المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة تحليلية للاستحسان في المذهب الحنفي: بين مرحلتي التأسيس والتدوين - بحث محكم موافق للمطبوع



د. أيمن علي صالح
11-10-15 ||, 07:16 AM
دراسة تحليلية للاستحسان في المذهب الحنفي - بين مرحلتي التأسيس والتدوين
للأستاذ الدكتور نُعمان جُغَيْم



قال الدكتور نعمان:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن واله وبعد:
فهذا بحث محكَّم تمّ نشره في "مجلة الإسلام في آسيا" التي تصدرها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في العدد الثاني، سنة 2005م، وصفحاته موافقة للمطبوع في المجلة.
وأنا أعلم أن هذا البحث عن الاستحسان يسبح ضد التيار. فهناك من المعاصرين من يعدّ الاستحسان من أوجه المرونة في الفقه الإسلامي، وهناك من يدعو إلى توسيعه لاستيعاب احتياجات العصر ظنا منه أن مصادر الفقه الإسلامي تضيق بالاستجابة لتلك المتطلبات، وما هي في الواقع بضيّقة، وهناك من يعدّه من الأصول المقاصدية، وهناك كُتبٌ كُتبت عن الاستحسان وتطبيقاته المعاصرة. ولكن نظرة فاحصة لهذا الموضوع تبيّن الخلل والاضطراب والغموض الموجود في مباحثه، وهو الأمر الذي جعل القائلين به يعجزون حتى عن وضع تعريف واضح له. فهل محاولات تقنين مبحث الاستحسان وجعله أصلا من أصول الفقه وَجْهُ مرونةٍ في الفقه أم وَجْهُ خلل في المدونات الأصولية؟ هذا ما يسعى هذا البحث إلى فتح مجال البحث والنقاش حوله. وسيتبع هذا إن شاء الله ببحث مشابه عن الاستحسان عند المالكية.

أم طارق
11-10-15 ||, 10:42 AM
جزاك الله خيرا يا دكتور أيمن
بحث قيم ومفيد في بابه
وسوف أضع هنا مقدمته ونتائجه للاطلاع عليها
-------------------------------

المقدمة:

دأب الإمام أبو حنيفة رحمه الله على استعمال لفظ الاستحسان في مجالسه العلمية أثناء تقليب وجوه النظر في المسائل الفقهية، وتناقل عنه تلاميذه هذا الاستعمال. ولما بلغ هذا التعبير بعض الأوساط العلمية من غتير الحنفية بالصورة التي نُقلت إليهم أنكروه، كما أنكر غالبية أصوليي المتكلمين فيما بعد كونه أصلا من أصول الاستنباط، وقام نقاش طويل حول مشروعيته، وحقيقته، وهل الخلاف فيه لفظي أم حقيقي؟
وهذا المقال لا يُعنى بالمباحث التقليدية للاستحسان؛ وإنما تدور إشكاليته حول تحقيق مفهوم الاستحسان عند أبي حنيفة: هل كان يستعمل هذا اللفظ بالمعنى الذي استقر عليه تعريف أتباع مذهبه؟ أم أنه كان يستعمل بمعنى آخر؟
وتكمن أهمية البحث في هذا الدوضوع فيما يراه الباحث خلطا منهجيا نتج عن عدّ الاستحسان أصلا من أصول الاستنباط في المذهب الحنفي، على الرغم من عدم وجود حقيقة ظاهرة لو عندهم بدليل اضطراب عباراتهم في بيان حقيقته. وتتجلى خطورة ذلك
الخلط المنهجي في مظاهر: منها ما وصل إليه بعض علماء التخريج في المذهب من البحث في مسائل المذهب التي ذكر فيها قياس واستحسان: هل هي مسائل فيها رأيان: أحدهما القياس، والآخر الاستحسان، وأن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس؟ أم أنها لا يكون فيها إلا قول واحد هو ما وُصف بالاستحسان؟
ومنها ما شاع عند من كتبوا في الأصول من المعاصرين من عدّ الاستحسان مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية ( حتى وإن عدوه من الأدلة التبعية أو المختلف فيها)، وهو الأمر الذي أدى إلى لبس في فهم بعضهم إلى درجة انتقاد الأصوليين من مدرسة الجمهور واتهامهم بعدم تطوير أصل الاستحسان، وقتله في مهده، والدعوة إلى إحياء هذا الأصل لكونه من الجوانب التي ينبغي تطويرها في محاولة تجديد أصول الفقه. وليس الاعتراض هنا على المضامين التي حُمَّلت لمصطلح الاستحسان، وإنما الاعتراض على الخلط المنهجي الذي نتج عن جعل مصطلح غامض الحقيقة مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية، مع كون ما أُدخل ضمنه أجزاء من مباحث أخرى أصيلة في علم أصول الفقه.
وتقوم فرضية هذا البحث على وجود لبس في تفسير استعمال أبي حنيفة لكلمة الاستحسان، وهو الأمر الذي أدى بالمتأخرين من أصوليي الحنفية إلى أن يذهبوا بالاستحسان إلى حدّ عدّه أصلا من أصول الاستنباط.
أما المنهج المتبع في هذه الدراسة فيتمثل في النظر في التطورات التاريخية التي مرّ بها مفهوم الاستحسان، وتناولها بالتحليل والنقد بغرض استخلاص النتائج.


----------------------------

الخاتمة:

خلاصة هذا البحث أن ما كان يعبّر عنه مؤسِّسو المذىب الحنفي بالاستحسان هو مزيج من الاستثناءات الواردة في نصوص الشرع، وتخصيص العمومات سواء كانت عمومات نصية، أو قواعد عامة مستقرأة من آحاد النصوص، والترجيح بتين الأقيسة المحتملة من خلال النفاذ إلى أسرارها وخفاياها، وبيان الأوجه الدقيقة والخفية في الاستنباط، ولم يكونوا يعدونه أصلا من أصول الاستنباط ولا منهجا من مناهجه. وأن الخطوة التي قام بها الدبوسي حين جعل الاستحسان دليلا مستقلا يقابل القياس على وجو التعارض مثل تقابل الكتاب والسنة، لم تكن خطوة سديدة، حيث فتحت الباب لخلط واضطراب في تحديد مفهوم لفظة الاستحسان عند أئمة المذهب، وربما أسهم في ذلك الخلط عدم الالتفات إلى تطوّر مفهوم القياس، واختلاف معناه عند الأوائل عن معناه الذي استقر عليه فيما بعد عند الأصوليين.
ويرى الباحث أن عدّ الاستحسان أصلا من أصول الاستنباط خلط منهجي ينبغي تداركه؛ ولذلك فإنه يوصي المؤلفين في علم أصول الفقه التنبّه إلى هذا الاضطراب المنهجي وتصحيحه، بإرجاع ما كان يُعبّر عنه بالاستحسان عند أولئك الأئمة إلى مباحثه الأصلية
عند الحديث عن التخصيص، والاستثناء، والترجيح بين الأدلة ومنها الأقيسة، وإخراج مبحث الاستحسان من الأدلة الشرعية، فهو في حقيقته ليس دليلا ولا أصلا من أصول الاستنباط.
أما فكرة القول بأن إبراز مباحث الاستحسان إظهار لمرونة التشريع الإسلامي ومراعاته للمصالح، فإنها على فرض التسليم بصحتها، لا تعادل منفعتُها ضرَرَ الخلط المنهجي والتشويش الناجمين عن جعل أمرٍ اضطربَ القائلون به في تحديد ماهيته أصلاً من أصول
الشريعة ومعلما من معالمها. هذا فضلا عن أن في أصول الشريعة ونصوصها ومبادئها الواضحة والثابتة ما هو أصيل في إبراز سمات المرونة ومراعاة المصالح.