المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة الدكتور نبيل على كتاب الإمام



د. الأخضر بن الحضري الأخضري
11-11-10 ||, 10:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خلق العباد، وأصلح شأنهم بشريعة تدرأ عنهم كل فساد، وحباهم بعقول تدرك منها المقصد والمراد، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعلمين، وعلى كل من شاهده وعاشر التنزيل، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الذي أجمع عليه أهل الملة، على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم، هو تنزيه الشريعة عن كل نقيصة، ووصفها بكل كمال، واعتقاد صلاحها لكل زمان ومكان ما بقيت حياة على وجه الأرض. فإذا كان الأمر كذلك، حق لنا أن نتساءل عن جوهر الاختلاف بين تلك المدارس المتشعبة والتي حصرها شيخنا الأخضري في ثلاث: المدرسة الظاهرية والمدرسة الباطنية، ومدرسة وسط بينهما تمثلها المدرسة المقاصدية. والذي أحسبه جوهرا للاختلاف بين تلك المدارس، هو نوعية العلاقة المنتخبة بين العقل والشريعة، ودرجة تفعيل العقل في ملامسة أحكام التشريع بين طرفي الإفراط والتفريط. والناظر في النصوص التشريعية يجدها تحرض الإنسان على إعمال عقله وتحريك فكره ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]، وإن كان ذلك ظاهرا في أخطر أمر في الدين، وهو بناء العقيدة الصحيحة، فلا يستغرب بعد ذلك تسخيره في إدراك مقصود الله تعالى ومراده من عباده. ولو كانت كل أحكام الشريعة في النصوص ظاهرة، قطوفها دانية، لما بقي من فضل لأولي الألباب على غيرهم، وتأمل تميز عمر بن الخطاب في فهمه للنصوص عن سائر الصحابة، فعندما نزل قول الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، ضحك الصحابة وبكى عمر، وقال ليس بعد الكمال إلا النقصان، مستشعرا نعيه عليه الصلاة والسلام، فما عاش بعدها إلا ثمانين يوما... وتأمل أيضا التميز الذي عرف به عبد الله بن عباس، والذي كان بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1). وبعد ذلك، نستدرك فنقول أن العقل ينبغي أن يبقى تابعا للنقل، ومهما استبق وحي السماء أو استقل عنه ضل الطريق لا محالة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]. والقول الفصل، هو الوسط من القول، فلا ينبغي للعقل أن يستريح بالوقوف عند كل ظاهر، ولا أن يتعنت بالغوص في بواطن لا تحتملها لغة العرب ولا فطرتهم، قال شيخنا في الإمام: "وقصد الشارع منها أن يكون للنظر حظ وافر في التشريع، فلا يخلد إلى الدعة والراحة، بل إلى بذل الوسع والجهد في تحصيل الحق". فإذا علمنا صلاح شريعة الإسلام لكل زمان ومكان، حق لنا أن نتساءل عن منهج، يكون العقل أحد دعائمه، يمكن من ملامسة الأحكام الشرعية لأقضية ونوازل لا متناهية انطلاقا من نصوص متناهية... ذلكم هو المنهج المقاصدي الذي يقوم على ميزان دقيق يوازن بين المصالح والمفاسد المعتبرة في التشريع. وقد اتفقت العقول السليمة على أن الله تعالى ما خلق خلقا إلا لحكمة ظاهرة أم خفية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: 115-116]. وكذلك لا يشرع تعالى حكما إلا لحكمة تدور بين جلب الصلاح ودرء الفساد عن المكلفين في العاجل والآجل، كما دل عليه استقراء أحكام التشريع ونصوصه الصريحة ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، ﴿وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142]. وقد يقول قائل، من أين لكم بهذا المنهج المبتدع وهذا الميزان المخترع؟ فتجرد للحق واسمع: إن منهج الموازنة بين المصالح والمفاسد هو منهج الأنبياء والرسل... وتأمل موقف هارون عندما عكف قومه على عبادة العجل في غياب موسى، فلما رجع إليهم قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: 92-93]، فعلل هارون موقفه بمخافة وقوع مفسدة أكبر فقال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 94]، قال الإمام الطبري في تفسيره: "قال خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم، وقال آخرون: بل معنى ذلك: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضا"[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2). وكذلك يوسف عندما وازن بين مفسدتين فرجح أخف الضررين: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، وغير ذلك من الأمثلة كثير. وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم، والمقام لا يناسب البسط، ولكن تدبر حكمته في عدم قتل المنافقين، رغم شرورهم المستشرية في الجماعة المسلمة الناشئة، وذلك درءا لمفسدة عظيمة، أن (يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)، فما كان للنبي الخاتم أن يقدم على أمر، مهما بدت مصلحته في العاجل، يؤدي إلى الصد عن سبيل الله في الآجل. وكذلك حكمته عليه الصلاة والسلام البالغة في عقد صلح الحديبية، الذي لم يدرك العديد من الأصحاب مقاصده يومئذ، ولكنه حقق لدعوة الإسلام وللمسلمين مصلحة تثقل كل ميزان، حيث كان من نتائجه فتح مكة كما هو معلوم. وهو أيضا منهج الصحابة الكرام، وقد تجلى في مواقف كثيرة لا تكاد تحصى، ومنها جمع القرآن، وحروب الردة في عهد أبي بكر الصديق، أما ما كان في زمن عمر بن الخطاب فلا يحصر، ونكتفي على سبيل التمثيل بعبارة من كتابه إلى أبي موسى الأشعري، وقد ولاه قضاء الكوفة: (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق)[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4). وقبل ذلك وبعده، فإن ذلك الميزان تنطق به نصوص الشرع تلميحا وتصريحا ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 218]، ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13]. فإن قيل أن علم المقاصد قد يكون منفذا لأهل الأهواء يؤيدون من خلاله آراءهم الضالة، فالجواب من وجهين: الأول أن لمنهج المقاصد أسس وضوابط إذا اتبعت يستحيل أن تنتج استدلالا على آراء زائغة، والثاني أن الوسائل الفاضلة قد تركب للوصول إلى الغايات الفاسدة، وأن هناك من توسل بآيات القرآن لتأييد مذهبه الفاسد، فتأمل. والمنهج المقاصدي لا يُرتجى منه إنتاج مذهب فقهي زائد على المذاهب المعروفة، وإنما يتشوف به الوصول إلى فقه أقرب ما يكون إلى روح التشريع وأوصاف الشريعة الإسلامية، وأشبه ما يكون بفقه أولئك الذين عاشروا التنزيل وشهدوا إعماله من قِبل صاحب الرسالة. وقد نستشعر ذلك إذا وقفنا على عصر التابعين ونظرتهم إلى فقه من أدركوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان أقرب إلى الفطرة والسماحة، وتأمل قصة ذلك الصحابي المتأخر، والذي كان يصلي مع جماعة من التابعين وتفلتت راحلته، فقطع صلاته وانطلق في طلبها، فتعجبوا من صنيعه... وإنعام النظر يفضي إلى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا متلبسين بذلك الميزان الذي يزنون به المصالح والمفاسد المعتبرة، ففي لحظة وقوع النازلة، ينطق ذلك الميزان بالحكم، دونما تفريع أو تعقيد، فالمنهج المقاصدي هو الصياغة لذلكم الميزان. وحتى أزيد المقال وضوحا، أورد في عجالة، بعض خصائص المدرسة المقاصدية في نقاط موجزة: ·الالتزام المطلق بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وإخضاع العقول لتلك النقول. · عدم العود على ما بناه السلف بالإبطال والهدم، ولكن بالتحقيق والتمحيص والاستثمار. · الارتقاء بموروث الأمة الفقهي الهائل من مرتبة الظنون إلى درجة القطع، ومن معرفة الأحكام إلى ملامسة ثمارها ومقاصدها. · تضييق دائرة الخلاف في الأمة ونبذ التعصب المذهبي. · توسيع الدائرة الفكرية في الأمة الإسلامية، بما يتلاءم مع ما يستجد للناس من أقضية وحوادث ونوازل. وقد انعكست تلك الخصائص على صفحة هذا العمل الفريد الذي أخرجه شيخ المقاصد، العلامة الأخضري حفظه الله، والذي يجعل قارئه يدرك تميزه بما يلي: · جزالة الأسلوب وعمق الفكرة بما يشعرك وكأنك تنظر في مدونات السلف. · الإحاطة بعلوم الشريعة على اختلاف ألوانها وفنونها، من الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث، في زمن الإغراق في التخصص، حيث تجد الرجل سابقا في فن راجلا في آخر. · التجديد، مبطلا بذلك مقولة (ما ترك الأول للآخر)، والانتقال من التنظير والتأصيل إلى الاستثمار والتنزيل، تأسيا بمنهج الصحابة فقد أثر عنهم أنهم كانو يقرؤون عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5). وفي الحقيقة لقد لمسنا تلك المميزات والخصائص في سائر أعمال الشيخ الأخضري التي عنت بمقاصد الشريعة، ومنها: "نظم القنية في علم المقاصد"، و"الفائق في شرح القنية"،وكذا عمله الرائد "مدارس النظر إلى التراث ومقاصدها". وبمناسبة ذكر بعض ما أنتجه الشيخ في هذا الشأن، ننوه بإنشائه لمركز مقاصد الشريعة الإسلامية بوهران (الجزائر)، وهو صرح مفتوح لكل عالم ومتعلم، نتوسم فيه الخير الكثير، لعل الله تعالى أن يبعث به روح التجديد في عروق هذه الأمة، التي بدأت علامات النهوض تدب فيها من جديد. ولن أكون بعيدا عن الحق بإذن الله، إن قلت أن علم المقاصد لم يشهد تقدما ذا بال منذ نصف قرن من الزمان، إلى أن جاء الإمام، وهو خطوة عظيمة إلى الأمام، وإني لأحسب أن ابن عاشور قد سلم الأمانة للأخضري بأكثر من شاهد، وإنه عليها قوي ولها حافظ. أيها القارئ الكريم، فإذا تشوقت نفسك إلى معرفة ذلكم المنهج، تأصيلا وتنزيلا، فعليك أن تخوض بحر هذا الكتاب الزاخر، متسلحا بالصبر والثبات، فإن وجدت بعض المعاناة، فاعلم أن الجواهر واللآلئ ينبغي لها الغوص في أعماق البحر، وأن المعادن النفيسة يتوسل إليها بالغور في أعماق الأرض، فلعلك بمزاولة هذا العلم والدربة عليه، تدرك رتبة في فهم التشريع، أطلق عليها شيخنا "المعاشرة الحكمية"، والتي وإن لم تبلغ درجة معاشرة التنزيل، فما هي عنها ببعيد، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21]. وختاما، نسأل الله تعالى أن يجعل مصنف الإمام إماما في المقاصد، كما جعل صاحب الأم إماما في الأصول، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. نبيل أبو بكر
تلمسان، ليلة 17 رمضان 1431ﻫ.
[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) البخاري دون زيادة "وعلمه التأويل"، كتاب الوضوء، رقم 143.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) الطبري، جامع البيان، 9/255.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) رواه البخاري، كتاب المناقب، رقم 3519.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء للخضري، ص: 115-116.

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) مسند أحمد.

الدرَة
11-11-10 ||, 10:56 PM
نفعكم الله بعلمكم وزادكم فضلا إلى فضلكم

د. أيمن علي صالح
11-11-11 ||, 09:56 AM
ما شاء الله
عسانا نظفر بهذا الكتاب القيم

عبدالله الكومي المناوي
11-12-07 ||, 09:33 AM
ابتداء نتقدم بأجزل الشكر وأعلاه لفضيلة الأستاذ الدكتور نبيل أبوبكر على هذه الكلمات والدرر التي نسجها ونظمها في عقد ما زالت قرائحنا تتكبد العناء في الوصول إلى إحدى حباته
فقد نظم وأجاد وأبدع وأفاد ووضح ما في النفس من خلجات وما يدور فيها من أفكار تقصر عنها قامة الصغار أمثالنا أن يعبروا عما بداخلهم تجاه علمنا الفاضل وشيخنا الكريم وأستاذنا الجليل بلا منازع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور الأخضري الذي لمست منه ولا أزال علما جما وأدبا رفيعا وخلقا عز وجوده في هذا الزمان
وفي حقيقة الأمر كلما اقتربت من شيء من علومه لا يفارقك إحساس كونك تتقرب من جيل السلف الأوائل وعلماء القرون الخوالي, لا سيما وأنت تقرأ عباراته وتتأمل في أفكاره وإنتاجه وتغوص في بحار درره ولآلئه
أسأل الله أن يبارك في شيخنا الأجل وأستاذنا الدكتور الأخضري وينفع بعلمه الإسلام والمسلمين .. آمين