المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دفاع عن الشيخ ابن باز في حوار سلفي عاصف



د.محمود محمود النجيري
11-11-30 ||, 12:50 PM
دفاع عن الشيخ ابن باز
في حوار سلفي عاصف


الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله- كان على قمة في علمه وأدبه وجهاده، وهو أحد رموز الدعوة الإسلامية في هذا العصر. رُفع ذكرُه، وذاعت شهرته، وأقرَّ بفضله الناس، ودانُوا لعلمه. وكان طاقة علمية مهمَّة في المجال الشرعي، له نشاطه الظاهر في مجال الفتوى، ونُصْرة الدعوة السلفية، ومذهب أهل السنة والجماعة.
عمل الشيخ ابن باز في التدريس والقضاء والإفتاء، وأملى عددًا من الرسائل المهمة في قضايا الاعتقاد والفقه والحديث. ولا يستطيع أحد أن ينكر جهوده في الدعوة، سواء من خلال رئاسته المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، أو من خلال رئاسته هيئة كبار العلماء، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالديار السعودية. فهو قدم الكثير للدعوة في العالم الإسلامي تجاه المنهج السلفي، من خلال التأثير على عدد ضخم من الأفراد والمؤسسات حول العالم، وكان لديه مصداقية، ربما لم يدانه فيها عالم آخر في الفتوى في حياتنا المعاصرة، مما يجعل لكلامه صدى كبيرًا في العالم الإسلامي كله. فالشيخ ابن باز، عَبْر جهوده لسنين طويلة في خدمة الإسلام، صار من أكبر المرجعيات الدينية، إنْ صَحَّ التعبير، وكان له نفوذ عظيم في الأوساط الإسلامية.
وهذه المكانة التي حازها الشيخ عن جدارة، تتعرض دائمًا لطعن أعداء الدعوة الإسلامية؛ فهم يتربصون الدوائر لقسْم الصفِّ، وإبراز الشماتة، وانتقاص العلماء. وقد وجدوا فرصة بعد نشر جريدة "المسلمون" لفتوى الصلح مع اليهود، وحاولوا من خلالها نسف جسور الثقة والفهم المتبادل بين قيادات إسلامية فاعلة، وقاعدة جماهيرية ناهضة. وتطلعوا إلى عزل هذه القيادات بعيدًا عن جمهور الأمة والمخلصين من الدعاة، وأرادوا فتح الطريق للمخادعين والمتكسبين بالدين. وربما أصاب هؤلاء في بعض ما أرادوا، والحوار التالي يبين ذلك.
ففي جلسة معتادة مع عدد من الإخوة السلفيين، دار حوار عاصف عن الفتاوى التي نشرتها جريدة "المسلمون" على لسان الشيخ ابن باز. وكان من الواضح أن كثيرين ممن يعرفون الشيخ قد صُدِموا، أو زُلزِلوا زلزالا. وبعض من يعرفونه قالوا: لا نظنه يعني ما يقول. وبعضٌ آخر قال: له العذر، فهو معزول عن كثير من تيارات الحياة المعاصرة. وكان على محبي الشيخ وتلاميذه أن يدافعوا عنه، ويَردوا السهام الموجَّهة إليه.
وفي البداية، قال صديقنا عبد الرحمن، وهو من الشباب المجتهدين في تحصيل العلم الشرعي:


إن هذه الفتوى زلزلت الشباب زلزالا شديدًا، وأرَّقتْ محبِّي الشيخ وتلاميذه، وأقضتْ مضاجعهم، وأحدثت اضطرابًا وتشويشًا، وفتنة كبيرة في الأوساط الإسلامية، وأحزنتْ كلَّ مسلم غيور على أرض الإسلام وعزة المسلمين ومقدسات الأمة. إنه يوم لحزننا، وفرح صهيون!
قلت معقبًا: أنا نفسي حين سمعت الفتوى لأول مرة في إذاعة "مونت كارلو" لم أصدق ذلك. ثم سمعتها في إذاعة لندن، وقرأتها موثقة بعد هذا في جريدة "المسلمون"، فأصبت بمزيج من الإحباط والغضب، وكلما تحدثت مع أحد في أمر هذه الفتاوى ازددت اقتناعًا بأنها بعيدة عن الصواب، حيث رفضها الجميع، ولم يجدوا فيها أثارة من علم، أو دليلا صحيحًا، أو مصلحة شرعية متحققة.
وهنا انبرى عبد الله متعرضًا، ورفع يده قائلا: وما أدراك يا صديقي أنه لم ينخدع في هذه الفتوى قطاع عريض من الشباب وغير الشباب، وأن هناك من قال في نفسه: لا جهاد بعد اليوم، فنحن ضعفاء ولن نزداد إلا ضعفًا أمام جبروت أعدائنا؟!
قال عبد الرحمن: لا شك عندي أن هذه الفتاوى خطأ يستلزم الاعتذار، بل إنها خطيئة تستوجب التوبة والاستغفار، وإنها لسقطة مدوِّية، وزلة أليمة لها نتائجها الخطيرة، فهي تصريح بالسلامة لمن يريدون النوم براحة في أحضان اليهود، وصَك "شرعي" لمن يدأبون على وضع ضمائرهم في "جيوب" اليهود، وتكئة لمن يرغبون في إطفاء روح الجهاد في الأمة، وإماتة عواطفها الدينية تجاه مقدساتها. وإنني لا أظن الشيخ عني كل هذا بفتواه، ولكن هذه الفتاوى تحقق ذلك عمليًا.
قلت: نعم، إن الفتوى تدعونا إلى الاحتكام للدليل، وعدم الانسياق مع العاطفة، ومع ذلك تخلو من دليل صحيح يُقيم حجة. ثم إن العاطفة الدينية هي أكثر ما نحتاجه في هذا الوقت؛ لأن حميتنا الدينية، لا حميَّة الجاهلية، هي التي ستدفعنا دفعًا إلى تحرير الأرض المقدسة، والاستشهاد في سبيلها، فنحن برغم أننا لم نرَ هذه البلاد، ولا نملك فيها مالا أو عقارًا، إلا أن عواطفنا الإيمانية معلقة بمسجدها الأقصى؛ مسرى النبي الذي بارك الله حوله، ومسجد الخليل، وقبة الصخرة. وحماسنا الديني هو ذخرنا لاستفتاح هذه البلاد بعد أن دنَّسها أعداء الله، وحوَّلوها من دار إسلام إلى دار كفر، وإلا كنا ممن قال الله تعالى فيهم: ]وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً[ (النساء: 77). إن عواطفنا لا تكذب، وحماسنا لا يخدعنا، لأننا نريد إحدى الحسنيين، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. وإن الشهادة هي أسمى ما تمنى مسلم.
قال عبد الله وهو يُطوِّح بقبضته في الهواء: لقد أصبت كبد الحقيقة، كلما تكلم الشيخ قال إنه ذكر أدلته، وهي ليست أدلة مطلقًا، ويصف من خالفه بأنه قليل العلم، وهو بذلك يريد إرهاب المخالفين فكريًا، والمصادرة عليهم، وينقل المسألة من الخلاف معه إلى الخلاف مع النصوص التي استدلَّ بها. مع أنه لا دليل فيما ذكر، بل استدلاله باطل، ومخالف للحق والصواب، ولروح النصوص ومقاصد الإسلام عمومًا. ونريد من الشيخ بدلا مما قال أن يأتينا بنصوص دينية تأمر بالخنوع والانهزام والاستسلام، وشرْب ماء الذل والرضا بالكفر، وبيْع بلاد المسلمين، والتفريط في السيادة القانونية على الأوقاف الإسلامية، وعدم الاعتراض على هدم المساجد وتحويلها إلى معابد يهودية... نريد نصوصًا دينية تأمرنا بأن نُقتَل فنصبر، ونُضرَب فنستسلم، ونُهَان فنحلم، وتُدنس بلادنا وأعراضنا ومقدساتنا، فنعلن الحب والسلام لأعدائنا!
التفتُّ إلى عبد الله قائلا: حسبك الآن، ولا تنسَ أنك تتحدث عن سماحة الشيخ ابن باز- رحمه الله!
قال عبد الرحمن بسرعة: لا شك أن هؤلاء من المجترئين على الشيخ، وما ينبغي أن نلتفت إلى آرائهم هذه، فنحن نعرف تاريخ ابن باز في خدمة الدعوة والفقه الإسلامي، بما لم يفعل هؤلاء.
قال عبد الله ضجرًا: إن هذا هو ما يُحزنني، فأنا أرفض للشيخ ابن باز أن يكون قطعة في ديكور السياسة، وأربأ به عن أن يكون علمُه بابًا في كتاب الطغاة يقرءونه كلما أحاط بهم أهل الحق، وقناعًا يلبَسه المنافقون عند الخوف، وستارًا يوارى به المجرمون سوءاتهم. ثم إن بالفتوى نوعًا من التناقض الداخلي؛ إذ كيف تستقيم الدعوة إلى الجهاد، مع الدعوة إلى التخاذل والاستسلام؟ وكيف نطلق كلمات تنظيرية حسنة، وعند التطبيق يكون التراجع والاضطراب والتناقض؟ لقد أوقعتنا الفتوى بين مَن لا يفهمون الواقع، ومن لا يريدون تغييره. وبين من لا يفقهون الخطاب السياسي، ومن يستغلون الدين جزءًا من الديكور السياسي.
قلت متأسفًا: لا شك أن مثل هذه الفتاوى لمصلحة زعماء وسياسيين لم يحفظوا الأرض والعِرْض، وتاجروا بالقضية لامتطاء رقاب الناس، والتربُّع على صدورهم باسم التحرير، والاستعداد لمعارك الكرامة، ثم تبيَّن أنهم "أفضل" من يُضيِّع الأرض، ويفرِّط في العرْض، ويوالي اليهود، ويُنيلهم مصالحهم. ونحن نسمع دعاوى فارغة، وأماني كاذبة عن الاستعداد للحظة الحاسمة، وألا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأن نصبر على القهر السياسي، والفقر والعدم والتردي حتى نتهيأ للمواجهة، ثم في لحظة واحدة يعلنون أن كل هذا الاستعداد والصبر باطل؛ إذ الاستسلام للعدو خيرٌ وأبقى، والرضا بالذل أوفر وأسلم، والركون إلى الدعة أشرف وأتقى!
أضاف عبد الرحمن في حزن: إن لهذا الأمر ما بعده، وسوف نرى أن محاولات الشيخ وضع حدود وقيود لفتواه، وقوله إنها لا تعني موالاة لليهود، سوف يُنسى، ولا يبقى هناك إلا لافتة عامة تبيح مصالحة اليهود، فتفتح الحدودُ، وتزال القيود أمام اليهود أكثر. ويدخلون بالمصافحة والابتسام والتودد، وإقامة العلاقات الكاملة اقتصاديًا ودبلوماسيًا وسياسيًا، في وقت نقطع فيه هذه العلاقات مع بعض بني جلدتنا وديننا! وسيخترق اليهود ما بين لحمنا وعظامنا، في تحدٍ وعنفوان لم نحسن له تهيئة قوى، ولم ندع إلى مقاومته. ويومها لن نتذكر من حدود وقيود الفتوى شيئًا، فالذين استصدروها سيسعون لاستنفاد أغراضهم منها، بتأمين تحركاتهم الخائنة، وسيقدمون الرشوة الكاملة لليهود ومَنْ وراءهم لضمان استقرارهم واستمرارهم هناك.
شبك عبد الله أصابعه أمام وجهه وقال: دَعُوني أصارحكم بأنني أرى هذه الفتوى تدعونا لأن ننسى في لحظة كلَّ ما علمَنا الإيمان والقرآن من معاني الجهاد، ومقارعة الباطل، ومقاومة الظلم، ونصرة الدين بالمال والنفس. فهل لنا بمجرد ذلك أن نركن إلى الأرض، ونترك الجهاد، ونعلن الضعف والاستسلام والانهزام، أمام أحقر خلق الله تعالى؟ وهل نقول كما قال قوم موسى له: {فاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{ (المائدة: 24)؟ أم نقول كما قال المقداد بن الأسود يوم بدر: "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا نعكم مقاتلون"؟

إن الفتوى تشجِّع ضعاف الإيمان على تشككهم وتراجعهم عن نصرة الحق، وتشجِّع معسكر المنافقين والعلمانيين واليساريين من الداعين إلى التخاذل والتنازل، وتدعم القوى المحاربة للإسلام، الرافضة إعلاء كلمة الله، التي تريد إطفاء نور الحق، وتنكيس راية الجهاد إلى الأبد.


قلت مقاطعًا: نعم لقد فتحَتْ هذه الفتاوى الباب للشيوعيين، والعلمانيين، وسائر طوائف الملحدين، ومَن لا لوْن لهم للشماتة، ولرفع رءوسهم، وسنِّ أقلامهم للصيد في الماء العكر، والتشكيك والتشويه، وتحقيق المكاسب الخاصة، وضرْب فريق بفريق من الإسلاميين، وتأييد مزاعمهم الباطلة، وتجريح المؤسسات الإسلامية والعلماء المخلصين، وتعددت الافتراءات بداية من استغلال الدين، والسذاجة الفكرية، ونهاية بالعمالة والتبعية للغرب. وأتاح لهم الموقف أن يتستروا بغشاء زائف من الوطنية والوعي السياسي والحكمة... فدَجَّلوا على الجماهير، وامتطوا صهوة الجهاد والنضال والمقاومة، ورَمَوْنا بدائهم، وانْسَلُّوا.
كان عبد الله ينتظر حتى انتهيت من كلامي، ثم انطلق صائحًا: إنا لا نستطيع أن نقول لمن لم يطلقوا يومًا رصاصة على إسرائيل: هنيئًا لكم، يكفيكم ما قدَّمتم، ولا أن نقول للمجاهدين: كفوا أيديكم، وكفى قتالا، فهذا ليس زمان الجهاد، ولكنه زمان الاستسلام وأوان بيع الدين بعرّض من الدنيا قليل! هل نؤذِّن في الناس بأن هذا ليس زمان صلاح الدين، ولكنه زمان اليهود والصليبيين؟ وأننا الماضي الذاهب، وهم- يهودًا وصليبيين- المستقبل الآتي؟ أو نردِّد مع الشاعر اليائس:


أمسي نفاق، ويومي ماؤه كذب فما أؤمِل من خير صباحَ غدي
قد أغمضَ القومُ أجفانًا مقرَّحة على الهوان وإن كانوا ذوي عدد
شعب يلذُّ له أسياف قاتله حمْرًا، وتُطربه ترنيمة الصفد
وقد أراه وسوط الذل يلهبه فلا يُحسُّ، ولا يرثى لمضطهَد

أم ننشد في خنوع:
إن كنتم ذا شمَم في معشر جنحوا للذل فاجنح له، تركن إلى رشد



قال عبد الرحمن: لا يمكن يا عبد الله أن نتراجع عن حقوقنا، أو نتنازل عن أهدافنا، فليس بنا قدرة واستعداد للتخلي عن شبر من الأرض المقدسة في فلسطين، مهما سمعنا من فتاوى نراها ضد مصلحة الدين والدنيا معًا، فلا نظن الدين أتى ليدعو الناس إلى الخضوع للطواغيت، والاستسلام للظلم، والرضا بالفساد، والسير في ركاب الباطل، كلُّ هذا بعيدٌ عن مقاصد الدين. بل أهل الباطل هم الذين يتخذون دائمًا من علماء السلطان مفتين، يتكلمون باسم الدين، لدعوة الناس إلى الرضا بما رضي به هؤلاء، لا ما يرضاه الله تعالى لعباده المؤمنين.
قلت مُحتدًا: لا يا عبد الرحمن، الشيخ ابن باز بعيد عن هذا اللمز، ونحن لا نسئ الظن به، ولا نرى أنه يقصد الاستسلام لليهود وموالاتهم، وترك جهادهم، وإن أوهم كلامه ذلك، بل يؤدي إليه حتمًا. ونرى أنه أراد الحق فأخطأه. ولا نقول كما يقول غيرنا في الشيخ مِن قدْح، واتهام بسوء القصد، واتباع غير سبيل العلماء المخلصين!
رفعَ عبد الرحمن يده معترضًا وقال: لم أعنِ هذا صدِّقني، ولكن يحزنني أن يصدر من الشيخ وهو على قمَّة سامقة من العلم والفقه، فتوى تبث الرعب والفزع من العدو، وتدعونا لليأس من مقارعة الباطل، وتشارك في الحملات النفسية البشعة، وحملات التشويه الأسود، والتزييف والتضليل، لقتل إرادة الحرية والاستقلال وعزة الإيمان فينا، إن الأعداء يريدون منا ركوعًا واستسلامًا، وجنوحًا إلى شروطهم، وإمضاء لفروضهم. والواجب أن نرفض أن نذِل، أو نهون، أو نبيع.

لقد اهتزتْ حقائقُ الإيمان في القلوب، وارتجَّت الثقة بالنفس وبالله تعالى، ومسَّت الحقَّ طوائفُ من سوء الظن، واستشرى الشكُّ في المستقبل؛ لأن الأمة التي نشأت مجاهدة، وعاشت مناضلة، تُدعى إلى التسليم والتقسيم، في وقت نحن أحوج ما نكون لمن يبث الإيمان في القلوب، والسكينة في الصدور، والثقة في الله تعالى، والتفاؤل بالمستقبل، ولله دَرِّ القائل: "ألْفُ معركة خاسرة تاعسة في ميادين الحرب، أهون من معركة واحدة خاسرة يائسة في طوايا النفوس والقلوب".


قال عبد الله: هذا ما أريد أن أقوله من البداية، فإن كنا مستضعَفين- كما تقول الفتاوى- فهل نجمع إلى الضعف، هوان التآمر والخيانة والاستسلام، والتخلي عن الحق الإسلامي الأصيل؟! وإن كنا ضعفاء حقًا، فالفتوى تدعونا إلى الموت. وكأنه لا يكفي أن نكون ضعفاء، حتى نصير أذلاء جبناء. وإذا سلَّمنا اليوم على هذه الصورة المهينة، فكيف تقوم لنا قائمة بعدها؟! إنَّ مَن يُفرِّط في كرامته، ويعلن استسلامه على الملأ دون شروط، ويتعلل بأنه ضعيف، ويدعي أن له حقًا في أن يُذعن ما دام كذلك. ولن يكون إلا مضغة في الأفواه، وموطئة للأقدام، ومنْهبة للأطماع. فكيف يسوغ لنا أن نركع، ثم نموت، ويُنسى ذكرُنا، وندَّعى- مع ذلك- أن هذا إلى حين، وأننا بعد هذه المهانة والموات، سنعود إلى عالمنا لنحييَ إرادة ماتت، وأمَّة رمَّتْ، وكرامة فنيت أبد الدهر؟!
قلت بصوت خفيض: أوافقكما على هذا، وإلا فلِمَ لَمْ ندعو الأفغان مثلا للاستسلام للروس حين غزوا بلادهم، وقد كانوا أكثر ضَعْفًا، فلا عدد، ولا مال، ولا سلاح. أما إمبراطورية الشر المتغطرسة، التي كان يقف لذكرها شعر أمريكا والغرب بسلاحهم النووي والكيماوي والبيولوجي، وتقدمهم الهائل في التسليح وإدارة الحروب، وخبرتهم المتراكمة في القتال والصراع؟! بل لماذا لما ندع الشيشان للاستسلام للروس والخنوع لهم، وتسليم الأرض والعرض، ما داموا لا سلاح معهم إلا البنادق، وعددهم أقل من 1% من عدوهم؟! بل لماذا لم نصدر فتوى لمسلمي البوسنة بالاستسلام للصرب ما داموا أضعف منهم؟! إن الإسلام لم يحارب يومًا على قاعدة القوة والضعف المادي.
قال عبد الرحمن: نعم، نعم! ثم إن الإسلام ليس مسئولا عن ضعف هؤلاء- إن كانوا حقًا ضعفاء؛ فالإسلام يدعوهم إلى القوة والاتحاد، ولم يدعُهم يومًا إلى التفرق والتمزق، والتقاتل والتدابر. فمن الخطأ التماس العذر لهم في الإسلام، والبحث عن فتوى دينية، تبيح لهم السلام المخزي، في حين الأمر كله يتم خارج إطار الإسلام، ويتجاوز دائرته. ومن المآسي، أن بعضنا يفعل ما يريد، ثم يعمد إلى البحث في الإسلام عما يؤيد مسلكه. فإن أراد حربًا، استخدم آيات القرآن للحث على القتال، وإن أراد صلحًا، استغلَّ آيات الكتاب للحث على الصلح. وكان الأوْلى أن ننزه القرآن واسم الإسلام عن هذا العبث بآيات الله تعالى، والاستخفاف بدينه، وألا نجعل من الإسلام مطيَّة لأغراض السياسة المداهنة.. ولا أدري: هل علينا أن نجعل الإسلام أداة في أيدي المفسدين؛ لتجميل منكرهم؛ وتبرير مسلكهم، بعد أن يكونوا قد أتموا جرائمهم، وأكملوا شرورهم؟!
وكأنما فجَّرتْ هذه الكلمات بركان غضب في صدر عبد الله، الذي علا صوته قائلا: لقد أصبتَ يا عبد الرحمن، وإنني دائمًا أتساءل: هل مَن أبرموا السلام مع إسرائيل، سألوا أولا عن حكم الإسلام قبل الإقدام على المعاهدات "التصالحية"؟ وهل من دأب هؤلاء أن يتأكدوا أولا من حكم الإسلام كلما أقدموا على أمر؟ وهل إذا خالف حكم الإسلام هواهم وتخطيطهم السياسي، يقفون عند حدوده، ويتقيدون بالشرع؟ بل أين هم من سائر حدود الله تعالى، فلا مراعاة للإسلام في نظمهم الاقتصادية والتشريعية، والإدارية والتعليمية، والتثقيفية، إلا بما يُعطي غطاء يحمي من النقد، ويذر الرماد في العيون المخدوعة.

ونسأل أيضًا: هل وظيفة المفتي أن يُستدعى في آخر الحفل لكي يبارك ويُمضي ما أمضاه الآخرون، ليصير الدين شكلا في ديكور السياسة، أم يَسبق الحكم الشرعي الواقع ويضبطه، ويحكم عليه ويوجهه؟!


قلت مهدِّئًا: إن هذه القضية خطيرة بصفة عامة، وأنا أتساءل معكما: إلى متى يظل الإسلام في بلاط السلاطين تكئة، ومنهبة لكل من أراد أن يتسوَّل به؟! لقد رأينا من أدعياء الوطنية كيف يلصقون بالإسلام كل ما تصبو إليه أهواءهم، وتطمح رغباتهم السياسية. فالإسلام تارة هو الاشتراكية، على حين الاشتراكية تارة أخرى كفر، والإسلام طوْرًا هو الديمقراطية، وفي طور آخر الديمقراطية كفر، والإسلام يُحرِّم السلام مع اليهود يومًا، على حين الجهاد في يوم آخر ضد اليهود إرهابٌ، وعمل خارج القانون. وكان أولى بنا- كما قال عبد الرحمن- أن نُنزِّه الإسلام عن أن يسير في ركاب أهواء السياسة، فإذا أراد البعض اشتراكية، فلتكن اشتراكية وكفى، ولا يُسميها اشتراكية الإسلام، وإذا أراد بعض آخر الديمقراطية، فلتكن الديمقراطية وكفى، ولا يُسميها ديمقراطية الإسلام، وإذا أرادوا مع اليهود حربًا أو سلامًا، فليذهبوا إلى ما يريدون عمْدًا، دون استدعاء الفتوى الدينية لتأييد أقصى اليمين وأقصى اليسار معًا، وكأن الإسلام هو لِما أريدَ له، أو هو ما أراد الساسة، لا ما أراد الله !
قال عبد الرحمن مضيفًا: لعل أكبر مثال على هذه المنهجية الفاسدة، ما كان حين احتل العراقُ الكويت، حيث دعونا جميعًا لإعلان الحرب لتحرير الكويت، بل رخصت الفتوى لاستقدام قوات أمريكية وأوربية للمشاركة في هذا التحرير، مع أن الكويت بالنسبة للعراق دولة ضعيفة، فلماذا لم يكن ضعفها مسوغًا هناك لكي تصدر الفتوى بأن يتصالح الكويتيون مع العراق لأنهم ضعفاء: كما يدعون الفلسطينيين اليوم للتصالح مع إسرائيل لأنهم ضعفاء، بل لأننا جميعًا ضعفاء أمام شرذمة من الأفاقين المتشردين، أم ترى الدم المسلم أرخص من الدم اليهودي؟!

بل قل لماذا لا ندعو الدول الغربية لمشاركتنا في تحرير فلسطين- كما فعلنا في تحرير الكويت، باسم تحرير دولة مغتصِبة، وتنفيذ قرارات دولية، ونعلن الحرب، ونطلق فتاوى الجهاد، ونردِّد آيات القرآن التي تحض على قتال المعتدين، كما فعلنا في حرب الكويت؟ أم ترى الإسلام يسمح بتدمير العراق، ولا يسمح بتدمير إسرائيل؟ أم ترى الإسلام يدعو لحرب العراق، ولا يدعو لحرب إسرائيل؟! أم ترى الإسلام يأمر بتحرير الكويت، ولا يأمر بتحرير فلسطين؟! أم ترانا إذا أراد الغرب تحرير الكويت، دعونا للجهاد المقدس لتحريرها، وإذا أراد الغرب صلحًا مع اليهود، قلنا: الإسلام يدعو إلى المهادنة والاستسلام للأعداء. وكأن الإسلام يدعو إلى الجهاد ضد المسلمين، ولا يدعو إلى الجهاد ضد الكافرين؟!
إن مبررات الجهاد المقدس موجودة في فلسطين بأكثر مما كانت موجودة في الكويت.


رفع عبد الله رأسه، ونظر إلى السقف منتويًا إثارة جانب آخر من القضية فقال: إن الأمر ينطوي على خديعة كبرى، إذ تتكلم الفتوى عن هدنة مؤقتة، على حين يتحدث الساسة عن سلام دائم وأبدي! وبما أن صاحب الفتوى ليس هو الذي يبرم الصلح، فمن الواجب عليه أن يلتزم في فتواه بمحددات الساسة، ويؤسِّس فتواه على ما قالوا من أنه سلام أبدي، وتسليم نهائي، لا رجعة فيه....
قلت مؤيدًا: لقد أصبتَ يا عبد الله.
فقال عبد الله مسرعًا: ومن جانب آخر، فإن الشيخ إذا كان يغلب على ظنه أن هذه الفتوى يمكن أن تحقق مصلحة ما للمسلمين. فهذا خطأ؛ فالسلام الذي تدعو إليه الفتوى، ليس إلا في مصلحة اليهود، ولم يحقق للفلسطينيين أمنًا، ولا هدوءًا، ولا سكينة، ولا تغيَّر شيء في أحوالهم إلى أفضل بعد سنين من المعاهدة: غزة وأريحا. بل زاد القتل، وهدم المساجد ومصادرتها، وهدم المنازل وبناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وإذلال السكان وإعدامهم، وتحدي الأمة بالإعلان باستمرار عن أن القدس ستظل عاصمتهم الأبدية، وأنهم لن يفرطوا فيها. فأين مصلحة المسلمين في مثل هذه المعاهدة؟

وما حكم الإسلام فيمن يعلن يوميًا أن فلسطين أرضه، وأنه لن يتنازل عن شبر منها، وألا مفاوضات حول القدس، ولا إرجاع للمسجد الأقصى، بل يسعى لهدمه، ويشن حملة "لتنظيف" البلاد من المساجد؟ وهل يرضى لنا الإسلام أن نعلن على عدونا الحب والسلام، في وقت هو يعلن علينا الحرب والموت الزؤام؟


التقط عبد الرحمن طرَف الحديث من عبد الله قائلا: ربما نطق المرء بكلمة لا يلقي لها بالا، ولا يظن أن تبلغ ما بلغت، تزرع العداء، وتضر جماعة المسلمين. وخير للمرء ألا ينطق بشيء، إذا كان في ذلك صيانته، وحماية أمته، وتحصين ملته وعقيدته؛ فالكلمة قد ترفع المعنويات، وتهيئ للكفاح والنضال، أو تثير المخاوف والرعب، وتثبط الأبطال، ومما هو معلوم في علم النفس أن الخوف قد يستشرى منتقلا من الضعفاء إلى الأقوياء، ومن الجبناء إلى الشجعان. والأخلاق تعدي، والشائعات تنتشر فتقلب الموازين، وتضعف الثقة بالنفس، وتؤدي إلى الانهزام والتراجع. وقد بيَّن القرآن الكريم تأثير الحالة المعنوية في نتائج المعركة النهائية بقوله في سورة الأنفال عن غزوة بدر: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ{ (الأنفال: 43).
قلت بدوري: ويُحكى أن شبلا رضع مع الغزلان، وتربى بينها. وفي يوم هجمَ أسد على قطيع الغزلان وبينها الشبل، ففرت الغزلان، وفرَّ الشبل معها. فلما رآه الأسد بينها ناداه، فوجده يُصدر أصواتًا كالغزلان، فقال له: إنك أسد، ولست غزالا. أنت ملك الغابة، وجميع الحيوانات تهابك، فلا تنسقْ مع قطيع الغزلان!

فتعجب الشبل، وظن أن الأمر خُدعة، فقال له الأسد: تعال وانظر في الماء إلى هيئتك، إن لك لبدًا مثل لبدي، ولو زأرت مثلي زأرة واحدة؛ لاهتزت الغابة جميعًا. وهنا رأى الشبل صورته في الماء، فأدرك الحقيقة الغائبة، وزأرَ زارة تجاوبت أصداؤها في الغابة، فسار إلى جوار الأسد، رافع الرأس مستأسدًا.


قال عبد الله بعبارات بطيئة ولكنها قوية: إن المأساة في حياة هذه الأمة، هي أن يقع نفرٌ من علمائنا في هوى من بيدهم سلطة فكرية أو سياسية، فيتناولون قضايا بعينها لا يُحسنونها، وعن طريق هؤلاء تصلهم المعلومات الأولية والمقدمات التي يؤسسون عليها تصوراتهم، لا أن يَنزلوا هم إلى أرض الواقع و"الشارع" النابض بالحياة والأفكار والاتجاهات المتشابكة. ومن الطبيعي أن ينجح هؤلاء المتسلطون فكريًا وسياسيًا في تحقيق أهدافهم حينئذ، وأن يعزلوا هذا الفريق من العلماء في أبراج عاجية، ويحصروهم خلال مناظير فكرية، ويجمدوهم في قنوات ضيقة، فيروْن بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويفكرون بعقولهم، ويحسون بقلوبهم، ثم يصادرونهم عبر قنواتهم الخاصة: إعلامية ودعوية، ويمدونهم بزاد متجدد يزداد كل يوم به التحامهم معهم دنيويًا، فيصيرون أسرى الموقف المعقد، كالفراش داخل الشرانق.
قلت: إنك يا عبد الله تصور واقع فريق من العلماء، ولكني لا أعتقد أن الشيخ ابن باز كان منهم...
قاطعني عبد الله بسرعته وانفعاله المعهود، وانطلق يقول: دعني أحدثك عن نفر من العلماء أعْرِفهم، ترى أحدهم عالمًا بالشرع، غير عالم بالواقع، إنهم علماء ومشايخ بينهم وبين المجتمع انفصال عضوي، وبالتالي هم في عزلة كاملة عن تياراته، وعدم دراية بفعالياته، وغربة عن التحولات الأساسية فيه. ومحصِّلة هذا، هو صعوبة التلاؤم بين هؤلاء والواقع، وغياب الشروط الموضوعية للتفاعل والانفعال بمحيطهم، وعدم قدرتهم على القيام بأدوار الريادة الفكرية والسياسية، وعجْزهم عن تولي مواقع السلطة والإرشاد والتوجيه.
انتهز عبد الرحمن فرصة توقف عبد الله عن الكلام لالتقاط أنفاسه، فقال: أنا مع هذا الرأي عمومًا؛ إذ نعترف لبعض مشايخنا بقدراتهم العلمية، وما قضوه من سنين في الاطلاع على النصوص الشرعية ودراستها وفهمها، ولكنهم للأسف لم يبذلوا جهدًا موازيًا في فهم الواقع المعاصر، ولا العلاقات الدولية، ولا السياسة الشرعية في إطار العصر، ولا حقائق الأوضاع في دولهم والعالم. بل إنهم منعزلون في حدود ضيقة، أو أبراج عاجية. ومن هنا جاءت فتاواهم خارج الزمان والمكان، وإن تعززت بما يُعتقد أنه دليل شرعي. وهي فتاوى خارج الحاضر تمامًا، ومتناقضة مع روح اللحظة التي صدرت فيها، وإن تعضدت بنصوص واستنباطات تنبئ عن سذاجة وسطحية في الفكر، وذلك لأن المفتي لا يفهم كل أبعاد الظاهرة التي يعرض لها، ويجهل جوانب جوهرية من القضية التي يتناولها، ولذا لا يصيب روح الشرع، ولا يلتقي مع مقاصده، ولا يضع النصوص الدينية مواضعها، بل يبدو وكأنه يعيش في غير الزمان، ويُفتي لغير الناس، ويتحدث لغة لا نفهمها، ولا نستطيع أن نقبلها، لأنها تأمرنا بعكس ما يريده الدين منا، فالدين يأمرنا بأن نعيش في عزة، وأن نموت في كرامة.
بعد لحظة صمت، واصل عبد الله كلامه السابق قائلا: أولى بهؤلاء المفتين ما داموا مخلصين، ويخافون الله واليوم الآخر، ألا يُفتوا في كل أمر يُسألون فيه، ما داموا يجهلون أبعاد المسألة وملابساتها المختلفة، أو عليهم أن يدرسوا أولا بما يكفي- الجوانبَ المختلفة المتعلقة بموضوع الفتوى. فإذا ما تعرضوا لموضوع سياسي على قدر من الخطورة، مثل الإقرار لليهود بالسيادة القانونية على فلسطين. عليهم أن يفهموا المعنى السياسي، والدلالات الكامنة وراء المصطلحات، وأن يطلعوا على لغة السياسة وحيلها وممارساتها الدبلوماسية الخفية والعلنية، حتى يستطيعوا ترجمة الكلمات، وفهم ما وراء العبارات من معان تغيب عن غير الخبير، وأن يدرسوا كذلك العلاقات الدولية والتاريخ المتعلق بالقضية، ثم لهم بعد ذلك أن يفتوا. أمَّا أن يفتوا بغير علم بكل ذلك، ولا يستعينوا بالخبراء والمتخصصين، فأولى بهم أن يتورَّعوا عن أن يكونوا سببًا لنشر روح التخاذل والاستسلام للكفار، والموالاة لأهل الباطل وأعداء الدين، ومن لا دور لهم إلا حرب الإسلام.

إن فريقًا من هؤلاء، أولى بهم أن يقصروا جهودهم على ما يجيدون فقط، فيفتونا في الطهارة والوضوء، وأن يحدثونا عن الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، وغسل البراجم، وتخليل الأصابع، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتخليل اللحية!


قال عبد الرحمن: من الواجب أن يكون المفتي حكيمًا خبيرًا، يعرف مواقع الكلمات، ويحس نبض جماهير الأمة، فإذا وجَدَ بعضًا يدعو إلى وأدِ روح الجهاد في الأمة، وإطفاء سراج الشهادة، لم يُؤازر هذه الدعوة، ولكن يُقدِّم العلاج، وإذا رأى بعضًا يسعى لاستصدار فتاوى لتبرير الوهن، وتثبيط العزائم، وتبرير أمر واقع فاسد، تنزَّه أن تكون كلماته وفتواه أداة بيد هؤلاء، وإذا كانت الأمة- بشبابها الغض- تريد الجهاد والاستشهاد لتحرير مقدسات الإسلام، لم يكن من اللائق صرفهم عن هذا، وادعاء أن هذا ليس أوان الجهاد، ولكن أوان الاستسلام للعدو، والدعوة إلى محو العواطف الدينية الجياشة، وكبت الحماس لدين الله تعالى.
قال عبد الله وهو يكزُّ على أسنانه، وقد بلغ الانفعال منه مبلغه: إن هذه الفتاوى تستحق فعلا شكْرَ رئيس وزراء إسرائيل- أعلى سلطة هناك- وهو ما فعله بعد ساعات قليلة من صدورها على رءوس الأشهاد، فقال بنصه: "نشكر الشيخ عبد العزيز بن باز على هذه الفتوى".

فهذه الفتوى تقدم لإسرائيل ما لم تحلم به يومًا، وبلا ثمن- حين نُحسن الظن؛ فهيئة من أعلى الهيئات الإسلامية في العالم، ملء السمع والبصر، تدعو المسلمين لتقبل الأمر الواقع، وفتح الحدود، والاستسلام لليهود، والتفريط في فلسطين، هكذا بلا مقدمات، وبنصوص الدين المقدسة نفسها!!


كنت متكئًا على ساعدي، أنتظر أن يُفرِغ صاحباي انفعالاتهما، ثم قلت بهدوء أمتصُّ به التوتر العالق بجو الغرفة: لقد اشتط بكما المقال يا صاحبيَّ، ووقعتما بجرأة في شيخ عزيز علينا، ورجمتموه بأقسى الكلمات عند أول مرة يقع فيه اختلاف، وأنا كنت أريد أن أقول لكم من البداية ما سترونه مفاجأة مذهلة، فأنا لا أعتقد أن هذه الفتاوى تخص الشيخ ابن باز، وليست من كلامه، ومزوَّرة عليه، ولم تخرج من مشكاته، فليس هو الشيخ ابن باز الذي أفتى هذه الفتوى، بل هي منحولة عليه، وسأذكر ما يؤيد رأيي هذا.

وكانت مفاجأة حقيقية انفجرت في القاعة كالقنبلة، فاتسعت لها العيون، وارتجفت القلوب؛ فابتسمت في هدوء، وأخذت أتهيأ لعرض قضيتي.

أبوبكر بن سالم باجنيد
11-12-04 ||, 09:16 PM
ماذا بعدُ؟

أحمد بن نجيب السويلم
11-12-06 ||, 06:59 AM
ماذا بعدُ؟ ...

د.محمود محمود النجيري
11-12-07 ||, 12:45 PM
فتوى يبرأ منها
العالم الرباني


ليست هذه المرة الأولى التي تُنتحَل فتوى على عالم من علمائنا، وخصوصًا الشيخ عبد العزيز بن باز، فمن عاش في المملكة العربية السعودية لبعض الوقت يدرك جيدًا أن هذا الأمر ليس بالجديد، فهناك الفتوى المشهورة بتكفير من يقول بصعود الإنسان إلى القمر وإهدار دمه، والمنسوبة للشيخ ابن باز، وهو منها براء، وأحيانًا ما كان يضطر الشيخ إلى إصدار نشرات، يُكذب فيها بعض ما تنسبه وسائل الإعلام إليه.
بل إن إذاعة لندن نقلت عنه أنه قال بأن الاحتفال بالمولد النبوي كفر. والصحيح أنه قال إن هذه الاحتفالات من البدع المحدثة في الدين، ثم قال في ردِّه على الإذاعة البريطانية:
"وإنني آسف كثيرًا لإذاعة عالمية يحترمها كثير من الناس، ثم تقدم هي، أو مراسلوها على الكذب الصريح. وهذا شك يُوجب على المستمعين التثبت في كل ما تنقله هذه الإذاعة؛ خشية أن يكون كذبًا، كما جرى في هذا الموضوع"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
وإذا نظرنا إلى فتوى الصلح مع اليهود بصفة خاصة، وجدناها تخالف منهج ابن باز في الإفتاء، وأسلوبه وفتاواه السابقة، وتتنافى مع شخصيته وعلمه وفقهه وتاريخه في خدمة الدعوة والفقه الإسلامي، وهي بعيدة عن مصلحة الأمة، ومصادمة لمقتضيات السياسة الشرعية، وأولويات الفقه الإسلامي.
فالفتوى عارية من دليل صحيح، ومنهج ابن باز ذكْر الحكم بدليله الشرعي من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة. وما وردَ في الفتوى من استدلالات هي أخطاء يتنزه عنها أصغر طلبة العلم، فضلا عن ابن باز في مكانته السامقة، فهي استدلالات باطلة، لا تقوم للنقد العلمي. وسنرُدُّ عليها لاحقًا.
وأسلوب الفتوى مضطرب، ولغتها ليست هي لغة ابن باز، وتناقضها يظهر في دعوتها إلى الجهاد والاستسلام في آن واحد، وتدعو شباب الصحوة الإسلامية من الفلسطينيين إلى إلقاء السلاح ومتابعة المتخاذلين من العلمانيين والمتآمرين على الأمة.
ولا يشفع في ذلك أن الفتوى نشرت في جريدة كبرى، بل ربما كان نشرها في هذه الجريدة على هذا الوجه، وفي ذلك الوقت يُلقي بكثير من ظلال الشك حولها، فقد نشرت هذه الجريدة أن رئيس تحريرها شخصيًا، وليس أحدًا آخر[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) توجَّه بالاستفتاء إلى الشيخ ابن باز نفسه. ومعلوم أن هذه الجريدة لها ارتباطاتها المحدودة، وصلاتها المعروفة بدوائر سياسية معينة، لذا نشرت الفتوى على صفحة كاملة دون مبرر، وأعادت النشر مرات، مع توصية تكررت على صفحات الجريدة من الشيخ لرئيس التحرير بتحري الدقة في النشر، وكأن الأمر يمكن أن يصير إلى غير ذلك!
إن استخدام اسم ابن باز- بما هو معلوم من حب وتقدير الناس له، وثقتهم في علمه- قد يجعل القضية مقبولة، ويضمن هضم قطاعات عريضة من الشباب خاصة والعوام لها. ولكن لابد لنا أن نحاول الربط بين نشر هذه الفتوى، ومسارعة دول خليجية بعينها إلى المناداة بسقوط المقاطعة العربية لإسرائيل، والمبادرة إلى خطوات عملية في ذلك. ولهذا نتساءل: هل رفع المقاطعة الدينية عن إسرائيل هي الخطوة التالية بعد رفع المقاطعة السياسية؟ وهل تسير الفتوى الدينية في ركاب أهواء السياسة؟
إن الفتوى تأتي في توقيت مريب، يلقي بظلال من الشك على خلفياتها ومغزاها، فقد جاءت في وقت استسلام رسمي من بعض الزعماء للمشروع اليهودي، والرضا بما أراد هو وحدد من مسار للقضية، والتنازل عن كل الثوابت والمواقف السابقة، والتخلي عن كل المبادئ والشعارات التي طالما بُذلت الدماء لها رخيصة، بل الهرولة إلى الجنوح للسلم في وقت يجنح الأعداء إلى الغرور والاستعلاء، وفي وقت تحتاج الأمة فيه إلى مَن يُجدد لها دينها، ويُعيد على مسامعها آيات الجهاد والبذل والتضحية والشهادة، ويُذكِّرها بنماذج عمرو، وخالد، وصلاح الدين.
في هذا الوقت الذي زادت فيه الهوة اتساعًا بين قيادات خائفة مرتجفة، وشعوب تريد الكرامة والجهاد لتحرير مقدساتها فتُكبتْ وتُقمع، تنحاز الفتوى الدينية إلى السياسة غير الشرعية، وتوطئ لها السبيل، وتمهِّد لشرورها، وتكسح الألغام من طريقها!
ويزيدنا ارتيابًا أن الفتوى أتت في سياق الهجوم على الإسلاميين الداعين إلى تحرير فلسطين، ووصفهم بالجمود والجهل والسطحية، وعدم مسايرة العصر، وعدم فهم أصول اللعبة السياسية، وفي سياق من التراجعات في القضية الفلسطينية، والتسليم لليهود- على تحديهم وعداوتهم الظاهرة لنا، وفي وقت تحتاج الأمة إلى من يُحيي فيها ذكر الجهاد وروح المقاومة، ولذلك استخدمت الفتوى من قبل أعداء الإسلام، وأفادتهم في مواجهة جيل الصحوة الإسلامية، ورميهم بمزيد من تهم التطرف والظلامية والرجعية.
ونحن على يقين من أن الشيخ ابن باز لا دور له في هذه اللعبة السياسية، مع تسليمنا بأن بعض المشايخ يمكن التأثير عليهم بسهولة، وإحاطتهم بمعلومات وأجواء وتصورات ومواقف، تدفعهم إلى نتائج محددة، وأقوال مطلوبة، وتؤدي بهم إلى إعطاء صكٍّ ديني بالتخاذل والتنازل عن الأرض والعِرض حتى لو كنا في مواجهة أعدائنا التاريخيين، أعداء الله ورسوله، وأخبث خلق الله طرًّا، وأسوأهم طوية.
وكم يجري من عمليات خداع لاستصدار فتاوى بضرب شباب الصحوة الإسلامية! نرى فيها كبار العلماء ينحازون إلى أعداء الصحوة الإسلامية وهم غافلون، وتُستخدم فتاواهم بضرب الشباب المسلم واعتقاله والتضييق عليه. وما نستيقن منه هو أن توريط علمائنا على هذا الوجه، يحقق لأعداء الصحوة أهدافًا عدة في شق صف دعاة الإسلام، وتوهين قواهم، وشغلهم بتسليط بعضهم على بعض، وتشويه صورتهم أمام الرأي العام. وأكثر من ذلك تحجيم القيادات الدينية التي يُخشى من تعاظم نفوذها، وذلك بدفعها إلى مواقع خاطئة، تزلزل مصداقيتها لدى شباب الصحوة، وتفرغ المواقع القيادية من رموزها؛ لاستبدالها بقيادات أكثر ولاءً وطاعة كلما كان ذلك مطلوبًا، فإذا فشلوا في ذلك أطلقوا الشائعات، ولفقوا الاتهامات، وزوَّروا الفتاوى، وحرَّفوا التاريخ.
إن هذه الفتوى يبرأ منها العالم الرباني، لأنها مخالفة لإجماع علماء المسلمين، وبعيدة عن مصالحهم، وتؤدي إلى شق الصف، وتفريق الكلمة، والفشل وذهاب القوة، وتمكِّن للمعتدي وتكافئه، وتتيح له استكمال مخططه الاستعماري في إقامة إسرائيل الكبرى، والهيمنة على بلاد المسلمين، وإخضاعها لسلطان الأعداء الاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري. إنهم يريدون أن يأخذوا بالسلام ما لم يستطيعوا أخذه بالحرب.




[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) نشرت مجلة "المجلة" السعودية طرفًا من ذلك، ع806، في 23/7/1995، ص20.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) ثم ذكرت الجريدة نفسها في آخر تعقيب لها أن الفتوى كانت ردًا على أسئلة لبعض أبناء فلسطين، فأي ذلك نصدق؟

د.محمود محمود النجيري
11-12-11 ||, 03:35 PM
ابن باز
يرد على الفتاوى
المنسوبة إليه


كان للشيخ ابن باز- رحمه الله- مواقفه الحميدة في نصرة الجهاد الإسلامي في جميع الأقطار الإسلامية المجروحة، وفتاواه منشورة في تأييد جهاد الأفغان، والفلسطينيين، ومسلمي البوسنة والهرسك، والشيشان، وإرتريا، والفلبين، وكشمير، وغيرها. ولعل أبلغ ردٍّ على ما نُسب إليه من فتاوى، تدعو إلى ترك الجهاد، هو أن نبرز بعض فتاويه القديمة التي تحض على الاستشهاد في سبيل الله، والقتال لرفع دينه، وتحرير أرض الإسلام، وتدعو المسلمين في العالم لنصرة المجاهدين، الذين يتصدون لطواغيت الكفر برغم قلة عَدَدِهم وعُدَدِهم. ومنها:

لا حل للقضية إلا بالجهاد الإسلامي[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)

س: كيف السبيل؟ وما هو المصير في القضية الفلسطينية التي تزداد مع الأيام تعقيدًا وضراوة؟
ج : إن المسلم ليألم كثيرًا، ويأسف جدًا من تدهور القضية الفلسطينية، من وضع سييء، إلى وضع أسوأ منه. وتزداد تعقيدًا مع الأيام، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في الآونة الأخيرة؛ بسبب اختلاف الدول المجاورة، وعدم صمودها صفًا واحدًا ضد عدوها، وعدم التزامها بحكم الإسلام، الذي علق الله عليه النصر، ووعد أهله الاستخلاف والتمكين من الأرض. وذلك ينذر بالخطر العظيم، والعاقبة الوخيمة، إذا لم تسارع الدول المجاورة إلى توحيد صفوفها من جديد، والتزام حكم الإسلام تجاه هذه القضية، التي تهمهم وتهم العالم الإسلامي كله.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولا وأخيرًا، ولكن أعداء الإسلام بذلوا جهودًا جبارة لإبعادها عن الخط الإسلامي، وإفهام المسلمين من غير العرب أنها قضية عربية، لا شأن لغير العرب بها، ويبدو أنهم نجحوا إلى حدٍّ ما في ذلك، ولذا فإنني أرى أنه لا يمكن الوصول إلى حل لتلك القضية إلا باعتبار القضية إسلامية، وبالتكاتف بين المسلمين لإنقاذها، وجهاد اليهود جهادًا إسلاميًا، حتى تعود الأرض إلى أهلها، وحتى يعود شذاذ اليهود إلى بلادهم التي جاءوا منها، ويبقى اليهود الأصليون في بلادهم تحت حكم الإسلام، لا حكم الشيوعية، ولا العلمانية. وبذلك ينتصر الحق، ويخذل الباطل، ويعود أهل الأرض إلى أرضهم على حُكم الإسلام، لا على حكم غيره. والله الموفق.

قرار مجلس المجمع الفقهي[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)
التابع لرابطة العالم الإسلامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في دورته العاشرة (في 24 صفر 1408هـ، الموافق 17/10/1987م) يحيي الشعب الفلسطيني في جهاده المتواصل ضد الغاصبين المعتدين، وصموده ضد المحتلين، ويحيي شجاعة هذا الشعب وبطولته، وفي الوقت نفسه الذي يتوجه فيه المجلس بالتحية الإسلامية للمجاهدين الفلسطينيين، والدعوة الصادقة إلى الله العلي الكبير أن يكتب لهم النصر المؤزر، ويؤيدهم بتوفيقه وحفظه، وبهذه المناسبة قرر المجلس بالإجماع التوجه إلى العالم الإسلامي حكومات وشعوبًا، بوجوب القيام بدعم الجهاد الفلسطيني، بكل وسائل الدعم المادية والمعنوية، والسياسية والاقتصادية.
كما يقرر المجلس جواز صرف بعض أموال الزكاة لهذا الجهاد الإسلامي.
والمهم في هذا النداء من المجلس أن يبادر المسلمون خفافًا وثقالا للاستنفار لتأييدهم في هذا الجهاد، وفي هذه المعركة التي هي معركة الإسلام في هذا العصر، قال الله تبارك وتعالى: ]انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[ (التوبة: 41).
ووصية المجلس للشعب الفلسطيني المؤمن المجاهد، أن يتمسكوا بحبل الله المتين، ويواصلوا جهادهم الإسلامي المبارك؛ لإعلاء كلمة الله؛ وحماية المسجد الأقصى المبارك، ويعتصموا بالله هو مولاهم، نعم المولى ونعم النصير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على إمام المجاهدين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) من كتاب مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، الجزء الأول. عن موقع الشيخ عبد العزيز بن باز على الإنترنت (binbaz.org.sa).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) المجمع كان تحت رئاسة الشيخ ابن باز. موقع رابطة العالم الإسلامي على الإنترنت (themwl.com).

زهرة الياسمين
11-12-13 ||, 04:44 PM
رحم الله علمائنا , وأدخلهم فسيح جناه , ونفعنا بمن بقي

د.محمود محمود النجيري
11-12-23 ||, 11:09 AM
فتوى تقوم على خُدْعة
وتدعو إلى الانتهازية السياسية


برغم أننا قد صرَّحنا باعتقادنا بأن هذه الفتاوى- التي تجيز الصلح مع اليهود- ليست لشيخنا عبد العزيز بن باز- كما نعرفه، إلا أن كون الفتوى قد نشرت على نطاق واسع، فإن كل ما ورد فيها لابد له من مناقشة علمية منهجية؛ ليستبين لنا أكثر الأخطاء والتناقضات، والمعاني السيئة، والنتائج المرفوضة المتضمنة فيها.
ولأن بعض الناس لا يزال يرى أن هذه الفتاوى هي لابن باز، فسنبدأ بما قرَّره سلفنا الكرام: "نحب الرجل، وحبنا للحق أكثر"، وقولهم: "الحق الذي عندهم يلزمنا، والباطل الذي عندهم لا يلزمنا"، وكان شيخ الإسلام ابن القيم- رحمه الله- يقول عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي: "شيخ الإسلام حبيب إلينا: والحق أحب إلينا من شيخ الإسلام"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
فالأقوال حين تناقش مناقشة علمية تجرَّد من قائليها؛ لتُعرَض على محكِّ التمييز. وما وافق الحق قبلناه. والرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال.
وقد بيَّنا من قبل الخديعة الكبرى التي تحتوي عليها الفتوى، حيث تؤسِّس حكمها على هدنة مؤقتة، وصلح عارض. على حين نجدُ الساسة الذين بيدهم الإبرام والنقض، يتحدثون عن صلح أبدي، وسلام دائم، ونهاية للحروب. وهنا قضيتان:
الأولى: هل يُبيح الإسلام نقضَ العهد من قِبل المسلمين، إذا لم يوجد مبرر لذلك من قبل المعاهدين- كما توهِمُ الفتوى؟
والثانية: هل يجوز الصلح الأبدي مع اليهود، على ما هو قائم؟
أمَّا عن القضية الأولى: فالفتوى المذكورة ترى: "أن الحاجة والمصلحة الإسلامية قد تدعو إلى الهدنة المطلقة، ثم قطعها عند زوال الحاجة"، أي أن يبرم المسلمون عهدًا، ثم ينقضوه هكذا بكل سهولة!! حين يكون في العهد مصلحة يعقدونه، فإذا انتهت مصلحة المسلمين، ضربوا بعهودهم عُرْض الحائط. وكأن المسلمين لا عهْدَ لهم، ولا أمان، ولا ذمَّة!! إنها دعوة صريحة إلى الميكافيلية السياسية، والانتهازية التي هي نمط غربي في السياسة الدولية، حيث لا مبادئ إلا المصلحة الإقليمية، ولا منهج إلا الخداع السياسي.
ونحن من غير المقبول أن نصير إلى ذلك؛ لأن الإسلام وضع لنا قواعد ومبادئ لا يجوز لنا الخروج عليها. فإذا كانت الفتوى ترى إبرام هدنة مؤقتة أو دائمة في حال الضعف أو المصلحة، حتى إذا ما بلغنا من القوة مبلغًا، نقَضْنا عهودنا، وتحللنا منها، فذاك ما يُحرِّمه ديننا. فمن الواجب أن ننبذ على سواءٍ كما بيَّن سبحانه لرسوله : ]وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ[(الأنفال: 58). أي نُعلِم من نريد ردَّ عهدهم عليهم. وهذا الردُّ حين يتحقق منهم خيانة للعهد، أو خيف خيانتهم للميثاق.
والآيات القرآنية محكمة في تحريم نقض العهد وخيانة المواثيق حال القوة والتمكن المادي، لا كما تفعل الأمم القوية الغادرة مع الأمم الضعيفة، يقول سبحانه: ]وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ[ (النحل: 91)، وتبيِّن الآيات في سورة التوبة مَن نحفظ عهده، يقول سبحانه: ]إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ[ (التوبة: 4)، والنبي الكريم يقرر لنا مبدأ أساسيًا هو: "أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخنْ من خانك"[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
فكيف نخون مَن لم يخن؟
وبرغم أن الشريعة تجيز مباغتة العدو، والإغارة عليه ومفاجأته، كما فعل النبي الكريم مع بني المصطلق، إلا أن من لهم عهد يحرُم مباغتتهم، إلا أن ينقضوا العهد، ويعلنوا بالعداوة، أو يظاهروا على المسلمين، فحينئذ يجوز لنا أن نباغتهم دون إنذار بالحرب، كما فعل النبي e في مكة عندما فتحها، كما يجوز إنذارهم.
ويُظهر حرمة العهد، أن الله تعالى حرَّم علينا أن نقاتل مع إخواننا في الدين غير الخاضعين لسلطاننا المباشر، ضد من بيننا وبينهم عهدٌ وميثاق من غير المسلمين، كما في قوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌٌ[ (الأنفال: 72)، والنبي e حفظ عهوده مع يهود المدينة إلى أن خفروها، فقاتلهم وأجلاهم، وسبى منهم.
وقد حدثَ أن معاوية رضي الله عنه-- أراد أن يخفر عهده مع الروم، ويباغتهم بجيشه، فاحتج عليه الصحابي عمرو بن عبسة بأن هذا غدر وخيانة ما دامت المعاهدة سارية، فخضع معاوية لهذا الاحتجاج، وعَدَل عن موقفه[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).
وعن ميمون بن مهران قال: "ثلاثةٌ المسلم والكافر فيهم سواء: من عاهدته فوفِّ بعهده، مسلمًا كان أو كافرًا، فإنَّ العهد لله. ومَن كانت بينك وبينه رحم فصلْها، مسلمًا كان أو كافرًا. ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه، مسلمًا كان أو كافرًا"[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).
أما من ينقض العهد المرة تلو المرة، فحكمه في قوله تعالى: ]فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[ (الأنفال: 57).
واستكمالا لهذا الجانب، نرى أن نؤكد أن منطق السياسة العصرية، مخالف للسياسة الشرعية، فسياستهم هي أن تأخذ المتاح، وتطالب بالمفقود من الحق الضائع. فإذا قالت إسرائيل غزة وأريحا أولا، فقل: لا بأس، وطالب بعد ذلك بالضفة الغربية، ثم بالقدس. أما إذا رفضت إسرائيل أي حديث بشأن القدس، فقل سيأتي وقتها.
وهذا المنطق السياسي معتل، ولن يصلح مع اليهود أبدًا؛ لأنهم لن يتنازلوا عن الحق المغتصب، إلا بقوة موازية نظهرها، تجبرهم على الإذعان. والذين قالوا: إننا الآن ضعفاء، وليس هذا وقت المطالبة بكل الحقوق. يعلمون أنهم يكذبون ويخادعون، وأنه لن يأتي الوقت الذي يمتلكون فيه القوة لاسترداد الحق المغتصب؛ لأنهم بوضوح لا يعنيهم هذا الأمر. ولو رأيناهم في الماضي أو الحاضر، يحاولون تملك الأسباب التي توصل يومًا ما إلى التحرير لقلنا: هدنة مؤقتة، ولكنها في الحقيقة لا تعني لديهم إلا راحة مستديمة، وكما يقولون هم أنفسهم: "تعايشًا سلميًا أبديًا". وهيهات أن يكون! فاليهود لا يتعايشون مطلقًا مع غيرهم، وقد لفظتهم جميع المجتمعات التي ساكنتهم، وهم لا يؤتون الناس نقيرًا إذا تملّكوا، كما قال تعالى: ]أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً[ (النساء: 53).
ومنطق التلوُّن السياسي هذا لا يصلح مع القضية الفلسطينية؛ لأن لنا مبادئ لا نحيد عنها. فلا نحن برجماتيون، ولا انتهازيون. بل لنا قيم ومبادئ ثابتة، لا تزول، ولا تتبدل، لأنها مستمدة من الوحي الإلهي. فلا يمكن لنا أن نكون من أهل الخداع السياسي، ولا يصحُّ لنا أن ننقض العهود، وننكث بالمواثيق، لذا لا نبرم عهدًا، أو نعقد صلحًا، نكون مضطرين للإخلال به مستقبلا، أو نقضه والخروج على شروطه. فالعقود ملزمة، والمسلم مأمور بإنفاذ العهد، وإبراء الذمة. كما لا يجوز شرعًا أن يبرم المسلمون عهدًا، وفي النية نقضه؛ لأن الأصل في العقود هو الاستقرار والاستمرار.
فإذا عاهدنا اليهود اليوم على أرض فلسطين، وعاقدناهم: أنها لهم، فكيف يحلُّ لنا غدًا أن ننقض هذا العهد؟ وهل نلعب ونلهو في مضمار السياسة، كمن لا مبادئ لهم تحكم مواقفهم؟ إن هذا لا يجوز لنا، والواجب ألا تتغير مواقفنا مطلقًا ما دام كل شيء على حاله. وإن الذين غيَّروا مواقفهم وأقوالهم، وبدَّلوا مبادئهم تجاه المعتدي، وأقرُّوا له بما انتهَب، وصالحوه على ترك حق الله تعالى، نسألهم: ماذا تغيَّر حتى تصيروا من حال إلى حال؟
لا شيء تغيَّر، فلماذا ننساق نحن المسلمين في تيار التخاذل الجارف المحيط بنا، بل الواجب علينا أن نكون ضمير الأمة الحي، وصوتها القوي النابض بالحق إذا التبست الألسن، وضَلت العقول، وتحيَّرت الأفئدة، وأن ندعو إلى الصواب والحق، ونأمر بالمعروف، وننهي عن المنكر، وندل على الخيرات، ونحيي الجهاد والفداء، ونوقظ روح أمة تدنَّست بالدنايا والأخطاء والعيوب؛ لتستعيد يقظتها ورُشدها؛ ولتتأهل لنيل الشهادة ورضوان الله تعالى.
إن الهدنة، أو الموادعة، أو المصالحة في اصطلاح علمائنا القدماء، تختلف عن معنى عملية السلام وحقيقنها الراهنة. فالمصالحة كانت تعني كفّ اليد، ووقف العمليات العسكرية فقط. أما السلام الإسرائيلي أو الأمريكي، فهو معنىً شامل لخبرات عميقة في السيطرة والاحتواء، والإخضاع والإضعاف، والاختراق والإذلال.....
وما يجري الآن ليس هدنة، ولا موادعة، ولكن معاهدة صلح، يتنازل فيها طرف (العرب) للآخر (اليهود) عن حق (فلسطين) بلا مقابل. فالهدنة جائزة لمصلحة المسلمين. أما التنازل عن الحقوق بلا مقابل، فليس ثمة مصلحة فيه لأحد منا.
والصلح أو الأمان المؤبد في الإسلام يكون للذميين، ويتوَّلاه إمام المسلمين الذي بويع على الكتاب والسنة، ويلزم المسلمين حال إبرامه، ولا يملك أحد نقضه بحالٍ ما استقام عليه القوم. ولا يصح سلام مؤبد في حق من اعتدى على الدين، أو على بعض بلاد المسلمين. ويكون السلام المؤبد للذميين حال كونهم تحت سلطان الإمام المسلم، أما إذا كانت لهم شوكة ودولة متغلبة بالباطل، وقائمة على البغي والعدوان، وتحدي المسلمين، وانتهاب حقوقهم وأرضهم ومقدساتهم، فلا سلام مؤبد على الإطلاق، ولا مجاورة إلا على ما بدءوا من عداء.
يقول الإمام ابن قدامة في المغني: "لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة؛ لأنه يُفضي إلى ترك الجهاد بالكلية"[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
والجهاد لا ينتهي؛ لأنه ماضٍ إلى يوم القيامة- كما ورد في الحديث الصحيح، وقد تنتهي حربٌ ما بتحقيق أغراضها، ولكن الجهاد نفسه قائم أبدًا ما دام على الأرض مسلمون، وما دام هناك اعتداءٌ على شبر من أرض الإسلام، أو فرْد من المسلمين. فضلا عن الجهاد الدائم لنشر الإسلام في الآفاق.
إن السلام الإسرائيلي يعني استمرار إخراج المسلمين من ديارهم وأموالهم، وتشرُّدهم في الآفاق لاجئين، على حين يحتل بلادهم مهاجرون يهود من أصقاع الأرض. وهذا من أكبر الظلم والإقرار بالحَيف، والله سبحانه يقول: ]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً[ (النساء: 75).
وكل من أقرَّ سلامًا- على إخراج المسلمين من ديارهم- يُعتبَر مظاهرًا على ذلك، وعاملا فيه، ومعاديًا لله ورسوله، ومؤذيًا للمسلمين، وخائنًا للأمانة، ومفرِّطًا في الحُرمات، ومتخذًا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومانعًا لمساجد الله أن يُذكر فيها اسمُه، وساعيًا في خرابها، ونصيرًا للكفرة الفجرة، والله U يقول: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[ (الأنفال: 27)، ويُبيَّن الحق سبحانه: مَن يجوز لنا سلامهم، ومَن لا يجوز بقوله: ]لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ (الممتحنة: 8-9).
إن الصلح مع اليهود اليوم- دائمًا أو مؤقتًا- معناه الاعتراف بكيان غاصب، نَهب أراضي المسلمين وثرواتهم، وأهانَ كرامتهم، ونالَ من شرفهم وعزتهم. هذا الكيان الصهيوني العنصري، الذي طالما وصفناه بالدويلة الهزيلة، والمولود المبتسر، والمشروع المبتور، والدويلة الجيش، والكيان الطفيلي الذي ولد ميتًا... إلخ. ثم إذا بفريق يعترف به اعترافًا صريحًا، يتنازل معه بكل يسر عن جهاد الماضي وتضحياته، وآلامه ودمائه، وشعاراته واستراتيجياته، ليصير ما في يديه تكتيكات هزيلة، لا همَّ لها إلا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والحفاظ على مكتسبات شخصية! فهل نوافق على بيع دماء الشهداء، وأنين الثكالى، وبكاء اليتامى، بماء الذل، وخبز المهانة، وأضواء الكاميرات؟!
إن المعنى الكامن لكلمة سلام، هو إقرار اليهود على كل فلسطين، بمعاهدات ومواثيق دولية يشهدها العالم ويلتزمها الجميع، ويقف في وجه من ينقضها مستقبلا، والتسليم بالأمر الواقع خوفًا على دماء تبذل، أو أموال تصرف، أو سلطات تطيش. وكأن الجهاد يمكن أن يكون نزهة في حدائق الهايد بارك!
وهذا الإقرار يعني صراحةً: "سيادة قانونية" إسرائيلية على كل شبر في فلسطين، وعلى كل السكان أيضًا، ومنهم العرب هناك، على أن تكون الأراضي المحتلة عام 1948م- وهي تبلغ (78 %) من جملة مساحة فلسطين- تحت الإدارة الإسرائيلية تمامًا، على حين يكون (22 %) فقط من الأرض، هو كل ما يسعى إليه الفلسطينيون بمفاوضات شاقة مذلة متعثرة، لكي يقيموا عليها ما يظنون أنه دولة فلسطينية، وما هي إلا إدارة محلية فقط تنفيذية ومحدودة، وليست سلطة على الأرض، بل على السكان، فكل الأرض بهذا الإقرار التصالحي، صارت خاضعة للسيادة الإسرائيلية برضاء العرب. وكذلك الجو والبحر والمعابر!
وحتى السلطة الفلسطينية التي تمارس الحكم الذاتي المحدود هي تحت السلطة الإسرائيلية قانونًا، وخاضعة لها تمامًا، ولا تملك وضع قانون أو تشريع، أو ممارسة مظاهر السيادة الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي. وياسر عرفات نفسه صار بعد "غزة وأريحا" مواطنًا إسرائيليًا من الناحية القانونية!
فإذا أقررنا اليوم، فالعالم كله سيقف ضدنا إذا أردنا نقضَ هذه العهود المبرمة والاتفاقات الدولية التي تضمنها الدول الكبرى والمنظمة الدولية. أما أن ننتظر ونتجهز ونعد العدة للتحرير، فهذا هو المقبول شرعًا وعقلا، فلا شيء يُجبرُني على التوقيع على بيع داري وأرضي بلا ثمن، تحت زعم ضعفي وخوفي، وزعم أنني سوف أستعد لاسترجاعها بالقوة. وقد مضى أكثر من خمسين عامًا ولم نرَ استعدادًا، والله سبحانه يقول: ]وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ[ (التوبة: 46). ويقول أمير الجهاد: عمر المختار- الذي دوَّخ الطليان- قبل إعدامه: "لئن كسر المدفع سيفي، فلن يكسر الباطل حقي!
وفي الوقت نفسه الذي نعلن فيه على اليهود السلام، يعلنون علينا الحرب! ويُعدون العدة لمزيد من العدوان والاحتلال والسيطرة على الأرض والاقتصاد والثقافة، ويُصرِّحون بأن استعادة سيناء بثرواتها هدف ذو أولوية استراتيجية، وأنه يتحتم عليهم التخطيط لاسترجاع سيناء مرة أخرى، فهم يؤمنون بحدود مفتوحة لإسرائيل، فلا حدود دولية معروفة للدولة اليهودية، مما يتيح لها استمرار ضم الأراضي، وابتلاعها مستقبلا إن استطاعت، ومناحم بيجن (بطل السلام!) من قبل، وبعد أن تولى منصب الرئاسة، كتب في مذكراته: "لن يكون سلام لشعب إسرائيل، ولا لأرض إسرائيل، ولا للعرب ما دمنا لم نحررْ وطننا بأجمعه بعد، حتى لو وقعنا معاهدة الصلح"[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).
إن السلم مع اليهود هو تسليم بتدشين المشروع الصهيوني، الذي هو رأس جسر للمشروع الأكبر في الوطن الإسلامي، وهو استسلام، يعني توقف روح المقاومة في الأمة، وانطفاء جذوة الجهاد، والتفريط في تحقيق استقلال سياسي واقتصادي، وتقدُّم علمي، ورقي خلقي؛ إذ المخطط الغربي يرمي إلى تذويب شخصيتنا الدينية، وسلخ هويتنا القومية، والهيمنة على ثرواتنا ومستقبلنا. وما إسرائيل إلا الطليعة الاستعمارية في هذا المخطط.
والسلام مع إسرائيل لن يكون إلا منزلقًا وعرًا، وخطأً استراتيجيًا، يكلف الأجيال القادمة ثمنًا باهظًا، ولا يحمينا من الخسران المبين، فهو يضع في الرقاب أغلالا، وفي الأيدي قيودًا أمنية واقتصادية، ويرسم خطوطًا حمراء على هويتنا الثقافية والحضارية. والواجب علينا أن نقف عند هذه الحدود الفاصلة، دارسين متأملين للطرق المتفرقة التي نقف على رأسها، وأن نتسلح بالمنهجية العلمية والموضوعية في تقدير قوة الخصم وقوتنا الذاتية، بلا غرور، ولا استهانة. فقوة إسرائيل التي نلمسها على الساحة السياسية، شيء لا يصح أن نغمطه أو ننساه، ولكن يجب ألا يدفعنا هذا إلى الرعب والشلل، والاضطراب المؤدي إلى عدم القدرة على اتخاذ القرار السديد. وعلينا أن نعد ما استطعنا من فكر ودراسة، وقوة وعلم، وجهاد وتربية، ودعوة ودعاء، واستقامة وصلاح وسلاح، ليوم آت لا محالة. يوم التحرير، أو الشهادة.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) مدارج السالكين: ابن القيم 3/394.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) أخرجه أحمد في المسند، (15462). وأبو داود، كتاب الإجارة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (3534). والترمذي، كتاب البيوع (1264). وصححه الألباني.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير عدوه ليقرب نحو منهم فيغير بعد المدة عليهم، 2759. والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر، 1580. وصححه الألباني.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) أخرجه البيهقي في الشعب، الثاني والثلاثين من شعب الإيمان وهو باب في الإيفاء بالعقود (4362).

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) المغني: ابن قدامة 10/509.

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) كتاب الثورة، لمناحيم بيجن، ص235.

محمد ال عمر التمر
11-12-25 ||, 12:32 PM
قبل هذا النقاش كله ، هل جريدة المسلمون أو الشرق الأوسط أو إذاعة لندن لهم مصداقية في النقل وخصوصا الفتاوى ؟

د.محمود محمود النجيري
11-12-26 ||, 09:09 PM
قبل هذا النقاش كله ، هل جريدة المسلمون أو الشرق الأوسط أو إذاعة لندن لهم مصداقية في النقل وخصوصا الفتاوى ؟
أرحب بالأخ الكريم
وأوضح أن هذا الموضوع عمره أكثر من خمس عشرة سنة، حين نشرت المجلات والجرائد ما قالت إنه مساجلات بين القرضاوي وابن باز في هذا الموضوع. وإليك جانبا مما نشر:
نشرت جريدة "المسلمون" في العدد (516) (الصادر يوم الجمعة 21 رجب 1415هـ. الموافق 23/12/1994)، فتاوى منسوبة إلي الشيخ عبد العزيز بن باز- تحت عنوان: "ننصح الفلسطينيين جميعًا بأن يتفقوا على الصلح، ويتعاونوا على البر والتقوى.. تجوز الهدنة مع الأعداء مطلقة ومقيدة، إذا رأى وليُّ الأمر المصلحة في ذلك.. زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه سُنة إذا تيسَّر ذلك".
وفيما يلي نص الأسئلة والأجوبة:
س1: سماحة الوالد، المنطقة تعيش اليوم مرحلة السلام واتفاقياته، الأمر الذي آذى كثيرًا من المسلمين، مما حدا ببعضهم إلى معارضته، والسعي لمواجهة الحكومات التي تدعمه عن طريق الاغتيالات، أو ضرب الأهداف المدنية للأعداء. ومنطقهم يقوم على الآتي:


أن الإسلام يرفض مبدأ المهادنة.
أن الإسلام يدعو لمواجهة الأعداء، بِغَض النظر عن حال الأمة والمسلمين من ضعف أو قوة.

فنرجو بيان الحق. وكيف نتعامل مع هذا الواقع، بما يكفل سلامة الدين وأهله؟
جـ1: تجوز الهدنة مع الأعداء مطلقة ومؤقتة، إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك، لقول الله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ (الأنفال: 61)، ولأن النبي الكريم فعلهما جميعًا. كما صالحَ أهلَ مكة على ترك الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وصالح كثيرًا من قبائل العرب صلحًا مطلقًا. فلما فتح عليه مكة نبذ إليهم عهودهم، وأجَّل مَن لا عهد له أربعة أشهر، كما قال الله سبحانه: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ {1} فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ {2}[ [التوبة].
وبعث صلى الله عليه وسلم- المنادين بذلك عام تسع من الهجرة بعد الفتح مع الصِّديق لمَّا حجَّ. ولأن الحاجة والمصلحة الإسلامية قد تدعو إلى الهدنة المطلقة، ثم قطْعها عند زوال الحاجة، كما فعل النبي. وقد بسط العلامة ابن القيم- رحمه الله- القول في ذلك في كتاب "أحكام أهل الذمة"، واختار ذلك شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم، والله الموفق.
س2: يرى البعض أن حال الفساد وصَل في الأمة لدرجة لا يمكن تغييره إلا بالقوة، وتهييج الناس على الحُكام، وإبراز معايبهم لينفروا عنهم. وللأسف فإن هؤلاء لا يتورعون عن دعوة الناس لهذا المنهج والحث عليه، ماذا يقول سماحتكم؟
جـ2: هذا مذهب لا تقرُّه الشريعة؛ لما فيه من مخالفة للنصوص الآمرة بالسمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف؛ ولما فيه من الفساد العظيم، والفوضى والإخلال بالأمن. والواجب عند ظهور المنكرات إنكارها بالأسلوب الشرعي، وبيان الأدلة الشرعية من غير عنف، ولا إنكار باليد، إلا لمن تخوله الدولة ذلك، حرصًا على استتباب الأمن وعدم الفوضى. وقد دلت الأحاديث عن النبي r على ذلك، ومنها قوله r: "من رأى من أميره شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة". وقوله r: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، في المنشط والمكره، ما لم يؤمر بمعصية الله". وقد بايع الصحابة y النبيr على السمْع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وعلى ألا ينزعوا يدًا من طاعة، إلا أن يَروا كُفرًا بواحًا، عندهم من الله فيه برهان. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. والمشروع في مثل هذه الحال، مناصحة ولاة الأمور، والتعاون معهم على البر والتقوى، والدعاء لهم بالتوفيق، والإعانة على الخير حتى يقل الشر ويكثر الخير. نسأل الله أن يصلح جميع ولاة أمر المسلمين، وأن يمنحهم البطانة الصالحة، وأن يكثر أعوانهم في الخير، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده. إنه جواد كريم!
س3: في ظل التفاهم بين العرب واليهود، هل يجوز زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، خصوصًا في حالة الموافقة من الدول العربية؟
جـ3: زيارة المسجد الأٌقصى، والصلاة فيه سُنة- إذا تيسر ذلك، لقول النبي r: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". متفق على صحته. والله الموفق.
س4: يختلف الفلسطينيون في مواقفهم من عملية السلام، فحماس تعارض، وتدعو للمقاومة، والسلطة موافقة. وأغلب الشارع- كما يبدو- مع السلطة[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1). فمَن تلزم الناس طاعته، وما هو موقفنا نحن في الخارج؟ نرجو بيان الحق؛ لأن هناك أخطارًا بأن ينشب القتال بين الفلسطينيين أنفسهم؟
جـ4: ننصح الفلسطينيين جميعًا بأن يتفقوا على الصلح، ويتعاونوا على البر والتقوى، حقنًا للدماء، وجمعًا للكلمة على الحق، وإرغامًا للأعداء الذين يدْعون إلى الفرقة والاختلاف.
*****

ونشرت جريدة "المسلمون" أيضًا في العدد (520) (الجمعة 19 شعبان 1415هـ، الموافق 20/1/1995م)، مزيدًا من الفتاوى في هذا الاتجاه، وهذا نص الأسئلة والأجوبة:
س1: فهِم بعضُ الناس من إجابتكم على سؤال الصلح مع اليهود- وهو السؤال الأول في المقابلة- أن الصلح أو الهدنة مع اليهود المغتصبين للأرض والمعتدين جائزٌ على إطلاقه، وأنه يجوز مودَّة اليهود ومحبتهم، ويجب عدم إثارة ما يؤكد البغضاء والبراءة منهم في المناهج التعليمية في البلاد الإسلامية، وفي أجهزة إعلامها، زاعمين أن السلام معهم يقتضي هذا، وأنهم ليسوا بعد معاهدات السلام أعداء يجب اعتقاد عداوتهم، ولأن العالم الآن يعيش حالة الوفاق والتعايش السلمي، فلا يجوز إثارة العداوة الدينية بين الشعوب، فنرجو من سماحتكم التوضيح.
جـ1: الصلح مع اليهود- أو غيرهم من الكفار- لا يلزم منه مودتهم، ولا مولاتهم، بل ذلك يقتضي الأمن بين الطرفين، وكفّ بعضهم عن إيذاء البعض الآخر، وغير ذلك. كالبيع والشراء، وتبادل السفراء.. وغير ذلك من المعاملات التي لا تقتضي مودة الكفرة، ولا موالاتهم.
وقد صالح النبي r أهل مكة، ولم يوجب ذلك محبتهم، ولا موالاتهم. بل بقيت العداوة والبغضاء بينهم، حتى يسَّر الله فتح مكة عام الفتح، ودخَل الناس في دين الله أفواجًا.
وهكذا صالح النبي r يهود المدينة- لمَّا قدم المدينة مهاجرًا- صلحًا مطلقًا، ولم يوجب ذلك محبتهم. لكنه r كان يعاملهم في الشراء منهم، والتحدث إليهم، ودعوتهم إلى الله، وترغيبهم في الإسلام. ومات r ودرعه مرهونة عند يهودي، في طعام اشتراه لأهله.
ولمَّا حصل من بني النضير من اليهود الخيانة، أجلاهم من المدينة r، ولما نقضت قريظة العهد، ومالئوا كفار مكة يوم الأحزاب على حرب النبي r، قاتلهم النبي، فقتل مقاتليهم، وسبي ذريتهم ونساءهم، بعدما حكم سعد بن معاذ t فيهم، فحكم بذلك.. وأخبر النبيُّ r أن حكمه قد وافق حكم الله من فوق سبع سموات.
وهكذا المسلمون من الصحابة ومن بعدهم، وقعت الهدنة بينهم في أوقات كثيرة وبين الكفرة من النصارى وغيرهم، فلم يوجب ذلك مودة، ولا محبة، ولا موالاة، وقد قال الله تعالى: }لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ( (المائدة: 82)، وقال ] :عز شأنهقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[ (الممتحنة: 4)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 51)، وقال: }لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[ (المجادلة: 22)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومما يدل على أن الصلح مع الكفار- من اليهود وغيرهم- إذا دعت إليه المصلحة أو الضرورة- لا يلزم منه مودة، ولا محبة، ولا موالاة- أنه r لما فتح خيبر، صالح اليهود فيها على أن يقوموا على النخيل والزروع التي للمسلمين بالنصف لهم، والنصف الثاني للمسلمين. ولم يزالوا في خيبر على هذا العقد، ولم يحدد مدة معينة، بل قال r: "نُقرُّهم على ذلك ما شئنا"، وفي لفظ: "نقرُّكم ما أقرَّكم الله". فلم يزالوا بها حتى أجْلاهم عمر t.
وروى عبد الله بن رواحة t، أنه لما خرص عليهم الثمر في بعض السنين، قالوا: إنك قد جُرْتَ في الخرص، فقال t: "والله إنه لا يحملني بغضي لكم ومحبتي للمسلمين- أن أجور عليكم، فإن شئتم أخذتم بالخرص الذي خرصته عليكم، وإن شئتم أخذناه بذلك".
وهذا كله، يُبيِّن أن الصلح والمهادنة لا يلزم منها محبة ولا موالاة لأعداء الله، كما يظن بعضُ من قلَّ علمه بأحكام الشريعة المطهرة، وبذلك يتضح للسائل وغيره أن الصلح مع اليهود أو غيرهم من الكفرة، لا يقتضي تغيير المناهج التعليمية، ولا غيرها من المعاملات المتعلقة بالمحبة والموالاة. والله الموفق.
س2: هل تعني الهدنة المطلقة مع العدو إقراره على ما اقتطعه من أرض المسلمين في فلسطين، وأنها قد أصبحت حقًا أبديًا لليهود بموجب معاهدات تصدق عليها الأمم المتحدة، التي تمثل جميع أمم الأرض، وتخوِّل الأمم المتحدة عقوبة أي دولة تطالب مرة أخرى باسترداد هذه الأرض، أو قتال اليهود فيها.
جـ2: الصلح بين ولي أمر المسلمين في فلسطين وبين اليهود لا يقتضي تمليك اليهود لما تحت أيديهم تمليكًا أبديًا، وإنما يقتضي ذلك تمليكهم تمليكًا مؤقتاً حتى تنتهي الهدنة المؤقتة، أو يقوى المسلمون على إبعادهم عن ديار المسلمين بالقوة في الهدنة المطلقة.
وهكذا يجب قتالهم عند القدرة حتى يدخلوا في الإسلام، أو يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وهكذا النصارى والمجوس لقول الله I في سورة التوبة: ]قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[(التوبة: 29).
وقد ثبت في الصحيح عنه r أنه أخَذَ الجزية من المجوس، وبذلك صار لهم حكم أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط إذا لم يُسلموا، أما حل الطعام والنساء للمسلمين فمختص بأهل الكتاب، كما نصَّ عليه كتاب الله I في سورة المائدة، وقد صرح الحافظ ابن كثير- رحمه الله- في تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال: ]وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ (الأنفال: 61)، بمعنى ما ذكرنا في شأن الصلح.
س3: هل يجوز- بناءً على الهدنة مع العدو اليهودي- تمكينه بما يسمى بمعاهدات التطبيع- من الاستفادة من الدول الإسلامية اقتصاديًا، وغير ذلك من المجالات؛ بما يعود عليه بالمنافع العظيمة؛ ويزيد من قوته وتفوقه، وتمكينه في البلاد الإسلامية المغتصبة، وأن على المسلمين أن يفتحوا أسواقهم لبيع بضائعه، وأنه يجب عليهم تأسيس مؤسسات اقتصادية كالبنوك والشركات، يشترك اليهود فيها مع المسلمين، وأنه يجب أن يشتركوا كذلك في مصادر الحياة كالنيل والفرات، وإن لم يكن جاريًا في أرض فلسطين؟
جـ3: لا يلزم من الصلح بين منظمة التحرير الفلسطينية واليهود ما ذكر السائل بالنسبة إلى بقية الدول، بل كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك. وإن رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود في ذلك.
والواجب على كل من تولى أمر المسلمين- سواء كان ملكًا، أو أميرًا، أو رئيس جمهورية- أن ينظر في مصالح شعبه، فيسمح بما ينفعهم، ويكون في مصلحتهم من الأمور التي لا يمنع منها شرع الله المطهَّر، ويمنع ما سوى ذلك مع أي دولة من دول الكفر، عملا بقول الله:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا{ (النساء: 58). وقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم( (الأنفال: 58-61)، وتأسيًا بالنبي r في مصالحته لأهل مكة ولليهود في المدينة وفي خيبر، وقد قال r في الحديث الصحيح: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته، ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده، ومسئول عن رعيته". ثم قال r: "ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته". وقد قال الله U في كتابه الكريم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ( (الأنفال: 27).
وهذا كله عند العجز عن قتال المشركين، والعجز عن إلزامهم بالجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس. أمَّا مع القدرة على جهادهم، وإلزامهم بالدخول في الإسلام، أو القتل، أو دفع الجزية- إن كانوا من أهلها- فلا تجوز المصالحة معهم، وترْك القتال، وترْك الجزية، وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة مع العجز عن قتالهم، أو إلزامهم بالجزية- إن كانوا من أهلها- لِما تقدَّم من قوله}:قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( (التوبة: 29).
وقوله}:وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه{ (الأنفال: 39). إلى غير ذلك من الآيات المعلومة في ذلك، وعمل النبي r مع أهل مكة يوم الحديبية ويوم الفتح ومع اليهود حين قدم المدينة- يدل على ما ذكرنا.
والله المسئول أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يصلح أحوالهم، ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يعينهم على جهاد أعداء الله على الوجه الذي يرضيه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


بين القرضاوي وابن باز


وبعد نشر هذه الفتاوى رَدَّ عليها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي بمجلة المجتمع الكويتية بالعدد (1133) (الصادر يوم 9 شعبان 1415هـ، الموافق 10/1/1995م)، فعقبت جريدة "المسلمون" على هذا الرد بما نشر بالعدد (525) (يوم الجمعة 25 رمضان 1415هـ، الموافق 24/2/1995م)، ونصه:
"جوابًا لأسئلة موجهة إليَّ مِن بعض أبناء فلسطين.. أوضحت أنه لا مانع من الصلح معهم (أي اليهود)- إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ ليأمن الفلسطينيون في بلادهم؛ ويتمكَّنوا من إقامة دينهم. وقد رأى فضيلة الشيخ يوسف أن ما قلته في ذلك مخالفٌ للصواب؛ لأن اليهود غاصبون، فلا يجوز الصلح معهم... إلى آخر ما ذكره.
وإنني أشكر فضيلته على اهتمامه بهذا الموضوع، ورغبته في إيضاح الحق الذي يعتقده. ولا شك أن الأمر في هذا الموضوع وأشباهه، هو كما قال، يُرجع فيه إلى الدليل. وكلُّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله r، وهذا هو الحق في جميع مسائل الخلاف؛ لقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء: 59)، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ{ (الشورى: 10). وهذه قاعدة مجمعٌ عليها بين أهل السنة والجماعة.
ولكن ما ذكرناه في الصلح مع اليهود قد أوضحنا أدلته، وأجبنا عن أسئلة وردت إلينا في ذلك من بعض الطلبة بكلية الشريعة في جامعة الكويت، وقد نشرت هذه الأجوبة في صحيفة (المسلمون) الصادرة في يوم الجمعة (19/8/1415هـ، الموافق20/1/1995)، وفيها إيضاح لبعض ما أشكل على بعض الإخوان في ذلك.
ونقول للشيخ يوسف- وفقه الله- وغيره من أهل العلم: إن قريشًا قد أخذت أموال المهاجرين ودُورهم، كما قال الله I في سورة الحشر: ] لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ[ (الحشر: 8). ومع ذلك صالح النبي r قريشًا يوم الحديبية سنة ست من الهجرة، ولم يمنع هذا الصلح ما فعلته قريش من ظلم المهاجرين في دورهم وأموالهم، مراعاة للمصلحة العامة التي رآها النبي r لجميع المسلمين من المهاجرين وغيرهم، ولمن يرغب الدخول في الإسلام.
ونقول أيضًا- جوابًا للشيخ يوسف القرضاوي- عن المثال الذي مثل به في مقاله، وهو: لو أن إنسانًا غصب دار إنسان، وأخرجه إلى العراء، ثم صالحه على بعضها. أجاب الشيخ يوسف: أن هذا الصلح لا يصح. وهذا غريب جدًا، بل هو خطأ محض، ولا شك أن المظلوم إذا رضي ببعض حقه، واصطلح مع الظالم في ذلك فلا حرج؛ لعجزه عن أخذ حقه كله. وما لا يدرك جله، لا يترك كله، وقد قال الله: }فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ (التغابن: 16)، وقال:}َالصُّلْحُ خَيْرٌ[ (النساء: 128). ولاشك أن رضا المظلوم بحجرة من داره، أو حجرتين، أو أكثر يسكن فيها هو وأهله، خير من بقائه في العراء.
أما قوله: }فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ[ (محمد: 35)، فهذه الآية فيما إذا كان المظلوم أقوى من الظالم، وأقدر على أخذ حقه، فإنه لا يجوز له الضعف والدعوة إلى السلم، وهو أعلى من الظالم، وأقدر على أخذ حقه. أمَّا إذا كان ليس هو الأعلى في القوة الحسية، فلا بأس بأن يدعو إلى السلم- كما صرَّح بذلك الحافظ ابن كثير- يرحمه الله في تفسير هذه الآية. وقد دعا النبي r إلى السلم يوم الحديبية، لمَّا رأى أن ذلك الأصلح للمسلمين، والأنفع لهم، وأنه أوْلى من القتال. وهو عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة في كل ما يأتي ويذر؛ لقول الله: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً[ (الأحزاب: 21).
ولما نقضوا العهد، وقدر على مقاتلتهم يوم الفتح، غزاهم في عُقر دارهم، وفتح الله عليه البلاد، ومكنه من رقاب أهلها حتى عفا عنهم، وتم له الفتح والنصر. ولله الحمد والمنة.
فأرجو من فضيلة الشيخ يوسف وغيره من إخواني أهل العلم، إعادة النظر في هذا الأمر؛ بناء على الأدلة الشرعية، لا على العاطفة والاستحسان، مع الاطلاع على ما كتبته أخيرًا من الأجوبة الصادرة في صحيفة "المسلمون" (في 19/8/1415هـ، الموافق 20/1/1995). وقد أوضحت فيها: أن الواجب جهاد المشركين من اليهود وغيرهم مع القدرة حتى يُسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، كما دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وعند العجْز عن ذلك، لا حرج في الصلح على وجه ينفع المسلمين، ولا يضرهم، تأسيًا بالنبي r في حربه وصلحه، وتمسكًا بالأدلة الشرعية العامة والخاصة، ووقوفًا عندها. فهذا هو طريق النجاة، وطريق السعادة والسلامة في الدنيا والآخرة.
والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين- قادة وشعوبًا- لكل ما فيه رضاه، وأن يمنحهم الفقه في دينه، والاستقامة عليه، وأن ينصر دينه، ويُعلي كلمته، وأن يصلح قادة المسلمين، ويوفقهم للحكم بشريعته، والتحاكم إليها، والحذر مما يخالفها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
*****

ثم عقب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي مرة أخرى على هذا التعقيب، فأجمل ما قاله من قبل، وهذا نصُّ كلامه الذي نشر بجريدة الشعب (ع 928) (في 14/3/1995م):
"الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد اطلعت على ما كتبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- حفظه الله- تعقيبًا على ردِّي على الفتوى التي صدرت من سماحته؛ إجابة عن أسئلة وجهتها إليه مجلة "المسلمون" (في 21 رجب سنة 1415هـ)، حول السلام مع دولة الاغتصاب الصهيوني (إسرائيل).
ويؤسفني أن أخالف سماحته في تعقيبه، كما خالفته في أصل الفتوى، وليس في العلم كبير، والحقُّ أحقُّ أن يُتبع. وقد أكد الشيخ الأصل الأصيل الذي لا يحيد عالم عنه، وهو أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي r.
وقد بنيتُ ردِّي السابق، على حقيقة مهمة ومسلمة لدى أهل العلم، وهي أن الفتوى لا تكون صحيحة واقعة موقعها، إلا إذا امتزج فيها فقه النصوص والأحكام بفقه الواقع. فإذا انفصلَ أحدهما عن الآخر وقع الخلل. وقد ذكرت أن الخلل الذي وقع في فتوى سماحة الشيخ لم يجئ من عدم معرفة النصوص والأحكام، بل من عدم معرفة الواقع على حقيقته.
ومعرفة الواقع وفقهه قد يصل إليه الفقيه بنفسه، وقد يحتاج إلى خبراء يقرأ لهم، أو يستمع إليهم، كما في الأمور الطبية والفلكية والاقتصادية وغيرها. والقرآن الكريم يقول: )فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً( (الفرقان: 59)، )وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ( (فاطر: 14).
وكنت أوَدُّ من فضيلة الشيخ أن يرد على ما أثرته واستشكلته في فتواه- حفظه الله، ولكنه ردَّ على أمور جانبية، وترك الأساس في القضية.
قلتُ في كلمتي تلك: إن الشيخ استدلَّ بالآية الكريمة: )وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ( (الأنفال: 61)، والآية محكمة في نظرنا، والحكم المستنبط منها مسلم في عمومه، ولكن تطبيقه على الواقع غير مسلم؛ فاليهود لم يجنحوا يومًا للسلم، وإنما هم مغتصبون معتدون، أخذوا الأرض من أهلها بالقوة والسلاح، والعنف والإرهاب، وشرَّدوهم منها، وأقاموا دولتهم العنصرية الظالمة عليها. وقد قلت: إن الغاصب لا يُعتبر جانحًا للسلم، إلا إذا ردَّ ما اغتصبه إلى أهله. أما أن يغتصب داري، ويسمح لي بحجرة منها أسكنها بإذنه وتحت سلطانه، فليس هذا جنوحًا للسلم بحال، هذا ما قلته، ولم أقلْ: إن استطاع أن يأخذ حجرة من داره المغتصبة، فليس له أن يأخذها، ويجاهد لأخذ الباقي واسترداده، وهو الذي استنبطه الشيخ من قولي، وقال إنه خطأ محض، وهو ما لم أقلْهُ.
لقد استدلَّ الرئيس المصري الراحل أنور السادات- حين عقد اتفاقه مع إسرائيل بالآية الكريمة: )وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ.......( (الأنفال: 61) فقاطعه العرب جميعًا وخوَّنوه، وقالوا: إن اليهود لم يجنحوا للسلم، وأعتقد أن الموقف لم يتغير، بل إن اتفاق عرفات أسوأ من اتفاق السادات، باعتراف الجميع. ومَن نظَر في تاريخ اليهود، وفي حديث القرآن عنهم، وفي واقعهم العملي، يجزم بأنهم لم يجنحوا للسلم أبدًا.
كيف وقد رأينا منهم مذبحة الحرم الإبراهيمي، وقتل الرُّكع السجود في بيت الله، وفي شهر رمضان؟ كما رأيناهم يغتصبون شطر المسجد، ويُحرمون على المسلمين دخوله؟!
وكيف يُعتبر جانحًا للسلم مَن يقيم المستوطنات إلى اليوم في أرض العرب والمسلمين، وينتزع الأرض الزراعية من أيدي أصحابها وملاكها، ويأتي بالآلات (البلدوزرات) لتسويتها وإلحاقها بأملاك اليهود، وأهل الأرض يصرخون ويستغيثون، ولا مغيث؟
كيف يعتبر جانحًا للسلم من يقيم الحفريات حول المسجد الأقصى ومن تحته، ويُعد العدة لبناء الهيكل على أنقاض المسجد. وهو أحد أحلامه الكبرى؟!
كيف يعتبر جانحًا للسلم من يهدد المنطقة كلها بترسانته النووية وأسلحته الكيماوية والجرثومية، ويمتنع عن مجرد التوقيع على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية؟
الحق أن كل البراهين والشواهد تدل بوضوح على أن اليهود في طبيعتهم العدوان، وفي مخططهم العدوان، فهم لا يزالون يحلمون بإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، فإلى أرض خيبر، ومواقع بني قينقاع، وقريظة والنضير!
وإنما سعى اليهود إلى هذا السلام المدَّعى، حين رأوا تنامي الجهاد وحركة المقاومة الإسلامية التي غدت مصدر قلق ورعب لليهود، فأرادوا أن يضربوا الحركة (الأصولية) الفلسطينية بأيدي الفلسطينيين أنفسهم، وهو ما نتمنى ألا يكون.
وأمَّا ما ذكره الشيخ ابن باز من مصالحة النبي r لمشركي قريش في الحديبية، وعقد هدنة معهم لعشر سنين، مع ظلمهم للمسلمين في دورهم وأموالهم، واستدلاله بذلك على جواز ما يُصنع اليوم مع إسرائيل، فهو استدلال مردود، للفرق الشاسع بين الموقفين:
فقريش ليست عنصرًا دخيلا على مكة، بل الدار دارها، والبلد بلدها، والمسلمون هاجروا إلى الله ورسوله مختارين لنصرة دينهم، لا لدنيا يصيبونها، ولم يكن المشركون يحبون هجرتهم، ولهذا هاجروا مستخفين، إلا ما كان من عمر رضي الله عنه، وإن عبَّر القرآن عن ذلك بأنهم: {أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} لما كان عليهم من التضييق والإيذاء. بخلاف إسرائيل، فهي كيان دخيل على المنطقة، احتل الأرض، وأقام عليها دولته، وشرَّد أهلها، وفرض على العرب والمسلمين دولة دخيلة معادية في قلب دار الإسلام ووطن العرب.
ثم إن ما فعله الرسول الكريم معهم ليس أكثر من مهادنة، تتوقف فيها الحرب بين الفريقين مدة من الزمن، وهذا ما يمكن قبوله للضرورة أو للمصلحة، إذا رأى ذلك أهل الحل والعقد. أما الذي حدث مع اليهود، فهو- كما ذكرنا من قبل- شيء أكبر وأعظم.. إنه اعتراف بحق اليهود فيما اغتصبوه من أرض، وأنه غدا جزءًا من دولتهم، وأن لهم حق السيادة عليه، وأن سلطانهم عليه سلطان شرعي، وأنه لم يعد لنا حق شرعي في المطالبة به، وناهيك بالجهاد لاسترداده، بعد أن وقعنا على ذلك العقود، وأشهدنا الشهود من الدول الكبرى والأمم المتحدة! وهذا ما لم يرد عليه الشيخ الجليل- سدده الله.
وأما استشهاد الشيخ بقوله تعالى: ]الصُّلْحُ خَيْرٌ[، فليس على إطلاقه، فالصلح الذي يُضيّع حقوق الأمة، ويُملّك أرض الإسلام لغاصبيها ليس خيرًا. وفي الحديث المعروف الذي رواه الترمذي: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالا، أو حلل حرامًا". فحتى الصلح بين المسلمين ليس خيرًا بإطلاق، بل هو مقيد بقيود لا تخفى على أهل العلم.
وقد عقب سماحة الشيخ ابن باز على قولي بأن الآية التي ينبغي ذكرها هنا هي قوله تعالى: ]فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ[ (محمد: 35) ،أن هذا فيما إذا كان المظلوم أقوى من الظالم، وأقدر على أخذ حقه، فإنه لا يجوز له الضعف والدعوة إلى السلم، وهو أعلى من الظالم، أما إذا كان ليس هو الأعلى في القوة الحسية، فلا بأس أن يدعو إلى السلم، كما صرَّح بذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره. أ هـ.
وأقول للشيخ: إن سياق الآية لا يدل على ما ذهب إليه، بل الآية تنهى عن الدعوة إلى السلم من منطلق الضعف، لا من منطلق القوة، بدليل عطف الدعوة إلى السلم على الوهن في الآية: ]فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ[، ويجوز أن تكون الواو للمعية، والآية تذكرة لهم بأنهم "الأعلون" دائمًا، لأنهم أصحاب الدين الذي يعلو ولا يُعلى، فحقهم أعلى من باطل المشركين، وتوحيدهم أعلى من شرْكهم، وحججهم أعلى من شبهاتهم، والعاقبة لهم: ]وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[ (الصافات: 173).
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى في سورة آل عمران، وبعد هزيمة أحد: ]وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[ (آل عمران: 139)[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).
وما فهمه الشيخ من الآية: أن يحارب المسلمون إذا قوُوا، ويدعوا إلى السلم إذا ضعفوا، لا يُشرِّف المسلمين، بل يجعلهم جماعة من الانتهازيين، الذين لا يُحكمون الاعتبارات الأخلاقية، بل الاعتبارات النفعية وحدها. وهذه في الواقع سوءة خُلقية، وتهمة يبرأ منها الشرفاء.
والمفسِّرون الكبار يخالفون ابن كثير- رحمه الله- فيما ذهب إليه، فهذا شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري يقول في تفسير الآية: "يقول الله تعالى ذكره: فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين، وتجبنوا عن قتالهم".
وفي قوله تعالى: ]وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ[ يقول: "لا تضعفوا عنهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون والعالون عليهم، والله معكم" بقوله: والله معكم بالنصر عليهم (تفسير الطبري 11/326).
ويقول العلامة الألوسي في تفسير الآية: "فلا تهنوا" أي إذا علمتم أن الله تعالى مبطل أعمالهم ومعاقبهم، فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة، فلا تبالوا بهم، ولا تُظهروا ضعفًا.. ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خورًا وإظهارًا للعجز. فإن ذلك إعطاء الدنية "وأنتم الأعلون" الأغلبون. والعلو بمعنى الغلبة مجاز مشهور، والجملة حالية مقررة لمعنى النهي، مؤكدة لوجوب الانتهاء، وكذا قوله تعالى: "والله معكم"، أي ناصركم. فإن كونهم الأغلبية، وكونه سبحانه ناصرهم- من أقوى موجبات الاجتناب عن الذل والضراعة (روح المعاني 26/80).
وما أشار إليه سماحة الشيخ- في إيضاحه لجريدة "المسلمون" من وجوب جهاد المشركين من اليهود وغيرهم مع القدرة حتى يسلموا، أو يُؤدوا الجزية.. إلخ، فهذا في (جهاد الطلب)، لا في (جهاد الدفع).
ونحن الآن في جهاد الدفع- دفع العدو المعتدي على أرض الإسلام وأهلها- وهو غير جهاد الطلب، حين يكون العدو في دياره، لا في ديارنا، ونحن نتعقبه من باب (الحرب الوقائية). وهذا هو الذي قرَّر الفقهاء أنه فرض كفاية، بخلاف جهاد الدفع، فهو فرض على من وقع عليه، ثم على من يليه حتى يشمل الأمة كافة، وعلى جميع المسلمين مساعدته حتى ينتصر على عدوه، ويخرجه من دياره.
وأما ما ذكره الشيخ- أكرمه الله- مِن أن أولي الأمر إذا اجتهدوا فيما رأوا فيه المصلحة فعلينا إطاعتهم، كما قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ[، فأولو الأمر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الفقهاء الكبار: أصحاب الأمر وذووه. وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو العلم صنفين: العلماء، والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس (مجموع الفتاوى 28/170).
ومما يدل كذلك قوله تعالى في سورة النساء: ]لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم[ (النساء: 83)، فعطف (أولي الأمر) على (الرسول)، وقد كان هو الإمام الأعظم ورئيس الدولة، فدلَّ على أن أولي الأمر جماعة معه، يُرد إليهم الأمر، كما يرد إليه، ووصفهم- أو وصف بعضهم- بالعلم والاستنباط، وفي هذا دليل على أن (أولي الأمر) في المفهوم القرآني أشمل وأوسع من مجرد أصحاب السلطة والحكم.
وللشيخ رشيد رضا في تفسير الآية في (المنار) شرح مستفيض، يجب الرجوع إليه.
وإذا سلمنا بأن أولي الأمر هم الحكام وحدهم، فهذا في حاكمٍ بايعته الأمة على الكتاب والسنة، ووافقه أهلُ الحل والعقد، وله اليد والقدرة، أي السيادة والسلطة على أرضه وشعبه. أما حاكمٌ ليست له سلطة إلا في حدود ما يسمح به أعداؤه له، فليس هذا هو ولي الأمر الشرعي الواجبة طاعته.
على أن الطاعة لولي الأمر الشرعي ليست مطلقة، إنما هي في (المعروف)- كما صحت به الأحاديث، وكما أشار إليه القرآن. فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة. ومن القواعد المقرَّرة فقهًا وشرعًا: أن تصَرُّف ولي الأمر على الرعية منوط بالمصلحة، فإذا تصرَّف تصرُّفًا لا مصلحة فيه، فهو رَدٌّ، أي مردود عليه. ولا مصلحة في التنازل عن أرض الإسلام لليهود الغاصبين، والاستسلام لهم، إلا إذا كانت مصلحة بني صهيون، فهم المستفيد الأوحد من هذا السلام المزعوم.
وأحب أن أنبِّه هنا على أمر ذي بال، أشرتُ إليه من قبل، وهو أن قضية فلسطين ليست قضية عادية، وأرض فلسطين ليست كغيرها، ففيها القدس والمسجد الأقصى. منتهى الإسراء، ومبتدأ المعراج، والقبلة الأولى في الإسلام، فليست شأنًا يخص الفلسطينيين وحدهم، وإنما هي قضية الأمة الإسلامية كلها، وقد ربط الله في كتابه بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فلا يجوز التفريط في أحدهما من مسلم.
وقد حرَّك حريق المسجد الأقصى العالم الإسلامي كله، وحفز الملك فيصل بن عبد العزيز- رحمه الله- إلى دعوة قادة العالم الإسلامي في صورة مؤتمر قمة لمواجهة المشكلة، ومن خلال ذلك ولدت منظمة المؤتمر الإسلامي؛ لتتحدث باسم الأمة الإسلامية.
فماذا يكون الحال اليوم، والمسجد الأقصى يتعرض لخطر الهدم والضياع بالكلية؟ ورابين يعلن ويكرر بتبجح وصفاقة: أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.
هذا، وإن خلافي مع سماحة الشيخ عبد العزيز، لا ينفي ما أكنُّه له من ود واحترام، وظني أنه لم يعرف الواقع السياسي على حقيقته، فجاء حكمه على قدْر ما علِم، وقد أثبت الواقع أن الفلسطينيين لم يحصلوا أي مصلحة من وراء ذلك السلام المزعوم، وأن المستفيد الأوحد منه هو اليهود.
وإني لأرجو من الشيخ أن يمعن النظر فيما أوردت من أدلة واعتبارات، عسى أن يراجع رأيه، فهو- فيما علمت- رجَّاع إلى الحق، وقد قال عمر رضي الله عنه في رسالته الشهيرة في القضاء: "ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، أن تراجع فيه نفسك اليوم، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل". اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه. والحمد لله أولا وأخرًا.


(انتهي كلام الدكتور يوسف القرضاوي- سَدَّدّه الله تعالى).



[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) هذه أماني الصحفي المحاور. أثبتت الانتخابات الفلسطينية الأخيرة خطأها، بفوز حماس الساحق بالمجلس التشريعي، وتشكيل الحكومة الفلسطينية. ولعله بذلك يريد توجيه الفتوى إلى ما يريدون!

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) قال أبو سفيان حين تهيأ المشركون للقفول إلى مكة: أعلِ هُبَل، فقال النبي الكريم: ألا تجيبونه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. ثم قال أبو سفيان: لنا العزَّى، ولا عزَّى لكم، فقال النبي r: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: نعمت فِعال، يوم بيوم بدر والحرب سجال، فأجابه عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار... وهكذا نفهم أن المسلمين هم الأعلى وإن أصابتهم كسرة، لأن الله مولاهم، ولا مولى لأعدائهم، ولأن قتلانا في الجنة، وقتلى المشركين في النار.

مصطفى جبريل احمد
12-03-21 ||, 07:03 PM
حمداً لله على هذا التوضيح فقد شاعت هذه الفتوى وانتشرت وقتها بشكل كبير, ولعل من أهم الدروس المستفادة من هذه الحادثة إعلاء شأن التثبت من الخبر ورفض قبوله إلا من ثقات, فالفتوى دين ولا نأخذ ديننا من مجروح أو متهم, أمّا الدرس الثاني فهو ضرورة سلامة الصدر وتذكر أن من كثرت حسناته ذابت معها سيئاته وأخطائه, ومن بذل حياته كلها -تقريباً- يفتي ويعلم ويدرس ويذب العدوان على دين الله وشريعته الغراء نرجو أن لا يضره اجتهاد مرجوح هنا أو زلة هناك والعصمة للإنبياء وليست لأتباع الأنبياء.. رحم الله الشيخ وبقية علمائنا ونسأل الله أن يجمعنا بنبينا وبعلمائنا وصالحينا في مستقر رحمتك

هود بن علي العبيدلي
12-03-22 ||, 12:24 AM
وجدت نقل صوتي لهذه الفتوى في اليوتيوب .. فهل هي ملفقة على الشيخ أيضا ؟!


لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

هود بن علي العبيدلي
12-03-22 ||, 12:25 AM
وهذه أيضاً


لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد re=related

د.محمود محمود النجيري
12-03-22 ||, 12:57 PM
حمداً لله على هذا التوضيح فقد شاعت هذه الفتوى وانتشرت وقتها بشكل كبير, ولعل من أهم الدروس المستفادة من هذه الحادثة إعلاء شأن التثبت من الخبر ورفض قبوله إلا من ثقات, فالفتوى دين ولا نأخذ ديننا من مجروح أو متهم, أمّا الدرس الثاني فهو ضرورة سلامة الصدر وتذكر أن من كثرت حسناته ذابت معها سيئاته وأخطائه, ومن بذل حياته كلها -تقريباً- يفتي ويعلم ويدرس ويذب العدوان على دين الله وشريعته الغراء نرجو أن لا يضره اجتهاد مرجوح هنا أو زلة هناك والعصمة للإنبياء وليست لأتباع الأنبياء.. رحم الله الشيخ وبقية علمائنا ونسأل الله أن يجمعنا بنبينا وبعلمائنا وصالحينا في مستقر رحمتك
آمين، آمين،،،