المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دوائر التقليد داخل المدارس الاجتهادية



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-11-17 ||, 04:09 PM
دوائر التقليد داخل المدارس الاجتهادية







عناصر:
· انزلاق عامودي إلى صلب الموضوع.
· إشارات مروية (خضراء، وصفراء، وحمراء).
· خيال قديم في رسم المجتهد صاحب الاجتهاد الأعظم!.·
حديث خاص مع الشيخ الأندلسي: (الامتدادات الحزمية وأسوار ابن تيمية الشاهقة!).

§ انزلاق عامودي إلى صلب الموضوع:
التقليد له دوره التاريخي في إعاقة التجديد، ولا يزال جاثماً على صدر الأمة منذ أمد بعيد، وله صور شتى، وهو ببراعة فائقة قادر على التكيف حتى في صورة "التجديد نفسه"! وبكامل عدته، ومن بينها "البرهان الأرسطي" في دولة "أفلاطون"!.

إن الثورات العظيمة التي قادها المجتهدون الكبار في تراثنا الفقهي: لم تكد تنهض بوظيفتها، وتتنفس في الهواء الطلق حتى خمدت وقعدت، فإن هلك بطلها! واستيقنوا من استفراغ أنفاسه! فقد يُفْسَح لأتباعه بعد ذلك أن يمضوا بجثمانه، كممثل رسمي معتمد، لدائرة جديدة مقفلة من دوائر التقليد!.

أما اليوم، فقد بات التجديد أو يكاد: قاصراً على استحداث نسخ كربونية مكررة من الأئمة المجددين! وبالمقاسات الصعبة، وتبلغ الظرافة منتهاها حين تبصر النسج الإبداعي في محاكاة مكشوفة، إلى درجة المحافظة على حروف وأدبيات المجدد نفسه! فأي تجديد وأي تقديم! أم أنه محافظة على ثوابت التجديد! أو أن التجديد في التجديد محدث! وتظل الشعارت تطل برأسها: من سلفك؟ وأين فتوى الإمام؟ وأين كان عن هذا شيوخنا الكبار؟؟ فتنة!! فتنة!! لو كان خيراً لسبقونا إليه!!.

قضية الدفع قدماً بالإبداع، وممارسة الاستكشاف، ومباركة الإضافة، هذه مسائل قد تجاوزها العالَم، لا أقول من سنين ولا من عقود، بل من قرون، نعم، قرون، لكنها قرونٌ من مآسينا! أجدني آسَف إلى حد البكاء بدموع ساخنة: أننا لا زلنا نعالج قضايا قد أكل عليها الدهر وشرب!.

§ إشارات مروية (خضراء، وصفراء، وحمراء):
1- إدراج الناس بسائر طبقاتهم ضمن اتجاهات ومسارات معينة، هذا أمرٌ لا مفر منه، وهو الواقع، فإنك لو تأملت لوجدت أن هذه الطريقة ليست قاصرة على أتباع المذاهب الفقهية الأربعة، بل إن هذا واقع في غيرهم أيضا حتى في المدارس التي يقال لها إنها لا تقلد أحدا، أو أنها تنتهج منهج الاجتهاد المطلق، وانظر مثلا إلى تلاميذ محدث العصر: الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو أبرز من دعا إلى فتح باب الاجتهاد، ومجابهة التقليد، فإنك تجد طلابه المجتهدين في الغالب الكثير في دوائر شيخهم المجتهد! إن كان ذلك من جهة الأصول والقواعد، وإن كان من جهة الفروع والمسائل، وحسبك أن تعرف أن هناك مسائل انفرد بها الألباني عمن قبله، وصارت مختصة به، وتجد مِنْ هؤلاء مَن يتقيد بها، هب أن الألباني لم يوجد، أكان هؤلاء على هذا القول؟ وقل مثل ذلك في خريجي مدرسة ابن عثيمين الفقهية، ففتواهم على مقاسات الشيخ طولاً وعرضاً! وعندما كنتُ تلميذاً في صفوف جامعة الإمام محمد بن سعود لاحظت أن بعض المدرسين ينقلون نصوص ابن عثيمين في معرض ترجيحهم الخاص! إذن هو ترجيح تقليدي 100%، وحق لصاحبه براءة الاختراع، وشكراً على تجديد القديم!! وإذا رميت ببصرك إلى متبعي مذهب أهل الظاهر قديما وحديثا فإنك تجدهم في الغالب الكثير على رسوم ابن حزم الدقيقة؛ فأي اجتهاد مطلق؟ ولعلك تتساءل معي: لِمَن صنف ابن حزم المتن المعروف بـ "المجلى" على قولٍِ واحد، ويقول في شرحه المحلى: إنما كتبنا كتابنا هذا للعامي والمبتدئ وتذكرة للعالم.
فأين قوله عن تحريم التقليد، ووجوب الاجتهاد، واتباع الدليل؟!
بل لعلي أكشف لك عما يجيش في صدري، إن هذه الطريقة في الجملة هي طريقة الإمامين: مالك وأبي حنيفة، فإن الإمام مالكاً كان على رسوم أهل المدينة، وكان الإمام أبو حنيفة على رسوم أهل الكوفة، فلا توجد مسافات تذكر بين مالك وبين شيوخه على سواري المسجد النبوي، بل كان العمل، وهو أبرز أدلته الخاصة: انعكاساً مباشراً لفقه هؤلاء، أما إبراهيم النخعي فقد كان همزة وصلٍ بين تلامذة علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وبين مدرسة الرأي، فهو المنظر الفعلي لمدرسة الكوفة التي استلم أبو حنيفة رايتها. وإنما كان للإمامين أبي حنيفة ومالك: الإبراز والتقعيد والتأسيس، ومحاولة رد فروع المسائل إلى الأصول المعروفة في مدرسة كل منهما، فهما متحدثان رسميان عن فقهاء المدينة والكوفة، مع استكمالها صفات الاجتهاد، وممارستهما الفعلية لأصولهما.
وقد كان التميز الفعلي من جهة الإبداع والتوليد: للإمام الشافعي رحمه الله، فهو الذي زاوج بين هاتين المدرستين: مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة، بعد تتلمذ واحتكاك مباشر، فهو تلميذ مالك ومحمد بن الحسن، ثم أدرج معهما مدرسة فقهاء أهل الحديث ببغداد، فخرج بمذهبٍ جديد من حيث الشكل، وتبعه على ذلك أحمد وإن كان أكثر إشرافا منه في معرفة متون السنة وصحيح الآثار، وكان الشافعي أقعد منه في الأصول والمسائل، وهذا باعترافهما. على أن أبا حنيفة ظهر تميزه إلى الغاية من جهة السبق التاريخي، فهو يكسر القياس بالاستحسان، في تطوير جديد لمدرسة الرأي، بما يشبه نزعات عمر في سننه العمرية، وقد شهد له الشافعي بأنه أول من شقق المسائل وفرَّعها، بينما تميز الإمام مالك من جهة تأصيل القواعد وتأسيسها، حتى اختص بأدلة كبار، كالاستصلاح، والعمل، والاحتياط، وسد الذرائع، وحق له بذلك أن يكون صخرة الإسلام، التي تتكسر عليها شبهات أهل الأهواء، وقد دافع الشافعي عن مدرسة المدينة، حتى أدرج نفسه فيها، ووصفهم بأنهم أصحابه، فيكون باقياً في الدائرة الكبرى داخل مدرسة المدينة، ولم يكن مزاوجته للمدرستين، وتوليده لمدرسته الخاصة كافية في إخراجه عن مدرسته الأم ولو ألف "الأم".
هذا إذا كان ظاهراً في الأئمة الأربعة الكبار، والحال كما رأيتَ، فكيف بمن بعدهم؟
وخلاصة ما سبق: أن التقيد في المدارس الكبرى أمرٌ لم يزل منذ أيام الصحابة ومدارسهم في المدينة ومكة والكوفة، ثم توالت بعد ذلك المدارس، لاسيما مدرسة الأوزاعي في الشام، والليث في مصرـ إلى أن استقرت المذاهب الأربعة المتبوعة، فإنها كادت أن تستوعب الاتجاهات الفقهية المتباينة، حتى جاء ابن حزم، فأحيا مذهب داود، وميزه كمذهب مستقل مفصل له أصوله وفروعه المختصة.

2- من الأمثلة القديمة على الاتجاهات الفرعية: دائرة الخرسانيين والعراقيين من الشافعية، ودوائر المدنيين والمصريين والمغربيين والعراقيين من المالكية، ومن الصور المتكررة على ذلك: دوائر الشيوخ التي يتمسك بها التلاميذ، وينتصرون لها.

3- لا يزال الناس إلى اليوم في ضمن هذه الاتجاهات الفقهية المعروفة وإن كانوا في الغالب يميلون إلى تقليص هذه الدوائر إلى دوائر أضيق، ومع ذلك فالغالب أنهم لا يعترفون بذلك، ويتوهمون بما استقلوا ببعض الأقوال، وقد تكون من جملة الفلتات والغلطات: أنهم تأهلوا بذلك للاجتهاد المطلق.

4- ما سبق يرشد إلى: ضرورة التسليم بالواقع العلمي والفعلي بانحسار غالب الشخصيات والحركات الاجتهادية في دوائر اجتهادية معينة، هذه مقدمة مهمة لاستتمام التصور الصحيح، وأهمية إيقاف هذه المدارس الاجتهادية المقيدة على الدوائر التي اختطت لنفسها من حيث شعرت أو من حيث لم تشعر، فإن في إدراكها هذا المستوى من الاجتهاد المقيد، وهذا المستوى من التقليد المحدد: فوائد كبيرة، منها الانضباط المنهجي، والتنظيم المعرفي، ومعرفة حدودها وقدرها، وأنها مقلدة للإمام المجتهد، فرعٌ عنه، وليست نداً، ولا نظيرا، حتى لا تعيق المدارس الاجتهادية الأخرى بفلسفة تقليدية، فأنا مثلاً مندرجٌ في مدرسة ابن تيمية داخل مذهب الحنابلة، فالمسألة فيها ثلاثة أقوال، لكن الراجح هو القول الخامس الذي اختاره الأئمة المحققون، وهؤلاء الأئمة المحققون إن لم يكونوا مختزلين بجملتهم في ابن تيمية نفسه فهم تلامذته وأتباعه، ومع ذلك فالدعوة صارخة أنه اجتهاد، واتباع للدليل، ولا أدري ما هي الأقوال الراجحة عندنا لو لم يخلق ابن تيمية!.

5- إيقاف دعاة الاجتهاد المطلق إلى تأخرهم عن ذلك المحل، وتنبيه من أطلق قلمه ولسانه فيما لا ينبغي لمثله ومن كان على درجته.

6- إدراك أن الاجتهاد المطلق لا يكاد يوجد إلا مقيدا، وإذا كانت الدعوى على قفل باب الاجتهاد في عصور الأئمة الكبار مع استكمالهم لمقدمات العلوم، واستيعابهم لدقائقها؛ فذلك أولى اليوم مع قلة البضاعة واتساع المعرفة؟ وفي هذا تحجيم مناسب للدعاوى العريضة، لاسيما أصحاب الحلول الكبرى والحاسمة!.

7- ضرورة حل بعض القيود التي أعاقت الاجتهاد.

8- كان من جملة أسباب الدعوة القديمة إلى إغلاق الاجتهاد هو فساد الزمان، فاحتاطوا لدينهم بذلك، وهذه الدعوى وإن لم تغلق الاجتهاد، فقد نجحت في وقت ما في إعاقته، وفي تحديده، وكادت أن تحبس أنفاسه خنقا، لولا رجال بعثهم الله على رأس كل قرن ليبعثوه غضا طرياً.

9- الرمي بالشذوذ يقع أحيانا على من يقع في الشذوذ فعلا، لكنه يقع أحيانا على من قصد الاجتهاد، والخروج من ربقة التقليد، فهذا موضع دقيق وخطير في نفس الوقت.

10- دعوة لدراسة مناهج الأئمة المجددين بشتى مناهجها، فالشاطبي المجدد المقاصدي كان له كتابٌ في البدعة! وكان قد أوذي وامتحن بسبب رميه بالتشدد، وموقفه من الأمور المحدثة، ثم إنه كان لا يفتي إلا بالمشهور في مذهبه المالكي! وبذلك تكون حياته خلاف ما يصور عنه العصريون من أنه كسر قيود الشافعي في الرسالة، ثم إن مصنفاته مشحونة بالقواعد والضوابط، وهذا يتنافى تماماً مع دعاة "الفقه الجديد بلا حرام"! ومن الأئمة المجددين: ابن الصلاح الشافعي، فقد عرف عنه أنه كان موفقاً في الفتوى، مسدداً في الاجتهاد؛ فما أسباب تميزه مع كونه من دعاة قفل باب الاجتهاد، وخلو العصر من مجتهد حتى قفل على الأعصار المتأخرة: باب التصحيح والتضعيف في الأحاديث! .

11- من الملفت أن بعض من ينادون اليوم بفتح الاجتهاد على مصراعيه: لا نراهم يجاوزون في بحثهم كلام من تقدمهم، فهم ينقلون نصوصهم، ثم ينتقلون بينها: فهما وترجيحا ودلالة، وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله في معرض رده على من ادعى الاجتهاد المطلق أن عليه أن يفعل مثل ما فعلوا لا أن ينقل منهم ثم يريد أن يرجح!.

12- استنبت إمام الحرمين علم المقاصد على أوراق الدفاتر، ومع ذلك فقد كان منحصرا في دائرة الشافعي، كما كان الإمام ابن تيمية رحمه الله مع إشرافه، وذهابه بعيداً في الاجتهاد، حتى عرف عنه التفرد في الأقوال، ومع ذلك كله فقد كان متردداً في أكثر اختياراته بين روايات أحمد، ولعل تعدد هذه الروايات إلى حد استيعابها لكل ما قيل في المسألة: هي التي أبقته مندرجا في مذهبه، كما كان ابن القيم في دائرة شيخه ابن تيمية، وكان الغزالي في الفقه محافظاً على مقاصد شيخه الجويني لكن بعبارة أعذب، المقصود التسليم بالواقع الفعلي القديم والحاضر من انحسار دائرة الاجتهاد علميا وواقعيا، والأمثلة فوق الحصر، وفيما أشرت من الأمثلة عن هؤلاء الكبار كفاية.

13- أهمية الاجتهاد في حياة الأمة بسبب تجدد الوقائع والحوادث مما يفرض صورا لم ينص على حكمها المجتهدون السابقون، فيحتاج الناس إلى من يبين لهم الحق، يرشدهم إلى طريقه.



§ خيال قديم في رسم المجتهد صاحب الاجتهاد الأعظم:

قال تاج الدين بن السبكي: قال لي الشيخ شهاب الدين بن النقيب: جلست بمكة بين طائفة من العلماء وقعدنا نقول: لو قدر الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدا عارفا بمذاهبهم أجمعين، ويركب لنفسه مذهبا من الأربعة بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها لازدان الزمان به، وانقاد الناس له، فاتفق رأينا أن هذه الرتبة لا تعدو الشيخ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه.



انتهت القصة، وستستكمل إن شاء الله تعالى في حلقة جديدة من:

· حديث خاص مع الشيخ الأندلسي: (الامتدادات الحزمية وأسوار ابن تيمية الشاهقة!).

حمزة عدنان الشركسي
12-01-19 ||, 06:50 PM
سيدي الدكتور الهاشمي ، مع احترامي لرأيك ، اعتقد أن فيه مبالغة بعض الشيء .
ألا تعتقد أن قضية التجديد والاجتهاد تكون نسبية تبعا لكل عصر وتختلف من فرد لآخر ، لا يشترط في المجتهد حتى يكون مجتهدا أن ياتي بمذهب لم يسمع به الأولون ، بل الاجتهاد هو ملكة وإن لم يأتي بمذهب جديد ، ومثل ذلك ينطبق على مفهوم التجديد.
الأئمة الأربعة كل واحد منهم له أصوله ، وهذا لا يعني أن كل واحد منهم اخترع أصولا وإلا كان مبتدعا وليس إماما بل غاية الأمر أن درسوا وجدوا في العلم حتى حصلوا ملكة استطاعوا فيها عن طريق استقراء الشريعة وفهمها وعن طريق الجمع بين العديد من المدارس التي كانت موجودة قبلهم فوضعوا وجمعوا وأضافوا .
إن أي علم في الدنيا هو عبارة عن مجموعة ابتكارات على مر العصور ، فأي علم يؤسسه رجل يأتي بعده مئات الرجال الذين ينقحون ويضيفون ويشرحون ويحذفون ، وهذا الأمر هو الذي حدث لكل مذهب من المذاهب .
إن قضية التجديد هي قضية نسبية تراكمية فالأئمة الأربعة وضعوا أصولا فجاء إمام الحرمين واستقرأ مقاصد الشريعة فطورها الغزالي والعز بن عبد السلام فرتبها الشاطبي حتى جاء الطاهر بن عاشور وأضرابه فصاغوا منها نظرية كاملة ، حتى جاء كثير من المعاصرين فأفسدوا النظرية إفسادا هائلا !!!! وذلك لوجود قناعة عند هؤلاء أن التجديد هو أن تنسف القديم وتأتي بجديد محض!
والاجتهاد أيضا مراتب فكل عالم قد يبلغ مرتبة ولا يستطيع بلوغ الأعلى منها لتقصيره أو لظروفه .
تخيل لو كل عالم من زمن الأئمة الأربعة وحتى عصرنا الحالي ، لو واحد اجتهد ، فالنتيجة ستكون المكتبة الإسلامية مكونة من ملايين المذاهب وكل مذهب لا ينتمي للآخر بصلة ولكها مبعثرة وأكثرها ضائعة .
أما الذي حدث أن كثيرا منهم كان مقلدا - على اختلاف درجات التقليد - فخدموا المذاهب الأربعة حتى وصلت إلينا ثروة فقهية على غاية التدقيق والتحقيق والإحكام ، بل وفي غاية التثبت ، هل يستطيع باحث الآن أن يدعي أن ما وصلنا من الإمام مالك غير صحيح ، بالتأكيد سيتهمه العلماء بالجنون !
وبعض من هؤلاء العلماء بلغ درجة الاجتهاد المطلق فأضاف للثروة الفقهية ، وبعضهم بلغ درجة الاجتهاد المقيد أو الترجيح وهكذا ، فكل واحد منهم ساهم في جزء في البناء.
نعم هنالك كثير من حالات التعصب المذهبي في تاريخنا ، ولكن هذا شيء طبيعي أن يكون تاريخ عمره أكثر من ألف سنة أن يحتوي على كم كبير من الأخطاء.
فالحاصل أننا إذا رغبنا في التجديد لابد أن نحكم الأصول الشرعية ونفهم الفروع ومن ثم ننطلق للتجديد فالتجديد عملية إكمال بناء وليس هدمه وبدء البناء من جديد ، والله تعالى أعلم .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
12-01-19 ||, 07:27 PM
بارك الله فيك أخي الكريم حمزة الشركسي، أتفق معك فيما ذكرت، لكن لم يتبين لي وجه استدراكك، فأين ذكرتُ أن التجديد هو اختراع أصول جديدة وأنها عملية هدم وبناء من جديد؟!

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
12-01-19 ||, 08:02 PM
1- إدراج الناس بسائر طبقاتهم ضمن اتجاهات ومسارات معينة، هذا أمرٌ لا مفر منه، وهو الواقع، فإنك لو تأملت لوجدت أن هذه الطريقة ليست قاصرة على أتباع المذاهب الفقهية الأربعة، بل إن هذا واقع في غيرهم أيضا حتى في المدارس التي يقال لها إنها لا تقلد أحدا، أو أنها تنتهج منهج الاجتهاد المطلق، وانظر مثلا إلى تلاميذ محدث العصر: الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو أبرز من دعا إلى فتح باب الاجتهاد، ومجابهة التقليد، فإنك تجد طلابه المجتهدين في الغالب الكثير في دوائر شيخهم المجتهد! إن كان ذلك من جهة الأصول والقواعد، وإن كان من جهة الفروع والمسائل، وحسبك أن تعرف أن هناك مسائل انفرد بها الألباني عمن قبله، وصارت مختصة به، وتجد مِنْ هؤلاء مَن يتقيد بها، هب أن الألباني لم يوجد، أكان هؤلاء على هذا القول؟ وقل مثل ذلك في خريجي مدرسة ابن عثيمين الفقهية، ففتواهم على مقاسات الشيخ طولاً وعرضاً! وعندما كنتُ تلميذاً في صفوف جامعة الإمام محمد بن سعود لاحظت أن بعض المدرسين ينقلون نصوص ابن عثيمين في معرض ترجيحهم الخاص! إذن هو ترجيح تقليدي 100%، وحق لصاحبه براءة الاختراع، وشكراً على تجديد القديم!! وإذا رميت ببصرك إلى متبعي مذهب أهل الظاهر قديما وحديثا فإنك تجدهم في الغالب الكثير على رسوم ابن حزم الدقيقة؛ فأي اجتهاد مطلق؟ ولعلك تتساءل معي: لِمَن صنف ابن حزم المتن المعروف بـ "المجلى" على قولٍِ واحد، ويقول في شرحه المحلى: إنما كتبنا كتابنا هذا للعامي والمبتدئ وتذكرة للعالم.
فأين قوله عن تحريم التقليد، ووجوب الاجتهاد، واتباع الدليل؟!
بل لعلي أكشف لك عما يجيش في صدري، إن هذه الطريقة في الجملة هي طريقة الإمامين: مالك وأبي حنيفة، فإن الإمام مالكاً كان على رسوم أهل المدينة، وكان الإمام أبو حنيفة على رسوم أهل الكوفة، فلا توجد مسافات تذكر بين مالك وبين شيوخه على سواري المسجد النبوي، بل كان العمل، وهو أبرز أدلته الخاصة: انعكاساً مباشراً لفقه هؤلاء، أما إبراهيم النخعي فقد كان همزة وصلٍ بين تلامذة علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وبين مدرسة الرأي، فهو المنظر الفعلي لمدرسة الكوفة التي استلم أبو حنيفة رايتها. وإنما كان للإمامين أبي حنيفة ومالك: الإبراز والتقعيد والتأسيس، ومحاولة رد فروع المسائل إلى الأصول المعروفة في مدرسة كل منهما، فهما متحدثان رسميان عن فقهاء المدينة والكوفة، مع استكمالها صفات الاجتهاد، وممارستهما الفعلية لأصولهما.

.
المظلل بالإزرق يحتاج تحرير، وإعادة نظر، فالانتقال فيه من فقرة إلى فقرة غير سليم، فأتباع المجتهدين لا يصح مقارنتهم بحال مع أبي حنيفة ومالك، وأين المقلدة من من ذروة سنام الاجتهاد؟

حمزة عدنان الشركسي
12-01-20 ||, 04:05 PM
جزالك الله خيرا يا دكتور .. ولعلي تسرعت وأخطأت في فهم مقصودك ..
أرجو منك أن تكمل ما بدأت بالكتابة فيه حتى تعم الفائدة .

هافال محمد محمد
12-01-21 ||, 12:39 PM
بارك الله فيكم ,,,, بدوري أرى أن تكون هناك عملية التقويم للإرث العلمي و الفقهي بدقة من خلال ما أستقر عند أصحاب المذاهب الفقهية المشهورة ومن ثم الكلام حول التجديد لأنه لايمكن أن نحدد أهدافنا في التجديد إلا من خلال تقويم و تحرير هذا الكم الهائل من الإرث العلمي و هذا لايمكن أن يقوم به شخص أو مجموعة أشخاص بل لابد من جمع المؤسسات و المجاميع الفقهية و الجامعات المعنية بهذا الشأن وفق خطط واضحة المعالم بدأ بأوليات الفنون و العلوم و إنتهاءا بالثمرة المرجوة التي تصب في أيجاد مداخل أكثر ملائمة و أمانا لعصرنا و زماننا و الأولى أن نجد و نبحث في أنفسنا قابلية التحرير و التحرر من كل ما لا يترتب عليه عمل أو فائدة و قبل ذلك الإستعداد التام لكل ذلك ... و الله المستعان

محمد عبد المحيي الصليمي
12-01-22 ||, 12:53 PM
أعجبني : ( أنا مثلاً مندرجٌ في مدرسة ابن تيمية داخل مذهب الحنابلة، فالمسألة فيها ثلاثة أقوال، لكن الراجح هو القول الخامس الذي اختاره الأئمة المحققون، وهؤلاء الأئمة المحققون إن لم يكونوا مختزلين بجملتهم في ابن تيمية نفسه فهم تلامذته وأتباعه، ومع ذلك فالدعوة صارخة أنه اجتهاد، واتباع للدليل، ولا أدري ما هي الأقوال الراجحة عندنا لو لم يخلق ابن تيمية! )
انا بالمناسبة أنتمي لنفس الدائرة جبراً لا اختياراً فالخروج منها إلى الدائرة العامة ولنقل ما اعتمده المتأخرون يراودني كثيراً بل هو ما أتحمس لضبطه أكثر من ضبط أقوال تقيّ الدين رحمه الله لكني أخشى ( الرمي بسهام التعصب ) ، ما ذا عنك شيخنا فؤاد هل كان انتماؤك للدائره بالجبر أم الاختيار ؟؟

زايد بن عيدروس الخليفي
12-01-23 ||, 07:46 AM
لا مفر منه، وإن زعم الزاعمون ذلك ،،

د. محمد علي شفيق الندوي
12-01-24 ||, 02:18 PM
صدقت والله
وشكرا للأستاذ الهاشمي

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-01-24 ||, 03:07 PM
بارك الله فيك شيخنا الفاضل وفقت في تحليل المسألة.
و كما قال الأخ محمد عبد المحيي الصليمي قد أعجبني كذلك قولك ( أنا مثلاً مندرجٌ في مدرسة ابن تيمية داخل مذهب الحنابلة، فالمسألة فيها ثلاثة أقوال، لكن الراجح هو القول الخامس الذي اختاره الأئمة المحققون، وهؤلاء الأئمة المحققون إن لم يكونوا مختزلين بجملتهم في ابن تيمية نفسه فهم تلامذته وأتباعه، ومع ذلك فالدعوة صارخة أنه اجتهاد، واتباع للدليل، ولا أدري ما هي الأقوال الراجحة عندنا لو لم يخلق ابن تيمية! )

عند استفسار بالنسبة لقولك :

من الملفت أن بعض من ينادون اليوم بفتح الاجتهاد على مصراعيه: لا نراهم يجاوزون في بحثهم كلام من تقدمهم، فهم ينقلون نصوصهم، ثم ينتقلون بينها: فهما وترجيحا ودلالة، وقد أشار الحافظ ابن رجب رحمه الله في معرض رده على من ادعى الاجتهاد المطلق أن عليه أن يفعل مثل ما فعلوا لا أن ينقل منهم ثم يريد أن يرجح!.

هل المقصود به هو نقلهم لكلام الأئمة للترجيح في النوازل أو هي مسألة عمومية ؟ لأن فقهاء المذاهب الأربعة كذلك رجحوا من أقوال شيوخهم و إن لم يذكروا ذلك فكأن المسألة متشابهة ؟

أما إن كان الأمر يتعلق بالنوازل فما هي الطريقة التي تراها صحيحة الإتباع لمن يدعي الإجتهاد اليوم ؟ ربما توافقني في أن أئمة المذاهب الأربعة وضعوا أصولا خاصة بمذهبهم فربما يستلزم على مدعي الإجتهاد اليوم أن يصرح بأصوله و يبني عليها فقهه أو على الأقل أن يتوازن في فتاويه على أصول موحدة وغير متضاربة فربما أصل الفوضى الفقهية اليوم هو عدم بناء الترجيحات الفقهية على الترجيحات الأصولية لدى المرجح و الله أعلم.

حمزة عدنان الشركسي
12-02-01 ||, 09:47 AM
في ظني أن المشكلة ترجع إلى أن طالب العلم الذي يتلقى علمه على أيدي المشايخ ، غالبا ما تجده في مدرسة واحدة مأسورا فيها يدافع عنها ويكافح وإن ثبت بعض الأخطاء عليها ، وأقرب مثال لذلك المنتديات على الانترنت ، فإن فتحت منتدى أشعري أو سلفي أو صوفي أو إخواني فتسجد الانغلاق الواضح .
لابد لكل طالب علم أن يدرس المذاهب والتيارات الأخرى ، وأن يتوسع أفقه ، ولا يأسر عقلة في بوتقة واحدة بل يسير في رياض الشريعة الغراء .
وفي نفس الوقت لا غنى لطالب العلم عن إحكام علوم الآلات فبها يستطيع تطوير عقله والحكم بإنصاف ، والله تعالى أعلم .

تميم بن عثمان السلوم
14-11-07 ||, 01:24 PM
بل لعلي أكشف لك عما يجيش في صدري، إن هذه الطريقة في الجملة هي طريقة الإمامين: مالك وأبي حنيفة، فإن الإمام مالكاً كان على رسوم أهل المدينة، وكان الإمام أبو حنيفة على رسوم أهل الكوفة، فلا توجد مسافات تذكر بين مالك وبين شيوخه على سواري المسجد النبوي، بل كان العمل، وهو أبرز أدلته الخاصة: انعكاساً مباشراً لفقه هؤلاء، أما إبراهيم النخعي فقد كان همزة وصلٍ بين تلامذة علي وابن مسعود رضي الله عنهما، وبين مدرسة الرأي، فهو المنظر الفعلي لمدرسة الكوفة التي استلم أبو حنيفة رايتها. وإنما كان للإمامين أبي حنيفة ومالك: الإبراز والتقعيد والتأسيس، ومحاولة رد فروع المسائل إلى الأصول المعروفة في مدرسة كل منهما، فهما متحدثان رسميان عن فقهاء المدينة والكوفة، مع استكمالها صفات الاجتهاد، وممارستهما الفعلية لأصولهما.
وقد كان التميز الفعلي من جهة الإبداع والتوليد: للإمام الشافعي رحمه الله، فهو الذي زاوج بين هاتين المدرستين: مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة، بعد تتلمذ واحتكاك مباشر، فهو تلميذ مالك ومحمد بن الحسن، ثم أدرج معهما مدرسة فقهاء أهل الحديث ببغداد، فخرج بمذهبٍ جديد من حيث الشكل، وتبعه على ذلك أحمد وإن كان أكثر إشرافا منه في معرفة متون السنة وصحيح الآثار، وكان الشافعي أقعد منه في الأصول والمسائل، وهذا باعترافهما. على أن أبا حنيفة ظهر تميزه إلى الغاية من جهة السبق التاريخي، فهو يكسر القياس بالاستحسان، في تطوير جديد لمدرسة الرأي، بما يشبه نزعات عمر في سننه العمرية، وقد شهد له الشافعي بأنه أول من شقق المسائل وفرَّعها، بينما تميز الإمام مالك من جهة تأصيل القواعد وتأسيسها، حتى اختص بأدلة كبار، كالاستصلاح، والعمل، والاحتياط، وسد الذرائع، وحق له بذلك أن يكون صخرة الإسلام، التي تتكسر عليها شبهات أهل الأهواء، وقد دافع الشافعي عن مدرسة المدينة، حتى أدرج نفسه فيها، ووصفهم بأنهم أصحابه، فيكون باقياً في الدائرة الكبرى داخل مدرسة المدينة، ولم يكن مزاوجته للمدرستين، وتوليده لمدرسته الخاصة كافية في إخراجه عن مدرسته الأم ولو ألف "الأم".
هذا إذا كان ظاهراً في الأئمة الأربعة الكبار، والحال كما رأيتَ، فكيف بمن بعدهم؟

أحببت أخي الكريم أن أذكر من كلام أهل العلم بعض ما فيه مما يشابه ما قلت في حال الإمام مالك بن أنس وأبي حنيفة رحمهما الله مما قالوه في وصف حال علماء الأمصار أنه كانت طريقتهم الاتباع لمن تقدمهم من علماء مصرهم
وأن هذه الطريقة كان أبين الناس في تركه لها الإمام الشافعي فإن حاله الذي ذكرتَ وكان يذهب للقول الذي تقوم عليه الحجة عنده حجازيًا كان أو عراقيا
ثم شاعت هذه الطريقة فيمن بعده من فقهاء المحدثين وصار منهم من يفوقه في سعة العلم بالخلاف رحمهم الله جميعا

قال الإمام الشافعي (7/ 280):
(... فما من بلاد المسلمين بلد إلا وفيه علم قد صار أهله إلى اتباع قول رجل من أهله في أكثر أقاويله أفترى لأهل مكة حجة إن قلدوا عطاء فما وافقه من الحديث وافقوه وما خالفه خالفوه في الأكثر من قوله؟ أو ترى لأهل البصرة حجة بمثل هذا في الحسن أو ابن سيرين أو لأهل الكوفة في الشعبي وإبراهيم ولأهل الشام وكل من وصفنا أهل علم وإمامة في دهره وفوق من بعدهم وإنما العلم اللازم الكتاب والسنة وعلى كل مسلم اتباعهما ...).
وفي تمام كلامه أنه ذكر مآخذ الفقه وأنها خمسة وبينها بيانًا حسنا وكان بينها في غير موضع


وقال ابن حزم - الإحكام (2/ 127):
(وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا فإذا تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة وكانوا لا يتعدون فتاويهم لا تقليدا لهم ولكن لأنهم إنما أخذوا ورووا عنهم إلا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم كاتّباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن عمر واتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوى ابن مسعود واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوى ابن عباس ثم أتى بعد التابعين فقهاء الأمصار كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة وابن جريج بمكة ومالك وابن الماجشون بالمدينة وعثمان البتي وسوار بالبصرة والأوزاعي بالشام والليث بمصر فجروا على تلك الطريقة من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده فيما كان عندهم).

وينظر في حجة الله البالغة للدهلوي (1/ 249): (باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء)