المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل حقًّا الاستحسان من أصول المذهب المالكي؟



د. نعمان مبارك جغيم
11-12-13 ||, 04:59 AM
هذا بحث في تحرير القول بأن الاستحسان من أصول المذهب المالكي، وهو بحث محكم ترقيم صفحاته موافق للمطبوع.
مع ملاحظة أن عنوانه بالصورة التي نشر بها في المجلة اقتضته قواعد التحكيم، حيث إن أحد المحكمين طلب تغيير العنوان إلى ما هو عيله الآن، فغيرته مع عدم استحساني له وقناعتي بأنه لا يطابق المضمون.

د. أيمن علي صالح
11-12-15 ||, 03:54 AM
جزاكم الله خيرا أخي د. نعمان
بحث مُتَميِّز كالعادة. واسمح لي بتسجيل هذه النقاط:
1. ما ذكرتموه عن المالكية الذين أثبتوا الاستحسان أصلا من أصول الاستنباط كابن العربي أنهم تأثروا بالحنفية يمكن قلبُه بالقول بأن الذين نفوا الاستحسان منهم أو لم يذكروه أصلا قد تأثروا بالشافعية الذين شنوا حملة شعواء، بدءا من مؤسس المذهب، على فكرة الاستحسان. ومن المعلوم أن أكثر أصوليي المالكية تبعٌ للشافعية، وتأثرهم بهم واضح جدا بينما تأثرهم بأصوليي الحنفية لا يظهر في مؤلفاتهم.
2. مفهوم "الدليل الإجمالي" أو "أصل الاستنباط" عند الأصوليين أوسع مما بات يسمى عند المعاصرين، تأثرا بالكتابات القانونية، بـ"المصدر التشريعي"، إذ الدليل الإجمالي يشمل المصدر وكذا القواعد العامة التي يكثر استعمالها في انتزاع الأحكام من المصادر، ولذلك تجد بعض الأصوليين يذكر في الأدلة الإجمالية المفهوم والقياس والذرائع مع أنها ليست مصادر بل مناهج في الاستنباط من المصادر (الكتاب والسنة). والاستحسان كذلك فإنه وإن لم يكن مصدرا إلا أنه قاعدة راسخة ومنهج أصيل في الاستباط في المذهب المالكي، ولا أبالغ إن قلت بأن استحسانات المالكية وخروجهم عن القواعد العامة بله حتى النصوص العامة التفاتا إلى المصالح والعدل واليسر أكثر من استحسانات الحنفية الذين عُرف عنهم التوسُّع في الاستحسان. وقد سمى الشاطبي الاستحسان بقاعدة الاستحسان وكذا الذرائع بقاعدة الذرائع. وعلى هذا فتخطئة من اعتبروا الاستحسان "دليلا إجماليا" في المذهب أو أصلا من أصول الاستنباط لأنه ليس مصدرا للأحكام لا أراها في محلها أخذا بعين الاعتبار اتساع مفهوم "الدليل الإجمالي" في الاستعمال الأصولي.
3. نفي الاصطلاح اللفظي للاستحسان عن مالك مع وروده عنه برواية الثقات وبنص المدونة في أكثر من موطن تذرعا بأن ذلك رواية بالمعنى لا أراه سائغا لأن حمله على المعنى رجمٌ بالغيب وهو خلاف الظاهر. وإذا اتفقنا على أن المنهجية الاستحسانية (تقديم الاستدلال المرسل على القياس والعموم أحيانا) منهجية شائعة في المذهب المالكي فما المانع أن يكون مالك وأصحابه قد أطلق عليها في بعض الأحيان لفظ الاستحسان. نعم ليس لفظ "الاستحسان" مضطردا ومنتشرا في كلام مالك، وذلك لأنه كانت تزاحمه ألفاظ أخرى وتنوب عنه مثل مصطلح "الرأي" و"أرى" ومصطلح "أحب"، فهذه المصطلحات أعم من الاستحسان فيما استقر عليه ولقد كانت شاملة له في فقه السلف عموما. ومالك لا يخرج عنهم في ذلك.
والله أعلم.

د. نعمان مبارك جغيم
11-12-15 ||, 08:26 AM
جزى الله أخي الدكتور أيمن على هذه الملحوظات القيمة.
بداية أقول: مشكلة مصطلح الاستحسان أنه ليس له مفهوم محدد الأمر الذي جعل أصحابه يعجزون عن وضع تعريف محدد له، وبعد أخذ ورد استقر أمره على المفهوم العام الذي ذكرتم فضيلتكم. وقد ذكرت هذا في البحث المتعلق بالاستحسان عند الحنفية.
وهذا الغموض الهلامي في اعتقادي من الأسباب التي جعلت الإمام الشافعي يحمل على هذا الاصطلاح، ولو كان واضحا منذ البدء أن معنى الاستحسان هو الاستثناء والتخصيص من العمومات بدليل معتبر شرعا لما أنكر ذلك الشافعي ولا أحد من أهل العلم؛ لأن هذا الأمر يقول به جميع أهل العلم وإن كان ذلك على اختلاف في التفاصيل.


ما ذكرتموه عن المالكية الذين أثبتوا الاستحسان أصلا من أصول الاستنباط كابن العربي أنهم تأثروا بالحنفية يمكن قلبُه بالقول بأن الذين نفوا الاستحسان منهم أو لم يذكروه أصلا قد تأثروا بالشافعية الذين شنوا حملة شعواء، بدءا من مؤسس المذهب، على فكرة الاستحسان.

ما ذكرتم من إمكان حمل موقف المخالفين لابن العربي على التأثر بالشافعية، أمر وارد، لكني أراه احتمالا ضعيفا لأسباب أبرزها قول القاضي عبد الوهاب المالكي وهو من أساطين المذهب: "ليس بمنصوص عن مالك، إلا أنّ كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به." وهو عينه ما يؤيد القول بأن ما ورد في المدونة هو نسبة بالمعنى.


مفهوم "الدليل الإجمالي" أو "أصل الاستنباط" عند الأصوليين أوسع مما بات يسمى عند المعاصرين، تأثرا بالكتابات القانونية، بـ"المصدر التشريعي"، إذ الدليل الإجمالي يشمل المصدر وكذا القواعد العامة التي يكثر استعمالها في انتزاع الأحكام من المصادر، ولذلك تجد بعض الأصوليين يذكر في الأدلة الإجمالية المفهوم والقياس والذرائع مع أنها ليست مصادر بل مناهج في الاستنباط من المصادر (الكتاب والسنة). والاستحسان كذلك فإنه وإن لم يكن مصدرا إلا أنه قاعدة راسخة ومنهج أصيل في الاستباط

أما مسألة الدليل الإجمالي والدليل التفصيلي، فأنا شخصيا لا أميل إلى اعتماد هذا التقسيم، وهو كما تعلمون اصطلاح أصولي متأخر. والواقع أنه ليس هناك سوى دليل تفصيلي، ولا يوجد دليل إجمالي على الحقيقة، وإنما هو استعمال تجوز استعمله الأصوليون لتقسيم مباحث علم الأصول.
فقولهم الدليل على كذا الكتاب والسنة والإجماع والقياس، هو إطلاق تجوزي من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، فالدليل هو آية أو آيات من الكتاب، وحديث أو أحاديث من السنة، وإجماع أو قياس بعينه. وكذلك القول في الاستحسان (إذا سلمنا بالقول به على اعتبار أنه عدول بالمسألة عن نظائرها لأمر يقتضي ذلك) هو كلام فيه تجوز؛ لأن الدليل هو دليل العدول: نصا كان أو قياسا أو قاعدة، ولا يبقى لمصطلح "الاستحسان" فائدة سوى من باب معناه اللغوي العام، وهو ما أراه وبينته في بحث الاستحسان في المذهب الحنفي.


نفي الاصطلاح اللفظي للاستحسان عن مالك مع وروده عنه برواية الثقات وبنص المدونة في أكثر من موطن تذرعا بأن ذلك رواية بالمعنى لا أراه سائغا لأن حمله على المعنى رجمٌ بالغيب وهو خلاف الظاهر.

قولكم إنه ورد برواية الثقات، فيه نظر؛ فلا أعلم أن هناك رواية صريحة تنسب القول بالاستحسان إلى مالك، وإنما هي عبارات الأقرب إلى فهمهما أنها تشبيه لما شاع تسميته بالاستحسان بالمسائل التي اجتهد فيها مالك. وهو التفسير الأقرب إلى الجمع بين ما ذكره القاضي عبد الوهاب وبين تلك العبارات.


نعم ليس لفظ "الاستحسان" مضطردا ومنتشرا في كلام مالك، وذلك لأنه كانت تزاحمه ألفاظ أخرى وتنوب عنه مثل مصطلح "الرأي" و"أرى" ومصطلح "أحب"، فهذه المصطلحات أعم من الاستحسان فيما استقر عليه ولقد كانت شاملة له في فقه السلف عموما. ومالك لا يخرج عنهم في ذلك.

إذا كان لفظ الاستحسان كانت تزاحمه ألفاظ أخرى، فهذه هي نكتة المسألة، فإننا بذلك نعود إلى القول بأنه ليس هناك للاستحسان مدلول أصولي يشبه ما هو موجود في القياس والسنة، وقول الصحابي مثلا، بل بدأ استعماله بالمعنى اللغوي العام مثل تلك الألفاظ التي ذكرتم. ولم تدخل تلك العبارات قاموس الأدلة الأصولية، ولكن البعض أعطى عبارة الاستحسان مدلولا أصوليا، وجعله دليلا قائما بذاته مثل القياس (وهو الأمر الذي سار عليه للأسف كثير من المتأخرين)، ففتح على نفسه إشكالات كثيرة أشرت إلى بعضها في بحث الاستحسان في المذهب الحنفي. وهذا الأمر الذي يدعو إلى العودة بهذا الاصطلاح إلى معناه اللغوي الذي بدأ به وإخراجه من دائرة الأدلة الأصولية لأنه ليس له حقيقة مستقلة ولا واضحة. فهلاّ عدنا بهذه العبارة التائهة إلى مكانها الطبيعي مع أخواتها "الرأي"، "أرى" "أحب" وغيرها من العبارات التي استخدمها علماؤنا الأجلاء. والله أعلم

د. أيمن علي صالح
11-12-17 ||, 12:07 PM
بوركتم أخي دكتور نعمان على الرد
قولكم بارك الله فيكم:

ولو كان واضحا منذ البدء أن معنى الاستحسان هو الاستثناء والتخصيص من العمومات بدليل معتبر شرعا لما أنكر ذلك الشافعي ولا أحد من أهل العلم
ظاهرة غموض الاصطلاحات ثم تطورها واستقرارها هي ظاهرة عامة في كل العلوم. فالعلوم بتطورها تنحو إلى تخصيص الاصطلاحات وتوضيحها وضبطها. الخطأ الذي يقع في هذه الحالة هو فهم ألفاظ المتقدمين على ضوء ما استقر من اصطلاحات المتأخرين. وقد لا أتفق معكم بأن الشافعي رحمه الله تعالى لم يدرك مراد أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف وتلامذة الإمام مالك من الاستحسان، وهو المعاشر لهم الآخذ عنهم المناظر لهم لسنوات طويلة. ما انتقده الشافعي هو الاستحسان بالرأي ويقصد به، كما يظهر جليا لمن تتبع كلامه، أنه القول دون الاستناد إلى أصل من نص أو أثر أو قياس خاص. والاستحسان، فيما استقر عليه أربابُه من أنه العدول عن مقتضى القواعد والعمومات والأقيسة لمصالح يرتئيها الفقيه، يدخل في ذلك بالأولوية؛ لأنه ـ الاستحسان بالرأي ـ جمع بين أمرين: أحدهما: عدم الاستناد إلى أصل خاص بل إلى مرسلات مصلحية أو عرفية. والثاني: مخالفة الدليل القائم من عموم أو قياس فرديا كان أو قاعديا.
والاستحسان بهذا المعنى، بغض النظر عن التسمية والألفاظ، هو عين المنهجية التي مارسها الإمام مالك وأتباعه في كثير مما قالوه بالرأي مما ليس بقياس، وكذا أبو حنيفة وأصحابه، ولذلك اشتد إنكار أهل الحديث وأهل الظاهر عليهم ونسبوهم إلى مخالفة النصوص بالرأي، والشافعي سلم من ذلك حتى كان يلقب بناصر الحديث كما لا يخفى. ولولا أنه قال بالقياس لاتبعه أهل الظاهر قاطبة ولما كان هناك حاجة لأن يخرج داود ـ وقد كان معظِّما للشافعي ـ عن تقليده الشافعي لتأسيس مذهب الظاهرية المبطلين للاستحسان والقياس معا.
قولكم بارك الله فيكم:

ما ذكرتم من إمكان حمل موقف المخالفين لابن العربي على التأثر بالشافعية، أمر وارد، لكني أراه احتمالا ضعيفا لأسباب أبرزها قول القاضي عبد الوهاب المالكي وهو من أساطين المذهب: "ليس بمنصوص عن مالك، إلا أنّ كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به." وهو عينه ما يؤيد القول بأن ما ورد في المدونة هو نسبة بالمعنى
لا يسوغ إسقاط صريح ألفاظ المدونة في مواضع وهي أوثق كتاب عند المالكية في النقل عن الإمام بعد الموطأ، وبعضهم يقدمها على الموطأ، ثم صريح أقوال أئمة المذهب من تلاميذ مالك وأصحابه لا سيما ابن القاسم الذي صحبه معظم سني عمره، بقول القاضي عبد الوهاب، وإن كانت له مكانته. لا سيما مع الأخذ بعين الاعتبار أن مالكية العراق كانوا من أهل الدليل والحديث بخلاف مالكية مصر والمغرب، والاستحسان بالرأي قولٌ لا دليل نصا عليه ولا حتى قياس. وهذا مدعاة لأن ينكر مالكية العراق الاستحسان عن الإمام.
قولكم بارك الله فيكم:

أما مسألة الدليل الإجمالي والدليل التفصيلي، فأنا شخصيا لا أميل إلى اعتماد هذا التقسيم، وهو كما تعلمون اصطلاح أصولي متأخر. والواقع أنه ليس هناك سوى دليل تفصيلي، ولا يوجد دليل إجمالي على الحقيقة، وإنما هو استعمال تجوز استعمله الأصوليون لتقسيم مباحث علم الأصول.
فقولهم الدليل على كذا الكتاب والسنة والإجماع والقياس، هو إطلاق تجوزي من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، فالدليل هو آية أو آيات من الكتاب، وحديث أو أحاديث من السنة، وإجماع أو قياس بعينه. وكذلك القول في الاستحسان (إذا سلمنا بالقول به على اعتبار أنه عدول بالمسألة عن نظائرها لأمر يقتضي ذلك) هو كلام فيه تجوز؛ لأن الدليل هو دليل العدول: نصا كان أو قياسا أو قاعدة، ولا يبقى لمصطلح "الاستحسان" فائدة سوى من باب معناه اللغوي العام، وهو ما أراه وبينته في بحث الاستحسان في المذهب الحنفي
ليس المقام هنا في الاختيار والاقتراح في الاصطلاح بل في توصيف اصطلاح الأصوليين الذين أدرجوا الاستحسان في الأدلة الإجمالية. وعليه فكونكم لا تميلون إلى اصطلاح الدليل الإجمالي لا ينفي الواقع من أن كثيرا من الأصوليين يستعملون هذا الاصطلاح ويدرجون قواعد الاستدلال في الأدلة الإجمالية بل طائفة كبيرة عرفت الأصول بأنه الأدلة الإجمالية على معنى التوسع في الدليل الإجمالي الذي ذكرنا. فالفكرة هنا هي أن المالكية الذين أدرجوا الاستحسان ضمن الأدلة الإجمالية للمذهب لم يكونوا مخطئين، إذا فهم معنى كلامهم في الدليل الإجمالي أنه أعم من مصدر الدليل التفصيلي أو القاعدة العامة في الاستنباط منه.
قولكم بارك الله فيكم:

إذا كان لفظ الاستحسان كانت تزاحمه ألفاظ أخرى، فهذه هي نكتة المسألة، فإننا بذلك نعود إلى القول بأنه ليس هناك للاستحسان مدلول أصولي يشبه ما هو موجود في القياس والسنة، وقول الصحابي مثلا، بل بدأ استعماله بالمعنى اللغوي العام مثل تلك الألفاظ التي ذكرتم. ولم تدخل تلك العبارات قاموس الأدلة الأصولية، ولكن البعض أعطى عبارة الاستحسان مدلولا أصوليا، وجعله دليلا قائما بذاته مثل القياس (وهو الأمر الذي سار عليه للأسف كثير من المتأخرين)، ففتح على نفسه إشكالات كثيرة أشرت إلى بعضها في بحث الاستحسان في المذهب الحنفي. وهذا الأمر الذي يدعو إلى العودة بهذا الاصطلاح إلى معناه اللغوي الذي بدأ به وإخراجه من دائرة الأدلة الأصولية لأنه ليس له حقيقة مستقلة ولا واضحة. فهلاّ عدنا بهذه العبارة التائهة إلى مكانها الطبيعي مع أخواتها "الرأي"، "أرى" "أحب" وغيرها من العبارات التي استخدمها علماؤنا الأجلاء. والله أعلم
أتفق مع فضيلتكم بأن الاستحسان لم يكن ذا مدلول واضح في كلام الأئمة، ولكن ما المانع أن نزيده تحديدا وتوضيحا، فهذا هو شأن العلوم في تطورها؟!
المهم، في النهاية، أنا متفقون على أن مالكا، رحمه الله تعالى، كان أحيانا كثيرة يقدم الاستدلال المرسل على القياس بل وعلى العموم، وسواء خَصَصْنا هذه المنهجية الاجتهادية باسم الاستحسان أو قلنا بأنه من الرأي فهذا لا يغير في المحصلة شيئا إلا أنه اختلاف في الألفاظ التي لا تنبغي المشاحَّة فيها. والله أعلم.