المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القواعد الشرعية فى المسائل الطبية



سهيلة حشمت
11-12-29 ||, 12:55 AM
القواعد الشرعية
في
المسائل الطبية



تأليف وليد بن راشد السعيدان

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، أما بعد ..فقد سألني بعض طلبة كلية العلوم الصحية المتوسطة بمدينة رسول الله e أن أكتب لهم مؤلفًا مختصرًا في عشرين قاعدة فقهية يشتمل على شرح يسير لألفاظها ومعناها الإجمالي مع تذييلها بفروع تخص المسائل الطبية ، من باب رد الفروع إلى أصولها والجزئيات إلى كلياتها ، فأعجبني ذلك جدًا لأنه وافق ما في نفسي من تدريب الطلبة على التأصيل والتقعيد ، وقطعت كل أعمالي وتفرغت التفرغ الكامل لهذه الكتابة ، ولكنهم قيدوني بالاختصار ، فأسأله جل وعلا الإعانة والإخلاص والتوفيق والسداد .فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل والعون وحسن التحقيق :


( القاعدة الأولى )
الأصل في المنافع الإباحةقوله : ( الأصل ) أي القاعدة المستمدة المطردة في كل منفعة .قوله : ( المنافع ) جمع منفعة ، وهي اسم للشيء الذي ينتفع به ، أي الشيء الذي دل الدليل الشرعي الصحيح الصريح على جواز الانتفاع به ، فكل شيء فيه منفعة مباحة فإنه يدخل في قولنا : ( المنافع ) ؛ لأن الألف واللام إذا دخلت على الجمع أفادته العموم كما قرره الأصوليون .وقوله : ( الإباحة ) أي جواز الانتفاع بها .ومعناها الإجمالي : أن الله تعالى برحمته وعظيم مِنَّتِهِ على عباده قد فتح لهم باب الانتفاع بما هو مباح من المنافع الموجودة على وجه هذه الأرض ، فكل ما على هذه الأرض من المنافع فإنه يجوز الانتفاع بها ، فيدخل في ذلك جواز الانتفاع بكل ما على الأرض وما فيها ، من المياه والأشجار والمعادن والتراب والأحجار والأواني والمفارش والمراكب والأطعمة والأشربة والملابس والآلات والمخترعات ، وغير ذلك مما على وجه هذه الأرض ، فكل ذلك الأصل فيه الحل والإباحة ، والأصل هو أن نبقى على هذا الأصل حتى يرد الدليل المانع من الانتفاع بشيء من هذه المنافع ، فإذا ورد الدليل الشرعي الصحيح الصريح بالمنع من شيء معين فإننا نمتنع من الانتفاع به ، وأما لم يرد فيه دليل بخصوصه فإن الأصل فيه الحل والإباحة .وهذه القاعدة متفرعة عن القاعدة التي تقول : ( الأصل في الأشياء الحل والإباحة ) .والدليل على هذه القاعدة الكتاب ، والسنة ، والقياس ، والنظر الصحيح .فأما الكتاب ، فمن وجوه :الأول : قوله تعالى : } وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ { ، فالله تعالى سخر لنا كل شيء على وجه هذه الأرض وما فيها ، ومعنى تسخيرها لنا أي أنه يجوز لنا الانتفاع بها بسائر أنواع الانتفاع ، فمن حرم علينا شيئًا من الانتفاع بما على هذه الأرض ، فإنه يكون مخالفًا للقرآن .وقوله : ( سخر لكم ) اللام هنا هي لام التمليك والاختصاص .وقوله : ( جميعًا ) هي صيغة من صيغ العموم ، أي كل شيء على وجه هذه الأرض فإنه يدخل في التسخير .الثاني : قوله تعالى : } هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا { ، فكل شيء على وجه هذه الأرض مخلوق لنا ، ومقتضى ذلك أن يكون حلالاً يجوز الانتفاع به ؛ لأنه لو كان حرامًا لما كان مخلوقًا لنا ، وهذا واضح .الثالث : أن الله تعالى قال : } قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ { ، فكل زينة على وجه هذه الأرض فهي حلال ؛ لأن الله تعالى أنكر على من حرم شيئًا من هذه الزينة ، فإنكاره على من حرم شيئًا منها دليل على أن الأصل فيها الحل ، وهذا واضح . ونكتفي بذلك من القرآن .وأما من السنة ، فمن وجوه :الأول : حديث : (( إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سئل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته )) متفق عليه .ووجه الدلالة به : أن الأصل في الأشياء الحل ؛ لأنه قال : ( عن شيء لم يحرم فحرم ) أي أن الأصل فيه كان الحل ، ولكنه حرم من أجل مسألة هذا الرجل ، فالأشياء التي لم يرد تحريمها بالشرع فالأصل فيها الحل ؛ لأن الأصل عدم التحريم .الثاني : أن النبي e كان يرى الصحابة يستخدمون أشياء كثيرة في عهده من غير سبق سؤال عن حلها أو حرمتها، فكانوا يستخدمون المفارش والمراكب والأواني وغير ذلك ، ولا تكلف أحدهم أن يسأل النبي e عن حلها قبل الانتفاع بها ، وكان يقرهم على ذلك ، والإقرار دليل الجواز فدل ذلك على أن المتقرر في قلوب الصحابة في هذه الأشياء جواز الانتفاع بها وإقراره لهم على عدم السؤال دليل على أن المتقرر في قلبه e هو جواز الانتفاع بها.وأي دليل بعد هذا الدليل يفيد صحة هذه القاعدة فتبين بذلك أن كل منفعة على وجه هذه الأرض فإن الأصل فيها الحل والإباحة .وهذه نعمة يجب أن نشكرها بقلوبنا وألسنتنا وأن نستخدمها فيما يقربنا لربنا جل وعلا حتى تدوم وتكون شاهدة لنا يوم القيامة ونافعة لنا في ديننا ودنيانا .ويتفرع على ذلك كثير من الفروع نذكر طرفًا منها :فمنها : أن الأصل جواز التداوي ، ولا دليل يمنعه ، فالأصل فيه الحل والإباحة ، فإذا أصيب الإنسان بشيء من الأوجاع والأمراض فإنه يجوز له أن يتداوى منها ، وليس التداوي منها خلاف الأولى كما قاله بعض الفقهاء ، بل التداوي جائز بل قد يكون مطلوبًا في بعض الأحوال طلب وجوب أو استحباب ، فالتداوي فيه منفعة وهي إعادة هذا البدن إلى استقراره الطبيعي ، فتعود له صحته التي بها يستطيع أن يقوم بواجباته الدينية والدنيوية ، وهذه منفعة والأصل في المنافع الإباحة .ومنها : أن الأصل جواز التداوي بكل دواءٍ موجود على وجه هذه الأرض إلا ما ورد الدليل بالمنع من التداوي به ، ففي الحديث : (( تداووا ولا تتداووا بحرام )) ، فكل الأدوية الموجودة في زماننا والتي ستكتشف - بإذن الله تعالى - يجوز التداوي بها ؛ لأن هذه الأدوية فيها منافع والأصل في المنافع الإباحة ، فيدخل في ذلك الأدوية السائلة بأنواعها ، والجامدة بأنواعها ، ويدخل في ذلك التداوي بالعمليات الجراحية، والتداوي بالأشعة بأنواعها ، والتداوي بالحجامة، وإخراج المواد الفاسدة بأنواع الاستفراغات ، والتداوي بالكي وبالفصد وقطع العضو المتآكل ، وغير ذلك من أنواع الأدوية التي لا تعد ولا تحصى ، كل ذلك الأصل فيه الحل والإباحة ؛ لأنه يشتمل على منفعة ، والأصل في المنافع الحل .ومنها : صناعة الأدوية ، فإن الباب فيها مفتوح إلا فيما حرمه الشرع ، فصناعة الأدوية مهنة شريفة وهي نوع جهاد ؛ لأننا بهذه الأدوية نجاهد المرض والآفات القاتلة والعلل المهلكة ونحمي بها - بإذن الله تعالى - هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى ، فصناعة الأدوية الأصل فيها الحل ، ولا بد أن يحرص المسلمون على هذه الصناعة ، ولابد أن يكون عندنا الاكتفاء الذاتي في هذه الصناعة ؛ لأن هذه الصناعة فيها المنافع الكبيرة والعوائد الجميلة والآثار الطيبة ، وما فيه منفعة فهو حلال لأن الأصل في المنافع الحل .ومنها : الأصل جواز اشتمال الأدوية على أي شيء من أجزاء هذه الأرض إلا فيما حرمه الشرع ، فأي شيء على وجه هذه الأرض يصلح أن يكون مادة من مواد شيء من الأدوية فيجوز إدخاله فيه ، سواءً كان هذا الشيء سائلاً أو جامدًا ، كل ذلك لا حرج فيه والباب فيه مفتوح ، فلابد من دراسة خصائص هذه الأجزاء الحيوانية والمائية والمعدنية والنباتية وغير ذلك ، وذلك لأن كل جزء من أجزاء هذه الأرض فإنه مسخر لنا لننتفع به ، فحيث كان فيه منفعة فالأصل فيه الحل ؛ لأن الأصل في المنافع الإباحة ، لكن الواجب الابتعاد عن المشتقات المحرمة كالخمر وشحم الخنـزير ونحو ذلك من المحرمات ، والله أعلم .ومنها : الأصل جواز امتهان الطب والصيدلة ، بل هذه المهنة من أهم المهن ومن أشرف الوظائف ، فمن يزهد فيها أو يقلل من أهميتها فهو خفيف العقل لا يعرف المصالح ولا المفاسد ، فالطب فيه منافع لا يعرف تفصيلها إلا العقلاء ، والأصل في المنافع الإباحة .ومنها : الأصل جواز التأليف في مسائل الطب ؛ لأن ذلك فيه منفعة جليلة ، والأصل في المنافع الإباحة .والفروع كثيرة ، ولعل هذا كافٍ في فهم هذه القاعدة ، والله أعلم .

سهيلة حشمت
11-12-29 ||, 01:00 AM
( القاعدة الثانية )
الأصل في المضار التحريموهي عكس القاعدة الأولى ، فكل شيء فيه مضرة فإنه ممنوع شرعًا ، فيدخل في التداوي بالأدوية الخبيثة ، كالخمر فإن هذا لا يجوز ؛ لأن الخمر أم الخبائث ، وقد نهى النبي e عن التداوي ، وأخبر أنها داء وليست بدواء ، كالتداوي بشحم الخنـزير فإنه حرام لا يجوز ، قال تعالى : } قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ { ، وقال تعالى : } وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ { .ويدخل في ذلك : التداوي بالنجاسات ، كالتداوي بالبول أو بالدم المسفوح كما يفعله بعض الأعراب في ضواحي نجد وبعض القبائل في أفريقيا .ويدخل في ذلك : بالميتات أو بشيء من أجزائها ، فإن الميتة حرام ونجسة ، قال تعالى : } حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... { الآية .ويدخل في ذلك : التداوي بالموسيقى ، كما يفعله بعض أطباء النفس في الغرب ومن يقلدهم من أطباء المسلمين - هداهم الله - ، فكل ذلك حرام لأنه يشتمل على ضرر محقق .ويدخل في ذلك : التداوي بتعليق التمائم الشركية أو من القرآن ، كل ذلك حرام ، قال - عليه الصلاة والسلام - : (( إن الرقى والتمائم والتولة شرك )) ، وقال : (( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ))، وقال: (( من تعلق تميمية فقد أشرك )) ، ولما رأى النبي e رجلاً وفي يده حلقة من صفر قال : (( ما هذه )) ؟ قال : من الواهنة . فقال : (( انزعها عنك فإنها لا تزيدك إلا وهنًا ، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا )) .فالتمائم كلها حرام من القرآن أو من غير القرآن .ويدخل في ذلك : التداوي بالذهـاب إلى السحرة وإتيان الكهان والعرافين والمشعوذين ، وهذه طامة وخيمة تذهب الدين وتهلك العقيدة ، وفي الحديث : (( من أتى عرافًا أو كاهنًا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد e )) .ويدخل في ذلك : التداوي بالأعشاب الضارة المهلكة ، ولابد من الحذر من الأعشاب التي تباع عند العطارين ، فإن كثيرًا منها فيه ضرر محقق ، ونحن لا ننكر أصل التداوي بالأعشاب ، ولكن لابد أن يكون المشرف على وصفة العشب الأطباء الثقات وذووا الخبرة والدراية التامة في ذلك المجال ، وأما أن يشرف عليها من هب ودب ، فهذا هو الذي ننكره .ويدخل في ذلك : التداوي بما نهي عن قتله ، كالتداوي بالنملة أو الضفدع أو الهدهد أو الصرد ، كل ذلك لا يجوز التداوي به ؛ لأن التداوي به يوجب قتله ، وقد نهينا عن قتله .ويدخل في ذلك : التداوي بما أمر الله بقتله ، كالوزغ والغراب والعقرب والكلب العقور والفأرة ونحوها، كل ذلك لا يجوز التداوي به ؛ لأننا لم نؤمر بقتله إلا لأنه خبيث وضار.ويدخل في ذلك : التداوي بالمخدرات ؛ لأنها أم الضرر وجماعه ، فهي مشتملة على الضرر الديني والجسدي .ويدخل في ذلك : التداوي بجراحات التجميل التحسينية بمختلف أنواعها ، وأما الجراحات الطبية الضرورية والحاجية فإنها جائزة ، وقد شرحنا هذه المسألة بأدلتها وتفاصيلها في كتاب المسائل الطبية .وجماع ذلك أن كل شيء اشتمل على ضرر ديني أو جسدي فإنه يحرم التداوي به ؛ لأنه ضار والأصل في المضار التحريم ، والله أعلم .

سهيلة حشمت
11-12-29 ||, 04:36 PM
( القاعدة الثالثة )
لا ضرر ولا ضراروهي إحدى القواعد الكلية الكبرى الخمس ، وهي أصل عظيم من أصول الإسلام ، ينبني عليها كثير من الفروع والمسائل في مختلف أبواب الفقه .والضرر في اللغة خلاف النفع ، والمضرة خلاف المنفعة ، والضرر هو إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا ، والضرار هو مقابلة الضرر بمثله ، أي هو مقابلة الضرر بالضرر ، أو هو إلحاق مفسدة بالغير على جهة المقابلة .وأصلها حديث إسناده جيد له طرق يقوي بعضها بعضًا ، وهي من القواعد المتفق عليها بين العلماء .والمقصود بهذا النفي ما كان منه بغير حق ، أي لا يجوز الضرر بغير حق ، ولا يجوز مقابلة الضرر بالضرر بغير حق ، وأما ما كان منه بحق فلا يدخل معنا في هذه القاعدة ، ويدل عليها قوله تعالى في شأن الرجعة أي رجعة المطلقة } وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا { ، وقوله تعالى في شأن المضارة بالشهود في البيع : } وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ { ، وقوله تعالى في شأن الوصية : } مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ { ، وقوله تعالى في شأن رضاعة الطفل : } لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ { ، وقوله تعالى في شأن سكنى المطلقة : } أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ { ، ويدل عليها حديث : (( من ضار ضار الله به ، ومن شاق شاق الله عليه )) رواه أبو داود بسندٍ حسن ، وغير ذلك من الأدلة .فيدخل في ذلك : النهي عن السحر ، لأن فيه ضررًا وإضرارًا بالغير بلا وجه حق .ويدخل في ذلك : الدواء المغشوش ، لأن فيه ضررًا وإضرارًا بالغير بلا وجه حق .ويدخل في ذلك : تطبيب الرجال للنساء ، وتطبيب النساء للرجال بلا حاجة ولا ضرورة ؛ لأن ذلك فيه ضرر محقق ومفسدة بينة من انكشاف العورات والفتنة وفساد الدين والأخلاق ، لكن إذا دعت الضرورة لذلك فلا بأس به .ويدخل في ذلك : التداوي بالجراحة التي لا حاجة لها ولا ضرورة تدعو إليها ، لأن ذلك فيه ضرر محقق ، ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : انتقام الطبيب من بعض المرضى لسوء أخلاقه ، أو لأن بينهما نوع خصومة أو ثأر كما نسمعه ونقرأه في بعض الصحف ، فإن ذلك حرام ؛ لأنه إضرار بالغير بلا وجه حق .ويدخل في ذلك : التشريح الذي لا تدعو إليه الحاجة أو الضرورة ، لأن ذلك انتهاكًا لحرمة الميت بلا وجه حق ، ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : التداوي بما هو حرام شرعًا ، لأن ذلك فيه ضرر محقق ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : كذب الطبيب على المريض بشأن حالته الصحية بلا ضرورة ولا حاجة تدعو لذلك ، لأن ذلك فيه ضرر وإضرار ، ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : خلوة الطبيب بمن لا تحل له من الممرضات بحجة المساعدة ، وهذا حرام لا يجوز؛ لأنه لا حاجة له وضرره أعظم من نفعه ومفاسده لا تخفى ، ولا ضرر ولا ضرار.ويدخل في ذلك : العمليات القيصرية إذا أمكن إخراج المولود من طريقه الطبيعي بحجة الاستعجـال وازدحام غرفة الولادة ، فهذا حرام لا يجوز لأن فيه ضررًا وإضرارًا ، وقد تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : التبرع بالأعضاء التي توجب ضررًا محققًا أو متوقعًا في المستقبل على المتبرع بها ، فلا يجوز ذلك حتى لو وافق المتبرع ؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : مخالطة المريض مرضًا معديًا بالأصحاء ، فإنه لا يجوز لأن ذلك يوجب بقدر الله تعالى ومشيئته تعدي المرض منه إليهم ، ولا ضرر ولا ضرار .وبناءً عليه ، فيجوز الحجر الصحي على المرضى الذين قد أصيبوا بشيء من هذه الأمراض المعدية ولاسيما إذا كانت خطيرة كمرضى فقد المناعة المسمى ( بالإيدز ) ، ومرضى الطاعون ونحوهم ، فلا بأس بالحجر عليهم ، بل يجب الحجر عليهم حماية للصحة ، لأنه لا ضرر ولا ضرار ، وفي الحديث : (( لا يورد ممرض على مصح )) حديث صحيح ، وحديث : (( إذا سمعتم به - أي الطاعون - في بلـدٍ فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فراراً منه )) ، فالحجر الصحي يتفرع على قاعدة لا ضرر ولا ضرار .ويدخل فيها أيضًا : منع المتطبب الجاهل من مزاولة هذه المهنة كبعض القراء الجهلة وبعض المتطببين بالأعشاب ، وهذا واجب على ولي الأمر حفاظًا على صحة شعبته ، ومنعهم يدخل تحت قاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ) .ويدخل فيها أيضًا : جواز سحب الشهادة من الطبيب الذي صدرت منه أفعال محرمة مع مرضاه ؛ لأن بقاء هذا الطبيب فيه ضرر محقق ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك أيضًا: عدم تضمين الطبيب الحاذق في مهنته ما جنته يداه بلا تفريط؛ لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل ، فإلحاق الضمان به إضرار به بلا وجه حق ولا ضرر ولا ضرار .ويدخل فيه : عدم جواز المعالجة بالأشد إذا أمكن المعالجة بالأخف ، فإذا كان الأخف يقوم مقام الأشد ويحقق المصلحة المطلوبة فإنه لا يجوز التداوي بالأشد ، لأن التداوي بالأشد هنا ضرر زائد بلا حاجة ولا ضرورة ، وقد تقرر أنه لا ضرر ولا ضرار .ويدخل في ذلك : جواز تسعير الدخول والكشف بالنسبة للمستوصفات الخاصة المملوكة للأفراد ، فإذا كانت هذه المستوصفات عندها إفراط في أسعار الدخول والكشف وفتح الملفات وأضر ذلك بالمرضى المحتاجين لها فلولي الأمر الحق أن يفرض أسعارًا مناسبة للطرفين بلا إفراط ولا تفريط ، مع أن الأصل عدم جواز التسعير ، لكن إذا دعت إليه الحاجة والضرورة جاز ذلك ؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار .والفروع كثيرة ولكننا اشترطنا الاختصار ، فهذه ستة عشر فرعًا على هذه القاعدة العظيمة ، والله أعلى وأعلم .

سهيلة حشمت
11-12-29 ||, 04:38 PM
( القاعدة الرابعة )
الضرر يدفع بقدر الإمكانوهذه القاعدة فرع عن القاعدة السابقة ، وهي تفيد وجوب بذل قصارى الجهد في دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة ، لأن دفعه قبل وقوعه من باب الوقاية ، والمتقرر شرعًا وعرفًا وعقلاً أن الوقاية خير من العلاج ، فإن أمكن دفع هذا الضرر بلا ضرر مقابل فهو الواجب ، وإذا لم يمكن دفعه إلا بضرر فإنه يجب علينا أن نتوسل لدفعه عنا أفرادًا وجماعات بقدر الإمكان ، ولا نطالب إلا بما هو داخل تحت وسعنا وطاقتنا ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وقد تقرر شرعًا أنه لا واجب مع العجز ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : (( إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم )) ، وقال تعالى : } فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ { ، ودليل ذلك قوله تعالى : } وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ { ، فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالإعداد المستطاع للقوة لدفع ضرر الأعداء بإرهابهم وتخويفهم بذلك الإعداد وتلك القوة .وقوله تعالى : } وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ { ، فقد أجاز الله تعالى للحر أن ينكح الأمة ؛ لأنه لا يستطيع نكاح الحرة ولا يقدر على مهرها وذلك لدفع الضرر عنه بقدر الإمكان .ويدل عليها أيضًا مشروعية الحجر على المفلس لدفع الضرر عن الغرماء ، ومشروعية الشفعة في نصيب الشريك لدفع الضرر عن شريكه ، ومشروعية الجهاد لدفع الضرر عن المسلمين وديارهم وأرواحهم وأموالهم ، ومشروعية قتل القاتل لدفع الضرر عن المجتمع حتى لا تراق فيه الدماء ، ولذلك قال الله تعالى : } وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ { ، ومشروعية الأكل من الميتة للمضطر لدفع الضرر عنه ، وهكذا .فالأدلة عليها كثيرًا جدًا ، ولكن طلبًا للاختصار ذكرناها في رؤوس الأقلام وأما فروعها الطبية فكثيرة أيضًا ، ونذكر لك منها ما تيسر ، فنقول :منها : جواز التحصين الصحي المبكر قبل حلول المرض المتوقع ، وهو الذي يسميه الناس (التوتين) ، فهذا جائز لأنه يحصل به دفع الضرر عن الأصحاء وفيه حفظ لصحتهم وسلامتها من هذا المرض ، كالتطعيم عن الملاريا وعن الحمى وعن الطاعون وعن الجدري ، وغير ذلك من الأمراض ، فجواز ذلك استفدناه من قاعدة : ( الضرر يدفع بقدر الإمكان ) .ومنها : جواز الإفطار للمريض الذي يشق عليه الصوم ؛ لأن الضرر لا يندفع عنه إلا بالإفطار ، والضرر يدفع بقدر الإمكان ، قال تعالى : } فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ { .ومنها : جواز بتر العضو المتآكل الذي يغلب على الظن تلف باقي الأعضاء إذا لم يبتر ؛ لأن الضرر عن الجسد لا يدفع إلا بقطعه والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : جواز الحجر على مرضى الإيدز ؛ لأن الضرر لا يدفع عن المجتمع إلا بذلك ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : جواز إسقاط الجنين إذا كان في بقائه تلف لأمه ؛ لأن أمه أحق بالبقاء منه ، ولا يندفع عنها الضرر إلا بإسقاطه والضرر يدفع بقدر الإمكان ، لكن لابد من شهادة الأطباء العدول الثقات .ومنها : جواز التداوي بلبس الحرير للرجال إذا لم يندفع ضرر المرض إلا بلبسه ، كالحكة في الجسد ونحوها من الأمراض الجلدية ، فإن الحرير يصلح أن يكون علاجًا لها ، وفي الحديث الصحيح أن النبي e رخص لعبدالرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص الحرير من حكة كانت بهما ، لأن دفع الضرر عن هذا الجسد مطلوب ولا يندفع إلا بالحرير في بعض أنواع الأمراض الجلدية ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : جواز شد الأسنان للرجال بالذهب ؛ لأنه لا ينتن ، أي لا تتغير رائحته ، وقد رخص النبي e لعرفجة t أن يركب أنفًا من ذهبٍ لأن أنفه قطع يوم الكلاب ، وهذا من باب التداوي بالمحرم ، لكن أجازه الدليل فيكون مخصوصًا ولا يقاس عليه غيره من المحرمات ؛ لأنه لا يخرج من الدليل العام إلا ما خصه الدليل فقط ، فهذا الذهب يحصل به اندفاع الضرر ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : أن المستحاضة يجوز لها أن تصلي بالوضوء وإن نزل الدم بعده ولو قطر على الأرض ، وإنما عليها أن تغسل فرجها وتشده بشيء وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي في هذا الوقت ما شاءت من النوافل ، ولا يجب عليها الوضوء مرة أخرى إلا إذا دخل وقت الصلاة الأخرى ، ذلك لأن إلزامها بالوضوء لكل صلاة ولكل نافلة فيه ضرر عليها ، والضرر يدفع بقدر الإمكان ، فدفعت الشريعة الضرر عنها بجواز صلاتها مع خروج حدثها .ومنها : أن المريض يصلي على حسب حاله إن كان يستطيع الوضوء وجب عليه ، فإن لم يستطع فليتمم وإن لم يستطع فليصل على حسب حاله ولا شيء عليه ؛ لأن في تكليفه ما لا يستطيعه ضرر عليه ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : أنه يجوز الانتقال إلى التيمم حتى ولو كان الماء موجودًا إذا كان في استخدامه زيادة المرض أو تأخر الشفاء ؛ لأن ذلك أي زيادة المرض وتأخر الشفاء ضرر ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : أنه يجوز للمريض أن يصلي ولو لغير القبلة إذا كان في توجيهه لها ضرر عليه ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : أن المريض يجوز له أن يصلي ولو كان متصلاً بالأنابيب التي تصرف البول إذا لم يستطع إبعادها عنه أو كان في إبعادها ضرر عليه ، فليصل وهي متصلة به ولا شيء عليه ولا إعادة عليه ؛ لأنه يتضرر بإبعادها والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : جواز منع الزيارة لأقارب المريض إذا كان في زيارته ضرر عليه ، وهذا يرجع إلى تقدير الطبيب ، ومنعهم هذا ليس فيه ظلم لهم ، بل فيه رحمة للمريض ومراعاة لحاله ؛ لأن زيارتهم قد توجب زيادة مرضه ، فإذا كان في زيارة بعض المرضى ضرر فإنها تمنع ؛ لأن الضرر يمنع بقدر الإمكان .ومنها : منع الأطفال من الزيارة ، لأنهم يفسدون ولا يصلحون ، ويحدث منهم الضوضاء والإزعاج ، وقد يتضررون لبعض العدوى لضعف المناعة عندهم والضرر يدفع بقدر الإمكان .ومنها : جواز الكذب على المريض إذا كان في إخباره بالحقيقة ضرر عليه ، فإن بعض المرضى قد لا يتحمل الحقيقة ، فمراعاة لحالته الصحية يجوز للطبيب أن يكذب ، وهذا ضرورة وحاجة يجوز معها الكذب ، مع أن الأصل المنع ، ولكن يجوز منه ما تحصل به المصلحة ؛ لأن الصدق أحيانًا قد يوجب شيئًا من زيادة المرض أو تأخر الشفاء ، والضرر يدفع بقدر الإمكان .وعلى ذلك فقس ، والله أعلى أعلم .

ابراهيم فهمى قمرالدين
14-01-30 ||, 02:37 AM
بارك الله لكم

أسماء جعفر
14-02-13 ||, 06:46 PM
جزاكم الله خيرا