المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف ابن السمعاني من التحسين والتقبيح العقليين



فؤاد أحمد عطاء الله
11-10-26 ||, 11:05 PM
السلام عليكم.
أرجو من الإخوة الكرام إثراء هذا الموضوع.
هل ينفي ابن السمعاني رحمه الله التحسين والتقبيح العقليين على طريقة الأشاعرة أم لا؟
يقول رجمه الله في (قواطع الأدلة) 3/ 397:
((فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعي رحمة الله عليه أن التكليف مختص بالسمع دون العقل، وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شيء ولا تقبيحه، ولا حظره ولا إباحته حتى يرد السمع بذلك، وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء، فندرك به ما حسن وقبح، وأبيح وحرم، بعد أن ثبت ذلك بالسمع.
وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين جماعة كثيرة، وهم الذين امتازوا عن متكلمي المعتزلة، وذهب إلى هذا أيضا جماعة من أصحاب أبي حنيفة.
وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن للعقل مدخلا في التكليف، وأن الحسن والقبح ضربان:
ضرب علم بالعقل، وضرب علم بالسمع.
فأما المعلوم حسنه بالعقل، فهو العدل، والصدق، وشكر النعمة، وغير ذلك. وأما المعلوم قبحه بالعقل، فنحو الظلم، والكذب، وكفر النعمة وغير ذلك.
وأما المعلوم حسنه بالشرع، فنحو الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وما أشبه ذلك. وأما المعلوم قبحه بالشرع ، فنحو الزنا ، وشرب الخمر ، وما أشبه ذلك.
قالوا: وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته، وزعموا أن الاستدلال على معرفة الصانع واجب بمجرد العقل قبل ورود الشرع ودعاء الشرع إليه.
وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم، والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشي، والصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وغيرهم، وذهب إليه الحليمي أيضا من المتأخرين، وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبي حنيفة خصوصا العراقيون منهم)[/URL].[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1"] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)

د. أيمن علي صالح
11-10-27 ||, 10:11 AM
ابن السمعاني يحكي المذاهب في المسألة ولا يبدو له ترجيحٌ فيها بحدود ما نقلته. وعليه لا يصح أن ينسب له رأي في المسألة اعتمادا على هذا النقل والله أعلم.

فؤاد أحمد عطاء الله
11-10-28 ||, 11:15 PM
السلام عليكم.
د. أيمن جزاك الله خيرا. أعتذر أني لم أكمل النقل عن الإمام ابن السمعاني رحمه الله.
الإمام ابن السمعاني رحمه الله صرح بعد هذا التحرير لأقوال أهل العلم بأنه يختار المذهب الأول، وقال: ونزعم أنه شعار أهل السنة.
والمذهب الأول هو نفي التحسين والتقبيح.
فماذا ترى أحسن الله إليك؟

د. أيمن علي صالح
11-10-29 ||, 11:35 AM
السلام عليكم.
د. أيمن جزاك الله خيرا. أعتذر أني لم أكمل النقل عن الإمام ابن السمعاني رحمه الله.
الإمام ابن السمعاني رحمه الله صرح بعد هذا التحرير لأقوال أهل العلم بأنه يختار المذهب الأول، وقال: ونزعم أنه شعار أهل السنة.
والمذهب الأول هو نفي التحسين والتقبيح.
فماذا ترى أحسن الله إليك؟
لا مجال لرأي هنا، هو صريح في موافقته للأشاعرة في هذا رغم مخالفته لهم في أمور أخرى.
أما الزعم بأن هذا المذهب "شعار أهل السنة" ففيه نظر، إذ إن السلف رضوان الله عليهم لم يخوضوا في هذا المسائل بل هي حادثة بعد القرون المفضلة فلعلَّه من الأفضل أن لا يُنسب إليهم قول فيها.
وينبغي أن يشار هنا إلى أن متقدمي الأشاعرة إذ نفوا الحسن والقبح إنما نفوه بمعنى أن ترتُّب الثواب والعقاب عليه بمجرده على فرض عدم وجود الشرع، كما يقوله المعتزلة، ولم ينفوه بمعنى أن من الأفعال ما هو موافق للغرض والمصلحة، ومنها ما هو منافر لذلك، كما لم ينفوه بمعنى أن هناك من الأوصاف ما يدرك العقل بمجرده بأنه وصف كمال كالعلم مثلا ومنها ما هو وصف نقص كالجهل. ذكر هذا الغزالي وغيره. وعليه يكون مذهبهم مطابقا أو قريبا جدا لما اختاره ابن تيمية مذهبا للسلف وهو إثبات الحسن والقبح (بمعنى موافقة المصلحة ومخالفتها) مع نفي ترتب الثواب والعقاب. وبهذا فليس في المسألة إلا مذهبان على التحقيق:
أحدهما: أن العقل قادر على إدراك وجوه المصالح والمفاسد في (بعض) الأفعال، مع نفي أن يترتب الثواب والعقاب عند الله تعالى على هذا الإدراك بمجرده. وهومذهب جماهير أهل السنة.
والآخر: أن العقل قادر على إدراك وجوه المصالح والمفاسد في (بعض) الأفعال، مع إثبات الثواب والعقاب عند الله تعالى على هذا الإدراك بمجرده.
وتظهر ثمرة المسألة في تكليف من لم تبلغه الدعوة، فعند أهل السنة، وهو ما تدل عليه ظواهر كثير من النصوص، لا عقاب أو حساب عليه مهما فعل. وعند المعتزلة هو محاسب على ما يستقل العقل بإدراك حسنه وقبحه من الأفعال كوأد البنات مثلا، والظلم والكذب الضار ونحو ذلك مما تظهر فيه وجوه المصالح والمفاسد ظهورا بينا بحيث لا يختلف فيه العقلاء.
ورغم ما قلناه فلا بد من الإشارة إلى أن المسألة تطورت عند كثير من متأخري الأشاعرة كالرازي والآمدي إلى نفي قدرة العقل تماما وفي كل الأفعال عن إدراك وجوه النفع والضر والكمال والنقص في بعض الأفعال، وهم وإن لم يصرحوا بهذا ولكنها مقتضى ما تدل عليه المسائل التي فرعوها والمجادلات التي أداروها مع المعتزلة. وقد كان ذلك ردة فعل على منهج المعتزلة الذين أسرفوا في التحسين والتقبيح حتى ألزموا الشارع بأشياء وأوجبوها له اعتمادا على مجرد العقل (كإيجابهم عليه إثابة الحيوانات على آلامها ونحو ذلك). والمنهجان كلاهما بين إفراط وتفريط. والمنهج الوسط هو الإقرار بمبدأ إدراك العقل للنفع والضر والكمال والنقص في (بعض) الأفعال دون إيجاب لله تعالى أو عليه مالم يدل النص على أنه أوجبه على نفسه والله أعلم.

د. أيمن علي صالح
11-10-29 ||, 11:35 AM
السلام عليكم.
د. أيمن جزاك الله خيرا. أعتذر أني لم أكمل النقل عن الإمام ابن السمعاني رحمه الله.
الإمام ابن السمعاني رحمه الله صرح بعد هذا التحرير لأقوال أهل العلم بأنه يختار المذهب الأول، وقال: ونزعم أنه شعار أهل السنة.
والمذهب الأول هو نفي التحسين والتقبيح.
فماذا ترى أحسن الله إليك؟
لا مجال لرأي هنا، هو صريح في موافقته للأشاعرة في هذا رغم مخالفته لهم في أمور أخرى.
أما الزعم بأن هذا المذهب "شعار أهل السنة" ففيه نظر، إذ إن السلف رضوان الله عليهم لم يخوضوا في هذا المسائل بل هي حادثة بعد القرون المفضلة فلعلَّه من الأفضل أن لا يُنسب إليهم قول فيها.
وينبغي أن يشار هنا إلى أن متقدمي الأشاعرة إذ نفوا الحسن والقبح إنما نفوه بمعنى أن ترتُّب الثواب والعقاب عليه بمجرده على فرض عدم وجود الشرع، كما يقوله المعتزلة، ولم ينفوه بمعنى أن من الأفعال ما هو موافق للغرض والمصلحة، ومنها ما هو منافر لذلك، كما لم ينفوه بمعنى أن هناك من الأوصاف ما يدرك العقل بمجرده بأنه وصف كمال كالعلم مثلا ومنها ما هو وصف نقص كالجهل. ذكر هذا الغزالي وغيره. وعليه يكون مذهبهم مطابقا أو قريبا جدا لما اختاره ابن تيمية مذهبا للسلف وهو إثبات الحسن والقبح (بمعنى موافقة المصلحة ومخالفتها) مع نفي ترتب الثواب والعقاب. وبهذا فليس في المسألة إلا مذهبان على التحقيق:
أحدهما: أن العقل قادر على إدراك وجوه المصالح والمفاسد في (بعض) الأفعال، مع نفي أن يترتب الثواب والعقاب عند الله تعالى على هذا الإدراك بمجرده. وهومذهب جماهير أهل السنة.
والآخر: أن العقل قادر على إدراك وجوه المصالح والمفاسد في (بعض) الأفعال، مع إثبات الثواب والعقاب عند الله تعالى على هذا الإدراك بمجرده.
وتظهر ثمرة المسألة في تكليف من لم تبلغه الدعوة، فعند أهل السنة، وهو ما تدل عليه ظواهر كثير من النصوص، لا عقاب أو حساب عليه مهما فعل. وعند المعتزلة هو محاسب على ما يستقل العقل بإدراك حسنه وقبحه من الأفعال كوأد البنات مثلا، والظلم والكذب الضار ونحو ذلك مما تظهر فيه وجوه المصالح والمفاسد ظهورا بينا بحيث لا يختلف فيه العقلاء.
ورغم ما قلناه فلا بد من الإشارة إلى أن المسألة تطورت عند كثير من متأخري الأشاعرة كالرازي والآمدي إلى نفي قدرة العقل تماما وفي كل الأفعال عن إدراك وجوه النفع والضر والكمال والنقص في بعض الأفعال، وهم وإن لم يصرحوا بهذا ولكنها مقتضى ما تدل عليه المسائل التي فرعوها والمجادلات التي أداروها مع المعتزلة. وقد كان ذلك ردة فعل على منهج المعتزلة الذين أسرفوا في التحسين والتقبيح حتى ألزموا الشارع بأشياء وأوجبوها له اعتمادا على مجرد العقل (كإيجابهم عليه إثابة الحيوانات على آلامها ونحو ذلك). والمنهجان كلاهما بين إفراط وتفريط. والمنهج الوسط هو الإقرار بمبدأ إدراك العقل للنفع والضر والكمال والنقص في (بعض) الأفعال دون إيجاب لله تعالى أو عليه مالم يدل النص على أنه أوجبه على نفسه والله أعلم.

فؤاد أحمد عطاء الله
11-10-29 ||, 03:48 PM
السلام عليكم.
د. أيمن أحسن الله إليك.
ذكرت أن النفي عند المتقدمين من الأشاعرة إنما هو نفي قدرة العقل على الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب، وأما إدراك العقل لوجود صفات ذاتية في الأفعال تقتضي الحكم عليها بالحسن والقبح فلا ينفيه الأشاعرة، وبناء عليه فقد ظهر لك قرب مذهبهم من مذهب شيخ الإسلام ومذهب السلف.
وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة ينفون إدراك العقل لحسن الحسن وقبح القبيح، ويقولون إنما قبح القبيح بالنهي عنه، وحسن الحسن بالأمر به، ولو عكس الأمر فأمر بالقبيح لصار حسنا، لذلك جوزوا أن يأمر الله تعالى بالشرك، وينهى عن الوحيد، فلا يدرك الحسن والقبح عندهم إلا بعد ورود الشرع.
وهذا الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله يقول: (فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه؟ قيل له: أجل، ولو حسنه لكان حسنا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض)[اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ص:117].
كما أن حكمك بقرب مذهب الأشاعرة من مذهب السلف فيه نظر أيضا؛ لأن ابن تيمية رد مذهب الأشاعرة وذمه وبين أنهم بنوا عليه محاذير كثيرة.
وعلى كل حال الذي يعنيني أن أعرف مذهب الإمام ابن السمعاني رحمه الله:
هل هو مجرد نفي إدراك العقل للإيجاب والتحريم والثواب والعقاب؟
أم هو نفي لوجود صفات ذاتية في الأفعال تقتضي الحسن والقبح، على طريقة الأشاعرة، ومن ثم القول بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وغير ذلك من المحاذير المخالفة لعقيدة السلف.
أرجو أن يكون كلامي واضحا، وأتمنى أن نتواصل لإثراء هذا الموضوع.
وقد صرح بمثل هذا غير الإمام الأشعري من متقدميهم.
وعليه فالقول الذي نسبته للمتأخرين وذكرت أنه تطور انطلاقا من مذهب المتقدمين هو عين ما صرح صرح به الإمام الأشعري.

د. أيمن علي صالح
11-10-31 ||, 06:29 AM
السلام عليكم.
د. أيمن أحسن الله إليك.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأحسن إليكم وبارك فيكم

ذكرت أن النفي عند المتقدمين من الأشاعرة إنما هو نفي قدرة العقل على الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب، وأما إدراك العقل لوجود صفات ذاتية في الأفعال تقتضي الحكم عليها بالحسن والقبح فلا ينفيه الأشاعرة، وبناء عليه فقد ظهر لك قرب مذهبهم من مذهب شيخ الإسلام ومذهب السلف.
وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة ينفون إدراك العقل لحسن الحسن وقبح القبيح، ويقولون إنما قبح القبيح بالنهي عنه، وحسن الحسن بالأمر به، ولو عكس الأمر فأمر بالقبيح لصار حسنا، لذلك جوزوا أن يأمر الله تعالى بالشرك، وينهى عن الوحيد، فلا يدرك الحسن والقبح عندهم إلا بعد ورود الشرع.
وهذا الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله يقول: (فإن قال: فإنما يقبح الكذب لأنه قبحه؟ قيل له: أجل، ولو حسنه لكان حسنا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض)[اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ص:117].
النقول عن أبي الحسن في هذا الموضوع عزيزة، وقد نفى محقق رسالة السجزي لأهل زبيد وجود نص صريح في كتب الأشعري يفيد رأيه في هذه المسألة وإنما نسب إليه الأمر بعد ذلك أمثال الشهرستاني وغيره. وما تفضلت بنقله بشأن قبح الكذب عنده فيتوقف على بيان مقصوده بالقبح والحسن، وهذا هو محل الإشكال، لأن الغزالي زعم أن اصطلاحهم في الحسن أنه ما يستلزم الثواب والقبيح ما يسلتزم العقاب وليس ما يوافق الغرض بأن تترتب عليه المصلحة أو المفسدة، وفيما يتعلق بالكذب على وجه الخصوص فإنه ليس قبيحا لذاته قطعا لأنه يحسن أحيانا كالكذب في الحرب والإصلاح بين الناس ولإنقاذ معصوم، ولو كان القبح وصفا ذاتيا له لما انفك عنه، ولذلك يقيد بعضهم الكذب القبيح بأنه الكذب الضار.

ومع هذا فيبدو أن الباقلاني هو الذي وسَّع القول في مسألة الحسن والقبح كما يظهر في كتابه التمهيد، وإن كان لم يحدد بشكل دقيق مراده بالحسن والقبح، ولكن لما آل الأمر إلى الجويني فقد كشف عن رأيه بصراحة بعد إيراد أقوال المعتزلة وما رد به عليهم القاضي الباقلاني، فقال في البرهان:
"والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب الناقض لمساويها أن نقول لسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع الممكنة على تفاصيلٍ فيها وجحد هذا خروجٌ عن المعقول ولكن ذلك في حق الآدميين . والكلام في مسألتنا مداره على ما يقبح ويحسن في حكم الله تعالى، وإن كان لا ينالنا منه ضرر ولا يفوتنا بسببه نفع لا يرخِّصُ العقل في تركه، وما كان كذلك فمدرك قبحه وحسنه من عقاب الله تعالى إيانا وإحسان إلينا عند أفعالنا وذلك غيب والرب سبحانه وتعالى: لا يتأثر بضررنا ونفعنا فاستحال ـ والأمر كذلك ـ الحكم بقبح الشيء في حكم الله تعالى وحسنه، ولم يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا تنجز ضرر أو أمكن نفع بشرط أن لا يعزى إلى الله ولا يوجب عليه أن يعاقب أو يثيب. وتتمة القول فيه أنه لو فُرِضَ وُرود الأمر الجازم من الله سبحانه وتعالى من غير وعيدٍ على تركه لما كان للحكم بالوجوب معنىً معقول في حقوقنا. فليتأمل الناظر في هذا فهو من لطيف الكلام ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيءٌ على المتأمل في هذا الباب".
وهذا ظاهر في أنه لا ينفي قدرة العقل على إدراك وجوه المضار والمنافع، وإنما ينفي قدرته على ربط الثواب والعقاب بهذه الأفعال، والإيجاب على الله تعالى بأن يحكم بالثواب والعقاب بناء على ما تستحسنه العقول، وهو قريب جدا مما قيل إنه مذهب السلف في المسألة.

أما الغزالي فقد أسهب في بيان أن لفظ الواجب ولفظ الحسن والقبيح من الألفاظ المشتركة التي حدث اختلاف كثير فيها نتيجة اختلاف الاصطلاح وبيَّن مقصود أصحابه في ذلك وكان مما قال:
"وجملة هذه الدعاوى [ بأن أفعال الله تعالى جائزة لا واجبة] تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح، ولقد خاض الخائضون فيه وطوَّلوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب. وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب، فهما محصلاً متفقاً عليه بينهما، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي: الواجب، والحسن، والقبيح، والعبث، والسفه، والحكمة؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها، والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها"
ثم قال بعد بيان نسبية الحكم بحسن الشي وقبحه بين الخلائق:
"فبهذا يتبين على القطع أن الحسن والقبيح عبارتان عند الخلق كلهم عن أمرين إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات التي لا تختلف بالإضافة. فلا جرم جاز أن يكون الشيء حسناً في حق زيد قبيحاً في حق عمرو ولا يجوز أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم تكن الألوان من الأوصاف الإضافية؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ الحسن أيضاً ثلاثة: فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلاً كان أو آجلاً؛ وقائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخره وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ووعد بالثواب عليه، وهو اصطلاح أصحابنا، والقبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن، فالأول أعم وهذا أخص، وبهذا الاصطلاح قد يسمِّي بعض من لا يتحاشى فعل الله تعالى قبيحاً إذ كان لا يوافق غرضهم، ولذلك تراهم يسبون الفلك والدهر ويقولون خرف الفلك وما أقبح أفعاله ويعلمون إن الفاعل خالق الفلك؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ وفيه اصطلاح ثالث إذ قد يُقال فعل الله تعالى حَسَنٌ كيف كان مع إنه لا غرض في حقه؛ ويكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ملكه الذي لا يساهم فيه ما يشاء"

ونسب ابن تيمية في منهاج السنة إلى الرازي مذهبا قريبا من مذهب إمام الحرمين إن لم يكن هو هو فقال رحمه الله تعالى، وسأنقل كلامه بطوله لنفاسته:
"وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ "وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ فِعْلَ الْقَبِيحِ وَالْإِخْلَالَ بِالْوَاجِبِ".
فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ فِي [طَوَائِفِ] الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ قَبِيحًا أَوْ يُخِلُّ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَنَحْوَهُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ، يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُوجِبُونَ عَلَى الْعِبَادِ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ مَا يُحَرِّمُونَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَيَضَعُونَ لَهُ شَرِيعَةً [بِقِيَاسِهِ] عَلَى خَلْقِهِ، فَهُمْ مُشَبِّهَةُ الْأَفْعَالِ.
وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، فَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُقَاسُ بِخَلْقِهِ فِي أَفْعَالِهِ، كَمَا لَا يُقَاسُ بِهِمْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَلَيْسَ مَا وَجَبَ عَلَى أَحَدِنَا وَجَبَ مِثْلُهُ عَلَى اللَّهِ [تَعَالَى]، وَلَا مَا حَرُمَ عَلَى أَحَدِنَا حَرُمَ مِثْلُهُ عَلَى اللَّهِ [تَعَالَى]، وَلَا مَا قَبُحَ مِنَّا قَبُحَ مِنَ اللَّهِ، وَلَا مَا حَسُنَ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] حَسُنَ مِنْ أَحَدِنَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يُوجِبَ عَلَى اللَّهِ [تَعَالَى] شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمَ عَلَيْهِ شَيْئًا.
فَهَذَا أَصْلُ قَوْلِهِمُ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] إِذَا وَعَدَ عِبَادَهُ بِشَيْءٍ كَانَ وُقُوعُهُ وَاجِبًا بِحُكْمِ وَعْدِهِ، فَإِنَّهُ الصَّادِقُ فِي خَبَرِهِ الَّذِي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَنْبِيَاءَهُ وَلَا عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، بَلْ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، كَمَا أَخْبَرَ.
لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعِبَادَ هَلْ يَعْلَمُونَ بِعُقُولِهِمْ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِفِعْلِهِ، وَيَعْلَمُونَ قُبْحَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ : أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُعْلَمُ بِهِ حُسْنُ فِعْلٍ وَلَا قُبْحُهُ، أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَلِأَنَّ الْقَبِيحَ مِنْهُ مُمْتَنَعٌ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَلِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ
أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَهَؤُلَاءِ لَا يُنَازِعُونَ فِي الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ إِذَا فُسِّرَ بِمَعْنَى الْمُلَائِمِ وَالْمُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَكَذَلِكَ لَا يُنَازِعُونَ - أَوْ لَا يُنَازِعُ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - فِي أَنَّهُ إِذَا عُنِيَ بِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ صِفَةَ نَقْصٍ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْلَ [قَدْ] يُعْلَمُ [بِهِ] حُسْنُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ. وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ [مِنَ الطَّوَائِفِ] ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، كَأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ، وَأَبِي الْخَطَّابِ [الْكَلْوَذَانِيِّ] [مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ] ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا [الْقَوْلَ] قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ [أَبِي بَكْرٍ] الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَ [هُوَ قَوْلُ] طَوَائِفَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَعَدُّوا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي السُّنَّةِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُهُ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ فِي شَرْحِ قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي السُّنَّةِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ اخْتَارَهُ الرَّازِيُّ فِي آخِرِ مُصَنَّفَاتِهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ دُونَ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى".

ومن ثم القول بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وغير ذلك من المحاذير المخالفة لعقيدة السلف
لا أظنه يثبت عن الأشعري نفسه نفي التعليل أما أتباعه فإمام الحرمين والغزالي يثبتون التعليل والحكمة بلا تحفظ، وإنما نفوا عن الله تعالى "الغرض" ويعنون به ما يعود بالنفع والحظ على الله تعالى، وتجد بعض النقول التي توضح هذا الأمر في مشاركتنا رقم 114 في هذا الموضوع: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
والله أعلم.