المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحول عقد الشركة-بحث محكم موافق للمطبوع



د. أيمن علي صالح
11-11-22 ||, 08:28 AM
تَحَوُّلُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ
في الفِقْهِ الإِسْلامِي







د. أيمن صالح

بحثٌ محكَّم موافق للمطبوع نشر في
مجلة الجامعة الأسمرية
دورية علمية محكمة تصدر سنويا عن الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية، ليبيا
السنة الأولى، العدد الأول، للعام 2003 ميلادية



بدءا من صفحة 105 إلى 128



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه، وبعد:


فهذا بحث لطيف كتبته في مطلع القرن حول تحول عقد الشركة في الفقه الإسلامي، وهذه هي مقدمته وروابط البحث كاملا في أسفل المشاركة:

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله ومن والاه ، وبعد :
فيتميز التشريع الإسلامي بصفة عامة ، وفقه المعاملات منه بصفة خاصّة ، بالمرونة ، والاستجابة للمتغيرات ، والقابلية للتكيف .
ولا تتمثل هذه المرونة ، وهذه القابلية للتكيف ، في قدرة التشريع على استيعاب كل ما يستجد من وقائع ومعاملات على ضوء من مقصد التشريع العام الرامي إلى حفظ المصالح على الناس ودفع المفاسد عنهم فحسب ، بل ـ وحديثي عن فقه المعاملات بخاصة ـ وفي القدرة على التعامل والتأقلم مع ما هو قائم من عقود وتصرفات بحسب ما يرافق ويزامن إنشاء هذه العقود وهذه التصرفات ، أو يطرأ عليها بعد إنشائها ، من أمور قد تكون أثرت في طبيعتها ، فأحدثت تغييرا في جوهرها وبنيتها ، بحيث أُخرجت عن مسمَّاها .
وتبدو هذه المرونة وهذه القابلية للتكيف مع ما يرافق أو يطرأ من أمور مؤثرة في المعاملة محل التعاقد في قدرة التشريع وقابليته لتحول نوع من العقود، بصفات ومقتضيات خاصة ، إلى نوع آخر ، بصفات ومقتضيات جديدة .
ومن أظهر الأمثلة على هذا التحول ما نشهده في فعل عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في القصة التالية :
روى مالك في الموطأ : (( أن عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق ، فلما قفلا مرّا على أبي موسى الأشعري ، وهو أمير البصرة ، فرحب بهما وسهّل ، ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما به لفعلت ، ثم قال : بل هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين ، فأُسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة ، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح ، فقالا : وددنا ، ففعل وكتب إلى عمر ، رضي الله عنه ، أن يأخذ منهما المال ، فلما قدما باعا فربحا ، فلما دفعا ذلك إلى أمير المؤمنين قال : أَكلُّ الجيش أسلفه مثل الذي أسلفكما ؟ قالا : لا ، فقال عمر : ابنا عمر أمير المؤمنين فأسلفكما ، أدّيا المال وربحه ، فأما عبد الله فسكت ، وأما عبيد الله فقال : ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا ، لو هلك المال أو نقص لضمِناه ، فقال عمر : أدياه ، فسكت عبد الله ، وراجعه عبيد الله ، فقال رجل من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا ، فقال عمر : قد جعلته قراضا ، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه ، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف الربح ))([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
فالذي نلاحظه في هذه الواقعة أن الفاروق ، رضي الله عنه ، وبإشارة من أحد الصحابة ـ يُقال : إنه عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، كما أشار الزرقاني([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)) ـ قد حول عقد القرض الذي أبرمه أبو موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، مع ولديه عبد الله وعبيد الله ، إلى عقد مضاربة ، وما ذلك إلا لما رافق العقد الأول من المحاباة ، التي بدا لعمر ، رضي الله عنه ، أنها مخلة بالعقد . وقد كان هذا الرأي ، وهو قلب القرض إلى مضاربة ، أكثرَ صوابا وعدلا من الرأي الذي بدا لعمر أولا ، وهو نقض العقد الأول بالكلية ، وعدم تحويله إلى بدل ؛ وذلك لما تضمنه من عدم إهدار الحقوق على أصحابها ، حق بيت المال في الربح ، وحق عبد لله وعبيد الله فيه ، جزاء ما تحمّلاه من ضمان مال العقد فيما لو هلك أو خسرا في التجارة . وهذا هو العدل بعينه .
فإذن ، قلب العقد وتحويله من نوع إلى آخر ، لأمر صاحب هذا العقد أو طرأ عليه ، ما هو ـ وهذا في الغالب ـ إلا وسيلة لتفادي الظلم والضرر الذي قد يترتب على نقض هذا العقد ، وإبطاله ، وردّ الأمر إلى ما كان قبل وجود هذا العقد ، أو ما هو ـ بعبارة أشمل ـ إلا وسيلة للحد من الآثار السلبية التي قد تنجم عن الإبطال الكلي للمعاملة ، كما في اجتهاد عمر ، رضي الله عنه ، آنف الذكر .
وهذا ، على سبيل المثال ، يظهر غايةَ الظهور ، في إطباق الفقهاء على تحويل عقد المضاربة إذا فسد إلى إجارة فاسدة ، وما ذلك إلا لحفظ حق المضارب وحق رب المال على السواء : أما المضارب فلئلا يذهب عمله مجانا ، وأما رب المال فلئلا يشاركه المضارب في الربح بمقتضى عقد فاسد .
ولعل نظرية (( التحول )) في العقود ـ إن جاز لنا وصفها بالنظرية ـ تستدعي منا في هذا الصدد النظر في العلاقة بينها وبين نظرية (( الفساد )) التي يقول بها الحنفية ، وما ذلك إلا للاتحاد بينهما في الغرض الأساس الداعي للقول بكل منهما ، ألا وهو التخفيف قدْر الإمكان من الآثار السلبية المترتبة على الإبطال والنقض الكلي للعقد . أما نظرية التحول فلِما بيّنّا ، وأما نظرية الفساد ؛ فلأن العقد الفاسد عند الحنفية بترتيبه بعض آثار العقد الصحيح دون البعض الآخر ، كالملك ، مثلا ، وبالتالي عدم لزوم الفسخ إذا حدث ثمَ تغير أو تصرف في محل العقد ، أو القابلية للصحة إذا أزيل سبب الفساد ، وغير ذلك ، إنما كان وسيلة من الحنفية للتخلص قدْر الممكن من المفاسد التي تلزم عن النقض والإبطال الكليين .
والجمهور ، إذ يقولون ـ إلى حد ما ـ بالتحول ولا يقولون بالفساد ، إنما يخطون خطوة إلى الأمام باتجاه الحنفية ؛ وذلك لالتفاتهم عند قولهم بالتحول إلى ما التفت إليه الحنفية عند قولهم بالفساد ، ألا وهو إبطال المفاسد اللازمة عن الإبطال ، ونقض المثالب اللازمة عن النقض .
والفرق بين النظريتين ـ نظرية التحول ونظرية الفساد ـ بغض النظر عن مدى قبول واعتبار كل منهما عند العلماء ، يكمن في طريقة كل منهما في التخلص من المفاسد الناجمة عن الإبطال الكلي . ففي حين أن نظرية التحول تقلب العقد من شكل إلى آخر ، ومن نوع ذي آثار ومقتضيات خاصة ، إلى نوع جديد ذي آثار ومقتضيات أخرى ، حفاظا على مصالح وحقوق المتعاقدين ، فنظرية الفساد تُبقي بعض آثار العقد التي يستلزم بقاؤها الإبقاءَ على مصالح المتعاقدين وحقوقهم ، كثبوت ملك المبيع للمشتري في العقد الفاسد ، مثلا ، الذي يحمي تصرفه في هذا المبيع من النقض والفسخ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) وإن كانت تجب عليه قيمة المثل .
فالعلاقة ، إذن ، بين التحول والفساد علاقة وطيدة ، تتمثل في وحدة المقصد ووحدة الوجهة ، وإن اختلف أسلوب العمل .
وغرضي الآن ، بعد طول الكلام ، أن أسوق هذا البحث المتواضع في صفحاته ، مضمّنا إياه ما أمكنني الوقوف عليه من أمثلةٍ لتحوُّل عقد الشركة في الفقه الإسلامي إلى عقد آخر ، سواء أكان هذا التحول من عقد شركة إلى عقد شركة أخرى ، أم كان من عقد شركة إلى أي عقد آخر ، مركِّزا النقاش ـ ما وجدت جهدا واستطعت إلى ذلك سبيلا ـ حول دلالة هذا التحول ، وبعده المصلحي ، وصوابية التبني له والعمل بمقتضاه .
هذا وتنبغي الإشارة إلى أن التحول يمثل مفهوما فقهيا وقانونيا عاما يبسط ظلاله على كافة العقود تقريبا ، وإنما اقتصرنا في بحثنا هذا على التعرض للتحول في عقد الشركة خاصة لسببين :
أحدهما : أن توسيع البحث ليشمل كل العقود لا يتلاءم مع الاقتضاب والتخصصية الذي تقوم عليه الأبحاث العلمية المقدمة للنشر في الدوريات .
والثاني : أنا أردنا أن نضرب نموذجا من العقود يطاله التحول بشكل واسع فكان أن وقع اختيارنا على عقد الشركة .
وسيكون هذا البحث في مطلبين :
الأول : التعريف بالتحول في عقد الشركة .
والثاني : ـ وهو معقد الفرس ـ أمثلة التحول في عقد الشركة .
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ





([1]) أخرجه مالك في الموطأ ، ج2 ، ص687 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، ج6 ، ص110 ، والدارقطني في السنن ، ج3 ، ص63 . وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ، ج3 ، ص57 : إسناده صحيح .


([2]) شرح الموطأ ، ج3 ، ص437 . وانظر : تلخيص الحبير لابن حجر ، ج3 ، ص57 .


([3]) يرى الحنفية أن المشترى بعقد فاسد واجب الرد إلى البائع إلا إذا تصرف المشتري بالسلعة كأن باعها ، أو غيرّ فيها ، كأن كانت دقيقا فحولها خبزا ، فحينئذ يلزم العقد ولا يجب الترادّ والفسخ لتعلق حق الغير بالسلعة . أنظر : شرح فتح القدير لابن الهمام ، ج6 ، ص459 وما بعدها .



تنزيل البحث:
أولا: بتنسيق مايكروسفت وورد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
ثانيا: بتنسيق بي دي إف (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أم طارق
11-11-22 ||, 10:53 PM
جزاكم الله خيرا يا دكتور أيمن على هذا البحث القيم
ونفعنا بكم وبعلمكم

أحمد محمد عروبي
11-11-23 ||, 12:10 AM
بارك الله فيك اخانا ايمن وفتح عليك وسددك

بوزيان إبن محمد إبن بغداد
11-11-23 ||, 12:19 AM
لم أطلع على البحث
لكن أعجبتني فكرة المرونة في التشريع الإسلامي وهي أحد أسرار ديمومة الفقه الإسلامي لأنه يتكيف مع كل الظروف بمواصفات إسلامية صرفة
جزاكم الله كل خير

د. أيمن علي صالح
11-11-23 ||, 07:35 AM
أشكر جميع الإخوة والأخوات على المرور وتقديم الشكر

د. هشام يسري العربي
11-11-23 ||, 05:46 PM
شكر الله لك يا دكتور/ أيمن، وجعل ذلك في ميزان حسناتك