعاً أو قياساً.

ثم إن نزلت بنا نازلة لم يوجد فيها نص ، فإنا لا نقدر على إعطائه حكماً قفزاً بالنظر إلى المصلحة والمفسدة ، فإن الذي قدمناه هو استخراج المصالح الموجودة فيما حكم عليه الشرع لا في هذه النازلة بخصوصها ، فلا بد أولاً من النظر في النازلة وما تحمله من مصالح ومفاسد ، ولا يكاد يخلو فعل من مصالح ومفاسد مجتمعة لعزة الفعل الذي تتمحض فيه المصلحة أو المفسدة على ما ذكره العز ابن عبد السلام والشاطبي وغيرهم.

فإذا عرفناها لم نقفر لإعطاء الحكم بمجرد ذلك ، بل ننظر في أشبه الأصول بهذه الحادثة ، وهي الأصول التي اعتمدناها لاستنباط المصالح والمقاصد، إن كان أصلاً واحداً فهذا هو القياس المعروف عند الفقهاء والأصوليين ، وإن كانت أصولاً متكاثرة بحيث نتيقن أن المصلحة معتبرة لذاتها من غير نظر إلى أصولها ، وهو ما يريد البعض جعله دليلاً بنفسه ، نظرنا ، هل اعتبر الشرع هذه المصلحة مع وجود ما يعارضها من المفاسد الموجودة في تلك النازلة ؟ وذلك يعيدنا إلى النظر إلى الأصول التي استنبطنا منها المصلحة ، هل احتوت على مفاسد النازلة أو ما يساويها أو يشابهها ؟

فإن لم نجد ذلك إلا في أصل واحد أو اثنين عادت المسألة قياساً كما قدمنا ، وإن كان عامتها كذلك ، كانت المصلحة أصلاً كلياً يحكم به في أمثال هذه النازلة لا في كل النوازل ، لأن النوازل وإن توافقت في وجود هذه المصلحة فيها ، فقد تختلف في المفاسد المقترنة بها .

وهذا مرادنا بما ذكرناه في بعض المشاركات أنه لا يستدل بمصالح شديدة العموم في مسائل جزئية.

أما إذا نزلت بنا نازلة فيها نص شرعي ، فإما أن نعلم ما فيه من مصلحة ومفسدة أو نعلم بعضاً دون بعض ، أو لا نعلم شيئاً من ذلك ، ثم ذلك المعلوم إما أن يكون عُلِمَ بالنص الشرعي أيضاً أو القياس أو الإجماع أو الاستنباط بأحد طرقه المعروفة.

ثم قد يوافق الحكم الثابت بالنص مقتضى تلك المصلحة أو المفسدة أو يخالفها ، فأما مع الموافقة فلا إشكال ، وأما مع المخالفة فما ثبت بالنص أو الإجماع أو القياس يجب أن نوفق بينه وبين النص ما أمكن ، ولا يكون ذلك بالنظر إلى النص فقط فنحاول أن نخصصه أو نقيده أو العكس أو نأوله أو نقول بنسخه أو غير ذلك ، بل ننظر إلى المصلحة أيضاً وإلى دليلها ، فإنه قد يجوز في تلك المصلحة أو دليلها من التخصيص والتقيد والتأويل و النسخ ما يجوز في النص ، فحينئذٍ يجتهد الفقيه بحسب ما تسمح له طرق الاجتهاد.

وإن كانت تلك المصلحة مستنبطة ، فإن كانت بقوة النص في الظهور ، فكما سبق ، وإلا لم يقبل ويرد ويعمل بالنص ، لأنا نتيقن أن الشرع جاء على وفق المصلحة وإن جهلناها ، ولا نتيقن أن ما استنبطناه مصلحة.

والله سبحانه أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
12-04-26 ||, 08:07 PM
استوقفتني كلمة للإمام المقبلي لها تعلق بما نحن فيه ، أذكره ثم أعقبه بما رأيته مع البحث في كتب المقاصديين مما أظنه يرد عليهم .
قال رحمه الله في آخر رسالته (المصابيح في الأحاديث المتواترة) المطبوع مع الأبحاث المسددة ، وليست هي في نفس الأمر جزء من رسالة المصابيح كما يدل عليه كلام المحشي ، ولكنه كان يتكلم عن فوائد رتبها على هيئة أمثلة مستنبطة من قوله سبحانه {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} فقال رحمه الله : (المثال الرابع : الصراط المستقيم أن الله سبحانه جعل العقول لإدراك ما شاء من الحقائق ، مثل معرفة الخالق ، وصدق رسله ، واستفصال ما جاؤوا به عن الله سبحانه ، فحاد الناس عنه ، منهم من أنكر النظر العقلي وقال : إنما يعتبر التعليم ، ولم يدرِ أن التعليم يترتب على الإدراك العقلي ، فنقي هذا النظر والتعليم، وكان هذا من مُغَفَّلة القدماء ... ) إلى أن قال (... وجرى أهل النظر في الأحكام الشرعية هذا المجرى ، فجثم قومٌ على الظواهر ، وغلوا حتى فرقوا بين البول في الماء وبين البول في إناء ثم صبه في الماء ونحو ذلك ، وقال آخرون : الشارع معتبر فيما شرعه المصالح والمفاسد ، فكل ما ظنناه مصلحة أو مفسدة عملنا عليه ، وهذا هو المسمى بالمصالح المرسلة ، وأمثلهم اعتبر أنها لا تصاجم الموارد الشرعية ، وقال بعضهم : العبرة بالحقائق لا بالمظنات التي كثر اعتبارها في الشريعة ، حتى حكى الغزالي عن ابن سيناء أنه كان يشرب الخمر ويقول : إنما أشربها لأستعين بها على النظر ، وقل من يخمس يده في جانب هذا النهر من الفقهاء) انتهى المراد.
أراد بمن ذكرهم التمثيل لمن تنكب عن السراط المستقيم، فلم يرضَ بفعل من ألغى دور مدارك العقول رأساً في الشرائع وجمد على الألفاظ كما فعلته الظاهرية ، ولا رضي بفعل من نصب عقله شارعاً للشرائع من دون الله بنظم مركب كما يلي (الشريعة أعمال مبنية على اعتبار المصالح والمفاسد ، فكل ما ظنناه مصلحة أو مفسدة عملنا على مقتضاه)

أما ما أظنه يرد على المقاصديين فذلك أني بعد طول البحث لم أجد لهم طريقاً واحداً لاستنباط الحكم والمقاصد يختصون به عن سائر العلوم ، بل يختصون به عن الأصوليين خاصة.
وهذا مصداق ما قدمه الدكتور الفاضل أيمن على صلي :
لا شك أن أدوات الكشف عن المقاصد والتنظير لها هو مبحث أصولي بامتياز، ما خلا الاستقراء فإنهم لم ينظروا فيه ويبرزوه كما فعل الشاطبي
على أني أخالفه في استثناء الاستقراء ، إلا على معنى أن الشاطبي توسع في الكلام عليه وأبرز دوره كما لم يفعل أحد غيره ، وإن كان في نفس الأمر أحد الأدوات التي يستعملها الأصوليون تحت اسم (السبر والتقسيم) ، وقد تكلم فيه الأصوليون وحدوه ، ونقل الأستاذ الدكتور الخادمي في رسالته (الاستقراء) حدود الأصوليين (الغزالي والقرافي والأصفهاني) وقال بعد نقله كلام الأصفهاني : "وهناك تعريفات أخرى كثيرة مبسوطة في مضامينها من كتب الأصول" صفحة 17 من الرسالة المذكورة .
فتبين بذلك أن الاستقراء مبحث أصولي.
والأمر الثاني : وهي أني لم أقف على توضيح دقيق من المقاصديين عن كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الحكم أو المقاصد المستنبطة بعد استنباطها ، إلا كلمات عمياء شديدة العموم ، أو يذكرون لك بعد استنباط المقصد الشرعي تبني الحكم عليه.
هكذا ! من غير بيان لكيفية البناء.
وفي بعض مشاركاتي نبهت على ذلك ، بأن نعيت على بعضهم استنباط الأحكام الفرعية الجزئية شديدة الخصوص عن طريق التكهن بالمقصد الشرعي العام شديد العموم ، ونبهت إلى أن هذه المقاصد إن كانت عامة أو أدلتها فقد يدخل عليها ما يدخل على النص من تخصيص ونحوه ، وغير ذلك.
ولا زلت إلى الساعة أفتش في كتبه المقاصديين عن بحث يحدد لنا كيفية استفادة الأحكام من الحكم ، ولعله هناك ولم أقع عليه بعد.
فمثلاً دلالة النص على أحد الأحكام الخمسة يتبع ألفاظه ، فإن ورد بصيغة النهي فقد يدل على التحريم إن كان نهي عن فعل أو على الوجوب إن كان نهياً عن ترك فعل ، وإن ورد بصيغة الأمر فكذلك ، وهكذا وهي مباحث طويلة الذيل مبثوثة في كتب الأصول ، فلم يكتفِ الأصوليون مثلاً بالقول : بأن الكتاب والسنة حجة على العباد حتى بينوا لنا معنى الكتاب والسنة وكيفية التعرف عليهما وكيف يتم استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة.
وقد تكلم المقاصديون في الأول والثاني دون الثالث.
فمثلاً إذا عرفنا أن حفظ النفس مقصد في (القود) ثم قتل مسلمٌ ذميا ، فكيف نستفيد من هذا المقصد في القود هنا ؟
إذ عرفنا أن حفظ المال مقصد في (القطع) ثم وقع بيدنا طرار ، فكيف نستفيد من هذا المقصد هنا ؟

والله أعلم

أحمد محمد عروبي
12-04-27 ||, 03:07 PM
شكرا لك أخي وضاح على هذه المناقشات النقدية...
ولكن لي على ما قلته ملاحظات كثيرة
أبدؤها بسؤالك : لقد قلت في العنوان : ....ما له وما عليه
وفي كلامك كله لم تبين إلا ما عليه
فهلا عرفتنا ما له ؟

د. أيمن علي صالح
12-04-28 ||, 03:53 AM
وقال آخرون : الشارع معتبر فيما شرعه المصالح والمفاسد ، فكل ما ظنناه مصلحة أو مفسدة عملنا عليه ، وهذا هو المسمى بالمصالح المرسلة
هذا فيه نظر لا يخفى، وليست المصالح المرسلة كذلك. وقد خلص البوطي في "ضوابط المصلحة" إلى أن العلماء اتفقوا على حجية المصالح المرسلة حيث لا نص أو قياس، وإلى أنه حيث دار خلاف ففي اعتبارها في مواجهة عموم أو قياس. والشافعي ـ برفضه الاستحسان ـ يقدِّم العموم والقياس على المصالح المرسلة. والجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة يرون جواز (ليس وجوب)تخصيص العام وتخصيص العلة بالمصالح المرسلة. وكثير من اجتهادات الصحابة والسلف الكرام تشهد لمذهب الجمهور.

وفي بعض مشاركاتي نبهت على ذلك ، بأن نعيت على بعضهم استنباط الأحكام الفرعية الجزئية شديدة الخصوص عن طريق التكهن بالمقصد الشرعي العام شديد العموم ، ونبهت إلى أن هذه المقاصد إن كانت عامة أو أدلتها فقد يدخل عليها ما يدخل على النص من تخصيص ونحوه ، وغير ذلك.
ولا زلت إلى الساعة أفتش في كتبه المقاصديين عن بحث يحدد لنا كيفية استفادة الأحكام من الحكم ، ولعله هناك ولم أقع عليه بعد.
إدراك المعاني الكلية مهم جدا في استنباط الأحكام الجزئية، وفهم النصوص في ضوء المقاصد العامة.
ومن الأمثلة التي ضربها إمام الحرمين في ذلك:
1. وجوب القصاص بالقتل بالمثقل، على خلاف مذهب أهل الرأي، فإنه وإن لم يدل عليه أصل خاص فإن كليات الشريعة القائمة على الزجر وحفظ النفوس تقتضي القصاص فيه.
2. وجوب قطع اليد في السرقة حتى لو ادعى السارق أن المسروق له حفظا للمال وسدا لذريعة ادعاء كل سارق أن المسروق له لإسقاط الحد عنه.
ومن الأمثلة المعاصرة التي تحضرني في تحكيم المقاصد، وضرورة توجيه الأدلة الجزئية في ضوئها:
1. عدم سنية التسليم على المصلي لأن ذلك مما يخل بمقصود الصلاة من الخشوع والخضوع (إن في الصلاة لشغلا) مع أنه ورود الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رد بالإشارة على من سلم عليه وهو يصلي. وقد أخذ بظاهر هذا الأثر جماعة ممن يشتغلون بالحديث ولا يلتفتون إلى المقاصد فصار كلما دخل داخل إلى المسجد حتى لو كان مسبوقا يسلم بأعلى صوته على أهل المسجد، فيؤشر له أصحابه بأيديهم ويظنون بذلك أنهم يحافظون على السنة. وقد يؤخذ من مقصد الخشوع والخضوع أيضا عدم سنية تحريك الأصبع في التشهد، وتأويل ما ورد في ذلك من أثر بأن المقصود به مجرد الإشارة، وذلك لأن السكون في الصلاة أدعى إلى الخشوع والخضوع في حق المصلي وفي حق من بجواره من المصلين، وقد ورد في الأثر: اسكنوا في صلاتكم.
2. ضرورة التكبير عند النزول لسجود التلاوة للإمام. لكي يعلم الناس بانتقاله فيتبعوه. وفي هذا تحقيق مصلحة شرعية بانتظام الناس خلف الإمام، ولا شك في كون ذلك مقصود شرعا. وقد رأيت بعض الأئمة (ممن يشتغلون بالحديث ويتبعون الدليل) لا يكبر عند نزوله لسجود التلاوة بدعوى أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في العبادات التوقيف، فترى فوضى عارمة في المصلين من ورائه، لا سيما إذا كان المسجد غاصا بالمصلين وبعضهم خارجه، أما النساء في مصلاهن فلا تسل عن حالهن في الفوضى والاضطراب لانعدام علمهن بانتقال الإمام سمعا وبصرا.

فهد بن عبدالله القحطاني
12-04-28 ||, 06:23 PM
1. عدم سنية التسليم على المصلي لأن ذلك مما يخل بمقصود الصلاة من الخشوع والخضوع (إن في الصلاة لشغلا) مع أنه ورود الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رد بالإشارة على من سلم عليه وهو يصلي. وقد أخذ بظاهر هذا الأثر جماعة ممن يشتغلون بالحديث ولا يلتفتون إلى المقاصد فصار كلما دخل داخل إلى المسجد حتى لو كان مسبوقا يسلم بأعلى صوته على أهل المسجد، فيؤشر له أصحابه بأيديهم ويظنون بذلك أنهم يحافظون على السنة. وقد يؤخذ من مقصد الخشوع والخضوع أيضا عدم سنية تحريك الأصبع في التشهد، وتأويل ما ورد في ذلك من أثر بأن المقصود به مجرد الإشارة، وذلك لأن السكون في الصلاة أدعى إلى الخشوع والخضوع في حق المصلي وفي حق من بجواره من المصلين، وقد ورد في الأثر: اسكنوا في صلاتكم.

أستأذنكم في وضع هذه الفائدة العابرة , يقول الشيخ المحدث الطريفي :
الفائدة الرابعة :لايثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في رد السلام في الصلاة لفظا أو اشارة وكل ماورد في ذلك فهو معلول .
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

وضاح أحمد الحمادي
12-04-28 ||, 09:56 PM
شكرا لك أخي وضاح على هذه المناقشات النقدية...
ولكن لي على ما قلته ملاحظات كثيرة
أبدؤها بسؤالك : لقد قلت في العنوان : ....ما له وما عليه
وفي كلامك كله لم تبين إلا ما عليه
فهلا عرفتنا ما له ؟
في الحقيقة حين ابتدأت هذا الموضوع تمنيت أن يشارك الأخوة الأفاضل وعلى رأسهم شيخ المقاصديين في المنتدى الدكتور الأخضري ، فيتكلم الجميع كلاً بحسب ما يعتقده في هذا العلم ، مع إيضاح مشكلاته التي كنت أنتوي عرضها على هيئة عرض ومناقشة ، فيكون ذكر ما له وما عليه لا من جهتي بل من جهة المشاركين ككل ، وأنا بما أني أمثل ـ فيما يتعلق بهذا العلم ـ رأي الضد كما هو واضح لديكم وصرحتم به في بعض مشاركاتكم في موضوعكم (إعمال النظر المقاصدي في الخلاف الفقهي..دراسة مختصرة لمسألة زواج الأب من بنته من الزنى؟ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)) لا يتوقع مني في العادة أن أبادر إلى ذكر ما لعلم المقاصد كعلم مستحدث بل ما عليه ، ومع ذلك وجواباً عن سؤالكم قلت :
(وقبل أن يقفز القارئ إلى الحكم عليَّ أقول : أنا لا أشك بأن الفقيه يحتاج إلى معرفة المقاصد الشرعية للأحكام الفرعية واستقرائها لما فيه من تمكينه من معرفة معاني النصوص وبخاصة عند تعارضها ، لكن معرفة المقصد الشرعي شيء وعلم المقاصد المستحدث اليوم شيء آخر تماماً كما سيأتي معك)
[حاولت أن أقتبس النص من مشاركتي السابقة لكن كلما حاول وجدت نفسي انتقلت إلى الصفحة الرئيسية]
ومع ذلك ، فإنكم إن أمعنتم النظر في عامة ما ذكرته لن تجدني انتقدت هذا العلم من جهة نفسه إلا بمقدار المطمطة في الكلام واستعراض العضلات والتشدق في وضع التعاريف وبيان ما يدخل فيها وما يخرج عنها وحشوه بكلام إنشائي أدبي لا تعلق له بمقصود العلم ، وهذا في الحقيقة نقد للمتكلمين فيه لا له في نفسه.
وكنت ذكرت أنه مبحث أصولي يفرد تيسيراً وتقريباً للفهم ، وبينت أنه ينقسم إلى ما له علاقة بالعلة في القياس والتعليل في الأحكام ومسالك استنباط العلة إلى غير ذلك مما فائدته معلومة غير منكرة.
وقد قرر الدكتور أيمن في مشاركاته بعض ما لعلم المقاصد من أهمية ، وإن كان لم يأتِ بشيء أكثر مما كنت ذكرته في مشاركتي الأولى ، إلا أنه بين إن للمقاصد بمفهوم المعاصرين وعَبْر المؤلفات المعاصرة فيه أنه يمتاز عن علم الأصول بأمور ، وأن الحاجة إليه ماسة ، وإن خالفته أنا في ذلك بحسب ما ذكرته في مشاركاتي معه هنا.
وأرجوا أن تكونوا أنتم فاتحة خير وأن تنبهونا على ما لعلنا غفلنا عنه مما لعلم المقاصد ، مع الوضع بعين الاعتبار أني سأناقشكم فيه ـ إن خالفتكم فقط ـ .
وأسعدتموني حقيقة بمروركم ومشاركتكم ، وأعيد فأقول : أرجو أن تشاركوا معنا في الموضوع وتتموا ما ترونه ناقصاً وتصححوا ما ترونه خاطئاً.

وضاح أحمد الحمادي
12-04-29 ||, 01:12 AM
الدكتور الفاضل أيمن علي صالح
أشكر لكم أولاً احتمالكم لنا وصبركم علينا وتعليمنا كثير مما كنا نجهل ، وأنتم من أعظم اسباب استمتاعنا بالمشاركة في هذا الملتقى المبارك إنشاء الله ، فما أحلى مناقشة ذي لب حازم حر التفكير يجمع إلى ذلك صبر وأناة.
وإلا فإني إذا راجعت بعض مشاركاتي أراها يكاد يسمع صراخها من شدتها ، وأنا أعتذر للجميع بأني لم أقلها متبعاً لهوى إن شاء الله.

فيما يتعلق بكلام الإمام المقبلي رحمه الله فإنكم لو ركزتم على كلامه بتمامه في هذه النقطة لرأيتم أنكم لم تضعوا أيديكم على موضع النقد في كلامه ، وذلك أنه قال :

المثال الرابع : الصراط المستقيم أن الله سبحانه جعل العقول لإدراك ما شاء من الحقائق
ثم مثل للمنحرفين عن هذا السراط المستقيم بقوله :

... وجرى أهل النظر في الأحكام الشرعية هذا المجرى ، فجثم قومٌ على الظواهر ، وغلوا حتى فرقوا بين البول في الماء وبين البول في إناء ثم صبه في الماء ونحو ذلك ، وقال آخرون : الشارع معتبر فيما شرعه المصالح والمفاسد ، فكل ما ظنناه مصلحة أو مفسدة عملنا عليه ، وهذا هو المسمى بالمصالح المرسلة ، وأمثلهم اعتبر أنها لا تصادم الموارد الشرعية
فجعل من أمثلة الإنحراف عن السراط المستقيم الذي هو في هذا المثال إدراك العقل من أهمل النظر في مقاصد النهي عن البول في الماء الراكد حتى فرق بين البول فيه مباشرة ، وبين البول في إناء ثم صبه في الماء ، وثنى بذكر مثال آخر وهو من نصب العقل شارعاً بجعله مقدراً للمصالح في الأفعال ثم بناء الشريعة على ما قدره من مصالح.
والإشكال في ظني في الاختلاف في معنى (المصالح المرسلة) فإن بعضهم بعممه حتى يدخل فيه العمل بالمصالح التي نص الشارع عليها في المواضع التي لم ينص فيها الشارع على حكم.
وهذا خطأ ، فإن هذه الصورة بعينها مختلف فيها ما بين قائل بإنها من العموم ، وقائل بل هي قياس.
وإنما الإشكال في استنباط الحكمة أو المقصد من غير النص أو مدلولاته ثم البناء على ذلك المستنبط ، والعجب أن أشد من ينادي بهذا هم في الأغلب أشاعرة ومذهبهم مبني أن الأفعال خالية من المعاني الموجبة لحسنها أو قبحها ، وأن ذلك مبني على مجرد موافقة الغرض ومخالفته ، وأن الأحكام الشرعية مستفادة من مجرد أمر الشارع ونهيه ، فما وجب تركه قبيح وما وجب فعله حسن وليس ثمة معنى وجب به الفعل أو الترك سوى النص.
ولا يعترض بالقياس لأنه كاشف عن استواء الأصل والفرع في كونهما داخلين تحت الإلزام بالفعل أو الترك من النص الثابت للأصل خاصة ، فقد اكتسب الفرع حكمه بالنص المختص بالأصل.
أما المعتزلة فقد صرحوا بأنه في الشرعيات لا يعرف الحسن والقبيح فيها إلا بالنص ، وإن كان النص لا يجعل القبيح قبيحاً ولا الحسن حسناً بل يكشف عن حسنه وقبحه فقط.
فعلى أصل من بنى هؤلاء؟!
وعلى كلٍّ إيرادكم على الإمام المقبلي غير وارد ، لاختلاف مورد كلام البويطي وكلام المقبلي.

وقولكم بارك الله فيكم :

إدراك المعاني الكلية مهم جدا في استنباط الأحكام الجزئية، وفهم النصوص في ضوء المقاصد العامة.
أقول : قد أقررنا بهذا أولاً ولا تعلق له بسؤالي أصلاً ، وهكذا عامة ما ذكرتموه من أمثلة ، لكني أنبه إلى إن مثالكم الأول (عدم سنية تسليم المصلي) لو صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد دل على أن ما ادعيتموه مقصد وحكمة ليس بمقصد ولا حكمة وإلا لما تركه صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم (إن لأتقاكم لله وأشدكم خشية له) ، وإن لم يصح فنبقى على المنع من الشغل في الصلاة للأحاديث العامة الخاصة الدالة على ترك العمل والكلام في الصلاة.
أما المثال الثاني فهو من الخصوصية بمكان بحيث لا يشكل الاستدلال به على الجزئي ، فإن لم يكن فخصوص الدليل الذي استنبطت منه هذه العلة (إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا ...) يفيد جريان العمل بالمقصد في سجود التلاوة لتحقيق الائتمام المذكور في الحديث.
وهكذا أمثلة الإمام الجويني.
والله أعلم
فالآن لو تفضلتم وذكرتم أمثلة على إعمال المقاصد الكلية في المسائل العينية وتبينوا لنا كيف استنبطتم من ذلك المقصد الكلي الحكم الشرعي المعطى للمسألة المعينة ، لا بوضع المثال فقط ، بل وبشرح كيفية استنباط الحكم المعين من المقصد الكلي.
فإن فعلتم ، يكون هذا من فضائل الأصوليين ـ ممثلين بكم ـ على المقاصديين.

ودمتم سالمين غانمين.

جمال فريد الغانم
12-05-02 ||, 05:50 PM
اخي وضاح
السلام عليكم وعلى جميع القراء والمشاركين
جعل الله لك من اسمك نصيب
اتمنى عليك ان تتم ما بدأت فقد والله نفعتني
جزاكم الله خيرا

ام صفاء
12-05-02 ||, 06:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله
لقد قرأت بإمعان ما سطرتموه سيدي الفاضل وضاح، لعله يتضح لي المقصد من ذلك..لأنه لابد من قصد مغيا لكل كاتب. فالظاهر أنكم أردتم الانتصار لعدم استقلال المقاصد عن علم أصول الفقه، وسقتم لأجل ذلك ما يستقيم سبيلا للاستدلال على ذلك. هذا جيد فأنا معكم في هذا، إذ كنت ولا أزال في تدريسي للطلبة مادة مقاصد الشريعة أؤكد على أن المقاصد الشرعية نسيج علم أصول الفقه ومباحثه رسمه، فلا يمكن بحال فصل الرسم عن نسيجه وإلا مزق الكل تمزيقا، وعليه فلا يمكن أيضا اعتبار المقاصد مبحثا من مباحث علم الأصول (وربما لي عودة الى بيان هذا بالتفصيل ان شاء الله تعالى).
لكن ما أعتبه عليكم التعميم في قولكم هذا (فإنكم إن أمعنتم النظر في عامة ما ذكرته لن تجدني انتقدت هذا العلم من جهة نفسه إلا بمقدار المطمطة في الكلام واستعراض العضلات والتشدق في وضع التعاريف وبيان ما يدخل فيها وما يخرج عنها وحشوه بكلام إنشائي أدبي لا تعلق له بمقصود العلم ، وهذا في الحقيقة نقد للمتكلمين فيه لا له في نفسه.) فهل فعلا: كل أو حتى أغلب من بسط القول في المقاصد من المعاصرين متصف بما نعتم ووصفتم؟ خاصة وأن منهم الكثير من الأفاضل الذين قالوا بقولكم أي بعدم استقلال المقاصد عن الأصول.وأرشدكم خاصة إلى كتاب المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله.
هذا أولا ، وثانيا حبذا لو ذكرتم كيف ترون أهمية اعتبار المقاصد في الفتوى؟

محمّد فيصل زينُ الدين
12-05-02 ||, 09:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله
الفاضل أبا عبد الرحمن, أرجو أن تكتب ما طرحت هنا في رسالة خاصة أكثر انتظاما حتي تنفعنا.
والله إنها لفكرة جديرة بالاهتمام.

حمزة عدنان الشركسي
12-05-03 ||, 10:38 AM
بين يدي فيديو للشيخ جلال الجهاني يناقش فيه كتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور نقاشا نقديا ، وأنصح به إخواني ، وبغض النظر قد يختلف بعض إخواني مع فكر الشيخ إلا أنه جدير بالمشاهدة .

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد M47g&index=26&feature=plpp_video

د. الأخضر بن الحضري الأخضري
12-05-03 ||, 08:19 PM
بين يدي فيديو للشيخ جلال الجهاني يناقش فيه كتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور نقاشا نقديا ، وأنصح به إخواني ، وبغض النظر قد يختلف بعض إخواني مع فكر الشيخ إلا أنه جدير بالمشاهدة .
جزاكم الله خيرا شيخ حمزة على هذه الإحالة..
كل ما ذكر في هذا الشريط بعيد عن مناهج النقد العلمي ، و مخالف لنظرية الإمام الطاهر..، و كأني بالدكتور يناظر علمانيا أو حداثيا..
و الحاصل أن الدكتور لم يوفق في تصور حقيقة المقاصد بله نقد مباحثها..

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-05-03 ||, 09:41 PM
بين يدي فيديو للشيخ جلال الجهاني يناقش فيه كتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور نقاشا نقديا ، وأنصح به إخواني ، وبغض النظر قد يختلف بعض إخواني مع فكر الشيخ إلا أنه جدير بالمشاهدة .

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد M47g&index=26&feature=plpp_video

نظرت في بداية كلامه فإذا به يقول أن علم أصول الفقه جاء مع الشريعة و كأنه يقول أن العرب لم تكن تفهم الكلام العربي حتى نزل عليهم القرآن و الحق أن أغلب ما في علم الأصول موجود عند العرب بالفطرة من العام و الخاص و المطلق و المقيد و المشترك و غيرها من المسائل و القرآن نزل بلغتهم فلا يعقل أن يقال أن علم الأصول ما جاء إلا بمجيء الشريعة.

و الله أعلم.

حمزة عدنان الشركسي
12-05-04 ||, 03:39 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الأخضري ..
أذكر أني قرأت قبل مدة بحثا للدكتور حامد حسان عن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية ، فتحدث عن بيعتين في بيعة ، ثم ذكر أنها لا تجوز نصا ولكن يمكننا أن نجوزها من باب المقاصد !!!
للأسف هكذا حال كثير من أصحاب نظريات المقاصد كالريسوني وغيره .
نعم قد تدخل مقاصد الشريعة تحت التعليل بالحكمة حيث لا نص - بناء على قول الرازي وابن الحاجب - ، أو في باب المصالح المرسلة أو الاستحسان ، لكن أن نجعلها مصادمة للدلالات الراجحة والظاهرة أو الإجماع أو الأقيسة الجلية ، فهذا بعيد عن فهم الشريعة .
ما يطرحه الريسوني الآن من أطروحة مقاصد العقيدة ، فهذه الأطروحة هي التي ستوصلنا إلى أصول مدرسة محمد عبده والأفغاني من إنكار للمعجزات والكرامات وبعض الغيبيات ، نعم أفهم أن القصد من هذه الأطروحة هي تقليل مساحة الخلاف بين المذاهب الإسلامية ، لكن باعتقادي القاصر أن هذا ليس بحل ، بل الحل هو في التزكية ، فعندما تصبح النفوس صافية بعيدة عن الكبر والشهوة والعجب ساعتئذ ستصبح مساحة الخلاف أقل بكثير ، والله تعالى أعلم .

د. يوسف بن عبد الله حميتو
12-05-05 ||, 12:11 AM
جزاكم الله خيرا شيخ حمزة على هذه الإحالة..
كل ما ذكر في هذا الشريط بعيد عن مناهج النقد العلمي ، و مخالف لنظرية الإمام الطاهر..، و كأني بالدكتور يناظر علمانيا أو حداثيا..
و الحاصل أن الدكتور لم يوفق في تصور حقيقة المقاصد بله نقد مباحثها..

نعم شيخنا لاحظت ذلك أيضا، وقد شطن بالشيخ الجهاني القول في كثير من كلامه، ولم يوفق في الربط بين عناصر ما ينتقده جملة أو تفصيلا.
أما الشيخ وضاح فأقول له: إن النقد له معياران: معيار ذاتي ومعيار موضوعي، فأما الذاتي فقد فهمناه، وأما الموضوعي فنحن بانتظاره، لأنه لو كان النقد مقتصرا على المتكلمين في المقاصد فهذا أمر مقدور عليه، وإن كان يتعداهم إلى العلم نفسه، فهاهنا يقع ما ينبغي تحرير النزاع فيه.

د. يوسف بن عبد الله حميتو
12-05-05 ||, 12:18 AM
جزاكم الله خيرا شيخنا الأخضري ..
أذكر أني قرأت قبل مدة بحثا للدكتور حامد حسان عن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية ، فتحدث عن بيعتين في بيعة ، ثم ذكر أنها لا تجوز نصا ولكن يمكننا أن نجوزها من باب المقاصد !!!
للأسف هكذا حال كثير من أصحاب نظريات المقاصد كالريسوني وغيره .
نعم قد تدخل مقاصد الشريعة تحت التعليل بالحكمة حيث لا نص - بناء على قول الرازي وابن الحاجب - ، أو في باب المصالح المرسلة أو الاستحسان ، لكن أن نجعلها مصادمة للدلالات الراجحة والظاهرة أو الإجماع أو الأقيسة الجلية ، فهذا بعيد عن فهم الشريعة .
ما يطرحه الريسوني الآن من أطروحة مقاصد العقيدة ، فهذه الأطروحة هي التي ستوصلنا إلى أصول مدرسة محمد عبده والأفغاني من إنكار للمعجزات والكرامات وبعض الغيبيات ، نعم أفهم أن القصد من هذه الأطروحة هي تقليل مساحة الخلاف بين المذاهب الإسلامية ، لكن باعتقادي القاصر أن هذا ليس بحل ، بل الحل هو في التزكية ، فعندما تصبح النفوس صافية بعيدة عن الكبر والشهوة والعجب ساعتئذ ستصبح مساحة الخلاف أقل بكثير ، والله تعالى أعلم .
شيخ حمزة: من المنهج العلمي ألا يحكم على مآلات التصورات قبل وقوعها، ومن الخطأ الحكم بلا بيان لحيثياته، وأقصد بذلك أنك جزمت أن ما يذهب إليه الريسوني حفظه الله يؤول إلى تقرير المدرسة العقلية التي ما تركت بابا إلا زاحمت عليه، وهذا ينبغي منك بمقتضى المنهج العلمي والأمانة أن تأتي بكلام الريسوني وتأتي بما يماثله من كلام من ذكرت وتبني الإشكال الذي تقرر عندك بناء علميا من حيث المبادئ عند الجميع ومن حيث التصورات وما يصدق عليه المفهوم عندهم، فإن وقع الحافر على الحافر في كل ما ذكرت فقد أصبت ويقتضي منا ذلك التسليم لك فيما تقوله، وإلا فاعذرني فإني لا أقبل منك هذا، خاصة وأنك نقلت القضية من باب إلى باب دون تمهيد ولا بيان للعلاقة الموجبة للانتقال، والقواعد تقرر أن الانتقال من دعوى إلى دعوى موجب لسقوط الدعويين.

وضاح أحمد الحمادي
12-05-17 ||, 11:29 AM
اخي وضاح
السلام عليكم وعلى جميع القراء والمشاركين
جعل الله لك من اسمك نصيب
اتمنى عليك ان تتم ما بدأت فقد والله نفعتني
جزاكم الله خيرا


السلام عليكم ورحمة الله
الفاضل أبا عبد الرحمن, أرجو أن تكتب ما طرحت هنا في رسالة خاصة أكثر انتظاما حتي تنفعنا.
والله إنها لفكرة جديرة بالاهتمام.
الأخوان الفاضلان أسعدتماني كثيراً بإعلامي أن لما كتبت فائدة ما ، إذ هو أهم مقاصد الكاتب من كتاباته.
جزاكما الله خيراً وبارك فيكما.
لكن أخي محمد فيصل ، أخوك فاشل تماماً في ترتيب المواضيع ، ووضعها على نمط الرسائل والكتب ، إنما هي أفكار تبدر من رأسي فتتلقفها يداي فأضعها على الجهاز أو الورق كما هي.

الدكتورة الفاضلة أم صفاء

فالظاهر أنكم أردتم الانتصار لعدم استقلال المقاصد عن علم أصول الفقه، وسقتم لأجل ذلك ما يستقيم سبيلا للاستدلال على ذلك.

ما ذكرتم من كون المقاصد الشرعية لا تفصل عن علم الأصول ، بعض مقصودي لا كله ، وذلك أنه في ظني لا يمكن تجريده وعدم ربطه بغيره من الأصول الفقهية وإلا صار موجوداً في الذهن فقط ، ولا وجود له في الخارج فضلاً عن تصنيفه أصلاً زائداً عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وتبسيطا لما ذكرته أقول : إن مقاصد الشارع هي مراداته أو حكمه وغاياته الموجودة في النصوص أو في الأحكام الشرعية ولو كان مأخذها الإجماع والقياس ، فإنْ نحن جردنا علم المقاصد عن النصوص والأحكام التي نستخلصه (أي المقاصد) منها ، عاد فكرة مجردة ، كما أنا لو جردنا الحيوانية عن تعلقها بما يفيدها الاختصاص والوجود لم تكن موجودة إلا في الذهن ، بمعنى أنا لو جردنا حيوانية زيد والحمار والثور لم يكن لتلك الحيوانية المجردة وجود خارج الذهن.


وأشبه ما يمكنني استحضاره بعلم المقاصد مباحث الألفاظ ، فإنا لو عممناه في كل ما يصلح له قولنا (لفظ) كما يفعله المقاصديون مع عبارة (مقاصد الشريعة) لدخل في عامة المباحث الأصولية ، فلو نظرنا إليه مجرداً عن تلك المباحث الأصولية صار عبارة عن تصورات ذهنية لا وجود لها خارج الذهن ، كالمشترك مثلاً بين قولنا : "لا رجل في الدار" "ولا عبدَ مجزء" فإن القدر المشترك مثلاً هو النفي الواقع على النكرة ، كما يشتركان في النتيجة التي هي مفهوم العموم ، فالنفي الواقع على النكرة لا وجود له خارج الذهن إلا معيناً ، وكذا العموم من غير نظر إلى نفس العام المعين في الخارج.

وأحاول أن أبسطه أكثر فأقول: إن ما فعله المقاصديون هو أنهم نظروا في المقاصد مجردة من النصوص الدالة عليه ومجردة من الأحكام التي تتستنبط منها المقاصد ، فصارت المقاصد عبارة عن معاني مجردة كحفظ النفس وحفظ المال وحفظ النسل وحفظ العرض وحفظ العقل ، وهكذا ، فهذه المعاني وإن كان لها مفهوم ذهني ، لكنها أفكار مجردة لا نراها في تصرفات الشارع إلا مقيدة ، والأحكام لا تتعلق بالمفهوم الذهني المجرد لعلم المقاصد بل بصوره المقيدة فقط ، ومن هنا علمت أن أحداً لن يستطيع أن يأتيني بمثال يستفيد فيه حكماً شرعياً من مقصد مجرداً ، فكان السؤال الذي ناقشنا فيه الدكتور أيمن علي صالح.


وغايته أن المقاصدي إن حاول أن يستفيد حكماً سيذكر المقصد ثم الأصل الذي منه استفاد ذلك المقصد ومحاولة ربط الحادثة بذلك الأصل بالنظر إلى ذلك المقصد ، وهذا سيضطره إلى رد الاستدلال بالمقصد إلى الاستدلال بأحد الأصول الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، أو غيرها من الأصول المختلف فيها كقول الصحابي مثلاً.

ولنضرب مثالاً عليه ، فإذا قلنا : رجل استعار من غيره ثوراً قيمته ثلاثة دنانير ذهباً ، ثم ألقاه من شاهق ليستمتع برؤيته يموت ، فبماذا نحكم عليه (طبعاً بالاعتماد على المقاصد الشرعية فقط) قد يأتي مقاصدي ويقول : قد بلغ الثور قيمة ما تقطع به اليد ، ومن مقاصد الشرعية في القطع حفظ المال ، وهو هنا حاصل ، فنقطع يده.


هذا مثال لعله لا يأتي مقاصدي يقوله ، ولكن نفرضه فرضاً ، والجواب خطأ بلا شك ، ومقصودي أن هذا المقاصدي الذي فرضناه لم يتمكن من اعتماد حفظ المال مجرداً عن غيره لإعطاء الحكم ، بل رد المسألة قياساً بالنظر إلى السارق الذي نص الشارع على حكمه ، فلم يستطع أن يستنبط القطع من مجرد حكمة حفظ المال ، ولم يستطع الجزم بمقدار ما تقطع فيه اليد في هذه الصورة خاصة والنظر إلى ذلك المقصد مجرداً ، وهكذا.


إلى هنا وغلب حماري وحنظلت نخلاتي فأرجو أن يكون ذلك كافياً في بيان مقصودي.

إذاً علم المقاصد كالعلوم الناظرة في مباحث الألفاظ يمكن إفراده ليفهم ولا يمكن فصله وجعله أصلاً خامساً للكتاب والسنة والإجماع والقياس.


هذا أولاً ، أما ثانياً ، فعلم المقاصد ينظر في واحد من أهم اللبنات التي عليها تنبني نصوص الشريعة والأحكام الشرعية ، فما من نص إلا ولصاحبه مقصد وما من حكم إلا وقد وضع لغاية ، فإذا زعمنا أن النصوص والأحكام مباحث مستقلة مفردة بحيث لا يكون البحث في النص والحكم الشرعي متعلقاً بعلم المقاصد باعتبارها أحد أجزاءها وأن علم المقاصد مفرد مستقل ، فقد فرَّغنا هذه المباحث من أهم مقوماتها أو واحد من أهمها واعتقادي أن نفس البحث في الأصول الأربعة والأحكام الخمسة هو بحث في المقاصد، ومن أهمله أثناء بحثه فيها أو زعم أنه خارج عن ماهيتها فقد نظر إلى هذه المباحث نظرة مختلة، فالواجب علينا إذا أفردنا علم المقاصد هو النظر فيها مفردة مستقلة لمعرفتها ثم ردها إلى موضعها الصحيح في النص وفي الحكم لأنها إما جزء من ماهية هذه الأشياء أو لأنه أحد لوازمها.

أما سؤالكم عن مقصودي بالوصف بالتمطيط والتنطع وغيره ، فيؤسفني أن أقول : إن جوابي على خلاف ما ظننتي شامل للأغلب ، وقصر كلامي على الأغلب ليس لكون الباقين لم يفعلوه بل لأني لم أطلع على كلام الجميع فقط.
أنا أعلم أن هذه الإجابة قاسية ، لكن هذا وصف للواقع الملموس ، فلا ينفع في دفعه ذكر فضائل الكتَّاب في هذا الباب ، وقد قرأت رسائل صغيره جداً تتعلق ببعض مباحث علم المقاصد الذي يظنون أنه ليس هو جزءاً من المباحث الأصولية (في ظن المؤلف ، أو يكون أوهمه بدون قصد منه ، وإلا فهي مباحث أصولية مستقلة كمبحث الاستقراء ، ومبحث تنزيل الأحكام) فلم أرها على صغر حجمها خلت من فضول الكلام .
أما الدكتور الذي ذكرتيه رحمه الله ففي الحقيقة أنا لم أطلع على كتاباته ، وقد حاولت الحصول على بعضها عبر النت فعجزت ، وما دمتي تعريفينه وتعريفين كتبه فالحكم لكم.
وأبشع من هذا أن يدخل المصنف في المقاصد في مباحث لا يفمها هو ، ويقبل فيها مجرد الدعاوى ككلامهم في مبحث العلة عن اعتقاد الأشاعرة فيه ، كما فعله الدكتور الفاضل احميدان وزاد فتكلم عن الفلاسفة بما هم منه براء ، ولم يميز معنى العلة المختلف فيها فخلَّط .
فهذا مبحث لا تعلق له بنفس مقصود كتابه إلا بمقدار يسير ، وذلك لأن منكري العلل ومثبتيها لا يختلفون في العمل على وفقها في المباحث الشرعية.
وللفائدة فإن الأشاعرة لا يقولون بالتعليل أصلاً ، والذي يثبتونه هو صورة التعليل لا نفسه ، لذا يعبرون بعبارات نحو (العلة هي الأمارة الدالة على الحكم) ونحوها ، فهي ليست باعثة عليه أو على وضعه وتشريعه ، بل جرت العادة على أن الحكم يوجد حيث وجدت من غير أن يكون لها تأثير على إيجاده باعتبارها غرض لواضع الحكم ، بل الحاكم سبحانه عندهم بتنزه عن كونه يفعل من أجل غرض من الأغراض ولو كانت حكمة ترجع على العباد بالنفع.
فزدناكم دكتورتنا الفاضلة إلى ما تقدم من الوصف تكلم بعض المقاصديين بما لا يحسنه .
وعموماً أنا لا أشك أن مقصود كثيرين هو الحق كما أن مقصود آخرين مجرد الظهور.

والله سبحانه أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
12-12-11 ||, 02:30 PM
الدكتورة الفاضلة أم صفاء
اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ام صفاء مشاهدة المشاركة
فالظاهر أنكم أردتم الانتصار لعدم استقلال المقاصد عن علم أصول الفقه، وسقتم لأجل ذلك ما يستقيم سبيلا للاستدلال على ذلك.
ما ذكرتم من كون المقاصد الشرعية لا تفصل عن علم الأصول ، بعض مقصودي لا كله ، وذلك أنه في ظني لا يمكن تجريده وعدم ربطه بغيره من الأصول الفقهية وإلا صار موجوداً في الذهن فقط ، ولا وجود له في الخارج فضلاً عن تصنيفه أصلاً زائداً عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وتبسيطا لما ذكرته أقول : إن مقاصد الشارع هي مراداته أو حكمه وغاياته الموجودة في النصوص أو في الأحكام الشرعية ولو كان مأخذها الإجماع والقياس ، فإنْ نحن جردنا علم المقاصد عن النصوص والأحكام التي نستخلصه (أي المقاصد) منها ، عاد فكرة مجردة ، كما أنا لو جردنا الحيوانية عن تعلقها بما يفيدها الاختصاص والوجود لم تكن موجودة إلا في الذهن ، بمعنى أنا لو جردنا حيوانية زيد والحمار والثور لم يكن لتلك الحيوانية المجردة وجود خارج الذهن.
وأشبه ما يمكنني استحضاره بعلم المقاصد مباحث الألفاظ ، فإنا لو عممناه في كل ما يصلح له قولنا (لفظ) كما يفعله المقاصديون مع عبارة (مقاصد الشريعة) لدخل في عامة المباحث الأصولية ، فلو نظرنا إليه مجرداً عن تلك المباحث الأصولية صار عبارة عن تصورات ذهنية لا وجود لها خارج الذهن ، كالمشترك مثلاً بين قولنا : "لا رجل في الدار" "ولا عبدَ مجزء" فإن القدر المشترك مثلاً هو النفي الواقع على النكرة ، كما يشتركان في النتيجة التي هي مفهوم العموم ، فالنفي الواقع على النكرة لا وجود له خارج الذهن إلا معيناً ، وكذا العموم من غير نظر إلى نفس العام المعين في الخارج.
وأحاول أن أبسطه أكثر فأقول: إن ما فعله المقاصديون هو أنهم نظروا في المقاصد مجردة من النصوص الدالة عليه ومجردة من الأحكام التي تتستنبط منها المقاصد ، فصارت المقاصد عبارة عن معاني مجردة كحفظ النفس وحفظ المال وحفظ النسل وحفظ العرض وحفظ العقل ، وهكذا ، فهذه المعاني وإن كان لها مفهوم ذهني ، لكنها أفكار مجردة لا نراها في تصرفات الشارع إلا مقيدة ، والأحكام لا تتعلق بالمفهوم الذهني المجرد لعلم المقاصد بل بصوره المقيدة فقط ، ومن هنا علمت أن أحداً لن يستطيع أن يأتيني بمثال يستفيد فيه حكماً شرعياً من مقصد مجرداً ، فكان السؤال الذي ناقشنا فيه الدكتور أيمن علي صالح.
وغايته أن المقاصدي إن حاول أن يستفيد حكماً سيذكر المقصد ثم الأصل الذي منه استفاد ذلك المقصد ومحاولة ربط الحادثة بذلك الأصل بالنظر إلى ذلك المقصد ، وهذا سيضطره إلى رد الاستدلال بالمقصد إلى الاستدلال بأحد الأصول الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، أو غيرها من الأصول المختلف فيها كقول الصحابي مثلاً.
ولنضرب مثالاً عليه ، فإذا قلنا : رجل استعار من غيره ثوراً قيمته ثلاثة دنانير ذهباً ، ثم ألقاه من شاهق ليستمتع برؤيته يموت ، فبماذا نحكم عليه (طبعاً بالاعتماد على المقاصد الشرعية فقط) قد يأتي مقاصدي ويقول : قد بلغ الثور قيمة ما تقطع به اليد ، ومن مقاصد الشرعية في القطع حفظ المال ، وهو هنا حاصل ، فنقطع يده.
هذا مثال لعله لا يأتي مقاصدي يقوله ، ولكن نفرضه فرضاً ، والجواب خطأ بلا شك ، ومقصودي أن هذا المقاصدي الذي فرضناه لم يتمكن من اعتماد حفظ المال مجرداً عن غيره لإعطاء الحكم ، بل رد المسألة قياساً بالنظر إلى السارق الذي نص الشارع على حكمه ، فلم يستطع أن يستنبط القطع من مجرد حكمة حفظ المال ، ولم يستطع الجزم بمقدار ما تقطع فيه اليد في هذه الصورة خاصة والنظر إلى ذلك المقصد مجرداً ، وهكذا.
إلى هنا وغلب حماري وحنظلت نخلاتي فأرجو أن يكون ذلك كافياً في بيان مقصودي.
إذاً علم المقاصد كالعلوم الناظرة في مباحث الألفاظ يمكن إفراده ليفهم ولا يمكن فصله وجعله أصلاً خامساً للكتاب والسنة والإجماع والقياس.
هذا أولاً ، أما ثانياً ، فعلم المقاصد ينظر في واحد من أهم اللبنات التي عليها تنبني نصوص الشريعة والأحكام الشرعية ، فما من نص إلا ولصاحبه مقصد وما من حكم إلا وقد وضع لغاية ، فإذا زعمنا أن النصوص والأحكام مباحث مستقلة مفردة بحيث لا يكون البحث في النص والحكم الشرعي متعلقاً بعلم المقاصد باعتبارها أحد أجزاءها وأن علم المقاصد مفرد مستقل ، فقد فرَّغنا هذه المباحث من أهم مقوماتها أو واحد من أهمها واعتقادي أن نفس البحث في الأصول الأربعة والأحكام الخمسة هو بحث في المقاصد، ومن أهمله أثناء بحثه فيها أو زعم أنه خارج عن ماهيتها فقد نظر إلى هذه المباحث نظرة مختلة، فالواجب علينا إذا أفردنا علم المقاصد هو النظر فيها مفردة مستقلة لمعرفتها ثم ردها إلى موضعها الصحيح في النص وفي الحكم لأنها إما جزء من ماهية هذه الأشياء أو لأنه أحد لوازمها.

أما سؤالكم عن مقصودي بالوصف بالتمطيط والتنطع وغيره ، فيؤسفني أن أقول : إن جوابي على خلاف ما ظننتي شامل للأغلب ، وقصر كلامي على الأغلب ليس لكون الباقين لم يفعلوه بل لأني لم أطلع على كلام الجميع فقط.
أنا أعلم أن هذه الإجابة قاسية ، لكن هذا وصف للواقع الملموس ، فلا ينفع في دفعه ذكر فضائل الكتَّاب في هذا الباب ، وقد قرأت رسائل صغيره جداً تتعلق ببعض مباحث علم المقاصد الذي يظنون أنه ليس هو جزءاً من المباحث الأصولية (في ظن المؤلف ، أو يكون أوهمه بدون قصد منه ، وإلا فهي مباحث أصولية مستقلة كمبحث الاستقراء ، ومبحث تنزيل الأحكام) فلم أرها على صغر حجمها خلت من فضول الكلام .
أما الدكتور الذي ذكرتيه رحمه الله ففي الحقيقة أنا لم أطلع على كتاباته ، وقد حاولت الحصول على بعضها عبر النت فعجزت ، وما دمتي تعريفينه وتعريفين كتبه فالحكم لكم.
وأبشع من هذا أن يدخل المصنف في المقاصد في مباحث لا يفمها هو ، ويقبل فيها مجرد الدعاوى ككلامهم في مبحث العلة عن اعتقاد الأشاعرة فيه ، كما فعله الدكتور الفاضل احميدان وزاد فتكلم عن الفلاسفة بما هم منه براء ، ولم يميز معنى العلة المختلف فيها فخلَّط .
فهذا مبحث لا تعلق له بنفس مقصود كتابه إلا بمقدار يسير ، وذلك لأن منكري العلل ومثبتيها لا يختلفون في العمل على وفقها في المباحث الشرعية.
وللفائدة فإن الأشاعرة لا يقولون بالتعليل أصلاً ، والذي يثبتونه هو صورة التعليل لا نفسه ، لذا يعبرون بعبارات نحو (العلة هي الأمارة الدالة على الحكم) ونحوها ، فهي ليست باعثة عليه أو على وضعه وتشريعه ، بل جرت العادة على أن الحكم يوجد حيث وجدت من غير أن يكون لها تأثير على إيجاده باعتبارها غرض لواضع الحكم ، بل الحاكم سبحانه عندهم بتنزه عن كونه يفعل من أجل غرض من الأغراض ولو كانت حكمة ترجع على العباد بالنفع.
فزدناكم دكتورتنا الفاضلة إلى ما تقدم من الوصف تكلم بعض المقاصديين بما لا يحسنه .
وعموماً أنا لا أشك أن مقصود كثيرين هو الحق كما أن مقصود آخرين مجرد الظهور.
قد بدا لي بعد التفكير أن ما ذكرته الدكتورة الفاضلة صحيح ، وهو أن عامة ما ذكرته يمكن إدراجه تحت عنوان (عدم فصل علم المقاصد عن علم الأصول.
والله أعلم

وضاح أحمد الحمادي
13-01-04 ||, 03:27 PM
أذكر أني قرأت قبل مدة بحثا للدكتور حامد حسان عن مقاصد الشريعة في المعاملات المالية ، فتحدث عن بيعتين في بيعة ، ثم ذكر أنها لا تجوز نصا ولكن يمكننا أن نجوزها من باب المقاصد !!!
للأسف هكذا حال كثير من أصحاب نظريات المقاصد ......
نعم قد تدخل مقاصد الشريعة تحت التعليل بالحكمة حيث لا نص - بناء على قول الرازي وابن الحاجب - ، أو في باب المصالح المرسلة أو الاستحسان ، لكن أن نجعلها مصادمة للدلالات الراجحة والظاهرة أو الإجماع أو الأقيسة الجلية ، فهذا بعيد عن فهم الشريعة .
جزاك الله خيرا
ومن أجل ما ذكرتم كان ما كتبنا

وضاح أحمد الحمادي
13-01-04 ||, 08:26 PM
لي على ما قلته ملاحظات كثيرة
أبدؤها بسؤالك : ...
قد بدأتم فهلا أكملتم؟

وضاح أحمد الحمادي
13-09-08 ||, 03:20 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . وبعد
قد كان انتهى بي الكلام إلى أن المقاصد من حيث هي بعض مباحث أصول الفقه ، والنظر فيه إما باعتبارها إحدى مدلولات النصوص الشرعية ، وهي من هذه الجهة ليست بدليل مستقل بذاته إلا عند القائلين بالمصالح المرسلة بأوسع معانيه.
وبيان عدم إمكان إقامتها دليلاً مفرداً مستقلاً أنها باعتبارها بعض مدلولات النص ليست بنص، وباعتبارها جزء من الدليل الكلي ليست بذلك الدليل الكلي. وأنها إن لم تكن نصاً ولا دليلا مستقلا صارت معنى مجرد في الذهن يحتاج إلى التعبير عنه لإيجاده أو يجاد باقي أجزائه.
فالمصلحة المعبر عنها بنص الشارع نص ، فقد عاد الكلام إلى الإستدلال بالنص ، وإن كملنا باقي أجزاء المصلحة لنقل حكمها إلى غيرها تصير قياساً فعاد الكلام إلى الدليل لكلي.
ومن هنا أظن ـ والله أعلم ـ أن اعتماد المصلحة المجردة حيث لم يرد نص مستحيل في ذاته ، وأنك لو حاولت ذلك ـ أي اعتماد على مصلحة مجردة لاستنباط حكم في واقعة لا نص فيها من غير نظر إلى دليل آخر ـ فلن تخرج من أحد ثلاثة :
إما أن تبحث عن نظائر للواقعة تشتمل على المصلحة لترى كيف تعامل معها الشرع فتسحب ذلك الحكم الذي في النظير إلى الواقعة.
وإما أن تنظر في النص الدال على المصلحة لتستنبط الحكم من ألفاظه.
أو تتشهى فتوجد أحكاماً من عندك بغرض تحصيل المصلحة أو حفظها.
ثم تلك المصلحة إن عبر عنها الشارع صريحاً فهي دلالة لفظ يمكن البحث فيه واستنباط الأحكام.
وإن كانت المصلحة مستنبطة من تصرفات الشارع ، فلا محالة يحتاج الفقيه أن يعبر عنها ، فإن اعتمدنا نصه لبناء الحكم فقد سوينا بين نصوص الفقهاء ونصوص الشارع من حيث استنباط الشرائع والأحكام منها.
هذا والفقيه قد تقصر عبارته عن إعطاء المقصد الملحوظ في تصرفات الشارع عبارة توفيه حقه. وهو كثير في المعتركات القياسية.
فلا بد إذا من تبيين السبيل التي ينظر فيها إلى المصلحة نظرة تستنبط الأحكام حيث لا نص ولا نظير يقاس عليه.
وهو ما أزعمه متعذراً ، وقد طال الوقت على أول مطالبة لي بإمكان إثباته وحاولته بيني وبين نفسي طويلاً ، فلم أجد له مثالاً واحداً يفتح ذهني لأركان وطق الإستنباط بحيث يمكن التعبير عنها بعبارة تُعَلَّمُ للطلبة ويقال لهم : إعملوا كذا ثم اتبعوه بكذا فتصلون إلى الحكم الفلاني.
وقد نظرت في الأمثلة التي يرددها المقاصديون عموماً فرأيت عامتها وضع لأمثلة يقفز فيها المؤلف من وضع المقصد إلى إعطاء الحكم من غير ذكر للواسطة.
وربما اجتهد بعضهم في محاولة إطهار تلك الطريق ، وإذا أمعنت في كلامه تراه يتعب في بيان طرق استنباط المصلحة لا استنباط الحكم منها.

ولعله لا يوجد في الدنيا قط حكم مصلحي واحد لا خلاف فيه، في مسألة لا تعلق لها بالأدلة الشرعية المقررة في كتب الأصول .
وهذا في علم كان من أهم مقاصد أصحابه رفع الخلاف.
(وعلى المثبت الدليل)

ولازلت أقرأ في هذا الملتقى المبارك وفي غيره ، مطالبات بالنظر في الحكم الفلاني نظرة مقاصدية ، ومسائلات عن (ما هية النظرة المقاصدية) للمسألة العلانية ، لأرى بعدها خطب إنشائية ليس فيها جديد ، مذكرة لي بقول القائل :
وإذا أتاه سائلٌ في حاجة *** رد الجواب له بغير جواب

ولست أفهم ما مطلوب السائل عن ذلك أو الطالب لما هنالك .

أتراه يظن أن من تكلم من الفقهاء فيها لم ينظر إلى المصالح ؟
أو ظن أن هذا العلم بِدْعٌ لم يعرفه السلف الصالح؟

وأشكر الأستاذة الفاضلة جميلة تلوت مؤلفة كتاب (فقه التنزيل عند الإمام ابن تيمية) وهو كتاب رائع بحق ، وإن اختلفتُ معها.
وقد مكنت في نفسي أهمية النظر في المصلحة وقوة مكانة (تحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه) وتأثير المصلحة على النص وغير ذلك كثير على صغر حجمه ، ثقله الله لها في الميزان.

والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
13-09-08 ||, 02:37 PM
بارك الله فيك شيخنا الفاضل وضاح.

لست من المختصين في علم المقاصد لكن الذي يظهر لي من خلال كلامك أن المشكلة الأساسية المطروحة هنا ليست مشكلة فائدة علم المقاصد من عدمها إنما هي حول كيفية ضبط هذا العلم، فعلم المقاصد يحتاج ضبطا ذلك أنه لم يستقر ليومنا هذا، فما نفض الغبار عليه إلا من قرن فقط بعد أن نسي كتاب الإمام الشاطبي لقرون.

والمتأمل في حال المعاصرين اليوم في علم المقاصد يجد هذا المشكل ظاهرا عندهم، إذ أغلب مؤلفاتهم كلام إنشائي لا على غرار كتاب الإمام الشاطبي الذي حاول فيه وضع قواعد وأسس مضبوطة لهذا العلم على غرار ضبط علماء الأصول علم الأصول.

والمقصود بالضوابط هنا الضوابط الجامعة المانعة لا الضوابط الإنشائية التي تبنى على ذوق المتكلم فلعل هذا هو السبب الأساسي للمشكل الذي طرحته.

نجد الكثير من الكتب المقاصدية اليوم تتكلم على ضوابط في تحديد المصلحة و المفسدة ، وفي الترجيح بينها، والتخصيص بالمصالح و المفاسد، لكن المشكل الأساسي أنها تسمي كلامها ضوابطا و ما هي بضوابط إذ يبقى الكلام عاما خاضعا لهوى الفقيه ولا يمكن رده لقواعد قابلة للتكميم عند التطبيق فلعل هذا هو معنى قولك " فلم أجد له مثالاً واحداً يفتح ذهني لأركان وطق الإستنباط بحيث يمكن التعبير عنها بعبارة تُعَلَّمُ للطلبة ويقال لهم : إعملوا كذا ثم اتبعوه بكذا فتصلون إلى الحكم الفلاني."

إن لم تكن هناك ضوابط لهذا العلم غير قابلة للخلاف في كيفية التطبيق فمن الصعب محاكمة المستدلين بها على ضوئها و من الصعب تعليمها لطلبة العلم ولعل هذا الذي جعل المنتسبين اليوم لعلم المقاصد يردون الكثير من نصوص الشرع بدعوى المصلحة.

كل علم يحتاج لقواعد مميزة غير خاضعة لهوي المستدل عند التطبيق فالمشكل الأساسي هو فصل القواعد المقاصدية عن ذوق المتكلم فمتى فصلت عنه نتج عن ذلك أنه مهما تغير المطبق لهذه القواعد وصل لنفس النتيجة بالتطبيق السليم لها و الله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
13-09-08 ||, 11:09 PM
وفيك بارك الله شيخنا المبارك
في كلامكم أمر مهم سأتطرق له لاحقاً .
لكن فيما يتعلق بموضع الإستشكال ، فالذي أردته بمشاركتي الأخيرة أبعد مما ذكرتم فالذي يظهر لي أن الإعتماد على حكمة أو مصلحة حتى لو نص عليها الشارع لإعطاء حكم في حادثة مجردة عن الدلالات سوى المصلحة ، مستحيل حتى لو حاوله الفقيه .
وإلا فليأتوا بمثال متفق عليه يدل على الإمكان ويدفع الإستحالة.
ولكن إن قلنا إن المصلحة أحد أركان القياس ، وبعض دلالات النصوص ، وأن الدليل هو ذلك القياس الذي مصلحته جزءٌ منه أو ذلك النص الذي مصلحته بعض مدلولاته ، أمكن بيسر إعمال المصلحة لا حيث لم يوجد نص فقط ، بل وحيث يوجد بأن تقيد دلالة النص أو تخصصه ، بل حتى تلغيه في صور دون أخرى.
أما ما نبه عليه كلامك وأشرت إليه أولاً فهو أن بعض الأفاضل الأماثل يستنبط بمحض رأيه مصالح مشكوك فيها ، إما من حيث هي ، بمعنى أن مخالفه قد لا يراها مصلحة ، أو يخالفه في تحققها في الواقعة المعينة ، أو في كونها مؤثرة ، أو في وجود المعارض لها من المفاسد مثلاً أو مصالح أخرى في الواقعة تقتضي خلاف ما في المصلحة المُدَّعاة ، أو نحو ذلك ويبني عليها حكماً مخالفاً لنصوص في نفس الواقعة أو نظائرها.
فإذا نبهته على ذلك تجلد كل التجلد إلى رد ذلك النص إما بكونه آحاداً أو واقعة عين أو عاماً ظنياً أو مطلقاً يمكن تقييده ، ولا يراعي أن كل ذلك لا يمنع من الإستدلال بالنص كشأن عامة المسائل المتفق عليها فضلاً عن غيرها ، لما هو متقرر من أنه ليس من شرط الدليل الفروعي أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
وأن تلك الأعذار يمكن القدح بها عند وجود المعارض الأقوى في ثبوته ودلالته.
وينظر إلى المصلحة التي استنبطها بمحض رأيه باعتبارها أقوى من ذلك النص ويجوز له أن يعارض النص معتمداً عليها.
والسبب أنه بعد استنباط المصلحة بمحض رأيه لا يتفكر لحظة في كونها اجتهاد نفسه ، وربما تخرصات عقله ، ولا يبقى في ذهنه إلا النظر في المصلحة من حيث هي مُهْمِلاً النظر في الطريق الذي توصل بها إليها.
ثم إذا انتقدت هذا المسلك ولو على سبيل التعميم والإجمال ؛ ضج وعج وزعم أن هذا إنما هو مسلك بعض المفرطين العقلانيين ، أو المنحرفيين اليساريين ، لا الفقهاء الربانيين ، فلا يُحْكَمُ بحكم عام على هذا العلم بالنظر إلى تلك الشذوذات ، مع العلم أن المنتقد في الأغلب غير مهتم بالنظر إلى كتاب العلمانيين والشاذين والمنحرفين ونحو ذلك ، بل إنما دفعه إلى النقد هو وأمثاله من الأفاضل .

وقد صاروا هم في الأغلب مصدرَ همٍّ ، فإن العلمانيين مثلاً لا يقدرون على إقناع المسلمين على تغير حكم واحد إلا بعد كد وجهد ، منتهاه تجهيل الناس لا تغيير آرائهم ، بينما هؤلاء يصدرون تخرصاتهم بقولهم مثلاً : الحكم الشرعي كيت وكيت.
أو يكتفي السائل البسيط بأن هؤلاء يفترض بهم أنهم سدنة الشريعة وحراسها ، مع أنهم كالسوس ينخر أساسها ، فيسلم لهم الناس ظانين أنهم سلموا لله حكمه.

وعلى كل ، إنما الأمر نصح وتذكير ، نرفع به إلى ربنا المعاذير ، والله بنا وبهم خبير بصير

والله أعلم

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
13-09-09 ||, 12:34 AM
وفيك بارك الله شيخنا المبارك
في كلامكم أمر مهم سأتطرق له لاحقاً .
لكن فيما يتعلق بموضع الإستشكال ، فالذي أردته بمشاركتي الأخيرة أبعد مما ذكرتم فالذي يظهر لي أن الإعتماد على حكمة أو مصلحة حتى لو نص عليها الشارع لإعطاء حكم في حادثة مجردة عن الدلالات سوى المصلحة ، مستحيل حتى لو حاوله الفقيه .
وإلا فليأتوا بمثال متفق عليه يدل على الإمكان ويدفع الإستحالة.
ولكن إن قلنا إن المصلحة أحد أركان القياس ، وبعض دلالات النصوص ، وأن الدليل هو ذلك القياس الذي مصلحته جزءٌ منه أو ذلك النص الذي مصلحته بعض مدلولاته ، أمكن بيسر إعمال المصلحة لا حيث لم يوجد نص فقط ، بل وحيث يوجد بأن تقيد دلالة النص أو تخصصه ، بل حتى تلغيه في صور دون أخرى.
أما ما نبه عليه كلامك وأشرت إليه أولاً فهو أن بعض الأفاضل الأماثل يستنبط بمحض رأيه مصالح مشكوك فيها ، إما من حيث هي ، بمعنى أن مخالفه قد لا يراها مصلحة ، أو يخالفه في تحققها في الواقعة المعينة ، أو في كونها مؤثرة ، أو في وجود المعارض لها من المفاسد مثلاً أو مصالح أخرى في الواقعة تقتضي خلاف ما في المصلحة المُدَّعاة ، أو نحو ذلك ويبني عليها حكماً مخالفاً لنصوص في نفس الواقعة أو نظائرها.
فإذا نبهته على ذلك تجلد كل التجلد إلى رد ذلك النص إما بكونه آحاداً أو واقعة عين أو عاماً ظنياً أو مطلقاً يمكن تقييده ، ولا يراعي أن كل ذلك لا يمنع من الإستدلال بالنص كشأن عامة المسائل المتفق عليها فضلاً عن غيرها ، لما هو متقرر من أنه ليس من شرط الدليل الفروعي أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة.
وأن تلك الأعذار يمكن القدح بها عند وجود المعارض الأقوى في ثبوته ودلالته.
وينظر إلى المصلحة التي استنبطها بمحض رأيه باعتبارها أقوى من ذلك النص ويجوز له أن يعارض النص معتمداً عليها.
والسبب أنه بعد استنباط المصلحة بمحض رأيه لا يتفكر لحظة في كونها اجتهاد نفسه ، وربما تخرصات عقله ، ولا يبقى في ذهنه إلا النظر في المصلحة من حيث هي مُهْمِلاً النظر في الطريق الذي توصل بها إليها.
ثم إذا انتقدت هذا المسلك ولو على سبيل التعميم والإجمال ؛ ضج وعج وزعم أن هذا إنما هو مسلك بعض المفرطين العقلانيين ، أو المنحرفيين اليساريين ، لا الفقهاء الربانيين ، فلا يحكم بحكم عام على هذا العلم بالنظر إلى تلك الشذوذات ، مع العلم أن المنتقد في الأغلب غير مهتم بالنظر إلى كتاب العلمانيين والشاذين والمنحرفين ونحو ذلك ، بل إنما دفعه إلى النقد هو وأمثاله من الأفاضل .

وقد صاروا هم في الأغلب مصدرَ همٍّ ، فإن العلمانيين مثلاً لا يقدرون على إقناع المسلمين على تغير حكم واحد إلى بعد كد وجهد ، منتهاه تجهيل الناس لا تغيير آرائهم ، بينهما هؤلاء يصدرون تخرصاتهم بقولهم مثلاً : الحكم الشرعي كيت وكيت.
أو يكتفي السائل البسيط بأن هؤلاء يفترض بهم أنهم سدنة الشريعة وحراسها ، مع أنهم كالسوس ينخر أساسها ، فيسلم لهم الناس ظانيين أنهم سلموا لله حكمه.

وعلى كل ، إنما الأمر نصح وتذكير ، نرفع به إلى ربنا المعاذير ، والله بنا وبهم خبير بصير

والله أعلم

نعم هو هو المقصود هنا ، فالمقصود بالضوابط هنا هو ضوابط استنباط المصلحة و ضوابط تخصيص النص بها فلابد من قواعد تحدد طرق استنباط المصلحة و قواعد تحدد متى يجوز التخصيص بها من عدمه و لعل هذه الأخيرة هي التي لا نكاد نجد لها ضابطا عند المشتغلين بالمقاصد اليوم فالكل يرد النصوص بالمصالح سواء كانت مصالح شرعية أو لا فليس كل مصلحة شرعية يجوز تخصيص النص بها فأرى أنه لابد أن ينص الشارع على جواز التخصيص بها والمقصود بنص الشارع هنا هو الدليل الأصولي لجواز تفعيل المقاصد في هذا الموضع و بهذه المصلحة وأظن أنه يلزم لذلك شرطان أساسيان :
الأول : أن تكون المصلحة شرعية أي نص عليها الشارع بالمعنى العام أي وجد دليل أصولي على كونها شرعية
الثاني : أن ينص الشارع على جواز التخصيص بها في ذلك الموضع بالمعنى العام أي يقيم الفقيه الدليل الأصولي الذي يدل على جواز التخصيص بها في ذلك الموضع و لعل هذا يجيب على قولك " فالذي يظهر لي أن الإعتماد على حكمة أو مصلحة حتى لو نص عليها الشارع لإعطاء حكم في حادثة مجردة عن الدلالات سوى المصلحة ، مستحيل حتى لو حاوله الفقيه ."

و كمثال على ذلك تعطيل حد السرقة زمن المجاعة فمصلحة حفظ النفس مصلحة شرعية جاءت في أكثر من نص شرعي منها قوله تعالى :"إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ"
أما جواز تقديم مصلحة حفظ النفس على المال و تعطيل حد السرقة بذلك جاء بالقياس بين السرقة و الكفر فإن جاز تقديم حفظ النفس على النطق بالكفر كان تقديمها على مال الغير أولى إذ أن النطق بالكفر أعظم من السرقة فلما جاز ترك الأعلى لحفظ النفس جاز ترك الأدنى لحفظها كذلك.

لكن تبقى هذه الشروط عامة تحتاج ضوابط أدق من هذا والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
13-09-09 ||, 01:15 AM
جزاك الله خيراً وأحسن إليك شيخ عبد الحكيم

و كمثال على ذلك تعطيل حد السرقة زمن المجاعة فمصلحة حفظ النفس مصلحة شرعية جاءت في أكثر من نص شرعي منها قوله تعالى :"إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ"
أما جواز تقديم مصلحة حفظ النفس على المال و تعطيل حد السرقة بذلك جاء بالقياس بين السرقة و الكفر فإن جاز تقديم حفظ النفس على النطق بالكفر كان تقديمها على مال الغير أولى إذ أن النطق بالكفر أعظم من السرقة فلما جاز ترك الأعلى لحفظ النفس جاز ترك الأدنى لحفظها كذلك.
أنا لم أفهم تمام الفهم المقصود بإيراد المثال، هل أردتَ به التمثيل للإستدلال بالمصلحة المجردة والتدليل على أن ما زَعَمْتُهُ مستحيلاً هو ممكن؟

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
13-09-09 ||, 02:04 AM
جزاك الله خيراً وأحسن إليك شيخ عبد الحكيم

أنا لم أفهم تمام الفهم المقصود بإيراد المثال، هل أردتَ به التمثيل للإستدلال بالمصلحة المجردة والتدليل على أن ما زَعَمْتُهُ مستحيلاً هو ممكن؟

ذكرت المثال لتوضيح الضابط الثاني في علم المقاصد و الذي يهدره عادة المشتغلون في هذا العلم فلا يكفي وجود المصلحة الشرعية لتخصيص النص بها إذ يلزم مع ذلك أن يجيز الشارع ذلك التخصيص أي ينص على تقديم المصلحة في ذلك الموضع فهذا الذي أردت أن أشير إليه وجل من يرد النصوص بالمصالح لا يأتي بهذا الضابط لذلك يكون الرد عليهم بهذا سلمنا لكم أن هذه مصلحة أمر الشارع بحفظها لكن ما دليل تقديمها على النص في هذا الموضع إذ الشارع قد أمر كذلك بحفظ حرماته (و الدليل هنا لا يكون إلا أصوليا) و الله أعلم.