المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جلسة رائقة في بيت الدكتور أجمل الإصلاحي



وائل سميح العوضي
11-10-29 ||, 07:50 PM
كانت لنا جلسة رائقة ليلة أمس مع فضيلة الشيخ الدكتور: (محمد أجمل أيوب الإصلاحي) في منزله بالرياض، وامتد هذا اللقاء حتى زاد على ثلاث ساعات، لم يخرج الحديث فيها عن شرح مقدمة المرزوقي الأدبية للعلامة الطاهر ابن عاشور، ومما زاد اللقاء جمالا حضور الأستاذ ياسر المطيري محقق الكتاب، واستمتعنا بمناقشة الشيخ وتعليقاته النفيسة التي تدل على ما يتميز به من ثاقب النظر وطول الباع في التحقيق والاطلاع على كلام العرب وأساليبهم.


ومن فوائد اللقاء:
ما ذكره الشيخ حفظه الله تعقيبا على قول المحقق (ولم يصلنا من اختيارات أبي تمام سوى كتاب الحماسة والوحشيات) فقال: بلى، هناك اختيار آخر ولكنه ما زال مخطوطا في مكتبة مشهد بإيران، وهو (اختيار الشعراء الفحول).


وكان أمتع ما في اللقاء: تعقبات الشيخ على أخطاء ابن عاشور نفسه في شرح المقدمة؛ إذ يبدو أن ابن عاشور كان يعتمد على ذاكرته كثيرا فوقع في بعض الأوهام اللائقة بمقامات العلماء، أو التي تبع فيها غيره من غير تدقيق.
وذلك كقوله في تفسير (الاجتواء): وصيغة الافتعال هنا للمطاوعة. قال الشيخ: ولعله أراد: للمصادفة؛ لأن فعل وافتعل هنا بمعنى واحد.
وكقوله في مَراد الإبل: بضم الميم. قال الشيخ: والصواب بفتح الميم.
وكقوله إن لفظ "المفلقون" ذهل عن إثباته الجوهري والفيروزابادي، والحقيقة أنه مذكور في كلا الكتابين.
وقوله إن مضارع نصب بضم العين مع أنه بكسر العين.
وقوله إن ابن رشيق لما عقد في العمدة بابا لأشعار الكتاب ذكر منهم الوزير أبا الحسن بن الخلال المهدوي وزير بني عبيد. قال الشيخ: لفظ ابن رشيق "السيد الرئيس أبي الحسن أيده الله"، والمقصود أبو الحسن علي بن أبي الرجال الشيباني الرياضي الفلكي الشاعر الكاتب رئيس ديوان المعز بن باديس، وهو الذي طرز ابن رشيق كتاب العمدة باسمه كما ذكر في مقدمة العمدة. وقد توهم الشيخ ابن عاشور أن المراد موفق الدين ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر في دولة الحافظ العبيدي، مع أن كنيته أبو الحجاج ، وقد توفي سنة 566، أي بعد وفاة ابن رشيق بنحو مائة سنة.
وفي قول المرزوقي (جنبتا القبول) ذكر ابن عاشور رواية أخرى (جُبّتا القبول) وفسرها وجعلها مرجوحة. قال الشيخ: والصواب أنها ليست رواية يعرج عليها، وإنما هو تصحيف لا غير.


هذا فضلا عن تصحيح الأخطاء الطباعية الواقعة في الكتاب؛ مثل قوله (من المعاني التي تناسب أحوال المقيمين) والصواب المتيمين.
ومثل قوله عن خلف الأحمر (وكان قريب الأصمعي) والصواب قرين.
ومثل قوله في قصة تسمية المبرد بهذا الاسم (فهو بمعنى المحجول له برد) والصواب المجعول.


ومما توقف أمامه الشيخ ولم يفصل فيه بشيء قول ابن عاشور (كقول الحريري في المقالة 85) وقوله (وقوله –أي الحريري- في المقامة المائة) فإن المقامات كلها أربعون!


وتكلم الشيخ أيضا عن قضية اتهام أبي تمام بتغيير الأبيات، وقال إنه لا دليل لمن يقول بذلك؛ اللهم إلا مجرد اختلاف الروايات، وهذا ليس دليلا قاطعا؛ لتقدم أبي تمام واطلاعه على روايات لم تصل إلينا.


ومما أطال فيه الشيخ كذلك أن ابن عاشور اعتمد كثيرا في الأمثلة التي أوردها لعيوب الشعر على نقد الشعر لقدامة والناقلين منه، واتبعه من غير تحقيق، مع أن تفكير قدامة في بعض المسائل لا يوافق تفكير العرب، وكأنه يصدر عن منطلق أعجمي، ولذلك انتقد كثيرا من أشعار العرب، مع أنها صحيحة المبنى والمعنى على منهاجهم ومهيعهم في الكلام.


مثل قول الحارث بن حلزة:

والعيش خير في ظلا *** ل النوك ممن عاش كدا
جعله ابن عاشور من أمثلة الإيجاز الذي لا يفي بالمقصود، لأن الشاعر أراد أن العيش الناعم في حالة الحماقة خير من العيش بكد في حالة العقل، فقصر عن المراد.
قال الشيخ: بل عبر الشاعر عن المراد بأخصر عبارة وأبلغها، وهو من أحسن أساليب الحذف في كلام العرب وفي كتاب الله، وهو الذي سمي فيما بعد بالاحتباك، وقد أفرد له البقاعي كتابا ، وسماه الزركشي بالحذف المقابلي. حذف الشاعر من الطرف الأول فيه (رغد العيش) لدلالة (الكد) عليه، وحذف (العقل) من الطرف الثاني لدلالة (النوك) عليه.
وهذا الأسلوب البديع من أساليب الحذف يدل على ذكاء العرب، وهم من أذكى الأمم، فيحذفون من كلامهم اعتمادا على السامع الذكي ما لا يجوز حذفه في لغة أخرى، ومن هنا عدّوه عيبا ومن هنا تحاماه الشعراء المتأخرون.


ومثل قول جرير:

كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم *** من العبيد وثلث من مواليها
فقد عيب بأنه سكت عن القسم الثالث وفي هذا تقصير في التقسيم. وأجاب الشيخ بأن هذا السكوت من البلاغة العالية؛ لأن المقصود بالبيت هو الهجاء، فذكر القسم الثالث مخالف لغرض الشاعر.


ومثل قول مصقلة بن هبيرة:

ألكني إلى أهل العراق رسالة *** وخص بها حُييتَ بكر بن وائل
فقد اعتُرض عليه بأن قوله (حييت) دعاء لا جدوى له في هذا المقام.
وأجاب الشيخ بأن الدعاء المذكور قد وقع في البيت أحسن موقع، لأن مصقلة أخو بكر بن وائل، فلما أرسل رسالة إلى أهل العراق عامة وأراد من رسوله أن يخص بها قبيلته دعا له.


وكذلك قول أبي فراس:

ولكنني والحمد لله حازم *** أعز إذا ذلت لهن رقاب
فقد اعترض عليه بأن الحمد هنا حشو.
وأجاب الشيخ بأن هذا هو موضع الحمد! فإذا كان الإنسان حازما ويحتفظ بعزه وكرامته عند نزول كثير من الناس بمواطن الذل، أفلا يكون ذلك موضع الحمد؟ ولعل العائب رأى أن الشعر في النسيب، ولا يجمل بالعاشق أن تأخذه العزة أمام حبيبته، بل مقتضى الحب أن يذل بين يديها.
قال الشيخ: هذا مذهب، ولكن الفتى العربي له مذهب آخر يعبر عنه قول امرئ القيس:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل *** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن كنت قد ساءتك مني خليقة *** فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
أغرك مني أن حبك قاتلي *** وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقول المثقب العبدي:

أفاطم قبل بينك متعيني *** ومنعك ما سالت كأن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات *** تمر بها رياح الصيف دوني
فإني لو تخالفني شمالي *** خلافك ما وصلت بها يميني
إذًا لقطعتها ولقلت بيني *** كذلك أجتوي من يجتويني
وقصيدة أبي فراس التي منها هذا البيت من أجمل رومياته، وثمانية أبيات من أولها كلها في هذا المعنى، وهو ملائم لغرض القصيدة وجوها الشعري أيضا. وقبل البيت:

لقد ضل من تحوي هواه خريدة *** وقد ضل من تقضي عليه كعاب
وبعده:

وأجري فلا أعطي الهوى فضل مقودي *** وأهفو ولا يخفى علي صواب
إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة *** فليس له إلا الفراق عتاب
وفي هذا السياق لا يعاب حمد الشاعر على أن الله سبحانه جعله حازما عزيزا.







وإلى اللقاء ... مع لقاء آخر ... نتكلم فيه عن لقاء جديد!
أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي