المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة الخامسة: المعنى الصحيح للاستحسان



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-05 ||, 03:22 PM
الحلقة الخامسة: المعنى الصحيح للاستحسان




تمهيد:



سبق تناول دليل الاستحسان في أربع حلقات سابقة:



الحلقة الأولى: نتائج بحث الاستحسان حقيقته وأنواعه.
على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %CD%D3%C7%E4


الحلقة الثانية: المعنى القديم للاستحسان



على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %CD%D3%C7%E4


الحلقة الثالثة: تعريف الاستحسان بمعنى تقصر عنه العبارة.
على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %CD%D3%C7%E4


الحلقة الرابعة: الدراسات والمؤلفات المختصة بدليل الاستحسان
على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد %CD%D3%C7%E4


------------------------------



وهذا الموضوع يشكل الحلقة الخامسة من البحث في "دليل الاستحسان"، وسنحاول فيه بعون الله وتوفيقه أن نحدد المعنى الصحيح للاستحسان وأن نبين أنه هو نفسه القول بـ "تخصيص العلة"، وذلك من خلال قراءة كلام ابن تيمية رحمه الله حيث كانت له مشاركات بارزة في تقرير هذا الدليل ، لاسيما وأنه قد اختط لنفسه في تناول هذا الدليل مسلكان اثنان:



المسلك الأول: تحديد المعنى الحسن للاستحسان، وأنه هو القول بتخصيص العلة.



المسلك الثاني: تحديد المعنى المذموم من الاستحسان والذي وقع إنكار الأئمة على مستعمله.



وبهذين المسلكين استطاع أن يفرز المعنى الحسن من من المعنى المذموم.



كما وقع في كلام ابن تيمية رحمه الله بعد فراغه من تقرير المسلكين السابقين:



بيان صحة تخصيص العلة لفوات شرط أو وجود مانع، ويكون التخصيص بذلك لفارق مؤثر.



وبناء على ما سبق:



يصح القياس على ما خرج من القياس لِأنه إنما استنثي لمعنى مناسب.



بينما ترتب:



على تصحيح الأحناف الاستثناء من غير معنى يقتضي التخصيص: القول بعدم جواز القياس على ما خرج من القياس، لأنه معدول به عن سنن القياس فلا يمكن القياس عليه.



وبين ابن تيمية:



أنه لا يوجد في شيء من النصوص ما يخالف القياس، وأنه إن وقع في بعض الصور الخروج عن القياس الخاص فإنه لا يخرج بحال في معنى من المعاني عن القياس العام.



وإضافة إلى كل ما سبق:



فإنه رحمه الله قد تمم الفضيلة بأن عالج هذه المسألة الأصولية من خلال قراءة المسائل الفقهية التطبيقية و تقليب النظر في تصرفات الفقهاء مع استحضار للكلام الأصولي وما إلى ذلك مما هو معروف عن مثله.



------------



وقد تناول ابن تيمية الكلام على هذه المسألة بتوسع في ثلاث من رسائله:
1) بيان الدليل على بطلان التحليل

2) رسالة في الاستحسان
3) رسالة له في مجموع الفتاوى

وسيكون الكلام هنا قاصرا على ما ذكره في رسالته المختصة بـ "الاستحسان" والتي طبعت ضمن جامع المسائل في المجموعة الثانية من آثار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.



---------------------



يكشف لنا ابن تيمية رحمه الله عن أهمية الموضوع بما ذكره في صدر رسالته حيث قال:

إن هذه قواعد كثر اضطراب الناس فيها والحاجة ماسة إلى تحقيقها في كثير من مسائل الشريعة أصولها وفروعها.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn1))


ثم ذكر في مطلع فصل عقده في خلال هذه الرسالة أن:

"المقصود ضبط أصول الفقه الكلية المطردة المنعكسة
وبيان أن الشريعة ليس فيها تناقض أصلا
والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا تناقضا
فإن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، والجمع بين الأشياء فيما جمع الله ورسوله بينها فيه، والفرق بينهما فيما فرق الله ورسوله بينها فيه."
وذكر كذلك:
أن "القياس هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطا للحكم
وذلك المعنى قد يكون لفظ شرعي عام أيضا فيكون الحكم ثابتا بعموم لفظ الشارع ومعناه

وقد بينا في غير هذا الموضع أن الأحكام كلها بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلها معللة بالمعاني المؤثرة، فمعانية أيضا متناولة لجميع الأحكام..."



---------------------------------

فسر ابن تيمية رحمه الله المعنى الصحيح للاستحسان:
بأنه تخصيص للعلة بمعنى يقتضي التخصيص.
ونقل هذا التفسير عن رجلين اثنين:
1- أبي الحسين البصري.
2- أبي بكر الجصاص الرازي. ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn2))
كما ذكر ابن تيمية(3) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn3) أن هذا المعنى للاستحسان:
"يقول به جميع الأمة، بل جميع علماء السنة مثل إباحة الميتة للمضطر للضرورة وصلاة المريض قاعدا للحاجة ونحو ذلك." ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn4))
وعليه " فمن قال:
إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لا لفوات شرط ولا لوجود مانع
فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم فإنهم كلهم يقولون: بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق وكلامهم في ذلك أكثر من أن يحصر وهذا معنى قول من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة."([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn5))
وهذا أيضاً هو معنى من قال:
إن الاستحسان: "اسثناء من الدليل بدليل آخر ، وهذا المعنى من الاستحسان هو محل اتفاق بين أهل العلم ، وإذا وقع فيه من نزاع فإنما هو في بعض صوره"([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn6))

وأورد ابن تيمية على من ينازع في اعتبار تخصيص العلة:
أن ما يذكرونه من اعتراض النص على قياس الأصول هو أحد أنواع تخصيص العلة، وهذا تسليم منهم لكون العلة تقبل التخصيص في الجملة.([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn7))
قال أبو فراس:
وبما سبق يتبين أن تخصيص العلة له استعمالان :
1- استعمال صحيح راجح.
2- واستعمال خطأ مرجوح.
1- فالاستعمال الصحيح الراجح:
هو ما كان التخصيص لفرق مؤثر من فوات شرط أو وجود مانع.
2- والاستعمال الخطأ المرجوح:
وهو ما وقع فيه تخصيص العلة بمجرد دليل يدل على التخصيص وإن لم يبين اختصاص صورة النقض فقدان شرط أو وجود مانع: " أي لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها فهذا مورد النزاع في الاستحسان المخالف للقياس وغيره."([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn8))
وفرَّع ابن تيمية الكلام في تخصيص العلة من غير بيان الفرق: في نوعيها المنصوص والمستنبط، فقال:
فالعلة" إن كانت مستنبطة:
وخصت بنص ولم يبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها" "فهذا أضعف ما يكون."([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn9))
وهذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله مِنْ أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
والسبب في ذلك:
أن هذه العلة لم تعلم صحتها إلا بالرأي فإذا عارضها النص كان مبطلا لها، والنص إذا عارض العلة دل على فسادها كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع."
وقبل أن نغادر كلام ابن تيمية في العلة المستنبطة فإننا نورد ههنا سؤالا:
وهو أن ابن تيمية رحمه الله قد تناول الكلام في العلة المستنبطة من جانب دون جانب
فهو تحدث عن العلة المستنبطة إذا خصت ولم يبين مدعي التخصيص الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها.
ولم يتعرض للجانب الآخر:
وهو الكلام عن العلة المستنبطة إذا خصت وقد بين مدعي التخصيص الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها.
والسبب في هذا الإغفال ليس هو:
التفريق في هذا الباب بين العلل المنصوصة والمستنبطة فإن القاعدة عند ابن تيمية مطردة من غير تفريق بينهما كما أشار إلى ذلك في بعض كلامه سواء كان ذلك من جهة الاعتبار الشرعي والتدليل الأصولي.
وكما يفسر ذلك:
إعراضه عن القول المفرق بينهما في معرض ترجيحه بين أقوال أهل العلم في تخصيص العلة
وترجيحه:
للقول بتخصيص العلة بإطلاق من غير تفريق بين المنصوص والمستنبط منهما ما دام قد قام المعنى المقتضي للتخصيص.
وإنما سبب إغفاله للجانب الآخر من العلة المستنبطة:
هو أن ابن تيمية – والله أعلم –يصحح تخصيص العلة المستنبطة بمعنى يقتضي التصحيح، فأعرض عن ذكر هذه الصورة لأنه إنما ذكر العلل المنصوصة والمستنبطة في هذا الموضع من كلامه تفريعا للرد على من جوز تخصيص العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وبين غيرها، فناسب أن يخص الكلام عنهما في هذا الجانب فقط، وهو ما كان التخصيص لغير معنى يقتضي التخصيص.
---------------
والآن ابن تيمية رحمه الله يتحدث عن العلة المنصوصة، من نفس التفريع السابق، يقول رحمه الله:
وأما إذا كانت العلة منصوصة:
وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة
فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي وغيرهما
كما إذا جاء نص في صورة ، ونص يخالفه في صورة أخرى، لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم، فهؤلاء يقرون النصوص، ولا يقيسون منصوصا على منصوص يخالف حكمه ، بل هذا من جنس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} وهذا هو الذي قال أحمد فيه: "أنا أذهب إلى كل حديث جاء، ولا أقيس عليه"
أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر، فأجعل الأحاديث متناقضة، وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها.
والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون:
الصورتان سواء ولا فرق بينهما ، فيكون أحد النصين ناسخا للآخر.
ومثل هذا كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصا على منصوص، ويجعل أحد النصين منسوخا لمخالفته قياس النص الآخر في طي هذا القياس.
ويبقى الأمر دائرا هل دل الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما سواء؟ ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخا بالحكم المضاد له الوارد في الأخرى؟
1-كما يقوله من يجعل القرعة منسوخة بآية الميسر
2-وأمر المأمومين بأن يتبعوا الإمام فإذا كبر كبروا...وإذا صلى جالسا صلوا جلوسا أجمعين: منسوخا بدوام قيامهم في الصلاة التي صلوا بعضها خلف إمام قائم، وباقيها خلف إمام قاعد.
3- ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخا بالآخر....
فهذا ونحوه من دفع النصوص البينة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما كان ينكره أحمد وغيره.
"وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره وهو منكر كما أنكروه: فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقا وجمعا بين الصورتين بلا دليل شرعي بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله وأمر الله ورسوله فهو ليس له وضع بالشرع أبدا ..."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn10))
وحقيقة هذا كله:
أنه قد يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وبتخصيص العلة من غير فارق مؤثر وبمنع القياس على المخصوص يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر.
"وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأكثرون كالشافعي وأحمد وغيرهما:
وهم تارة ينكرون:
صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان.
وتارة ينكرون:
مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي.
وتارة ينكرون:
صحة الاثنين فلا يكون القياس صحيحا ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا بل كلا الحجتين ضعيفة وإنكار هذا كثير في كلام هؤلاء."([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn11))
------------------
ترتب على تفسير ابن تيمية للاستحسان بأنه تخصيص العلة([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn12)):
أن " القول بالاستحسان المخالف للقياس لا يمكن إلا مع القول بتخصيص العلة"([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn13))
ولذلك أشار إلى تناقض بعض أصحابه الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب الكلوذاني:
الذين قالوا بالاستحسان ثم أنكروا القول بتخصيص العلة، ولم يقنع بما حاولوا الانفصال به، ومشيرا في نفس الوقت:
1- إلى اطراد الأحناف القائلين بهما معا.
2- وإلى اطراد الشافعية المنكرين لهما معا.([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn14))
طرق ابن تيمية رحمه الله مسألة تخصيص العلة من جهتين:
1- من جهة الحديث عن العلة نفسها وعن مدى اطراد وتخصيصها.
2- ومن جهة الحديث عن الصور المختلفة واستواءها وافتراقها في الصفات المؤثرة في الشرع.
والجهة الأولى سبق بسط كلام ابن تيمية عنها، وسأتناول هنا طرقه لهذه المسألة من الجهة الثانية وهي النظر في الصور الفرعية والبحث في اتفاقها واختلافها من جهة المعاني المؤثرة في الشرع، وهي طريقة عكسية في طرق المسألة، فإن كانت الجهة الأولى تناولت المسألة على طريقة التدلي من الأعلى إلى الأسفل فإن الجهة الثانية تناولتها على طريقة الترقي من الأسفل إلى الأعلى.
وهذا يدل على أمرين:
1- على وضوح المسألة عند ابن تيمية رحمه الله حتى تبدى له مخ عظمها.
2- وعلى معالجته لفروعها التطبيقية حتى استطاع أن يلج بيت الأصوليين من نافذة الفقهاء.
نبدأ الآن بقراءة كلام ابن تيمية رحمه الله والنظر في طريقة تناوله لمسألة تخصيص العلة من خلال النظر في الصور الفرعية.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
وتحقيق هذا الباب أنه:
1- إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع.
2- وإما أن يعلم افتراقهما.
3- وإما أن لا يعلم واحد منهما.
ونعني بالعلم ما يسميه الفقهاء علما، وهو:
1- أن يقوم الدليل على التماثل والاستواء.
2- أو الاختلاف والافتراق.
3- أو لا يقوم على واحد منهما.
فالأول:
متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض علم أن العلة باطلة.
وهذا مثل:
دعوى من يدعي أن الموجب للنفقة نفس الإيلاد أو نفس الرحم المحرم أو مطلق الإرث بفرض أو تعصيب، ويقول: إذا اجتمع الجد والجدة كانت النفقة عليهما.
فإنه لما ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمع الأبوان كانت النفقة على الأب علم أن العصبة في ذلك يقدم على غيره وإن كان وارثا بفرض، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وعلم أن قوله {وعلى الوارث مثل ذلك} هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجودا، لأن عمرَ جَبَرَ بني عم منفوس على نفقته.
وهذه الآية صريحة في إيجاب نفقة الصغير على الوارث العاصب وقال بها جمهور السلف.
وليس لمن خالفها حجة أصلا ولكن ادعى بعضهم أنها منسوخة، وقيل ذلك عن مالك. وبعضهم قال: عليه ألا يضار، فتركها بدعوى نسخ أو تأويل هو من نوع تحريف الكلم عن مواضعه لغير معارض لها أصلا مما يعلم بطلانه كل من تدبر ذلك.
وإذا كانت الأم أقرب الناس إليه لا نفقة عليه مع الأب، وهي تحوز الثلث معه فأن لا يجب على الجدة مع الجد وهي تحوز السدس أولى وأقرب.
والقائلون بذلك يقولون: القياس يقتضي وجوب ثلثها على الأم، لكن ترك ذلك للنص.
فيقال: فأي قياس معكم؟ إنما يكون قياسا لو كان معهم نص يتناول هذه الصورة بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك، ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النص بهذا يوجب إلحاق نظائره به، فيقاس كل عاصب معه فرض أو جبه من ورّاث الففرض على الأب مع الأم.
قال أبو فراس:
نجد أن ابن تيمية رحمه الله بين فساد العلة المستنبطة في المسألة السابقة من خلال النظر في أمرين اثنين:
1- مخالفة هذه العلة للنص الذي وقع الإجماع على معناه.
2- افتقار هذه العلة إلى مصدر يصححها.
وبهذا يستطيع ابن تيمية أن يجزم بفساد هذه العلة لأنها أولاً لم تقم على أصل صحيح ثم جاءت مخالفة في بعض صورها للنص المجمع عليه.
وهذا المعنى هو الذي قصد ابن تيمية منه بيان فساد كثير من العلل المستنبطة، سواء كان هذا الفساد في أصل التعليل بها أو في معارضتها للنصوص.
وهذا لا يرد في العلل المنصوصة لأن العلل المنصوصة لا تكون إلا حقا بخلاف المسنتنبطة التي يقع فيها الغلط في الاعتبار وفي الاستعمال.
-----------------------
يذكر الآن ابن تيمية رحمه الله صورة أخرى في فساد العلة المستنبطة من خلال النظر في الصور الفرعية التي استعملت فيها هذه العلة، يقول رحمه الله:
وكذلك: إسلام النقدين في الموزونات يقدح في كون العلة الوزن، ولم يثبت ذلك بنص بين، بل بعلة مستنبطة قد عارضها ما هو أقوى منها، فإن لم يبين الفرق بين النقدين وغيرهما وإلا كان انتقاضها مبطلا لها.
فإن انتقاض العلة يوجب بطلانها قطعا إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي قطعا فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين فلا تكونان الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف الصورتين في نفس الأمر...
وهذا معنى قول إياس بن معاوية: "قس للقضاء ما استقام القياس، فإذا فسد فاستحسن". فأمر بمخالفة القياس إذا تغير الأمر بحصول مفاسد تمنع القياس.
وأحمد قال بالاستحسان: للفارق بين صورة الاستحسان وغيرها وهذا من باب تخصيص العلة للفارق المؤثر وهذا حق
وأنكر الاستحسان: إذا خصت العلة من غير فارق مؤثر، ولذا قال: "يدعون القياس الذي هو حق عندهم للاستحسان."
وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه.
فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له:
يقتضي فرقا وجمعا بين الصورتين بلا دليل شرعي، بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله، وأمر الله ورسوله، فهو ليس له وضع الشرع أبدا، وقد قال تعالى: {أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}
ينتقل الآن ابن تيمية رحمه الله إلى بيان سبب انتقاض العلة المستنبطة التي جاء من النص ما يعارضها:
وذلك أنه إذا كان القياس:
1-لم ينص الشارع على علته.
2-ولا دل لفظ الشرع على عموم المعنى فيه.
ولكن رأى الرائي ذلك لمناسبة أو لمشابهة ظنها مناط الحكم
ثم خص من ذلك المعنى صورا بنص يعارضه كان معذورا في عمله بالنص.
لكن مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعا
فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض.
فإن لم يعلم أن مورد النص مختص بمعنى يوجب الفرق لم يطمئن قلبه إلى أن ذلك المعنى هو العلة بل يجوز أن تكون العلة معنىً آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ فلا يفترق الحكم من جميع موارد ما ظنه علة.
وإن كان مورد الاستحسان هو أيضا معنى ظنه مناسبا أو مشابها:
فإنه يحتاج حينئذ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ترك القياس إلا لقياس أقوى منه لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون لنا حينئذ استحسان يخرج عن نص أو قياس...


وعلى هذا فصور الاستحسان المعدول بها عن سنن القياس:
يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها.
وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة:
أنه لا يقاس عليها، وهو من جنس تخصيص العلة والاستحسان من غير فارق معنوي قال: المعدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي فلا يقاس عليه لأن من شرط القياس وجود العلة وتفريقها.
ومن قاس قال: لا يكون إلا لفارق فإذا عرفناه قسنا."([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn15))
وقال رحمه الله:
والتحقيق في ذلك أنه إذا تعارض القياس والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرق وإلا لزم بطلان أحدهما وهو مسألة تخصيص العلة بعينها فإن لم يكن بين الصورة المخصوصة وغيرها فرق لزم التسوية، وحينئذ فإما أن تكون العلة باطلة، وإما أن تكون تخصيص تلك الصورة باطلا.
وهذا هو الصواب في هذا كله، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه فإنهم لا يأتون بفرق مؤثر بينهما.
ثم قال رحمه الله:
وكلامهم في هذه المسألة يقتضي أن ما قيل فيه إنه خالف القياس في صور الاستحسان فلا بد أن يكون قياسه فاسدا أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدا إذا لم يكن هناك فرق مؤثر.
وهذا هو الصواب في هذا الباب.(16)
----------------------------------

1- جامع المسائل المجموعة الأولى ص 163

2- جامع المسائل/المجموعة الثانية/ قاعدة في الاستحسان:ص178

3- ابن تيمية رحمه الله يفسر الاستحسان بأنه تخصيص العلة فَصَحَّح ما كان حقا منه وأبطل ما سوى ذلك ، وفي ذلك يقول: ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة كما ذكر ذلك أبو الحسين البصري والرازي وغيرهما وكذلك هو: فإن غاية الاستحسان الذي يقال فيه: إنه يخالف القياس حقيقة – تخصيص العلة.قاعدة في الاستحسان من جامع المسائل: (المجموعة الثانية: 178-182)

4- المصدر السابق:ص178

5- المصدر السابق:ص186

6- المصدر السابق: ص:

7- ص186

8- المصدر السابق:ص186 ، وانظر: ص 178

9- المصدر السابق:ص187

10- المصدر السابق:ص196

11- المصدر السابق:ص205

12- حيث قال: " ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة ، كما ذكر ذلك أبو الحسين البصري والرازي وغيرهما وكذلك هو ، فإن غاية الاستحسان الذي يقال فيه: إنه يخالف القياس حقيقة – تخصيص العلة." المصدر السابق:ص:178

13- المصدر السابق:ص186

14- المصدر السابق:ص178، 180

15- جامع المسائل/المجموعة الثانية/ قاعدة في الاستحسان:ص195-وما بعدها.

16- ص204