المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل في الجرح والتعديل



وضاح أحمد الحمادي
11-12-02 ||, 03:44 PM
ذكر سبب الجرح والتعديل




السلام عليكم ورحمة الله بركاته



هذا الموضوع كنت كتبته في 2003م على وجه التقريب تعقيباً على تحقيق الدمياطي حفظه الله لكتاب (الكفاية) للخطيب البغدادي رحمه الله [كتبته في نفس سنة نشر الكتاب] وكان كالمقدمة للموضوع الرئيسي الذي هو التعقيب على الدمياطي في الرجال الذين تكلم فيهم بتضعيف مع ثقتهم .



ولم أتمه ولا نسقته ولا رتبته شأنه شأن غيره مما أكتبه وأكسل عن متابعة العمل فيه ، وقد كان يخطر لي أن أنزله في الموقع تباعاً مع تصحيحه وتنقيحه كما أفعله حالياً مع خواطري مع ابن حزم [أسأل الله أن يتم علي إنزال جميعه] ، ثم بدا لي أن أنزله كما هو بعجره وبجره تيسيراً على نفسي وفيه من حظ النفس شيء ما .


ولعل هذا يكون باعثاً لي على إتمامه ولو بعد حين.


أقول :


تحت عنوان : ذكر سبب الجرح والتعديل كتبت :


سنتكلم عن كل واحد من الجرح والتعديل على حدة ليسهل علينا عرض أدلة كل قول ومناقشته .


التعديل : أختلف أهل العلم في التعديل المبهم على ثلاثة أقوال :


الأول : أنه يقبل الجرح المبهم السبب واحتج أصحاب هذا القول بأن أسباب العدالة كثيرة يشق ذكر جميعها ، ولما كان يطول ويشق تفصيله وجب أن يقبل مطلقاً دون ذكر سببه ، كذا في (الكفاية) 1/312-313 وتابعه عليه ابن الصلاح وغيره ، واستدل الخطيب بأن الأمة مجمعة على أنه لا يرجع في معرفة الجرح والتعديل إلا إلى العدل العارف بأسبابهما ، فوجب حمل تزكية من هذا حاله على السلامة ، ومتى طالبناه بذكر السبب كان في ذلك تشكيكاً في علمه وسوء الظن به وبمعرفته لأسباب التعديل.


فلو قيل : ولم لا يجب أن يُسْتَفْهَم عن سبب الجرح ، لا لكوننا نشكك بعلم المزكي ، ولكن لاختلاف الناس في أسباب التعديل ، فلعله اعتمد على ما لا يصح الاعتماد عليه .


أجاب الخطيب بأن الواجب حمله على السلامة وأنه إن عدل الراوي بما يصير به عدلاً عند الأمة وجب الاكتفاء بذلك ، فإنه لو شهد عدلان بأن زيداً باع عمراً سلعة فقد صح التملك بمجرد ذلك ، ولا يُطلب من الشاهدان تفصيل كيفية البيع لاختلاف الناس في شروط البيع ومبطلاته (الكفاية) 1/312.


أقول : إذا اجتمع في الراوي ضبطه لحديثه مع ورعه وتقواه قُبِلَ حديثه عند أهل الحديث سوى ما ذكروه من اختلاف في رواية المبتدع ، وأكثره يجري فيه ما ذكرناه ، لذا قال الشافعي : "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة ، لأنهم يرون الشاهدة بالزور لمن يوافقهم" قال ابن كثير بعد ذكره لكلام الشافعي : "لم يفرق الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره ، ثم ما الفرق في المعنى بينهما ؟ وهذا البخاري قد خرَّج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبدالرحمن بن ملجم قاتل علي ، وهذا من أكبر الدعاة إلى البدعة" (الباعث الحثيث) ص 94-95 وقال الحافظ : "... وأما من لم يكن كذلك ـ أي لم يكن منكراً للضرورات ولا معتقداً لعكسها ـ وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه ، مع ورعه وتقواه ، فلا مانع من قبوله" وبهذا قال ابن الوزير ومثله الصنعاني كما في (توضيح الأفكار) وقال أحمد محمد شاكر : "والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه" (الباعث) ص95 . وهذا هو الصواب لأن من عرف بورعه وتقواه مع ضبطه لحديثه غلب على الظن صحة ما ينقله ، وهذا كافٍ.


فلو أن المزكي كان يقول بهذا فلا شك أنه لا يوثِّق إلا من عرف منه توفر هذه الشروط فيه. ومن يرى من المزكين وجوب شروط أخرى كان توثيقه أقوى ، كما أن البخاري لما كانت شروطه في صحيحه أقوى من شروط غيره كان حديث أصح.


فلو أن المزكي العارف وثق رجلاً فعلى أقل الأحوال أن يكون عرف صدقه وضبطه وهذا كافٍ.


القول الثاني : أن التعديل لا يُقْبَل حتى يُبَيَّن السبب ؛ لأنه يكثر التصنع في أسبابه.


أقول : أما مِنَ العارف فلا يتصور التصنع فضلاً عن أن يكثر ذلك منه ، فإن جاز في البعض أن يتصنع فهو نادر والنادر لا حكم له. فإن الغالب على أهل الحديث أنهم لا يوثقون رجلاً حتى يعلمون من حاله أنه صادق ورع ضابط لم يظهر منه ما يوجب رد حديثه ، وكثير منهم يتعنت حتى لو كان الرجل يروي آلاف الأحاديث ثم يخطئ في قدر سبعة أو ثمانية أو عشرة رأيتهم يغمزونه ويضعفونه كما ستراه في ترجمة نعيم بن حماد شيخ البخاري. وقد قيل في ابن حبان أنه يجرح الراوي بالخطأين والثلاثة ، وقبله يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم وقريبٌ منهم النسائي. وبعضهم يشترط شروطاً شديدة كيحيى القطان الفاسي الذي لا يقبل الرجل حتى يوثقه إمام عاصره ، لذا تراهم أشد حرصاً في التوثيق من الصائغ ينقي الذهب حتى قال المعلمي : "..." [هكذا وجدته في مفكرتي ولم أنقل عنه شيئاً ، لكني مستحضر الساعة ما أردت نقله ولم إرَ إضافته لما قدمته سابقاً]


أما من عرف منه تساهل ما فلا بد من تمييز تساهله ، ثم لا يقبل موضع التساهل منه ، فمثلاً ابن حبان معروف بتساهله في توثيق المجاهيل ، وعليه إن وثق رجلاً لم يروِ عنه سوى الواحد والإثنين ولم يكن ذو حديث كثير يُسْبَر ولم يوافقه أحد على توثيقه مع كون ذاك الراوي ليس من شيوخه فلا يقبل توثيقه ، وما سوى ذاك فهو مقبول ، وسيأتي مزيد بيان له ، لكن الغرض هنا بيان أن دعوى التصنع لا دليل عليها أصلاً وإن وجد من بعض المزكين فهو نادر والنادر لا حكم له.

يتبع ...

وضاح أحمد الحمادي
11-12-02 ||, 04:32 PM
ب/ أما الجرح ففيه أقوال :
الأول : أنه يقبل مبهماً ولو لم يفسر سببه ، والحجة فيه هي كالحجة في قبول التعديل المبهم من العارف بأسبابه لأنا إذا استفسرنا الجارح عن سبب الجرح كان في ذلك سوء ظن واتهام له بالجهل بما يصير به المجروح مجروحاً والفرض أنه عارف بأسباب الجرح والتعديل ، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب : "قال الجمهور وذلك ينقض ما بنينا عليه أمره من الرضا به والرجوع إليه ، ولا يجب كشف ما به صار مجروحاً وإن اختلفت الناس فيما يصير به المجروح كما لا يجب كشف ذلك في العقود والحقوق وإن اخْتُلِفَ في كثير منها" (الكفاية) 2/337.
أقول : وفي هذا نظر من جهة أن المعدل باقي على أصل العدالة والجارح ناقل عنها ، فلما كانت العدالة هي الأصل ترجحت بأدنى مرجح كما في (توضيح الأفكار) 2/149-150 ، ولا يزحزح عن هذا الأصل إلا بحجة بينة ، والجرح المبهم ليس بحجة بينة لاختلاف الناس في أسبابه اختلافاً كثيراً يورث ريبة شديدة ، بل تراهم يتفقون في السبب الجارح ثم يختلفون في جرح المعين به ، كالخطأ فإنه من أسباب الجرح ومع ذلك قد يجرح ابن حبان الراوي ببعض الخطأ ، ويخالفه غيره فيقبله مع معرفته بأنه أخطأ ، وذلك لاختلافهم في القدر الذي أخطأ فيه هل هو مؤثر في ضبط الراوي أم لا . وسيأتي له مزيد بيان عند الكلام عن التعارض بين الجرح والتعديل فإذا كان الجرح المفسر يحتمل الخطأ كثيراً كما تراه في كتب الجرح والتعديل فكيف بالمبهم منه !
أما ما ذكره من أنه لا يجب الكشف عن العقود والحقوق فليس كما قال ولا بدَّ هنا من بيان صورة المسألة ، فإنه قال في أثناء التعديل المبهم : ".. ولو كان ما قلتموه من هذا صحيحاً واجباً (نافذاً يقع التمليك به) لوجب إذا شهد شاهدان بأن زيد باع عمراً سلعةً بيعاً صحيحاً أن لا يسألا عن حال البيع والنكاح ، وعن كل عقد يشهدان به لما بين الفقهاء من الخلاف في كثير من هذه العقود وصحتها وتمامها" (الكفاية) 1/312 ، والسبب في ا لقبول هنا أن الأصل صحة العقود والمعاملات.
أما الجرح فهو كما لو شهد الشاهدان العارفان الفقيهان أن زيداً باع عمراً سلعة بيعاً باطلاً ، أو أنه نكح سلوى نكاحاً باطلاً فإنه لا يقبل ذلك منهما حتى يُبينا سبب البطلان ، ولا يشفع لشهادتهما المجملة كونهما عارفان فقيهان ، لأنهما ناقلان عن الأصل ، وكذلك الجرح ، فإنه ناقل عن الأصل فلا بُدَّ من بيان أن الكلام في الجرح والتعديل ليس هو كالشهادات من كل وجه ؛ لأن العدالة التي هي الأصل في المسلم ليست هي الضبط الذي يجب أن يتصف به الراوي للحديث ، بل هي قدر زائدٌ عن العدالة لا يثبت إلا بتعديل العارف ، فإذا جرح العالم العارف بأسباب الجرح والتعديل الراوي بجرح مبهم فهذا لا يعني بالضرورة أنه ليس بعدل في نفسه بل يحتمل أنه مع كونه عدل في نفسه ليس بضابط ، لكن إذا كان الراوي عدل في نفسه فإنه لا يروي إلا ما يعتقد أنه حفظه وضبطه عمن روى عنه ، وهذا وإن كان لا يكفي لوحده ، لاحتمال أنه لم يضبط ما يعتقد أنه ضبطه فإنه يتقوى بالتعديل المبهم.
وهل يسقط بالجرح المبهم ؟
الظاهر أن الجرح المبهم ولو لم يعارضه تعديل فإنه يعارض اعتقاد الراوي أنه ضبط حديثه وإلا لم يروِ ما يعتقد أنه لم يضبطه والفرض أنه ثقة ، لكنه يؤثر في النفس ريبة قوية كما ذكره ابن الصلاح.
أما إذا كان الجرح عائدا على العدالة ، فإنه حينئذٍ معارض للأصل كما قدمنا . ولكنه أيضاً يورث ريبة قوية كما ذكره ابن الصلاح.
لكن حمل المعلمي كلام ابن الصلاح والنووي على أن ذلك فيمن تعارض فيه الجرح والتعديل فقال : ".. فإن من لم يُعَدَّل نصاً أو حكماً ولم يجرح يجب التوقف عن الاحتجاج به ، ومن لم يعدل وجرح جرحاً مجملاً فالأمر فيه أشد من التوقف والارتياب ، فالتحقيق أن الجرح المجمل يثبت به جرح من لم يعدل نصاً ولا حكماً، ويجب التوقف فيمن قد عُدِّلَ حتى يسفر البحث عما يقتضي قبوله أو رده" (التنكيل) 1/61.
أقول : كلام ابن الصلاح في الجرح عموماً دون تقييده بما عارضه التعديل ، أما الأمثلة التي ذكرها ، فهي أمثلة لمن أسفر البحث عما يقتضي قبوله ، ومثله النووي ، أما عند التعارض فإن ابن الصلاح والنووي يقدمان التعديل ولا يتوقفان.
والقول الثاني : أن الجرح لا يُقبل إلا مفسراً لما ذكرناه سابقاً من اختلافهم في أسبابه ، مع أن الجرح ناقل عن أصل العدالة ، ولا يقبل الناقل إلا مبيناً ، وعندي [هكذا في مفكرتي والله يسامحني] أنه لا يطلق القول بقبول الجرح المبهم مطلقاً ولا برده مطلقاً ، بل لا بد من النظر إلى القرائن المحتفة بالجرح المبهم ، فلو أن أحمد والبخاري مثلاً أطلقا الضعف على أحد الرواة ولم يُعرف فيه سوى ذلك ؛ فإنه قد يغلب على النفس صحة الجرح وقبوله ، ولم أجزم بذلك لأنه لا يصح الجزم في المسائل الوجدانية ، فإن ما أجده في نفسي قد لا يجده غيري في نفسه ، ومن جزم في مثل ذلك فقد أخطأ.
أما إذا ذكر يحيى القطان رجلاً وقال : ضعيف. فقد لا يترجح في النفس صحة الجرح وقبوله لما عرف به ابن القطان من التعنت في الجرح. والله أعلم. يتبع ...

وضاح أحمد الحمادي
11-12-02 ||, 06:01 PM
تعارض الجرح والتعديل

قال أبو عمر بن الصلاح : "إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل ، فالجرح مقدم ؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله ، والجارح يخبر عن باطن خَفِيَ عى المعدل ، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى ، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه . والله أعلم" انتهى.
وهذا الذي قاله ابن الصلاح هو مذهب جمهور أهل العلم ، قال الخطيب في (الكفاية) 1/336 : "إذا عدل جماعة رجلاً وجرحه أقل عدداً من المعدلين ، فإن الذي عليه جمهور العلماء أن الحكم للجرح والعمل به أولى ، وقالت طائفة : بل الحكم للعدالة ، وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر ويقولون : عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره"
وقد نقل الدمياطي في تعليقه على هذه العبارة قول الحافظ ابن حجر : "قلت : بل الصواب التفصيل : فإن كان الجرح ـ والحالة هذه ـ مفسراً قُبِلَ ، وإلا عُمِلَ التعديل ، وعليه يحمل قول من قدم التعديل ، كالقاضي أبي الطبري وغيره ، وأما من جهل حاله ولم يعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث أنه ضعيف ، أو متروك أو ساقط أو لا يحتج به ، ونحو ذلك ، فإن القول قوله ، ولا نطالبه بتفسير ذلك ، إذ لو فسره وكان غير قادح لمنعانا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به ، كيف وقد ضُعِّفَ ؟ فوجه قولهم : إن الجرح لا يقبل إلا مفسراً ، هو من اختلف توثيقه وتجريحه كما شرحنا ، ويؤيده قول ابن عبد البر : من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته ، وبانت همته وعنايته بالعلم لم يُلْتَفَت فيه إلى قول أحد ، إلا أن يأتِ الجارح في جرحه ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات والعمل بما فيها من المشاهدة لذلك بما يوجب قبوله" انتهى.
بل نقل الخطيب اتفاق أهل العلم على ذلك إذا استوى المعدلون والجارحون في العدد (الكفاية) 1/333 .
أما استدراك الحافظ على الخطيب بأن كلامه ليس على إطلاقه فهو وإن كان صواباً في نفسه ، فإن الخطيب لم يخالفه أصلاً ، فإنه هو الذي نقل كلام أبي الطيب الطبري الذي ذكره الحافظ وعقب عليه بقوله : "وهذا القول ـ أي عدم قبول الجرح إلا مفسراً ـ هو الصواب عندنا ، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ، ونقاده مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ، فإن البخاري احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس في التابعين ، وكإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي وعمر بن مرزوق في المتأخرين [ولعل الصواب في آخرين]، وهكذا فعل مسلم بن الحجاج فإنه احتج بسويد بن سعيد وجماعة غيره اشتهر فيمن ينظر حال الرواة الطعن عليهم" (الكفاية) 1/339.
فإن أراد بهذا أن الجرح لا يقبل مطلقاً فمن باب أولى أنه لا يقبله إذا عارضه التعديل ، وإن أراد الجرح المبهم إذا عارضه التعديل فهذا بعينه هو ما قال فيه الحافظ ابن حجر أنه الصواب ، وكيفما كان فلا حاجة إلا استدراكه.
ونَقْلُ المحقق لكلام الحافظ ابن حجر استدراكاً على الخطيب مع عدم التعقيب عليه بشيء يدل على أنه يوافقه ، لكن كلامه في الرواة يخالف ذلك وسيأتي [قد كنت جمعت كلامه في بعضهم في ملف وورد ثم ضاع علي هو وكتابات أخرى كثيرة والله المستعان].
وقد عقب الدمياطي على قول الخطيب بأن الصواب أنه لا يقبل الجرح إلا مفسراً بقوله : "الراجح في هذه المسألة هي قبول الجرح المجمل إذا صدر من عالم بأسباب الجرح والتعديل ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في (اختصار علوم الحديث) : "أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب ؛ وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف رجل أو كونه متروكاً أو كاباً .. أو نحو ذلك" إلخ وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) 2/21 : "لا نطلب ا لتفسير من كل أحد ، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكاً ، إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة بسيرة الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ، ولا ينتهى به إلى الاعتبار به على الإطلاق ، بل يكون بين بين ، أما إذا انتفت الظنون وانتفت التهم وكان الجارح حبراً من أحبار الأمة مبرأ عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهوراً بالضعف متروكاً بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه ، ولا نحوج الجارح إلى تفسير ، بل طلب التفسير والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها ..." (الكفاية) 338-339.
أقول : كلام كل من السبكي وابن كثير هو في الجرح المبهم إذا لم يعارضه تعديل ، أما السبكي فإنه جعل عدم اختلاف الاجتهاد في الرواي المجروح شرط قبول الجرح المبهم ، أما ابن كثير فإنه قال بعد سطر أو سطرين من النص المنقول آنفاً : ".. أما إذا تعارض جرحٌ وتعديل فينبغي أن يكون الجرح حينئذٍ مفسراً .." ونقل الدمياطي عن هؤلاء الأئمة مشعر بأنه موافق لهم في أن الجرح المبهم يقبل إذا لم يعارضه تعديل ، فإن عارضه تعديل فلا.
أقول : مما تقدم من النقل يتبين أن الكلام في التعارض بين الجرح والتعديل هو من جهتين :
الأولى : قبوله مبهماً من السبب عند التعارض.
والثاني : ترجيحه على التعديل.
أما الأول : فقد تقدم من نصوص الأئمة المحققين في هذا الشأن أنه لا بُدَّ من تفسير الجرح عند التعارض وعليه فإنه إن لم يُفَسَّر لم يقبل .
وهل يقبل التعديل غير مفسر عند التعارض؟
أما الذين ردوا التعديل إذا لم يبين سببه عند عدم التعارض فهم يردونه عند التعارض من باب أولى ، أما من قَبِلَه عند عدم التعارض كما هو مذهب الجمهور فهم هنا على قسمين :
منهم من توقف عن قبوله حتى يسفر البحث عن قبوله .
ومنهم من قبله عند التعارض واستدل بأن الأصل الذي هو العدالة يؤيد قول المعدل ، وليس كذلك الجارح الذي يُعَد قوله ناقل عن الأصل ، ولهذا وجه ، لكن فيه من الاحتمال ما نذكره في الترجيح.

الوجه الثاني : هو الترجيح بين الجرح والتعديل :
تقدم في أول الباب عن الخطيب أن الجرح مقدم لكن قال اللكنوي في (الرفع والتكميل) صفحة 117 : ".. وقد زل كثير من علماء عصرنا بما تحقق عند المحققين أن الجرح مقدم على التعديل لغفلتهم عن التقييد والتفصيل توهماً منهم أن الجرح مطلقاً أي جرح كان من أي جارح كان في شأن أي راوٍ كان مقدم على التعديل مطلقاً أي تعديل كان من أي معدل كان في شأن أي راوٍ كان ، وليس الأمر كما ظنوا ، بل المسألة ـ أي تقديم الجرح على التعديل ـ مقيدة بأن يكون الجرح مفسراً ، فإن الجرح المبهم غير مقبول مطلقاً على المذهب الصحيح ، فلا يمكن أن يعارض التعديل وإن كان مبهماً ، ويدل عليه أن الأصوليين يذكرون مسألة الجرح المبهم ويرجحون عدم قبول المبهم ويذكرون بعيدها أو قبيلها مسألة تعارض الجرح والتعديل ، وتقديم الجرح على التعديل ، فدل على أن مرادهم في هذا البحث هو الجرح المفسر دون غير المفسر ، فإنه لا معنى لتعارض غير المقبول بالمقبول عند ذوي العقول" انتهى.
أقول : ومثال ذلك أن الخطيب صحح في الجرح المبهم أنه لا يقبل ص 338 وقد قال قبل ذلك أنه إذا تعارض الجرح والتعديل قُدِّم الجرح ، فلو كان الجرح المبهم غير مقبول مع عدم المعارضة فكيف يترجح على التعديل عند المعارضة ؟!
لكن في إطلاقه ـ أي اللكنوي ـ رد الجرح المبهم مطلقاً نظر ، لكن نبه كلامه هذا على أنه عند التعارض لا يُقال: أنه يقدم الجرح مطلقاً هكذا ، وعلى هذا الإطلاق الخاطئ جرى المحقق في عمله في الأكثر الغالب كما سترى أمثلته عند الكلام على تراجم الرواة.
أقول : إذا تعارض الجرح والتعديل فإنه قد يكون الجرح مبهماً وقد يكون مفسراً ، وإذا كان مفسراً فقد يكون مفسراً بسبب غير قادح فحينئذٍ لا يقبل الجرح ويسقط ولو لم يعارضه التعديل ، كما روى الخطيب بسند صحيح عن ابن معين أنه ططعن على عامر بن صالح بأنه روى عن حجاج وهو أصغر منه ، فرد ذلك عليه أحمد بن حنبل ، وانظر (الكفاية) 1/343 أمثلة أخرى على ذلك.
ولا يخفاك أن طعن ابن معين على عامر بهذا السبب مردود ولو لم يعارضه أحمد بن حنبل ، بل ولو لم يعارضه أحد ، لأن السبب المذكور لا يوجب جرحاً.
وقد يفسر الجارح جرحه بما يفيد ضعف الراوي وقد يطلع المعدل على هذا الطعن عليه وقد لا يطلع ، فإن اطلع عليه فقد يرده صريحاً كما فعل أحمد في المثال المذكور ، وقد يطلع على الجرح ثم لا يعتد به ويوثق الراوي دون ذكرٍ لسبب رده للجرح وذلك يشعر بوجود خلل في الجرح وبخاصة إذا كان الجارح المعدل إماماً كبيراً عارفاً بأسباب الجرح والتعديل.
ومع كل ذلك لا بُدَّ من النظر في حال المعدلين والجارحين ، فقد يكون الجارح متعنت معروف بتشدده وتعنته ، والمعدل معتدل أو متشدد أيضاً ، وقد يكون العكس من ذلك ، بأن يكون المعدل ممن عرف بالتساهل والجارح معتدل عارف أو متساهل مع معفته وعلمه ، ففي الحال الأولى يترجح التعديل وفي الثانية الجرح.
وقد يكون الجرح له سبب صحيح لكنه يكون جارحاً في رواة دون آخرين كأن يجرح الرواة بسوء الحفظ ويستدل بأنه أخطأ في قدر عشرة أحاديث فإن كان الراوي مكثراً كسفيان بن عيينة لم يضره أن يخطئ في قدر عشرة أحاديث ، وقد قال أحمد أنه وجد له أكثر من عشرين خطأ عن الزهري وحده ، وقد يكون مقلاً لا يعرف له إلا قدر عشرين أو خمسين حديث فحينئذٍ يضره أن يخطئ في عشرة .
وهناك أسباب وقرائن كثيرة غير ما ذكرتُ قد تؤثر في الجرح فَيُرَدّ وقد تؤثر في التعديل فلا يقبل.
وقد قال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير : ".. واعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح إنما يكون عند الوقوع في حقيقة التعارض أما إذا أمكن معرفة ما يرفع ذلك فلا تعارض البتة" وراجع كلامه وكلام الصنعاني في (توضيح الأفكار) 133-167 فإنه حسن جداً .
ومن أجل ما ذكرنا فإنه لا يطلق القول بتقديم الجرح ولا التعديل سواءً كان الجرح مفسراً أو مبهماً حتى لو كان الجارح من الأئمة العارفين لجواز قيام القرينة الدالة على سقوط قوله. ومن أجل ذلك ترى البخاري يرد كثيراً من الطعون المفسرة وكذا ابن عدي في (الكامل) تراه يحكي أقوال الجارحين ثم ينتهي هو إلى أن الراوي صدوق أو لا بأس به ، وقد يرى أنه ثقة.
وعلى هذا جرى المحدثون كالخطيب في (تاريخ بغداد) والذهبي في (الميزان) وابن حجر في (اللسان) وغيرهم ، تراهم ينقلون الجرح مبهماً ومفسراً ويردونه لقيام الدليل عندهم على سقوطه.

تنبيه :
نقل الخطيب عن أبي الطيب طاهر بن عبدالله الطبري قوله : "وهذا القول هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده ، مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وغيرهما ... وسلك أبو داود السجتاني هذه الطريقة ، وغير واحدٍ بعده ، فدل ذلك على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه وذكر موجبه"
فعقب عليه الدمياطي بقوله : "البخاري إمام مجتهد عالم بأسباب الجرح والتعديل ، ومثله لا يُلزم بأخذ أقوال من تقدمه من النقاد ، وكونه قد احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم لا يلزم من ذلك ؛لأنهم ذهبو إلى أن الجرح لا يُثْبِت أن مذهبه عدم قبول الجرح إلا مفسراً ، وأما عن احتجاج البخاري بعكرمة فلكونه لم يثبت عنده الجرح ، بخلاث الإمام مسلم ، فإنه ترك الرواية عن عكرمة لكلام مالك ... وأما إسماعيل بن أبي أويس ، فلم يحتج به البخاري على إطلاقه ، وإنما انتقى ا لبخاري من أصول إسماعيل ..."
أقول : في كلام الدمياطي مؤاخذات :
الأول : قوله : "البخاري إمام مجتهد عالم بأسباب الجرح والتعديل ، ومثله لا يُلزم بأخذ أقوال من تقدمه من النقاد" هذا كلام لا معنى له أصلاً ، ولا أدري ما وجه اعتراض الدمياطي به ، فإن مما لا شك فيه أن البخاري لا يرد كلام النقاد لمجرد أنه إمام عارف بأسباب الجرح والتعديل ، بل هو يعتمد في رده للجرح على دليل قام عنده يدل على خلاف ما ذهب إليه من سبقه من النقاد ، فإن جاز أن يرد كلام من سبقه من النقاد ولو كان جرحاً مفسراً لقيام الدليل على خلافه ، فمن باب أولى أن يجوز رد قول من سبقه من جرح مبهم إذا قام الدليل على خلافه.
فعكرمة مولى ابن عباس مثلاً تكلم الناس فيه فمنهم من أطلق الجرح ومنهم من بين سببه ، فلم يقبل البخاري قول من بين سببه لقيام الدليل عنده على عدم ثبوته ، ولم يقبل قول من أطلق الجرح ولم يبين سببه ، ولا شك أنه لم يقل : أنا إمام عارف بالجرح والتعديل لا يلزمني قبول قول من سبقني وعليه فأنا أريد أن أرد هذا الجرح. لا يظن هذا في البخاري إلا جاهل ، بل الباعث له على رد الجرح المبهم هو أنه ثبت عنده سبب ثقة عكرمة ، ولم يظهر له من هذا الجرح المبهم ما يدل على خلاف ذلك فرده لاحتماله الخلل ، وهو بعينه ما قاله الخطيب فأصاب ، وذلك لأنه تعانى الكلام في الرجال ، أما الدمياطي فإنه لما لم يكن نصيبه من هذا العلم إلا التطفل على كتبهم ـ كما هو حالنا ـ لم يفهم وجه استدلال الخطيب بصنيع البخاري وغيره ممن ذكر ، فتعقب عليه بما تقدم ذكره ، وظن أن البخاري يرد كلام من سبقه لمجرد أنه إمام في الجرح والتعديل لا يُلْزَم بقول من سبقه!! يتبع...

د. أيمن علي صالح
11-12-03 ||, 12:59 PM
المشكلة هي أن الجرح والتعديل له جانبان:
1. سلوك الراوي
2. حفظه وإتقانه
وعلماء الجرح والتعديل لم يكونوا يفصلون في الغالب إذا ذكروا الجرح، فما بنوه على السلوك من ذلك فينبغي أن يُقدم فيه قول المجرح على المعدل مطلقا، لزيادة العلم عنده إلا أن يعرف أنه قد يجرح بالسبب اليسير، كما روي عن شعبة، وهذا هو المنهج نفسه في تزكية الشهود.
وأما إذا كان الجرح مبنيا على التشكيك في الحفظ والإتقان، فهذا لا بد فيه من التدليل وذكر سبب الجرح، لأنه يعتمد على سبر المرويات وملاحظة شذوذ الراوي ومخالفته الثقات، وهذا قد يستوي في معرفته المجرح والمعدل فلا وجه لتقديم قول المجرح لأنه ليس لديه زيادة علم.
وفي ظل تيسر سبل الوصول إلى الروايات وإمكان جمعها لراو واحد في عصرنا هذا بسبب الطباعة والتدوين والكمبيوتر ينبغي على المختصين في علم الحديث إعادة سبر مرويات"الرواة المختلف فيهم من جهة الحفظ"، كأبي حنيفة مثلا، والقيام بعمل دراسات إحصائية لإجمالي ما انفردوا به أو ما وافقوا فيه الثقات أو ما رووه بالمعنى مع تحريف وغير ذلك مما يساعد إلى الوصول إلى قول فصل فيهم.
أما أن نظل نقول وثقه فلان وضعفه فلان، وهذا قوله مقبول وهذا غير مقبول فكلام لا يوصل إلى نتيجة لأن كلامهم ما دام مختلفا يسقط بعضه بعضا، ولا بد من العودة إلى الآلية التي مارسوها في التوثق من حفظ الراوي وهي "سبر المروي" لا غير.
ولست ممن يرى أن أقوال علماء الجرح والتعديل مما ينبغي أن تقبل حتى من غير تدليل عليها إلا فيما اضطررنا إليه فنتوقف فيه.
والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
11-12-03 ||, 01:18 PM
بارك الله فيك دكتورنا الفاضل

وعلماء الجرح والتعديل لم يكونوا يفصلون في الغالب إذا ذكروا الجرح، فما بنوه على السلوك من ذلك فينبغي أن يُقدم فيه قول المجرح على المعدل مطلقا
بل السلوك ومسال الحفظ هما على حد سواء ، فإنهم اختلفوا في السلوكيات بمقدار ما اختلفوا في مسائل الحفظ والضبط ، كقولهم رأيته يجري على برذون ، يلبس ثياب العسكر ، سمعت في بيته صوت لهو ، وما لا يحصى.

وفي ظل تيسر سبل الوصول إلى الروايات وإمكان جمعها لراو واحد في عصرنا هذا
لو قلنا : عدمت السبل لكان أقرب من قولكم تيسرت ، فإن هذه الطرق التي تتكلمون عنها تختص فقط بما قد دوِّنَ دُوْنَ ما كان في الصدور وذهب بذهاب أهله.
كيف وقد ذهبت مصنفات بما فيها من الأحاديث والطرق.
كيف والناجي كثيرٌ منه مخطوط لم يشهد النور.
كيف والمحققين المعروفين اليوم لا يحسنون فهم طرق المتقدمين في النقد حتى ترى بعضهم يشتشهد لحديث "يجعل رأسه رأس حمار" بحديث "يجعل رأسه رأس كل"
كيف وغاية ما يمكن الوصول إليه عدد المروايات في الجملة دون معرفة اختصاص فلان بفلان وملازمته له كذا من السنين أو أنه لم يدركه إلا في آخر عمره أو غير ذلك مما لم تستوفيه كتب التراجم وكان يعرفوه نقاد الحديث سابقاً.
في الحقيقة أرى هذه الرغبة في فتح باب التطوير على مصراعيه باسم فتح باب الاجتهاد خطيرة إذ ليس هذا من باب فتح باب الاجتهاد لأهله ، بل هو من باب فتحه لغير أهله.
أما اختلافهم القديم فلا يسقط أقوالهم ، فقد وجد الخلاف في الشافعي وشعبة وابن عيينة وأمثالهم بأشياء منه اليسير ومنها الخطير والمتأخرون مطبقون على ثقبتهم وهكذا في جانب التعديل.
فليس كل اختلاف مسقط لأقوال المختلفين.
إلا أن يظن الظان أن الطرق الحديثة ستحل الخلاف ، وهيهات ، فلو تصورنا أنها أخذنا ما في صدور المتقدمين جملة ووضعناه على أفضل البرامج ، ثم بحثنا فوجدنا أن فلان أخطأ في خمسين حديث من أحاديث علان وهو يمثل نسبة عشرة في المائة ، لاختلفوا في الحكم حينذٍ ، هل هو ضعيف من أجل هذا المقدار أم ثقة ، وهل ضعفه يختص بحديثه عن علان أم هو مطلق دال على ضعفه مطلقاً ، ثم الرواة الذين لم نجد من تكلم فيهم بكلام قاطع إن سبرنا حديثهم فوجدناهم رووا أحاديث عن ثقات غير مشاهير انفردوا بها بماذا نحكم عليها؟ بأنها انفرادات لا تقبل إذ لو صحت لوجدت عند غيرهم ، أم هي مقبولة لأن المروي عنهم ليسوا بالمشهورين حتى يلزم منه اشتهار أحاديثهم. وما من حكم تقدره إلا وتجد من يخالفك فيه ، فيسقط قول المتأخرين كما أسقطتم قول المتقدمين.
ليس هذا بمنهج مستقيم.
بل الأمر بين بين ، ومن نظر في كتاب نقاد الحديث المتأخرين كابن حجر والزيلعي وابن الملقن وابن دقيق العيد والمعاصرين أيضاً كالمعلمي والألبان والغماري وغيرهم يجد اتفاقهم أكثر من اختلافهم ، وتجد في كثير من الأحيان الاختلاف من أجل موافقة ا لمذهب ونصرة أقوال الآباء والأجداد مما يدل على أن الإتفاق فيما اختلفوا فيه أيضاً يسير برفع داعي الهوى.
والله أعلم

وضاح أحمد الحمادي
11-12-04 ||, 12:55 PM
أما قوله : "وأما عن احتجاج البخاري بعكرمة ، فلكونه لم يثبت عنده الجرح" أليس هذا إقرار منه بما استفاده الخطيب من صنيع البخاري . فإن معنى عدم ثبوته عنده هو عدم ثبوت سببه في الجرح المفسر ، فما هو وجهه في رد الجرح المبهم في عكرمة ؟


إن قال : يجوز أنه رأى أن من جرحه جرحاً مبهماً اعتمد على نفس الأسباب التي اعتمدها من بين سبب جرحه.


نقول : لا شك أن هذا لتجويز ظني ، فلمجرد ظن البخاري أن في الجرح خللاً كهذا التجويز رده ، فكذلك كل جرح مبهم.

ومن جاء من المتأخرين حتى يومنا هذا إذا رأى الناس مختلفين في راوٍ كأن يضعفه بن معين ويوثقه البخاري ، فإن كان الجرح مبهماً فإنه يُجَوِّزُ أن يكون فيه خللاً وإلا لم يرده البخاري ، وتعديل البخاري يدل على ثبوت سبب ثقته عنده ، وقد لا يترجح عنده التعديل أو الجرح فيتوقف فيه لأن التعديل أيضاً محتمل للخلل فيبقى النظر في القرائن والمرجحات كما تقدم ، فإن لم يترجح شيء بمرجح خارجي فإن أصل العدالة يؤيد قول المعدل.

وعلى كل حال لا يطلق ترجيح الجرح إلا بمعنى أن الإمام العارف العالم المعتدل إذا جرح الراوي بجرح مفسر السبب وكان السبب قادحاً مؤثراً في ذلك الراوي المعين ، فخالفه إمام مثله فعدله تعديلاً عاماً فالجرح حينئذٍ مقدم لأن الظاهر أن المعدل لم يتطلع على سبب جرحه.

أما مع وجود ما يدل على أنه اطلع على سبب الجرح فرده فإن العديل هو المقدم ، بدليل أن الخطيب وهو ممن أطلق القول بأن الجرح مقدم على التعديل عند التعارض لم يعمل بإطلاقه هذا فوثق محمد بن عمران المرزباني مع أنه نقل عن شيخه الأزهري وشيخ شيخه الجرح المبهم والمفسر ، فلم يعتد بشيء منه.

أما المؤاخذات الأخرى فيه متعلقة بتراجم بعض من ذكرهم وسيأتي الكلام عليهم في التراجم.

وأرجو أنا ما ذكرناه هنا كافٍ فيما يتعلق بالتعارض.

وضاح أحمد الحمادي
11-12-04 ||, 01:55 PM
فصل في ذكر المجهول أقسام وما ترتفع به الجهالة
قال الخطيب : "المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ، ولا عرفه العلماء به" 1/289 كذا قال ، وعليه فإن من عُرِفَ بالطلب فليس بمجهول ، وعلى هذا جرى أهل العلم سوى القطان الفاسي ، فإنه لا يكتفي بذلك لرفع جهالة الرجل ويشترط تنصيص إمام على عدالته ، وسيأتي الكلام على هذا لاحقاً.

ولم يشتهر عند المتقدمين تقسيم المجهول إلى مجهول عين ومجهول حال ، بل الوارد في كلامهم إطلاق لفظ الجهالة دون تقييد لكن عملهم يدل على التفريق بينهما ، فجاء المتأخرون فاصطلحوا على تقسيمهما إلى مجهول عين ومجهول حال.

1.أما مجهول العين فهو عندهم من روى عنه واحد ولم يوثق.

2. ومجهول الحال من روى عنه اثنان ـ قيل : وأكثر ـ ولم يوثق وفي جميع ذلك نظر.

قال ابن رجب في (شرح علل الترمذي) 1/84 عن أحمد بن حنبل " ... وقد صحح حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولاً ، قال في خالد بن سمير : لا أعلم روى عنه أحد سوى الأسود بن شيبان ولكنه حسن الحديث ، وقال مرة : حديثه عندي صحيح ، وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات" انتهى ، وقال قبل ذلك : "وقال يعقوب بن شيبة : قلت ليحيى بن معين : متى يكون الراوي معروفاً ؟ إذا روى عنه كم ؟ قال : إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم فهو غير مجهول ، قلت : فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاب ؟ قال : هؤلاء يروون عن مجهولين، وهو تفصيل حسن ، وهذا يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدا" ونقل عن ابن المديني وغيره غير هذا ، والغرض من نقل هذا بيان أنه ليس لأهل العلم فيما ترتفع به الجهالة كلمة واحدة متفق عليها فمنهم من يجعل رواية الثقة كشعبة ومالك والقطان وابن مهدي وأحمد وأبو زرعة ونحوهم ممن لا يروي إلا عن ثقة ـ غالباً ـ كافٍ في إخراج الراوي عن حد الجهالة إلى حد من يحتج بحديثه ، ومنهم من لا يكتفي برواية ثقة واحد ويشترط رواية ثقتين كالذهلي ، ومنهم من يشترط اشتهار حديثه واشتهار الراوي بالطلب كأبي حاتم ولا يكتفي برواية الجماعة ، ومنهم من لا يكتفي بذلك كابن القطان الفاسي ويشترط وجود التعديل نصاً ، ومنهم من لا ينظر إلى عدد الرواة كما بينه ابن رجب ، فتقسيم المجهول إلى مجهول عين ومجهول حال وتعريف كل واحدٍ منهما بما تقدم لا يتأتى على قول جميعهم ، وتلخيص ما ترتفع به الجهالة :

أ . توثيق إمام معتبر : وهذا متفق عليه اليوم ـ إنشاء الله ـ وفي قولنا : (معتبر) ، بحث سيأتي عند الكلام على توثيق ابن حبان والعجلي وابن شاهين وغيرهم إن شاء الله.

2. أن يروي عنه مثل شعبة ومالك ويحيى القطان وابن مهدي وأحمد وأمثالهم ممن لا يروي إلا عن ثقة غالباً.

3. أن يصحح حديثه إمام معتبر ، قال الذهبي رحمه الله في (الموقظة) ص 87 : "الثقة من وثقه كثير ولم يُضعف. ودونه من لم يوثق ولا ضعف ، فإن خُرِّجَ حديث هذا في (الصحيحين) فهو موثق بذلك ، وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً ، وإن صحح له كالدارقطني والحاكم ، فأقل أحواله حسن حديثه" انتهى.

4. أن يروي عن الرجل جماعة من الثقات ولم يكن في حديثه ما ينكر عليه. قال الإمام الذهبي : في ترجمة مالك بن الخير الزبادي : "قال ابن القطان هو ممن لم تثبت عدالته ، يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة ، وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح" انتهى.

أقول : لا بُدَّ من مراعاة أن الذهبي ، وهو مع جلالته وسعة علمه من أهل الإستقراء التام ، ينقل هذا المذهب عن الجمهور ، فنقل بعض المعاصرين هذا القول عن الألباني وقصره عليه تقصير يوهم أنه غير مسبوق به ، وبعضهم قد يجعله قاعدة للذهبي متجاهلاً أن الذهبي ناقلٌ له عن غيره ، وكونه مذهب الجمهور هو الصحيح ، قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح بعد أن حكى عن بعض الشافعية قبولهم رواية المستور وتوجيههم له : "ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحدٍ من الرواة الذين تقادم العهد بهم ، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم" انتهى، وتابعه على ذلك الإمام النووي في (التقريب).

وقال الإمام المعلمي : "وقد صرح ابن حبان بأن المسملين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح ، نص على ذلك في (الثقات) وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) واستغربه ، ولو تدبر لوجد كثيراً من الأئمة يبنون عليه ؛ فإن تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعنا في دينه وثقه ، وربما تجاوز بعضهم ذلك كما سلف" (التنكيل) 1/67

أقول : قد خالف فيما تقدم أبو الحسن بن القطان الفاسي ، فاشترط لارتفاع جهالة الراوي أن ينص على ثقته إمام معتبر كما تقدم عن الذهبي ، وظاهر كلامهم أنه لم يوافِق ابن القطان أحد على ذلك ، أما أبو حاتم الرازي فإنه لتعنته يجرح الراوي ولو أخطأ في قليل مما روى ولو كان مكثراً ، ولذا فإذا وجد راوٍ روى عنه أربعة أو خمسة ولم يُحِطْ هو بجميع حديثه وجميع الرواة عنه ، جاز أن يوجد فيما لم يحط به من الحديث بعض الخطأ يكشف عن سوء ضبطه ، فيكون حاله قبل الإحاطة بجميع حديثه مجهولاً ، فيطلق عليه الجهالة . وغيره لا يشترط الإطلاع على جميع حديث الراوي ، فإنهم إذا اطلعوا على كثير من حديثه ثم وجدوه موافقاً لما رواه الثقات إلا القليل النادر حكمو بثقته وقاسوا ما لم يطلعوا عليه من حديثه بما اطعلوا عليه . والله أعلم.
وعمل المحقق ـ الأخ الفاضل الدمياطي ـ في الكتاب جارٍ على قول ابن القطان دون الجمهور ، وهكذا كثير من المُحْدَثِيْنَ اليوم .
يتبع ...

د. أيمن علي صالح
11-12-05 ||, 08:31 AM
بل السلوك ومسال الحفظ هما على حد سواء ، فإنهم اختلفوا في السلوكيات بمقدار ما اختلفوا في مسائل الحفظ والضبط ، كقولهم رأيته يجري على برذون ، يلبس ثياب العسكر ، سمعت في بيته صوت لهو ، وما لا يحصى.
أكثر التعديل والتجريح يقوم على تقويم جانب الحفظ والخطأ والشذوذ من الراوي، لا على تقويم جانب السلوك. برهان ذلك أن كلام علماء الجرح والتعديل فيمن لم يعاصروهم ولم يشاهدوهم من الرواة لو جُمع لوجد أضعاف أضعاف كلامهم فيمن عاصروهم، ولا سبيل لجرح من لم يعاصروه إلا بتتبع مروياته، أما سلوكه فلا يحكم عليه إلا من عاصر الراوي وعايشه واطلع على غالب أحواله، وهو قليل جدا نسبيا. ولذلك تجد أكثر الجرح في كتب الرجال مُعلَّلا بالكذب أو النكارة أو الخطأ أو الاختلاط أو كثرة الوهم...الخ، وكل هذا إنما يُوقف عليه بتتبع الرواية ومقارنتها بغيرها لا بتتبع السلوك، ونادرا ما تجد جرحا مفسرا بسبب سلوكي، وما تفضلت بذكره من أمثلة إنما هي أمثلة محدودة تذكرها كتب علوم الحديث عن بعض المتشددين كشعبة وغيره، ولا إخالها منهجا عاما عند علماء الجرح والتعديل.


لو قلنا : عدمت السبل لكان أقرب من قولكم تيسرت ، فإن هذه الطرق التي تتكلمون عنها تختص فقط بما قد دوِّنَ دُوْنَ ما كان في الصدور وذهب بذهاب أهله.
كيف وقد ذهبت مصنفات بما فيها من الأحاديث والطرق.
كيف والناجي كثيرٌ منه مخطوط لم يشهد النور.
كيف والمحققين المعروفين اليوم لا يحسنون فهم طرق المتقدمين في النقد حتى ترى بعضهم يشتشهد لحديث "يجعل رأسه رأس حمار" بحديث "يجعل رأسه رأس كل"
كيف وغاية ما يمكن الوصول إليه عدد المروايات في الجملة دون معرفة اختصاص فلان بفلان وملازمته له كذا من السنين أو أنه لم يدركه إلا في آخر عمره أو غير ذلك مما لم تستوفيه كتب التراجم وكان يعرفوه نقاد الحديث سابقاً.
مما ينبغي التسليم به هو أن الله تعالى حفظ هذا الدين، وما ضاع من حديث أو طريق فإن له بديلا من طريق آخر أو دليل آخر يسد مسده، ومما ينافي الحفظ في نظري أن نفترض أن أكثر الروايات والطرق ضاعت أو أن الله تعالى لم يترك لنا سبيلا البتة لمعرفة من هو مقبول ومن هو مردود من الرواة بسبب اختلاف العلماء فيه.
ومما لا يخفى أن المتقدم من العلماء وإن كان له فضل المعاصرة والسبق فإن للمتأخر أيضا فضل الإحاطة والجمع، وأعني بذلك أنه يطلع على كل ما قيل في الراوي من قبل علماء الجرح والتعديل أما النقاد أنفسهم فإن تيسر لأحدهم اطلاع على أقوال من سبقه فلا شك أنه لم يطلع على أقوال من جاء بعده إلى أن توقف هذا العلم.
ومما لا يرفضه عقل ولا يعافه ذوق سليم أن من استوعب كل ما قيل في مسألة جزئية مع اتصافه بالحد الأدنى من مراتب النظر أنه يكون أكثر قدرة على بيان وجه الحكم فيها من عالم كبير مر بهذه المسألة لماما في ضمن آلاف المسائل التي نظر فيها. وهذه هي فضيلة الاختصاص. وكذلك من جمع كل ما قيل في راو مع حصر كل مروياته وأنفق سنين من عمره في دراستها ومقارنتها بغيرها فسيكون حكمه أدقَّ من عالم موسوعي كبير تعرض لهذا الراوي ضمن آلاف آخرين، نظر في مروياتهم وأحوالهم.
ولا سبيل للمتأخرين للحوق بالمتقدمين إلا من هذا السبيل وهو تجزؤ الاجتهاد ودقة الاختصاص، فهذا قد يعادل من حيث القوة حكم القدماء في موضع الاختصاص رغم موسوعيتهم.
ورغم التسليم بعظمة الأوائل وتقدمهم وفضلهم وموسوعيتهم وشديد اعتنائهم إلا أنه من المبالغة في نظري محاولة كثير من المتأخرين وصف المتقدمين بأوصاف خيالية خارجة عن المألوف في "النزاهة العلمية" و"القدرة على الحفظ"، إذ هم في النهاية بشر يصيبون ويخطئون ويقع منهم المحاباة والتحامل والعجلة والتسرع والوهم وغير ذلك مما يعتري البشر، وانتقاد بعضهم بعضا إلى حد التجريح والطعن كثير وإن مال أصحاب التراجم إلى ذكر المحاسن لا المساوئ وإن تعرضوا لشيء مما ذُكر من طعن قالوا هو كلام أقران في بعضهم فلا يقبل. وما قيل في محفوظاتهم إنها كانت تبلغ ملايين الروايات فأظنهم كانوا يقصدون بالحفظ ما هو أعم من حفظ الصدر ليشمل معه حفظ الكتاب، وإلا فهذا الحفظ "الأسطوري" لم يقع لأصحاب رسول الله تعالى وهم خير علما وأحد نظرا وأكثر ورعا واعتناء وأصفى قريحة، وقد كان يقول قائلهم "كبرنا ونسينا" وأكثر من روى منهم أبو هريرة رضي الله عنه وأحاديثه بضعة آلاف (بلا سند طبعا لأنه يروي مباشرة). والله أعلم.
وأحسب أنه لن تقوم قائمة لمتأخري هذا الزمان من المشتغلين بعلوم الدين حتى يتحرروا من عقدة النقص بسبب التأخر الذي هو فضيلة ومزية في كل العلوم التي على وجه الأرض إلا علوم الدين عند المسلمين، ويتحرروا أيضا من عقدة "التبجيل الأسطوري" للقدماء كما قال القائل:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم......ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
ومن الفضلة القول أن القدماء كانوا في وقتهم يعدون أنفسهم متأخرين وهكذا كل متأخر يوما ما سيكون متقدما بالنسبة لمن يأتي بعده.

في الحقيقة أرى هذه الرغبة في فتح باب التطوير على مصراعيه باسم فتح باب الاجتهاد خطيرة إذ ليس هذا من باب فتح باب الاجتهاد لأهله ، بل هو من باب فتحه لغير أهله.
ومن الأكثر خطورة سد باب الاجتهاد وإغلاق أبواب النظر والاكتفاء والانكفاء على مجرد النقول قال فلان وقال فلان.
ثم إني لم أدع إلى فتح الباب على مصراعيه، بارك الله فيكم، بل فقط في "الرواة المختلف فيهم من جهة الحفظ" وإذا أردنا التضييق أكثر قلنا "الرواة الذين اشتد الخلاف فيهم من جهة الحفظ". أما الحكم على أهل العصر بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في ذلك فلا أسلِّمه لكم، بارك الله فيكم، لسببين:
أحدهما: أن هذه الأمة لا تنفك عمن يقوم بالحجة فيه في كل اختصاص يتعلق بالشرع، و"أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
والثاني: لأن الاجتهاد في إعادة سبر المروي أدقَّ نتيجة وأحمد عاقبة وأكثر سدادا من مجرد الموازنة بين آراء المجرحين والمعدلين دون وجود دلائل مادية تسمح بهذه الموازنة إلا الكثرة والقلة أو هذا الناقد متشدد وهذا متساهل أو هو متحامل على أهل الرأي أو غير ذلك من القرائن التي يوازن بها المتأخرون بها بين أحكام النقاد.


أما اختلافهم القديم فلا يسقط أقوالهم ، فقد وجد الخلاف في الشافعي وشعبة وابن عيينة وأمثالهم بأشياء منه اليسير ومنها الخطير والمتأخرون مطبقون على ثقبتهم وهكذا في جانب التعديل.
فليس كل اختلاف مسقط لأقوال المختلفين.
من تُكِّلم فيه بما لا يوجب الرد ممن شذ هنا وهناك فهذا خارج عن محل البحث، وإنما من تعارضت فيه الأقوال تعارضا بينا، وهو كثير، ولا شك أن الأقوال المتعارضة إذا تكافأت تساقطت، فلا بد من البحث عن دليل آخر من خارجها، ولا شيء بأيدينا إلا سبر ما أمكننا سبره أو التوقف، والسبر أولى من التوقف لأنه لا ينبغي التوقف حيث أمكن البحث عن دليل أو أمارة.
وهذا بخلاف منهج المتأخرين كابن حجر والذهبي رحمهم الله تعالى في الحكم على الرواة المختلف فيهم باتباع التلفيق والوصول إلى حلول وسط، فإذا وثق ناقد راويا وضعفه ناقد آخر جعلوه صدوقا فلا هو ثقة ولا هو ضعيف، وهذا في نظري يخالف منهج المتقدمين لأن أقوالهم، بحسب الفرض في الراوي المختلف فيه، كانت فاصلة: إما التوثيق وإما التضعيف في خصوص الراوي الذي اختلفوا فيه، فمن ضعَّفه فإنه لا يجعله صدوقا لأن غيره وثَّقه، ومن وثَّقه لا يجعله كذلك صدوقا لقول من ضعَّفه، وما قاله المتأخرون على هذا من قول وسطي تلفيقي يكون قولا ثالثا في المسألة لا تقليد فيه لأحد المختلفين من المتقدمين ثم هذا المنهج خروج عن المنطق السليم، لأن الجارح إذا بنى جرحه على العدالة فأنى للمتأخر رد ذلك بحل وسط وهو لم يطلع على حال الراوي، وإن بناه على الحفظ فأنى للمتأخر رد ذلك بحل وسط وهو لم يسبر روايات الراوي كما فعله الجارح. وكذا يقال في رده كلام الموثق.
وهذه الأيام بحمد الله تعالى ثمة ثورة حديثية متنامية على مناهج المتأخرين من علماء الحديث،ولعل ما قلناه هنا حقيق بالنظر من الدعاة إلى إعادة النظر في القواعد الحديثية التي رسخها ووطدها المتأخرون من علماء الحديث بالممارسة والتطبيق أكثر من البرهنة والتحقيق.


إلا أن يظن الظان أن الطرق الحديثة ستحل الخلاف ، وهيهات ، فلو تصورنا أنها أخذنا ما في صدور المتقدمين جملة ووضعناه على أفضل البرامج ، ثم بحثنا فوجدنا أن فلان أخطأ في خمسين حديث من أحاديث علان وهو يمثل نسبة عشرة في المائة ، لاختلفوا في الحكم حينذٍ ، هل هو ضعيف من أجل هذا المقدار أم ثقة ، وهل ضعفه يختص بحديثه عن علان أم هو مطلق دال على ضعفه مطلقاً ، ثم الرواة الذين لم نجد من تكلم فيهم بكلام قاطع إن سبرنا حديثهم فوجدناهم رووا أحاديث عن ثقات غير مشاهير انفردوا بها بماذا نحكم عليها؟ بأنها انفرادات لا تقبل إذ لو صحت لوجدت عند غيرهم ، أم هي مقبولة لأن المروي عنهم ليسوا بالمشهورين حتى يلزم منه اشتهار أحاديثهم. وما من حكم تقدره إلا وتجد من يخالفك فيه ، فيسقط قول المتأخرين كما أسقطتم قول المتقدمين
إذا عرفنا نسبة الشذوذ ونسبة التفرد ونسبة الخطأ فسنصل، لا شك، إلى حكم "ظني"، هو مهما كان أكثر دقة، وأقل مدعاة للاختلاف من الاعتماد المجرد على القرائن المتعلقة بالنقاد من كون هذا متشدد وهذا متساهل وهذا معاصر وهذا غير معاصر وهذا متحامل وهذا غير متحامل، ونحو ذلك من قرائن الترجيح بين أقوال النقاد فيما اختلفوا فيه من الرواة اختلافا بينا
والله أعلم
أرجو مراعاة أن الشخص مثلي إذا تكلم في غير فنِّه فربما يأتي بالعجائب، فخذ ما تعرف ودع ما تنكر وادع لي بالهداية.

أم طارق
11-12-05 ||, 10:41 AM
وأحسب أنه لن تقوم قائمة لمتأخري هذا الزمان من المشتغلين بعلوم الدين حتى يتحرروا من عقدة النقص بسبب التأخر الذي هو فضيلة ومزية في كل العلوم التي على وجه الأرض إلا علوم الدين عند المسلمين، ويتحرروا أيضا من عقدة "التبجيل الأسطوري" للقدماء كما قال القائل:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم......ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
ومن الفضلة القول أن القدماء كانوا في وقتهم يعدون أنفسهم متأخرين وهكذا كل متأخر يوما ما سيكون متقدما بالنسبة لمن يأتي بعده.
جزاك الله خيرا يا دكتور أيمن،،
كثير ما تعرض هذه الأفكار للكثيرين
وكلما فكرنا بهذه الطريقة ترددنا لأننا تربينا منذ صغرنا على جملة هم المتقدمون ونحن المتأخرون
وهم لا يخطئون لأنهم من العصور المفضلة الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمسك بعدهم
حتى ظهر - في عصرنا الحالي- أقوام رفضوا القديم ووضعوا العلماء المتقدمين في درجة واحدة مع المتأخرين فلم يقبلوا أن تكون لهم مزية ولم يقدموا لم قولا ولا اجتهادا فنقضوا كل القديم ووضعوه تحت طائلة البحث والاختبار والتصحيح
فما الضابط لذلك؟ وأين نقف من هذه المسألة ؟
بارك الله فيكم فقد وضعتم يدكم على الداء وأحسنتم التشخيص،،، وبقي عليكم تقديم الدواء.

وضاح أحمد الحمادي
11-12-05 ||, 05:11 PM
أقدم أولاً أنني قد كتبت الجواب وأعدت كتابته وعدلته كثيراً ، وذلك أن موضوعكم يحتاج مصنفاً كاملاً ، وأنا أحاول قصره على جواب في مشاركة ، ولكن هذا ما أمكن الساعة ، وفي الموضوع بعضٌ من جوانبه فأقول :


قولكم : [أكثر التعديل والتجريح يقوم على تقويم جانب الحفظ والخطأ والشذوذ من الراوي، لا على تقويم جانب السلوك]

سلمناه ، فكان ماذا ؟

أنتم قلتم : [فما بنوه على السلوك من ذلك فينبغي أن يُقدم فيه قول المجرح على المعدل مطلقا]

فهب أن ما ذكرتم من ندرة التكلم في الجانب السلوكي قليل نادر ـ وليس كذلك وسيأتي ـ فالخطأ فيه وارد بنفس نسبته أو قريبة من الخطأ الوارد على الكلام في الضبط والحفظ ، فاستويا ، فكان التعديل مقدم في الحالين لما قدمته في أصل الموضوع مفصلاً.

لكنه ليس بنادر ، ولعل الذي أوهم ذلك هو تعبيركم بلفظ (سلوكي) فإنه موهم منه جهة ، وأنا شخصياً لا أعرفه أصلاً ، ولكن استدللت على معناه من سياق كلامكم الذي يعطي أنه ما يقابل الكلام في الضبط والحفظ ، فمثلاً عبارتكم هذه :

[أكثر التعديل والتجريح يقوم على تقويم جانب الحفظ والخطأ والشذوذ من الراوي(1)، لا على تقويم جانب السلوك(2)]

تعطي أن الكلام في جانب السلوك يقابل الكلام في جانب الحفظ والضبط ، وعليه يدخل فيه الكلام في جانب السلوك وبدعة الرواي وارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر بالإضافة إلى خوارم المروءة والكلام فيها كثير كثير جداً.

بل تهمة الرجل بالكذب هو من هذا الباب لا من باب الحفظ والضبط ، فإن المتهم بالكذب قد يكون من أحفظ الناس كما قيل في الشاذكوني وغيره.

ثم نقول : لا علاقة لهذا أصلاً بموضوعي إلا من جهة قولكم بتقديم الجرح على التعديل إذا تعارضا في الجانب السلوكي وقد رددناه ، فلا حاجة بي للتعريج على غيره ، لكن نوادر مفيدة .

فقولكم مثلاً : [أما سلوكه فلا يحكم عليه إلا من عاصر الراوي وعايشه واطلع على غالب أحواله، وهو قليل جدا نسبيا]

في الحقيقة لو قلتم [قليل نسبياً] كان أوفق ، فإن كلامهم في من عاصروه كثير جداً لكنه بالنسبة إلى الكلام فيمن لم يعاصروه أقل ، ولا يشترط الإطلاع على غالب الأحوال كما ذكرتم ، بل يكفي الإطلاع على موجب الجرح فقط.

قولكم : [ولذلك تجد أكثر الجرح في كتب الرجال مُعلَّلا بالكذب أو النكارة أو الخطأ أو الاختلاط أو كثرة الوهم...الخ]

تقدم الكلام فيه ، لكن أنبه على أن الكلام في الكذب ينبغي أن يكون بحسب تعبيركم سلوكياً ، كما تقدم.

أما الاختلاط فلو نظرت في كتب المختلطين رأيت أن الأغلب الأكثر أنهم يعتمدون كلام من عاصر المختلط ثم يعتمدون كلام المعاصر أو يردونه ، وبين ذلك مسائل بعضها يعرف بالمعاصرة وبعضها بالسبر وبعضها مشترك بينهما.

[وكل هذا إنما يُوقف عليه بتتبع الرواية ومقارنتها بغيرها لا بتتبع السلوك]

أن تتبع الروايات لا يعني بالضرورة أن الجرح المبني عليه ليس بسلوكي ، فقد تعلم بالتتبع أن الرجل يكذب في دعواه الرواية عن أناس لم يلقهم أصلاً ، وقد تقدم الكلام عنه.

دعني أهمل الكلام في السلوكيات جملة إذ الخلاف كان حول هل يقدم في الجرح أو التعديل ، وقد تقدم معك جوابه.

ثم نقلتم عني قولي :

[لو قلنا : عدمت السبل لكان أقرب من قولكم تيسرت ، فإن هذه الطرق التي تتكلمون عنها تختص فقط بما قد دوِّنَ دُوْنَ ما كان في الصدور وذهب بذهاب أهله.
كيف وقد ذهبت مصنفات بما فيها من الأحاديث والطرق.
كيف والناجي كثيرٌ منه مخطوط لم يشهد النور.
كيف والمحققين المعروفين اليوم لا يحسنون فهم طرق المتقدمين في النقد حتى ترى بعضهم يشتشهد لحديث "يجعل رأسه رأس حمار" بحديث "يجعل رأسه رأس كل]
كيف وغاية ما يمكن الوصول إليه عدد المروايات في الجملة دون معرفة اختصاص فلان بفلان وملازمته له كذا من السنين أو أنه لم يدركه إلا في آخر عمره أو غير ذلك مما لم تستوفيه كتب التراجم وكان يعرفوه نقاد الحديث سابقاً]

وهو كلام سليم يوجب أن المتأخر لا يقدر على فتح الكلام في الرواية اعتماداً على مروياتهم لما فقد منها إلا بمقدار ما تكلم به المتقدمين ، وله أن يتتبع حيث حصر المتقدمون الكلام عليه برويات بعينها ، فلو قال بعضهم : "فلان ضعيف لأنه روى حديث كذا عن مالك ، ولو كان من حديث مالك لعرفه أصحابه أمثال يحيى والقعنبي " ويكون غيره قد خالفه ووثقه ، فإنه يمكنك أن تجاريهم في ذلك بأن تقول مثلاً : قد رواه يحيى والقعنبي في كتاب كذا بالإسناد الصحيح عنهما فصح أنه ثقة كما قاله فلان.

فهذا المقدار من الاجتهاد لا أنكره.

ثم فيما يأتي من كلامكم دعوى أن علم المتقدمين موسوعي والمتأخرين بوسعهم أن يتخصصوا ويلحقوا بهم.

وفي الجملة لا أخالف في كون علمهم موسوعي من جهة ، ولكنه أيضاً تخصصي بشكل لا يمكن اللحاق به ، فإنك تراهم في كتب التراجم يعرفون الراوي عمن روى وكم روى عن كل واحد ثم من روى عنه وكما روى عنه كل واحد ، ثم يميزون حديث كل واحدٍ من شيوخه وحديث كل واحد من طلبته ، ويعرفون تاريخ وفيات الجميع أو ما يدل عليه ، ثم يعرفون من شاركه في الرواية عن شيوخه ليقارنوا حديثه بحديثهم ، ثم يعروفن هذه الأحاديث من رواها من غير شيوخه ، ثم يعرفون ما يشبهها من حديث الناس حتى تراهم يقولون مثلاً : (أحاديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر تشبه أحاديث عبدالله بن عمر) وهم يقصدون بذلك القدح في حديثه بذلك فإن عبدالله بن عمر المكبر ضعيف ، وهذا الشبه في الروايات يدل على أن الأمر اختلط على الدراوردي ـ مع ثقته في نفسه ـ فروى أحاديث عبدالله عمر عن عبيد الله بن عمر ، ويعرفون أحوال ذلك الراوي من ابتدائه إلى انتهائه ، فإن تغير تراهم يعرفون سبب تغيره ، ومن روى عنه قبل تغيره وبعد تغيره ثم ذلك الراوي عنه قبل التغير أو بعده أحواله على نحو ما تقدم حتى يميزوا إن كان خلط بحديثه حديث غيره أم لا ، ثم تراكيب الأسانيد التي رواها هل فيها سقط أو هي متصلة هل روي بها الحديث أو لا يجيء فيها حديث أصلاً ولكن هذا الراوي أخطأ وغير ذلك مما لا يسع ذكره هنا.

فهذا دليل على أن المتقدم مع معرفته الموسوعية متخصص تخصصاً دقيقاً للغاية ، وذلك اعتماداً على صدور موسوعية ذهبت وذهب ما كان فيها ، فلا يستطيع المتأخر الإطلاع على ما كانت تحوي ليبني عليه.

ومع ذلك فتخصصات المتقدمين متفاوتة فتجد عامتهم معرفتهم تختلف من راوٍ إلى آخر فبعضهم معرفته بالبغدادين أتم منها بالحجازيين وآخر بأهل دمشق أكثر منها بأهل بغداد وهذا في عامتهم ، بل منهم من معرفته برواية معينين هي على هذا النحو لا غيرهم .

وهنا أنبه أيضاً أن المعرفة الموسوعية ليست حفظاً فقط ، بل معرفة كما ذكر ذلك أبو زرعة فميز بين ما يحفظه في صدره وما يعرفه بمجرد ذكره ، وهذا نراه في أنفسنا ، فمثلاً تجد الرجل لا يحفظ القرآن ، فإن ذكرت له آية بادرك إلى ذكر موضعها في كتاب الله ، وهكذا رأيت غير واحد في كتاب البخاري مسلم لا يحفظ الكتابين لكن ما إن تذكر له حديث حتى يذكر لك منه علما أين ذكراه وهل تكرر وهل انتقده الدارقطني ووجه الجواب ، مع أنه لا يحفظ الصحيحين عن ظهر قلب. فإن كان هذا في زماننا فكيف في زمن كان يصرف الرجل فيه عمره لطلب الحديث محضاً أو يخصص نفسه له وأن تعلم غيره ، وقد رأيت في التلفاز من يحفظ في هذا الزمان الأمهات الست ، وعرفت من يحفظ الترمذي حفظاً متقناً مع الكثير من الأجزاء الحديثية في زمن لعلك لا تحتاج إلى هذا الحفظ لتيسر الكتب والأجهزة ، فكيف بزمن لا تستطيع أن تجمع فيه الحديث إلا من صدور الرجال ، وليس معك لحفظه إلا صدرك والكتاب؟

فأنا لا أستبعد أبداً ما صح عن أحمد بن حنبل من حفظه لنحو سبعمائة ألف حديث أو حتى ألف ألف حديث ، لكن مقصودهم بالحديث الطرق ، فمثلاً لو روي حديث واحد عن مالك عن الزهري عن أنس ورواه سفيان عن الزهري عن أنس وعبيدالله عن الزهري عن أنس ومعمر عن الزهري عن أنس فإنهم يعدونه أربعة أحاديث.

أما الملايين فلا هذه مبالغات.

بل لو قيل أن من يحفظ ألف ألف حديث كثير ما قبلته ، بل هو فيهم نادر جداً فقد كان الحفاظ يعجبون من أحمد غاية العجب مع أنهم حفاظ ، فلو كان هذا فيهم كثير لما تعجبوا منه ، والأغلب عليهم المعرفة بها على نحو ما تقدم لا حفظها إلا حفظ كتاب على ما ذكرتم.

وقولكم [مما ينبغي التسليم به هو أن الله تعالى حفظ هذا الدين، وما ضاع من حديث أو طريق فإن له بديلا من طريق آخر أو دليل آخر يسد مسده]

ثم ماذا ؟ هل هذا يعطي أن تلك الطرق والأحاديث التي ضاعت لا تأثير لها في معرفة حال الرواي المبحوث في أمره ؟

ثم ما علاقة البدائل بأحوال الرواة ؟

[ومما ينافي الحفظ في نظري أن نفترض أن أكثر الروايات والطرق ضاعت أو أن الله تعالى لم يترك لنا سبيلا البتة لمعرفة من هو مقبول ومن هو مردود من الرواة بسبب اختلاف العلماء فيه]

هل تريد أن مما ينافي الحفظ مجموع الأمرين ضياع الطرق وعدم ترك طريق أم كل واحد على حدة ؟

أما الأول : فماذا في تسليمه ؟

أما الثاني : فما الدليل عليه ؟

ولكن لا ، قد ضاعت آلاف الطرق لا نعرفها اليوم كما ضاع علينا العلم بالآلف من الرواة لا نعرف لهم إسماً ولا رسما ، وأدنى مطالعة لتراجم الرواية تنبيك عن ذلك ، فقد تقدم عن أحمد بن حنبل أنه كان يحفظ نحو سبعمائة وخمسون ألف حديث والبخاري نحو ثلاثمائة وأبو زرعة أكثر من مائة ألف حديث ، وما يعرفونه أكثر مما يحفظونه ، وليس في المصنفات ولا حتى المخطوط منها هذه المقادير عنهم ولا نصفها ولا ثلثها بل ولا عشرها.

وتلك الأسانيد التي لم تبلغنا عبارة عن رواة منهم من روى عنه غير أحمد في كتبه ووصلتنا ، فتلك الروايات عنه التي لم تبلغنا لا شك تعطي معرفة بحاله لو جمعت ، فكيف الحال مع ضياعها ؟

لكن هذا لا يعطي انقطاع طرق المعرفة ، فإن العارفين بتلك الطرق من المتقدمين قد تكلموا في الرواة ، وما يظهر من اختلاف فيهم فالمتأخر يعالجه بنحو مضوعنا هذا والكلام في غيره من علوم الحديث.

وإسقاط كلام أهل الجرح والتعديل لاختلافهم لم يكن قولي بل قولكم ، وإنما ذكرناه في المتأخرين إلزاماً فقط ، إذ لو جاز إسقاط كلام المتقدمين لاختلافه فلماذا لا يسقط كلام المتأخرين لاختلافهم.

وكيف أدعي سقوط كلام المتقدمين وانسداد سبل التعرف على أحوال الرواة وموضوعي هو في التعرف على أحوال الرواة عن طريق الجرح والتعديل ، وكيفية التعامل مع المتعارض منها ، ثم للسبر والتتبع دور حتى في زماننا هذا تقدمت إحدى صوره وسيأتي عند نقلي ما كتبته في معنى النكارة.

[ومما لا يخفى أن المتقدم من العلماء وإن كان له فضل المعاصرة والسبق فإن للمتأخر أيضا فضل الإحاطة والجمع، وأعني بذلك أنه يطلع على كل ما قيل في الراوي من قبل علماء الجرح والتعديل أما النقاد أنفسهم فإن تيسر لأحدهم اطلاع على أقوال من سبقه فلا شك أنه لم يطلع على أقوال من جاء بعده إلى أن توقف هذا العلم]

أقول : هذا الذي زعمته لا يخفي في الحقيقة يخفى بل لا يصح ، وذلك عند التحقيق في صياغة هذه العبارة ، وذلك أن صياغتها عامة مجردة ، وعند تقييدها بهذا العلم ووضعها على واقع المحدثين فإنا نزعم أن المتقدم يحيط بمرويات الراوي على التفصيل السابق وبمرويات غيره مما له تعلق بمروياته ، ولا نسلم ذلك في المتأخر ، وإن كان فات المتقدم شيء من كلام أمثاله في الراوي فلا يضره ، إذ ليس هو بحاجته مع تمام إحاطته بالأسباب التي ينبني عليها الكلام في الراوي مدحاً وقدحاً ومعرفته بكيفية بناء الحكم عليها . ثم لما مات ذهبت تلك الطرق والمرويات التي كانت في صدره ولا نسلم أن الموجود يحيط به أو يغني عنه بحيث يستقل المتأخر بالنظر فيها بمعرفة أحوال الرواة وجمع عبارات الجرح والتعديل من الكتب لا يعني الإحاطة بها ، والإحاطة بها لا تعني فهمها ، ثم فهما لا يعني معرفة التوفيق بينها ، ثم إن معرفة جميع ذلك ليس بقوة معرفة سببها . والأخير تَخَصُّص المتقدم ، لذا ربما سمع أحمد عبارة ابن معين في رجل ثم لا يعبأ بها وهكذا غيره.

ولا يظن الظان أنه إذا دخل في حيز الإمكان أن يجمع حديث راوٍ مختلف فيه نحو ابن لهيعة أو السبيعي مثلاً أنه بذلك قد علم الأسباب التي تقدح في عدالة الراوي أو ضبطه ، فهذا لا يكون بالكبس على زر (بحث) والنظر في النتائج ، وإلا لكنا جميعاً اليوم أفقه من مالك والشافعي ، ولتوضيحه أنقل مثال واحد :

قال الإمام أحمد رحمه الله : كنت أنا وعلي ابن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري ، فقال علي : سفيان بن عيينة ، وقلت أنا مالك بن أنس ، وقلت : مالك أقل خطأ من الزهري ، وابن عيينة يخطئ في نحو عشرين حديثاً عن الزهري في حديث كذا وحديث كذا ، فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً وقلت : هات ما أخطأ فيه مالك ، فجاء بحديثين أو ثلاثة ، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثاً.

وهذا المثال يرشد إلى فوائد جمة كثيرة ، أولاً فيه أن أحمد حفظ حديث سفيان ومالك عن الزهري ، أنه حفظ أيضاً ما يميز صحيح حديث سفيان عن الزهري من ضعيفه ومثله مالك ، وأنه كي يميز ذلك يجب أن يكون حفظ جميع الروايات عن الزهري حتى يقارن بها حديث سفيان وحديث مالك ثم يرجح ، أنه يجب أن يفهم أن ما انفرد به أحدهما ليس من باب رواية الثقة بل خطأ ، وهنا المعضلة الزباء والداهية الدهياء ، فإن تمييز ذلك لم يحسن كثيريني أن يفسروه حتى قيل في علم العلل أنه كهانة.

وحين أراد أن يحكم أحمد على أوثق من روى عن الزهري لم يكن في حاجة إلى معرفة كلام من بعده ، وإذا أراد المتأخر أن يحكم لا ينفعه معرفة كلام من قبله . هذا إذا فرضنا أن كل الأسانيد التي يحفظها أحمد عن مالك عن الزهري وعن ابن عيينة عن الزهري وعن غيرهما عن الزهري بين يديه ، وأنى له ذلك.

ثم مات أحمد أسأل الله جل وعلا أن يجزيه عن المسملين أعظم الجزاء ، فمن يحلف أن كل ما حفظه أحمد من هذه الطرق التي اعتمدها هي بين أيدينا وأن المتأخر له فضل جمعها فضلاً عن جمع غيرها معها بحيث يكون ل الفضل الذي يميزه كمتأخر عن المتقدم ؟

[ومما لا يرفضه عقل ولا يعافه ذوق سليم أن من استوعب كل ما قيل في مسألة جزئية مع اتصافه بالحد الأدنى من مراتب النظر أنه يكون أكثر قدرة على بيان وجه الحكم فيها من عالم كبير مر بهذه المسألة لماما في ضمن آلاف المسائل التي نظر فيها. وهذه هي فضيلة الاختصاص. وكذلك من جمع كل ما قيل في راو مع حصر كل مروياته وأنفق سنين من عمره في دراستها ومقارنتها بغيرها فسيكون حكمه أدقَّ من عالم موسوعي كبير تعرض لهذا الراوي ضمن آلاف آخرين، نظر في مروياتهم وأحوالهم]

أقول : ما المراد بالاستيعاب ؟ مجرد الإحاطة من غير فهم أما مع الفهم ؟

أما الأول فأن العقل السليم يعاف القول به ، أما الثاني فإن المتقدم أفهم لما يقول ممن ينقل عنه قوله . ثم إن الاختصاص بحسب توصيفكم كافٍ في بيان عدم الحاجة إلى فتح هذا الاجتهاد المزعوم ، فإن المتخصص إن قبلنا قوله تقليداً برز سؤال : ألم يكن في اتباع المتقدمين كفاية ؟ وإن لم نقبله تقليداً ، فما فائدته؟

أما الموسوعية والتخصصية فقد تقدم الكلام عليها ، كما أن المتقدمين اختلفت تخصصاتهم فمنهم من كان أعلم من غيره بالعلل والخطأ في الحديث كابن معين وأحمد وابن المديني والبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني ، ومنهم من كان أعرف من غيره بالزيادات كابن خزيمة ومنهم من كان أحفظ ومنهم من كان أفقه لها ، وحتى في الرواة تجدهم يقولون : فلان أعلم بأهل بلده ، وأعلم بمشايخه وأعلم بمن عاصره ، بل حتى في الراوي الواحد تجد أناس مختصين به كاختصاص إسرائيل وشريك بأبي إسحاق والقعنبي ويحيى بن يحيى بمالك وغير ذلك.

ثم هنا كلام كثير يجعلني أعيد ما كررته فلا حاجة إلى تتبعه :

[ومن الأكثر خطورة سد باب الاجتهاد وإغلاق أبواب النظر والاكتفاء والانكفاء على مجرد النقول قال فلان وقال فلان]

صدقت فلندع الخطر من الجانبين ، على أنني لم أقل بانغلاق باب الاجتهاد ، وإلا لم طرحت هذا الموضوع وفيه الرد حتى لأقوال المتقدمين في الجرح والتعديل في بعض المسائل كرد قول الجارح أو المعدل بعد الاطلاع على سبب الجرح والتعديل عند التعارض ، وليس مرادي بالتعارض مجرد أن يوثق فلان ويضعفه فلان ، وسيأتي.

[ثم إني لم أدع إلى فتح الباب على مصراعيه، بارك الله فيكم، بل فقط في "الرواة المختلف فيهم من جهة الحفظ"]

قد طرقتم له حفظكم الله باقتراح جعله عملاً إحصائياً مستفيدين من وجود الأجهزة ، ولو قام به المتأهلون اليوم لادعاده غيرهم غداً كما هو حاصل في الفقه فترى الجميع حتى أنا أتكلم فيه ، والله إني لأستحيي من جرأتي وبخاصة وإسمي يظهر بارزاً حاملاً تخصصي البعيد كل البعد عما أكتب فيه وأقارع فيه أهله ، ولكن لاعتقادي أن أمثالكم موجودون يردون علي خطأي في وجهي أتجرأ ، وإذا رأيت منكم الرضا رضيت] صغرت الخط حتى لا تستطيع قراءته (ابتسامة) .

[ وإذا أردنا التضييق أكثر قلنا "الرواة الذين اشتد الخلاف فيهم من جهة الحفظ"]

هؤلاء هم أصعب من يتكلم فيهم المتكلمون ، فمن خف فيهم الخلاف من جهة الحفظ فذلك لظهور أحد القولين ظهوراً قوياً وظهور ضعف مقابله ، وحيث اشتد فذلك لعدم ظهور ترجح أحد القولين على الآخر.

وعلى كل لا بأس بالاجتهاد في هذا ، لكن لا على طريق الاستقلال ، بل هو كالفقه تنظر في أقوال المتقدمين وترجح بين أقوالهم بالدليل.

[أما الحكم على أهل العصر بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في ذلك فلا أسلِّمه لكم، بارك الله فيكم]

لم أدعيه فلا حاجة لي بالنظر إلى السببين.

نقلتم عني قولي : [أما اختلافهم القديم فلا يسقط أقوالهم ، فقد وجد الخلاف في الشافعي وشعبة وابن عيينة وأمثالهم بأشياء منه اليسير ومنها الخطير والمتأخرون مطبقون على ثقبتهم وهكذا في جانب التعديل.

فليس كل اختلاف مسقط لأقوال المختلفين.]

ثم قلتم : [من تُكِّلم فيه بما لا يوجب الرد ممن شذ هنا وهناك فهذا خارج عن محل البحث]

أقول : إن اختلف في هؤلاء مع جلاء الأمر فورود الاختلاف في غيرهم أكبر احتمالاً ، ونحن نرى كثيراً من المتأخرين يختلفون في الحكم على الرواية مع اجتهادهم وتتبعهم للروايات ويكفي أن تقرأ كتاب (التنكيل) للإمام المعلمي لتر ذلك.

[وإنما من تعارضت فيه الأقوال تعارضا بينا، وهو كثير، ولا شك أن الأقوال المتعارضة إذا تكافأت تساقطت]

إن تكافأت ، ولا نسلم التكافؤ.

[فلا بد من البحث عن دليل آخر من خارجها]

إن كان تتبع الروايات من هذه الوسائل ، فهو مما اعتمده المتقدمون ، فإن أدت إلى اختلافهم وجب ترك الاعتماد على الرويات جملة ، وإن كان كلامهم المبني عليه أيضاً ساقطاً لتعارضه ، فقد انسد باب الاجتهاد والتقليد معاً ؟!!

[ولا شيء بأيدينا إلا سبر ما أمكننا سبره أو التوقف، والسبر أولى من التوقف لأنه لا ينبغي التوقف حيث أمكن البحث عن دليل أو أمارة]

ممتاز جداً فذاك السبر إما أن يقوي أحد القولين الجرح أو التعديل أو يؤدي إلى قول ثالث، أما الأول فهو مرادنا بالترجيح بين الجرح والتعديل ، ويجب فيه أن لا نستقل ابتداءً بل لا بد من النظر إلى كلام الجارح والمعدل وعلاقته بالسبر المذكور ، فلو مثلاً اختلف في راوٍ من أجل عشرة أحاديث فقط مع اتفاقهم على ضبطه في غيرها فسبر ذلك الغير مضيعة للوقت.

أما الثاني : فإما أن يكون باطلاً كالقول الثالث في الفقه ، أو باطلاً لكون اتفاق المختلفين على خلافه مع حفظهم لما ليس بين أيدينا مانع من إنشاء القول الثالث ، لما قدمناه.


[وهذا بخلاف منهج المتأخرين كابن حجر والذهبي رحمهم الله تعالى في الحكم على الرواة المختلف فيهم باتباع التلفيق والوصول إلى حلول وسط ]

هذا في حق الإمام الذهبي خطأ عظيم ، فإن الذهبي كثيراً ما يعتمد لمعرفته هو نفسه بالراوي ومروياته بضميمة كلام غيره فيه ، فتراه يشتد ولا يعول في توثيق بعض الرواية ويشنع على جارحه.

ثم هذه الحلول الوسط منها ما يبين عدم التعارض فلا حكم بالتساقط.

[فإذا وثق ناقد راويا وضعفه ناقد آخر جعلوه صدوقا فلا هو ثقة ولا هو ضعيف، وهذا في نظري يخالف منهج المتقدمين لأن أقوالهم، بحسب الفرض في الراوي المختلف فيه، كانت فاصلة: إما التوثيق وإما التضعيف في خصوص الراوي الذي اختلفوا فيه ... إلخ]

ليس كذلك قطعاً ، فأحكامهم تختلف بحسب اختلاف أحوال الرواة فتجد من عبارتهم : هو كذا وكذا ، أرجوا أنه لا بأس به ، يكتب حديثه وينظر فيه ، حديثه صالح، وذلك بسبب أن الأخطاء ليست قليلة جداً بحيث يكون ثقة مطلقاً ولا كثيرة جداً بحيث يكون ضعيفاً ، فيأتي مثل الحافظين الذهبي وابن حجر فيطلعا على كلمات من نحو ابن حبان ويعلمان أنه يسقط الراوي بالخطأين والثلاثة ، وإلى مثل العجلي وابن شاهين ممن يتساهل في كثير من الخطأ ، فيبحثان على من أنكر على الراوي ، فإذا كان بمقدار من يقول فيه أحمد مثلاً هو كذا وكذا أو هو صالح الحديث إنشاء الله فيقولان صدوق توسطاً ، فالتوسط لم يكن بالنظر إلى مجرد ألفاظ الجرح والتعديل ، كلا ، بل هما وغيرهما ينظران فيما ينكر على الراوي وقد نص عليه الذهبي في غير موضع منها مقدمة كتابه (الراوة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد) لكن هذا الذي ذكرتموه وعبتموه هو للأسف صنيع كثير من المُحْدَثِيْن اليوم.

[وهذه الأيام بحمد الله تعالى ثمة ثورة حديثية متنامية على مناهج المتأخرين من علماء الحديث]

لعلك تقصد الدكتور المليباري ، وفي الحقيقة ثورته ـ إن صح توصيفها بذلك ـ هي في رد الناس عن مناهج المتأخرين إلى مناهد المتقدمين ، ونعم الثورة هذه. وإن كنت لا أحبذ هذه المصطلحات عموماً.

نقلتم قولي : [إلا أن يظن الظان أن الطرق الحديثة ستحل الخلاف ، وهيهات ، فلو تصورنا أنها أخذنا ما في صدور المتقدمين جملة ووضعناه على أفضل البرامج ، ثم بحثنا فوجدنا أن فلان أخطأ في خمسين حديث من أحاديث علان وهو يمثل نسبة عشرة في المائة ، لاختلفوا في الحكم حينذٍ ، هل هو ضعيف من أجل هذا المقدار أم ثقة ، وهل ضعفه يختص بحديثه عن علان أم هو مطلق دال على ضعفه مطلقاً ، ثم الرواة الذين لم نجد من تكلم فيهم بكلام قاطع إن سبرنا حديثهم فوجدناهم رووا أحاديث عن ثقات غير مشاهير انفردوا بها بماذا نحكم عليها؟ بأنها انفرادات لا تقبل إذ لو صحت لوجدت عند غيرهم ، أم هي مقبولة لأن المروي عنهم ليسوا بالمشهورين حتى يلزم منه اشتهار أحاديثهم. وما من حكم تقدره إلا وتجد من يخالفك فيه ، فيسقط قول المتأخرين كما أسقطتم قول المتقدمين]

ثم قلتم : [إذا عرفنا نسبة الشذوذ ونسبة التفرد ونسبة الخطأ فسنصل، لا شك، إلى حكم "ظني"، هو مهما كان أكثر دقة، وأقل مدعاة للاختلاف من الاعتماد المجرد على القرائن المتعلقة بالنقاد من كون هذا متشدد وهذا متساهل وهذا معاصر وهذا غير معاصر وهذا متحامل وهذا غير متحامل، ونحو ذلك من قرائن الترجيح بين أقوال النقاد فيما اختلفوا فيه من الرواة اختلافا بينا]

هذا بعينه ما اعتمد عليه المتقدمون فكان اختلافهم أكثر من اختلاف المتأخرين الذين وصفتموهم بالتلفيق ، فحينئذٍ لو اعتمد عليها المتأخرين مع ضياع الكثير من الطرق سيكون أكثر اختلافاً أيضاً.

ثم لو فرضنا جدلاً أن الخلافات قلت ، مع ذلك سيبقى الظن الحاصل بها أكثر ضعفاً فسنبقى دائماً نتفكر ؟ ترى لو أننا اطلعنا على ما غاب عنا من طرق كيف سيكون لحكم ؟ ترى هذه النتيجة التي أوصلت إلى خلافنا لأحمد وأبن معين وموافقتنا لابن شاهين مع شهرته بالتساهل ما سببها ؟ لماذا قال ابن المديني في هذا الراوي ثقة مع أننا نجد أكثر من ثلاثين في المائة من حديثه خطأ ؟

ولتوضيح هذه التساؤلات فإننا سنزيد إلى الاختلاف بسبب اختلاف النسب في الروايات الاختلاف بسبب اختلاف المتقدمين في نظرهم إلى هذه النسب.

[أرجو مراعاة أن الشخص مثلي إذا تكلم في غير فنِّه فربما يأتي بالعجائب]

هذا يا شيخنا اعتذارنا لا اعتذاركم ، فإنه جزء من تخصصكم ، لا محاوركم المتطفل على هذه العلوم.

أرجو الله أن يديمكم ويديم علينا من فوائدكم ، وأمتعنا بالحوار معكم.

وغفر الله لنا ولكم

وضاح أحمد الحمادي
11-12-06 ||, 02:29 PM
المنكر



يدل على صحة مذهب الجمهور في أن من روى عنه جماعة من الثقات ولم يكن في حديثه ما ينكر عليه فهو ثقة يكمن في معرفة معنى المنكر عند المتقدمين من أهل العلم بالجرح والتعديل :-

اشتهر عند المتأخرين أن المنكر نوعين الأول تفرد الضعيف والثاني مخالفته للثقة ، كذا هو في عامة كتب علوم الحديث ، وفيه نظر ، فإنهم لم يأخذوا هذا التعريف من تصريح أئمة الجرح والتعديل به ، بل من استقراء أقوالهم في الكلام عن الرواة ، لكن في تصريح بعضهم ما يدل على خلاف هذا الذي اشتهر في كتب علوم الحديث ، فعن البرديجي أبي بكر أحمد بن هارون الحافظ : "أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف من غير روايته ، لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر"


وعلق عليه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح بقوله : "فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل ، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد والنكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث ، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفاً في شرح الحديث الشاذ"

وقد تابع ابن الصلاح على تفصيله عامة من صنف بعده في علوم الحديث ، وليس بصواب ، بل الصواب ما ذهب إليه البرديجي كما تقدم عنه وكثير من أهل الحديث كما نقله عنهم ابن الصلاح ، فإن أهل الحديث لا يقيدون المنكر برواية الضعيف ، لأنه عندهم دليل ضعف الرواي فلا تتقدم المعرفة بضعفه على المعرفة بدليل ضعفه ، وسيأتي بيانه قريباً.

المهم هنا أن البرديجي لم يقيد المنكر برواية الضعيف وأن ابن الصلاح نقل مثل ذلك عن كثير من أهل الحديث وفي الحقيقة هذا مذهب جميعهم مع قيد بسيط تجده في قول شعبة : ".. إذى روى عن المعروفين ما لا يعرف المعروفون فأكثر" (الكفاية) 1/424 [وقد ضعف المحقق إسناد الخطيب إليه بنعيم ابن حماد فأخطأ ، وسيأتي] المهم أن شعبة اشترط هنا ثلاثة شروط :

الأول : أن يكون الشيخ المروي عنه معروفاً.

الثاني : أن يكون له رواة معروفون.

الثالث : أن يكون الحديث المروي ليس معروفاً عند هؤلاء المعروفين.

أما كثرة انفراداته فشرط لترك حديثه لا لنكارته.

ولم يتكلم شعبة عن ضعف الراوي وثقته ، وللإمام مسلم كلام حسن جداً يمكن عده شرحاً لعبارة شعبة ، وأنا أنقله مع طوله لشدة تعلقه بما نحن فيه، قال رحمه الله : "وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس" انتهى من (مقدمة صحيح مسلم) 1/56-58 مع شرح النووي.

وأنت ترى في كلام مسلم أن المحدث ـ دون أن يقيده بكونه ضعيفاً ـ إن روى عن الثقة ما لا يعرفه الثقات أو ما يخالفهم فيه فحديثه منكر ، لكنه مع ذلك لا يُترك حديثه حتى يكون الأغلب على حديثه المناكير ، ومفهوم ذلك أنه إن لم يغلب على حديثه المناكير فإنه لا يترك ، فإن كانت مناكيره مع ذلك كثيرة في الجملة فهو ضعيف منكر الحديث ، وإن كانت مناكيره قليلة إلى جانت ما روى فهو صدوق أو ثقة صاحب مناكير يحتج بحديثه في الجملة ، وقد لا يحدتج بحديثه عن شيخٍ بعينه أو في وقت بعينه أو من رواية تلميذ بعينه ونحو ذلك مما قد يسفر عنه البحث في ما أنكر على المحدث.

والغرض هنا بيان أن المنكر ليس هو تفرد الضعيف أو مخالفته للثقة ، فإن هذا بعض المنكر لا تعريفه ، بل هو أن يروي الراوي دو تقييده لكونه ضعيفاً عن رجل مشهور ما لا يعرفه أصحابه المشهورون ، ولو كان ثقة في نفسه يحتج بحديثه في غير هذه الرواية.

ومن أجل ذلك قال ابن عبدالهادي في (الصارم المنكي) ص 89 بعد أن تكلم في رواية محمد بن محمد بن النعمان عند جده عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر حديث الزيارة وحكم عليه بأنه منكر موضوع وأن نسخة مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة معروفة مضبوة : "ولو كان من حديثه ـ أي مالك ـ لبادر إلى روايته بعض أصحابه الثقات المشهورين ، بل لو تفرد بروايته ثقة معروف من بين سائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه ، ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة" انتهى .

وقال الإمام الذهبي في ترجمة أحمد بن عتاب المروزي في (الميزان) : "ما كل من روى المناكير يضعف" وهذا يخالف قولنا أن المنكر هو تفرد الضعيف أو مخالفته للثقات.

أما إن تفرد الثقة المشهور عن أحد مشائخه الذين اشتهر بملازمتهم واختصاصه بهم بحديث ، فهذا لا يسمى منكراً كما لو انفرد مالك عن الزهري أو ابن أبي عروبة عن قتادة أو الثوري عن الأعمش أو يحيى بن سعيد عن الثوري وهكذا رواية الثقة عن ثقة غير مشهور ، فلا تسمى هذه مناكير ، بل أفراد وغرائب ، فإن كثرت فقد تضر الراوي لها إن لم يكن كسفيان ومالك ويحيى بن سعيد وغيرهم ممن هو مثله.

فإن سمى ما رواه هؤلاء منكراً فهو على ا لمعنى اللغوي فقط ، أي أنه غير معروف من رواية غيره ، لا على معنى أنه ضعيف مردود ، ومن رده فإنما رده من رواية هؤلاء عمن لم تُعرف ملازمتهم له من المشاهير ما لا يوجد عند مشاهير أصحابه أو يخالفونه فيه ، ويعد هذا خطأ ، وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ.

والله تعالى أعلم

أما ما ذكرناه من أن وجود المناكير دليل ضعف الرواي وأنه لا تتقدم معرفة ضعف الراوي على المعرفة بدليل ضعفه ، فمعناه أن أهل العلم إذا أرادوا معرفة حال راوٍ سبروا حديثه ، فإذا وجدت المناكير بكثرة في حديثه فهو ضعيف ، فلو قلنا : إن المنكر هو ما انفرد به الضعيف أو ما خالف فيه الضعيف الثقة ، لزم من ذلك أن الراوي ضعيف لأنه روى مناكير ، وأنه روى مناكير لأنه ضعيف .

فإذا سأل سائل : لم حكمتم على فلان بأنه ضعيف؟

قيل : لأنه روى المناكير .

وإن قيل : ولم حكمتم بأنها مناكير؟

قيل : لأن المنفرد بها ضعيف.

وهكذا ، وهذا دور وهو باطل.

فلا يمكن أن يكون العلم بضعف الراوي سابقاً للعلم بنكارة حديثه ومسبوقاً به في آن واحد ، كما لا يمكن أن يكون العلم بضعف الراوي سابقاً للعلم بأنه روى المناكير لأنه يفضي إلى أن العلم بضعف الراوي كان سابقاً للعلم بدليل ضفعه ، وهو روايته للمناكير ، فنكون حكمنا على الراوي بالضعف قبل العلم بدليل ضعفه ، فوجب أن العلم بوجود المناكير سابق على العلم بضعف راويها.

وإن علمنا بأن هذه الأحاديث مناكير قبل أن نعلم أن راويها ضعيف فهذا يدل على أن الضعف ليس شرطاً في الحديث المنكر ، وإلا لزم وجود المشروط قبل وجود شرطه ، وهو باطل والله أعلم.

وإذا عرفت معنى المنكر ، فاعلم أنه إن كان الراوي روى عنه جماعة من الثقات فقد خرج عن حد الجهالة ، فإذا سبر حديثه ولم يوجد ما ينكر عليه فهذا يعني أنه مع انتفاء الجهالة عنه لم يخالف الثقات في روايته ولا انفرد عن المعروفين بما لا يعرفه المعروفون ، فلم يبق من حديثه إلا ما وافقهم فيه وهذا يدل على ضبطه أو أنه إذا انفرد لا ينفرد عمن يُعد التفرد عنه منكراً ، وهذا لا ينفي عنه الضبط ، فإن كانت رواية الثقة تقوي من حال المجهول ، فكيف برواية الثقات عن المعروف الذي ليس في حديثه ما يستنكر ؟! ولو كان مع عدم جهالته ضعيفاً لما سكتوا عنه ، فذكر مثله في كتاب (الثقات) لابن حبان كافٍ [هذا الكلام قلته في 2003 كما ذكرته سابقاً ، ولا يظهر لي الآن الحاجة إلى توثيق ابن حبان بعد كونه معروفاً روى عنه جماعة من الثقات وكانت أحاديثه في الأكثر معروفة وليس فيها ما يستنكر] وهكذا لو وجد ذكره في (التاريخ الكبير) و(الجرح والتعديل) وغيرها ، ونحوها من الكتب ، لما ذكرناه من أنه لو كان معروفاً عرفه الناس برواية الثقات ثم وجدوا في حديث المنكرات الموجبة لضعفه لما سكتوا عنه ، وسكوتهم دليل على أنهم لم يجدوا في حديثه ما يستنكر ، أو أنه قليل إلى جانب ما روى بحيث لا ينبني عليه حكم يذكر ، ويبين ذلك قول ابن أبي حاتم في مقدمة (الجرح والتعديل) 1/1 : 38 : "على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم ، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم ، فنحن ملحقوها بهم من بعد إنشاء الله" انتهى.

وقد علق على هذه العبارة عبدالفتاح أبو غدة في (الرفع والتكميل) في استدراكاته ص 544الطبعة السابعة : ".. وابن أبي حاتم حافظ ناقد إمام مشهود له بالحفظ والاطلاع والتتبع الواسع لشأن الرواة لما ذكر ذلك الراوي دون جرح رجاء وجود الجرح فيه لا شك أنه يحث وفتش ونقب وتتبع واستقصى ما وسعه الإمكان في ذلك فم يجد فيه جرحاً ، إذ لو وجد فيه شيئاً لذكره ، فإذا كان ابن أبي حاتم ـ وكذا غيره ـ لم يجد جرحاً ، ولم يأتِ الراوي في مروايته بما ينكر عليه فهذا عنوان سلامته من الطعن والجرح بشكل جازم ، لأنه لا يمكن أن يكون مجروحاً ويسكتوا عنه إطباقاً ، أو يغفلوا نقده وبيان حاله .. "

والله أعلم.

د. أيمن علي صالح
11-12-07 ||, 05:33 AM
جزاك الله خيرا يا دكتور أيمن،،
كثير ما تعرض هذه الأفكار للكثيرين
وكلما فكرنا بهذه الطريقة ترددنا لأننا تربينا منذ صغرنا على جملة هم المتقدمون ونحن المتأخرون
وهم لا يخطئون لأنهم من العصور المفضلة الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمسك بعدهم
حتى ظهر - في عصرنا الحالي- أقوام رفضوا القديم ووضعوا العلماء المتقدمين في درجة واحدة مع المتأخرين فلم يقبلوا أن تكون لهم مزية ولم يقدموا لم قولا ولا اجتهادا فنقضوا كل القديم ووضعوه تحت طائلة البحث والاختبار والتصحيح
فما الضابط لذلك؟ وأين نقف من هذه المسألة ؟
بارك الله فيكم فقد وضعتم يدكم على الداء وأحسنتم التشخيص،،، وبقي عليكم تقديم الدواء.
الأمر بين بين، أختي الكريمة، نحن أمة الوسطية، فلا نريد أن نكون كالشيعة يغالون في أئمتهم حتى العصمة، ولا ككثير ممن يكتبون في التراجم فيخلعون على المترجَم أوصافا وألقابا خيالية، ويذكرون في حقه حكايات أسطورية في العبادة والعلم والكرامات، لم يثبت مثلها للصحابة المبشرين بالجنة بل ولا حتى للرسل، ولا نريد أيضا أن نكون ممن لا يعرف للناس أقدارهم وينزلهم دون منازلهم، ويغضي عن محاسنهم الكثيرة مُسلِّطا نظره على بعض عيوبهم وأخطائهم. فالأمر كما جاء في الآثار: "أحبب حبيبك هونا ما وأبغض بغيضك هونا ما"، و"احثوا في وجه المدَّاحين التراب"، و"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم". و"إياكم والتمادح"، و"إنها فتنة للمتبوع ذلة للتابع"...الخ
وأفضلية القرون الأولى هل هي عامة أو تبعا للتقوى والعبادة والعلم والعمل مختلف فيه لاختلاف الآثار كما قال ابن عبد البر، ومع التسليم بعموم أفضليتهم، كما هو رأي الجمهور، فهي ليست مطلقة بل خاصة في جانب التقوى والحرص على الدين والذب عنه والدعوة إليه والالتزام به والإعراض عن الدنيا والزهد فيها، بقرينة ما جاء في آخر حديث الخيرية نفسه: "ثم يأتي قوم يشهددون ولا يستشهدون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السِّمن"، فدل ذلك على خيرية التقوى والورع والعمل. أما العلم فلا شك أن لعلماء الصحابة منزلة لا يدانيها أحد، لأنهم شهدوا الوحي وعايشوا الوقائع فضلا عما ورد في فضلهم على الخصوص علما وعملا، ومع هذا فليس عامي الصحابة، ومن لم يُعرف منهم بالعلم والطلب بأفضل من جهة العلم من علماء التابعين، وقد قال أبو حنيفة: ولولا فضل الصحبة لقلت بأن علقمة ليس بدون ابن عمر. ولقد كان من عوام الصحابة من شرب الخمر لخطأ في تأويل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ومنهم من كان يأكل البَرَد وهو صائم ويقول: هو بركة، وفي رواية: ليس طعاما ولا ماء، ومنهم من كان يحمل الخيط الأبيض والخيط الأسود في آية الصيام على ظاهرهما حتى قال له صلى الله عليه وسلم: إنك عريض القفا، ونحو ذلك من الأخطاء التي تدل على أن عاميهم ليس أفضل ـ من جهة العلم ـ ممن بعده من العلماء من التابعين فمن دونهم.
وفيما يتعلق بعلماء الجرح والتعديل فأكثرهم مات بعد انتهاء القرون المفضلة والتي انتهت بمائة وسبعين أو ثمانين للهجرة، ولذلك يستوون مع غيرهم من جهة الخيرية النصية، وتبقى لهم خيرية علمية من حيث معايشة فترة الرواية والحفظ والاطلاع وغير ذلك مما اختصوا به ولم يتسنَّ لمن بعدهم. ومن هنا فنحن لم نرَ الخروج عن أقوالهم جملة بل الترجيح بينها عندما يختلفون بمعايير أكثر علميةً من المعايير التي اعتمد عليها كثير من متأخري علماء الحديث. وهذا أيضا هو ما يُقال في الصحابة رضوان الله عليهم إذا اختلفوا في المسائل فيُتخيَّر من أقوالهم بمعايير علمية ولا يُخرج عن جميعها كما هو منهج جمهور الأئمة الفقهاء.
وما من كلمة أضر على العلم من قول بعضهم "ما ترك الأول للآخر شيئا" وصوابها كما قيل: كم ترك الأول للآخر.
والله أعلم.

د. أيمن علي صالح
11-12-07 ||, 06:11 AM
أخي الكريم وضاح بارك الله فيكم وأحسن إليكم.
عذرا لأني أقطع عليك تتابع عرض المسائل
وسأختصر إنهاء للنقاش
فالحاصل أنا لا نختلف في أن جل التعديل والتجريح كان قائما على سبر المروي (وقد وجدت المعلمي يصرح بذلك)
والخلاف بيننا هل يمكن إعادة سبر المروي للرواة المختلف فيهم أو لا.
فأنتم تقولون بأنه ليس ممكنا بسبب ضياع أكثر أو كثير من الروايات والطرق، ولأن المعاصرين ليسوا أهلا لذلك، ولأنه لا جدوى من ذلك
وأنا أخالفكم في ذلك جملة إلا أني متوقف في مسألة "ضياع كثير من الطرق والروايات" فالمسألة في نظري تحتاج إلى بحث معمق مستفيض، لأنا وجدنا المتأخرين من المصنفين في الحديث كالبيهقي والطحاوي وابن عساكر والديلمي لم يزيدوا شيئا كثيرا من الطرق والروايات على المتقدمين اللهم إلا ما كان من روايات الكذابين والمتروكين مما لا يعول عليه أصلا، وقد أضرب عنه المتقدمون قصدا، وما ضاع من كتب الرواية للمتقدمين كموطأ ابن أبي ذئب ونحوه فقد تضمنته الكتب التي بعده لا شك، ثم وجدنا كثيرا من المتقدمين ينصون على أن هذا الحديث لم يرو إلا من هذا الوجه فيكون كذلك، ووجدنا منهم من ينص على عدد مرويات فلان من الرواة فنجدها وصلتنا كذلك وإن قلت عن ذلك فهو شي يسير، وهذا يدل على أن الضياع لو سُلِّم فهو قليل.
وحتى مع التسليم بكثرة الضياع فالسبر لا يزال ممكنا لأن السابر لا يحتاج إلى سبر جميع مرويات الراوي بل تكفي عيَّنة كبيرة منها. فلو افترضنا أنه روى ألف رواية ووصلنا منها خمسمائة، فهذا كاف في الخروج بحكم ظني على مجمل مروياته، ودراسة العيِّنات هو منهج علمي إحصائي صحيح في الوصول إلى نتائج ظنية. وأحسب أن علماء الجرح والتعديل ما كان يسبرون جميع أحاديث الراوي لأن هذا لو فُعل فإنه يستغرق شهورا وربما سنوات للراوي الواحد وهذا مما لا تتسع له الأعمار البشرية بالنظر إلى ضخامة عدد من حكموا فيهم، بل كانوا يكتفون بما تيسر لديهم من الطرق فإذا وجدوه معروفا بالطلب ولا يشذ ولا يغرب ولا يخطئ حكموا بكونه ثقة ثم قد يتغير قولهم إذا وجدوا فيما بعد له حديثا منكرا. وتغير أقوال عدد منهم في الراوي الواحد واختلافهم دليلٌ على عدم وجود السبر الكامل من كل واحد منهم بل كان يعتمد كل منهم على ما تيسر لديه من روايات تكفي لإعطاء رؤية إجمالية عن الراوي، والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
11-12-07 ||, 11:05 AM
جزاك الله خيراً فضيلة الدكتور

والخلاف بيننا هل يمكن إعادة سبر المروي للرواة المختلف فيهم أو لا.
فأنتم تقولون بأنه ليس ممكنا بسبب ضياع أكثر أو كثير من الروايات والطرق، ولأن المعاصرين ليسوا أهلا لذلك، ولأنه لا جدوى من ذلك
أنا لا أطلق الحكم ، وقد قدمت أن السبر يعمل به مع اعتبار كلام الجارح والمعدل لا مع إهماله.
ثم إني لم أطلق عدم أهلية المتأخر ، بل جمهورهم كذلك ، والمتأهل منهم ضاعت الوسيلة من بين يديه المؤهلة له للإستقلال بالحكم اعتمداً على مجرد السبر.
وحتى الجدوى ، ليست منفية على الإطلاق ، وقد تقدم بعض ذلك.



وأنا أخالفكم في ذلك جملة إلا أني متوقف في مسألة "ضياع كثير من الطرق والروايات" فالمسألة في نظري تحتاج إلى بحث معمق مستفيض، لأنا وجدنا المتأخرين من المصنفين في الحديث كالبيهقي والطحاوي وابن عساكر والديلمي لم يزيدوا شيئا كثيرا من الطرق والروايات على المتقدمين اللهم إلا ما كان من روايات الكذابين والمتروكين مما لا يعول عليه أصلا، وقد أضرب عنه المتقدمون قصدا
وهذا مما يدلك على أن المتأخر إن لم يتعذر عليه فإنه يتعسر عليه أن يحيط بما فات المتقدم وذلك لأنه لا طريق له إلى طرق الرواة إلا بواسط ذلك لمتقدم.
فإن كان مثل البيهقي والخطيب مع حرصهم على الجمع ، لم يقدروا على زيادة شيء ذو اعتبار ، فما الذي يستطيعه المعاصر ؟
ومع ذلك وكما ذكرتم أنتم لا يشترط جمع جميع مرويات الراوي ، بل يكفي جملة منها يحصل بها الظن ، فكم هذه الجملة ؟
تتفاوت هذه الجملة بتفاوت الرواة فمثلاً نعيم ابن حماد روى عنه راوٍ واحد نحو ثمانين ألف حديث ، فكم مجموع المروي عنه من طرق الجميع ؟ وكم يكفي من حديثه للسبر ؟
وتجد غيره من الرواة ليس له سوى مائة حديث ، فهل نسبر لصاحب المائة ألف حديث كما مثلتم ؟ أم تلك الألف لمن روى نحو مائتي ألف ؟
ثم إنكم قدمتم أن المتقدمين يعرضون عن بعض ما أتى به المتأخرون من الطرق عمداً مشيراً إلى كون تلك الروايات فيها شيء استوجب عدم اهتمامهم بها ، ولا شك أن هذه الأسانيد المحتوية على الخلل هي مقصود السابر ، فما حيلة المتأخر إن كان المتقدم يعرض عنها؟
وهنا أمر مهم استفدته من كلامكم هذا، وهو أن المتقدم عادة إذا صنف يذكر أصح ما عنده وأنظف أحاديثه وهذا يعني أنا إن بحثنا عن أحاديث راوٍ بعينه فالأغلب أنا لا نجد إلا أنظف ما روي له أما ما خلط فيه وخربط فلن تجد له ذكر إلا في كتب معينة ككتب التراجم والعلل وفي الغالب لا يقصد مؤلفوها إلى جمع تلك ا لطرق ، بل تراهم يمثلون لها بحديث أو حديثين ، ولعل من أكثرهم استيعاباً الإمام ابن عدي ، لكنك تراه بالنسبة للمكثرين يمثل تمثيلاً ولا يستوعب ، فمثلاً شريك بن عبد الله القاضي يقول واحد من الأئمة : أخطأ في أربعمائة ، ولا شك أنه يقصد ما يعرفه هو ، ثم لا يمثل له ابن عدي إلا بنحو العشرين بل أقل.
فإذا جمعت حديثه والناس يتحرون ما صح منها لرأيت المستنكر من حديثه قليل بالنسبة إلى غيره ، فيصير شريك ثقة لمجرد أننا لم نصل إلى شيء من تلك الأربعمائة أو بعد الكد والتعب نحصل منها على مقدار معتبر ـ إن وصلنا ـ ويفوتنا لا باقيها فقط بل وغيرها مما عرفه باقي الأئمة من خطأه والذي إن ضممناه إلى الأربعمائة صار ذلك المقدار المعتبر غير معتبر.
لذا أنا ذكرت فيما تقدم أن السبر إن كان مع النظر إلى كلام الأئمة ممكن أما الإستقلال بالاعتماد على السبر فلا.
والألف ليست كافية مع كثيرين بخلاف ما ذكرتم ، ولا يتأتى مع آخرين ، والعملية ليست إحصائية ، وأنا كباحث في المجال السمكي حيث يعتمد عملنا على الإحصاء في مجال تقدير المخزون أعلم الفرق بين العمليتين ، ولتقريبه أقول : لا علاقة بحياة السمكة الشخصية أو سلوكها الفردي مع باقي جيرانها من السمك ولا علاقة لجميع أفعالها باعتبارها السمكة الفلانية في العملية الإحصائية لتقدير المخزون المتعلق بنوعها من السمك ، ولو أن الراوي أكثر من رفع يديه قبل السلام أو كان يحمل حجرة معه عند صلاته فقد يستدل به المتقدم وبغيره من التصرفات على كونه شيعياً ثم قد لا يذكر السبب اعتماداً منه إما على معرفة الناس بذلك أو على قبولهم قوله ، بل قد لا يذكر تشيعه أصلاً ويقتصل على نحو : ضال ، أو مائل ، ليس في دينه بذاك، فآتي أنا مثلاً فأسبر حديثه فأرى النسبة نسبة نجاح حصل على تسعين في المائة نسبة تؤهله لأي كلية يحب يدرس فيها ، ولو أني تنبهت لتشيعه لنظرت في رواياته في الفضائل فلعلي أجد العشرة في المائة كلها هناك ، وهذ قد يعني أحد أمرين ، إما أنه تصنع في باقي الأحاديث وهو ممكن عن طريق سرقة الحديث ، ومن أنواعها ما هو خفي ، فلا يكون سمعها أصلاً ولكنها مشتهرة عن أناس ثقات فيحذفهم ويضع اسمه حتى إذا رأى الناس حديثه مستقيم سقاهم من سمه في أحاديث الفضائل وقد استقرت عندهم ثقته ، فيقول المتقدم لا هو ضعيف ، وأقول أنا : لا بل نجح بمعدل تسعين في المائة ، والأمر الثاني أن يكون مخلطاً في أحاديث الفضائل خاصة ويكون حكمه تفصيلي ثقة يؤخذ عنه الحديث في غير الفضائل.
وهذا فيما يظهر لي بسبب أن المعاصرة وإن قلت فهي كالملح في الطعام لا يصلح بدونه.
فتوسط معي وقل : لنسبر أحاديث الرواة ، غير مهملين كلام المتقدمين جرحاً وتعديلا ، ولا تقل نهمله ونرفع عن كاهلنا التجيل الأسطوري عنه.

ثم التشبيه بالشيعة هو في فتح باب الاجتهاد مطلقاً لا في إقفاله ، فإنهم لا يرون جواز تقليد الميت ، ويسخرون من مقالة غلق باب الاجتهاد ، ويجعلون لمراجعهم الاجتهاد في عجائب الأمور.

وأنا لا أفتحه ولا أغلقه ، ولكن رحم الله امرئٍ عرف قد نفسه.

والمأسلة كما ذكرت لك تحتمل بسطاً طويلاً ، ولإيضاحه أرجو منك أن تقرأ كتاب (شرح علل الترمذي) لابن رجب رحمه الله أو رسالة الشيخ مقبل رحمه الله (غارة الفصل).

والله سبحانه أعلم.

د. أيمن علي صالح
11-12-07 ||, 12:01 PM
أخي وضاح بورك فيك
أنت في كثير مما رددت به هنا ومن قبل تفترض بي الدعوة إلى إهمال أقوال علماء النقد مطلقا، وهذا ليس بدقيق وليس في كلامي ما يدل عليه
وإنما دعوت إلى استخدام السبر كوسيلة للترجيح بين أقوالهم عندما يختلفون، وانتقدت إحداث قول ثالث وكذا الاعتماد المطلق على بعض قواعد المتأخرين في الترجيح من قبيل التساهل وعدم التساهل ونحو ذلك
فأين هذا من كثير مما تقول وتورد عليه البينات والحكايات؟
أما قولكم بارك الله فيكم: "توسط معي وقل : لنسبر أحاديث الرواة ، غير مهملين كلام المتقدمين جرحاً وتعديلا" فهذا قولنا منذ البداية وإلا فلم حصرنا إعادة السبر فيما اختلفوا فيه اختلافا بينا ولم انتقدنا إحداث قول ثالث وسطي يخرج عن أقوالهم، فهل يفهم من هذا إهمال كلامهم أم هو الاستمساك به مع إيجاد مستند معقول مادي للترجيح عند الخلاف؟!
وأما قولكم بارك الله فيكم: "ولا تقل نهمله ونرفع عن كاهلنا التبجيل الأسطوري عنه". فأنا لم أقل نهمله كما أوضحت، أما التبجيل الأسطوري فلا أبرح أدعو إلى نبذه كمنهج عام في التعامل مع العلماء عموما لا علماء الجرح والتعديل فحسب. ولو كان أهل النقد على هذه الدرجة التي يصورها البعض من الحفظ الخيالي والإحاطة التامة والنزاهة العلمية والدقة البالغة لما اختلفوا في آلاف مؤلفة من الرجال ما بين مكثر ومقل من الرواية وما بين إمام شهير كالشافعي وأبي حنيفة وعكرمة والواقدي وغير شهير. فاختلافهم إلى حد التناقض متباعد الطرفين أحيانا دال على خطأ أحد السابرين منهم حتما: إما الموثق وإما المجرح، وإلا فالراوي المختلف فيه هو الراوي وحديثه هو حديثه لا يزيد ولا ينقص فلماذا ـ والسبر هو جل معتمدهم ـ قد اختلفوا فيه؟! إن كان ذلك لقصور في السبر واستعجال في الرأي فهذا ضد التبجيل الأسطوري، وإن كان لرأي أو مذهب أو تعصب ومحاباة فهذا لعمري قادح في الناقد نفسه، وهو كذلك ضد التبجيل الأسطوري والنزاهة العلمية المطلقة التي يتصورها ويصورها كثير من طلبة الحديث والمشتغلين فيه.
ألا ترى كيف ترك أبو حاتم وأبو زرعة حديث البخاري لأجل مسألة اللفظ وطعن بعضهم كذلك في الترمذي وطعن ابن معين في الشافعي لأجل ميله عن فقه أهل الكوفة كما قيل، وعاب غير واحد على ابن عدي تعنته وتشدده على أهل الرأي وغير ذلك كثير أنت أدرى به.

وضاح أحمد الحمادي
11-12-07 ||, 12:06 PM
لأن هذا لو فُعل فإنه يستغرق شهورا وربما سنوات للراوي الواحد وهذا مما لا تتسع له الأعمار البشرية بالنظر إلى ضخامة عدد من حكموا فيهم، بل كانوا يكتفون بما تيسر لديهم من الطرق فإذا وجدوه معروفا بالطلب ولا يشذ ولا يغرب ولا يخطئ حكموا بكونه ثقة ثم قد يتغير قولهم إذا وجدوا فيما بعد له حديثا منكرا.
هذا كلام فيه فوائد ونظر
أما النظر وأبدأ به فإن كون كلامهم في الرواة قد يستغرق عمراً صحيح تماماً ، فإنك إذا نظرت تراجمهم تجدهم لم يبلغوا مبلغ من يحكم في الرجال حتى يكونوا قد قضوا أعمارهم يجمعون الطرق ، ونفس طريقة جمعهم تعرفهم بالطريقة التي جمع فيها الراوي الذي يتكلمون فيه حديثه أيضاً بحيث يكون هذا أحد ما ينظرون فيه عند الحكم.
ثم إذا قاموا هم بجمع الحديث أولاً سنين طويلة يحصل مباشرة بدون قصد منهم تحصيل أحوال كم هائل من الرواة ، وهذا لو أردنا تحصيله اليوم لاحتجت أن يبتدئ المعاصر بعد حفظ القرآن بجمع الحديث ، ولا يأتينا رجل قضى عمره في غيره حتى إذا بلغ ثلاثين قال : سأكبس زر بحث وستظهر لي الأحاديث ، لأن هذه المعرفة السريعة لا تأهله إلى معرفة الأسانيد إسناداً إسناداً معرفة من كان يتردد على سمعه هذا الإسناد والأحاديث المروية به عمره كله تارة يسمعه في الشام وأخرى في الحجاز وأخرى في اليمن وهو في إثنائها يذاكر فيه أقرانه ويسألهم عنه ويسألونه وكلما احتاج إلى النظر في الحديث لاستخراج حكم منه أو أورده عليه آخر رجع ففتش عن خلل فيه وهكذا حتى إذا مضت عليه عشرين أو ثلاثين سنة وصار يعد من الحفاظ وقد صار طعم ذلك الإسناد في فيه كالعلقم سؤل عنه فأجاب ، فترى الناس يطيرون بقوله في الأقطار ، فإن كان أخطأ ترى من حاله كحاله في ذلك الإسناد ينبهه على خلل ربما يكون قد فاته كما قدمناه لك عن أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ثم لا يزال يسؤل عنه فيجيب ثلاثين سنة أخرى وما من حافظ يعلم له طريقاً ويلتقي به إلا أن يوافقه فيه فيزداد يقينه من جهة ويقين السائل من جهة أخرى أو خالفه فاستفاد منه علماً .

وضاح أحمد الحمادي
11-12-07 ||, 12:35 PM
أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد

قولكم

أنت في كثير مما رددت به هنا ومن قبل تفترض بي الدعوة إلى إهمال أقوال علماء النقد مطلقا، وهذا ليس بدقيق وليس في كلامي ما يدل عليه


أما أن نظل نقول وثقه فلان وضعفه فلان، وهذا قوله مقبول وهذا غير مقبول فكلام لا يوصل إلى نتيجة لأن كلامهم ما دام مختلفا يسقط بعضه بعضا، ولا بد من العودة إلى الآلية التي مارسوها في التوثق من حفظ الراوي وهي "سبر المروي" لا غير.
قولكم

ولو كان أهل النقد على هذه الدرجة التي يصورها البعض من الحفظ الخيالي والإحاطة التامة والنزاهة العلمية والدقة البالغة لما اختلفوا في آلاف مؤلفة من الرجال ما بين مكثر ومقل من الرواية وما بين إمام شهير كالشافعي وأبي حنيفة وعكرمة والواقدي وغير شهير. فاختلافهم إلى حد التناقض متباعد الطرفين أحيانا دال على خطأ أحد السابرين منهم حتما: إما الموثق وإما المجرح، وإلا فالراوي المختلف فيه هو الراوي وحديثه هو حديثه لا يزيد ولا ينقص فلماذا ـ والسبر هو جل معتمدهم ـ قد اختلفوا فيه؟! إن كان ذلك لقصور في السبر واستعجال في الرأي فهذا ضد التبجيل الأسطوري، وإن كان لرأي أو مذهب أو تعصب ومحاباة فهذا لعمري قادح في الناقد نفسه، وهو كذلك ضد التبجيل الأسطوري والنزاهة العلمية المطلقة التي يتصورها ويصورها كثير من طلبة الحديث والمشتغلين فيه.
ألا ترى كيف ترك أبو حاتم وأبو زرعة حديث البخاري لأجل مسألة اللفظ وطعن بعضهم كذلك في الترمذي وطعن ابن معين في الشافعي لأجل ميله عن فقه أهل الكوفة كما قيل، وعاب غير واحد على ابن عدي تعنته وتشدده على أهل الرأي وغير ذلك كثير أنت أدرى به.
الاختلاف لا يلزم منه عدم تمام الإحاطة ـ ولم ندعيها لهم أصلاً بمعنى الاستيفاء التام ـ بل قد لا يكون للرجل سوى عشرة آلاف حديث ويعرفها كلاً من أحمد وابن معين جميعها فيوثقه أحمد ويضعفه ابن معين ، لاختلافهم إما في كون مقدار الخطأ مؤثر أو في مقدار الخطأ نفسه.
ثم هب أن سببه عدم الإحاطة ، فقد انغلق الباب وسد وهو أكثر مما أدعو إليه ، بل لا أرضاه ، وذلك أن المختلفين لا شك علموا جملة وافرة من حديثه وإلا لما تكلموا فيه ، فلو كان ما لا يعلمه أحدهما ـ وظني أنه لا يتكلم إلا وقد تحرى جمع مروي من يتكلم فيه ـ يقدح في حكمه سقط اعتمادكم على معرفة الجملة الوافرة من باب أولى.
ثم ما ذكرتم من أن الإنسان قد يميل عن آخر بسبب اعتقاده ونحو ذلك ، وعامة أهل الحديث ـ بخلاف ما يصوره كلامكم ـ لا يعبؤون به ولا ينزهون الأئمة الأوائل عن الوقوع فيه ولا حتى أحمد بن حنبل ولا أعلم خلق الله منذ خلقه أورع وأتقى منه ـ والله بخلقه أعلم ـ ومع ذلك لا يقبل أهل العلم كلامه في ابن معين وابن المديني وغيرهما ، ولا نزهوهم حتى عن الجرح من أجل التنافس ونحوه كما وقع بين مالك وابن إسحاق والنسائي وأحمد بن صالح ومن كلامهم (كلام الأقران يطوى ولا يروى) فأنت ترى أن هؤلاء كالذهبي وابن حجر بل ومن قبله كابن الصلاح والنووي بل ومن قبلهم كالخطيب بل ومن قبله يصرحون بوقوع هذه الأخطاء منهم ، مع مراعاة مقام هؤلاء عند الكلام عليهم ، لاتضح لك أن القول بوجود تبجيل أسطوري هو محض خيال وضرب من المحال


إن كان ذلك لقصور في السبر واستعجال في الرأي فهذا ضد التبجيل الأسطوري، وإن كان لرأي أو مذهب أو تعصب ومحاباة فهذا لعمري قادح في الناقد نفسه، وهو كذلك ضد التبجيل الأسطوري والنزاهة العلمية المطلقة التي يتصورها ويصورها كثير من طلبة الحديث والمشتغلين فيه.
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وعموماً إن انتهينا إلى أن الاعتبار والسبر يكون مع النظر إلى كلام المختلفين في الراوي فقد هان الخطب ، وآل إلى وفاق ، وهو في ظني الحاصل من عامة أهل العلم ، دعك من مُحْدَثِيْ هذا العصر ، فليس لهم من هذا العلم سوى الغرور ، ولا تستفيد من كلام أكثرهم سوى تسويد السطور.
على أنا إذا اعتمدنا السبر فيمن اختلفوا فيه ، وبتعبيركم السابق من اشتد الخلاف فيه ، فما دام للتوفيق إمكان ولإبراز الوفاق مكان فلا مدخل للسبر حينئذٍ ليكون معرفاً مستقلاً .

والله سبحانه أعلم

وضاح أحمد الحمادي
11-12-07 ||, 01:12 PM
تنبهت لأمر
وهو أني لا أقصد بسبر حديث الراوي المختلف فيه أن ننظر في جملة وافرة من حديثه ثم آخذ بالنسبة وأنظر إن وافقت قول أحد المختلفين جعلت ذلك مرجحاً لقوله ، فقد ذكرنا أسباب امتناعه فلا حاجة لإعادتها ، بل أقصد ما ذكرت له مثالاً ، أنهم قد يختلفون في راوٍ بعينه ويذكرون سبب جرحه وتعديله فأنظر في ذلك السبب خاصة وأسبر ما يتعلق به.
ولنضرب مثالاً ، حصل أنني احتجت إلى النظر في حال سعيد بن بشير الأزدي وكلام الناس فيه فإذا هم مختلفين ، وكان ما يتعلق بحديثه من كلامهم يتعلق بانفرادات تفرد بها عن قتادة ، فبحثت عن أحاديثه عن قتادة فوجدت أن بعض ما ادعي انفراده به عنه قد وافقه فيه سعيد بن أبي عروبة ثم بحثت عن حاله مع قتادة فوجد قول أبي حاتم قلت لاحمد بن صالح سعيد بن بشير دمشقي كيف كيف هذه الكثرة عن قتادة قال كان أبوه شريكا لابي عروبة فأقدم بشير ابنه سعيد البصرة فبقي يطلب مع سعيد بن أبي عروبة. فعلمت أنه انفرد عنه لشدة ملازمته له وقد وصف بالحفظ هو دال على سعة روايته ، فترجح لدي أنه ثقة وأن انفرداته عن قتادة ناتجة عن شدة الملازمة وسعة الحفظ ، فإن سعيد بن أبي عروبة قد تفرد عن قتادة بما لا تجده عند غيره ، وهو مع ذلك معدود في أوثق الناس عن قتادة وذلك لمزيد اختصاصه به وقد شاركه في ملازمته هذه بشير.
وهذه النتيجة خلاف ما ذهب إليه بعض الأئمة من أنه ثقة أو صدوق إلا في حديث قتادة فضعيف يغرب ، بل هو في قتادة ـ في ظني ـ أوثق منه في غيره.
فسبري لم يكن لعامة أحاديث سعيد بن بشير بل لموضع اختلاف المختلفين.
والله أعلم

وضاح أحمد الحمادي
11-12-07 ||, 08:17 PM
من ألفاظ الجرح والتعديل



الكلام هنا عن بعض ألفاظ الجرح والتعديل التي أخطأ بعض المعاصرين فهمها الأمر الذي قادهم إلى مخالفة أهل العلم بهذا الشأن في الحكم على الرواة ، وقد نتفق نظرياً في معنى هذه العبارات ونختلف عملياً عند تنزيلها على الرواة ، ومن هذه العبارات :


1. منكر الحديث : تقدم معنى المنكر وقولهم في الراوي منكر الحديث ، والمراد هنا بيان أن من يروي المناكير له أحوال ، فإن كثرت المناكير في حديثه حتى غلبت عليها تُرِكَ كما تقدم عن الإمامين شعبة ومسلم .

وإن قَلَّتْ عن ذلك إلا أنها كثيرة في الجملة فهو ضعيف منكر الحديث، وإن كانت قليلة إلى جانب ما رواه من الحديث قيل : عنده مناكير أو بعض المناكير أو له أحاديث منكرة أو روى ما يستنكر ، ولا يدفع ذلك ثقته إن كان الغالب على حديثه السلامة كما تقدم عن الإمام الذهبي رحمه الله : "ما كل من روى المناكير يضعف" وقال الإمام ابن حجر رحمه الله في (مقدمة الفتح) في ترجمة ثابت بن عجلان الأنصاري : "قال العقيلي : لا يتابع على حديثه ، وتعقب ذلك أبو الحسن بن القطان بأن ذلك لا يضره إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ، ومخالفة الثقات. وهو كما قال". وهذا يفيد بمفهومه أنه إن لم يكثر لم يضر .

والغرض هنا بيان أن قولهم في الراوي : "منكر الحديث" ليس بالجرح الشديد ، لذا كان عند أهل العلم في رتبة من يكتب حديثه وينظر فيه. أما عمرو عبد المنعم سليم فإنه قال في (تحرير أحوال الرواة) ص 103 : "وأما النسائي فقال : منكر الحديث ، وهذا جرح شديد يدل على أنه قد أدمن على مخالفة الثقات والتفرد بما لا يحتمل منه حتى وصف بهذا الوصف" انتهى ، قاله تقليداً للإمام ابن دقيق العيد رحمه الله الذي رأى أن الراوي لا يوصف بأنه منكر الحديث حتى يستحق الترك ، وليس بصحيح لما تقدم.

وقد قال الإمام الذهبي رحمه الله في (ميزان الاعتدال) في ترجمة عبدالله ابن معاوية الزبيري : "قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر ، بل إذا روى الرجل جملة وبع ذلك مناكير فهو منكر الحديث"

2. يكتب حديثه : تحمل هذه اللفظة عادة على أن صاحبها مما يعتبر بحديثه وينظر فيه ولا يحتج به ، وساعد على ذلك أن السخاوي عند كلامه على مراتب التعديل جعل هذه العبارة في المرتبة السادسة ثم قال : "ثم إن الحكم في هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأولى منها ، وأما التي بعدها ـ أي الخامسة والسادسة ـ فإنه لا يحتج بأحدٍ من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط ، بل يكتب حديثهم ويختبر" انتهى (شرح الألفية) 2/285 ويعين عليه أنهم غالباً ما يقرنون به ما يدل على الضعف كقولهم "يكتب حديثه ولا يحتج به" و"يكتب حديثه للاعتبار" ونحو ذلك ، كما أنهم غالباً ما يعبرون بها عمن وجد فيه الجرح.

والذي يظهر لي أنها لا تدل على ضعف أصلاً إلا مع القرينة لأمور :

أولها : أنهم متفقون على أن كل من يحتج بحديثه فإنه يكتب حديثه ، لكن يكتب حديثه للاحتجاج لا للاعتبار ، وهذا كما جاء في ترجمة هارون الحمال ، قال المروزي : "سألت أبا عبدالله عن هارون الحمال : أكتب حديثه؟ قال : إي والله" وهذا لا خلاف فيه.

ثانيها : أن قولهم "يكتب حديثه ولا يحتج به" يدل على أن عبارة "يكتب حديثه" لو دلت على عدم الاحتجاج بالموصوف بها لما احتاجوا بعدها إلى التصريح بأنه لا يحتج به ، وهذا وإن جاز الاعتراض عليه بنحو كونه توكيداً ، فمع كونه خلاف الظاهر لا يدفع أنه قرينة على ما ذكرتُ.

ثالثاً : جاء في عباراتهم ما يدل على أن عبارة "يكتب عنه" لا تعني أن الراوي ضعيف لا يحتج به ، قال ابن أبي حاتم : "سألت أبي عن الحكم بن عطية ؟ قال : يكتب حديثه ليس بمنكر الحديث ... قلت : يحتج به؟ قال لا ؛ من ألف شيخ لا يحتج بواحد ، ليس بالمتقن مثل الحكم بن سنان" انتهى.

وجه الدلالة أن ابن أبي حاتم بعد أن سمع أباه يقول : "يكتب حديثه" عاد فسأل عنه إن كان يحتج به ، فدل على أنه لم يفهم من قول أبيه "يكتب حديثه" أنه لا يحتج به.

وفيه دلالة أن تحاشيهم عن التصريح بالاحتجاج أنهم لا يطلقون لفظ يحتج به عادة إلا في الثقة المتقن ، وهكذا لفظ ثقة ، فقد كان بعضهم يبخل بها ولا يعطيها إلى للحافظ المتقن كما قيل ذلك في النسائي رحمه الله.

رابعاً : قال ابن عدي في (الكامل) 1/243 : "وقول ابن معين : يكتب حديثه ، معناه أنه في جملة الضعفاء" فهذا يدل على أن ذلك اصطلاح يخص ابن معين وأن غيره بخلافه ، إذ لو كان عامة أهل العلم يحملونها على التضعيف لما خص ابن معين بالذكر.

أما ما قدمته من كونهم غالباً ما يعبرون بها عمن وجد فيه الجرح أو يقرنونها بما يدل عليه فذلك لحاجتهم إليه تلك المواطن ؛ بيانه أن كل من يحتج بحديثه فإنه يكتب حديثه فلا يحتاجون مع ذكر أنه ثقة أو محتج به للتنصيص على أنه يكتب حديثه اكتفاءً بتوثيقه ، بخلاف الضعفاء ومن قرب حاله إلى الضعف، فإن منهم من يكتب حديثهم ومنهم من لا يكتب حديثه فيحتاجون للتنصيص على من يكتب حديثه مما لا يكتب حديثه.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه إن قيل في راوٍ "يكتب حديثه" لا بُدَّ من النظر إلى باقي الكلام فيه فيحمل على ما دلت القرائن أنه المراد.

والله أعلم


هذا كان آخر ما كتبته ، وكنت أريد الإستمرار في ذكر بعض عبارات الجرح والتعديل والكلام عليها ، كما كنت قد كتبت على الوورد الكلام على كثير من الرواة ، فما إن فقدت هذا الملف حتى كسلت وأضفت الموضوع إلى ما أهلمته من المواضيع.
والحمد لله على ما قضى وقدر