المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"



أبو حزم فيصل بن المبارك
08-07-16 ||, 01:08 AM
الإنارة في التعليق على كتاب "الإشارة"
للحافظ أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي [ت:٤٧٤]

لشيخنا الكبير و القدير
محمد علي فركوس
متعنا الله بعلمه



قال القاضي أبو الوليد -رحمه الله- في عنوان الباب:"أبواب العموم وأقسامه .... والكلام ها هنا في العموم، وله ألفاظ خمسة فيها".[م] لم يتعرض المصنف إلى التعريف بالعام ولا إلى بيان أقسامه، وإنما ذكر صيغ العموم وألفاظه وهو أحد أقسام العموم الذي استفيد عمومه من جهة اللغة، إذ اللفظ العام في الوضع اللغوي إما أن يكون عمومه من نفسه: كأسماء الشروط والاستفهام والموصولات، وإما أن يكون من لفظ آخر دل العموم فيه، وهذا اللفظ الآخر إما أن يكون في أول العام كأدوات الشرط والاستفهام والنكرة في سياق النفي والنهي والاستفهام والامتنان، والألف واللام، وكل وجميع، وإما أن يكون في آخره كالمضاف إلى المعرفة مطلقا سواء كان مفردا أو جمعا فهو اللفظ الذي لا يستفاد العموم إلا من آخره، وكل ما ذكره المصنف من ألفاظ العموم لا يخرج عن هذا البيان المتعلق باستفادة عمومه من جهة اللغة، أما بقية أقسام العموم فلم يتناولها المصنف، وهي تتمثل في العام من جهة العرف وهو: ما استفيد عمومه من جهة عرف الشريعة، مع أن لفظه لا يفيد العموم من جهة اللغة مثل قوله تعالى: «حرمت عليكم أمهاتكم» [النساء: 23] فإنه لما عين العرف الاستمتاع للحذف لزم تعلق التحريم بجميع أنواع الاستمتاع بالوطء وغيره وقوله تعالى: «حرمت عليكم الميتة» [المائدة: 3] فليس في الآية ما يفيد العموم من جهة اللغة، لكن العرف جعله مفيدا للتحريم في جميع أنواع الانتفاعات بالأكل وغيره(١) والثالث من أقسام العموم هو: العام الذي استفيد عمومه من جهة العقل دون اللغة والعرف وهو: ما يسمى بالعموم العقلي وهو على أربعة أنواع وهي:
الأول: عموم الحكم لعموم علته كما في القياس، والثاني: عموم المفعولات التي يقتضيها الفعل المنفي كقوله:"والله لا أكلت"فإنه يحنث بكل مأكول، فإن صرح بالمفعول كان من قبيل العموم اللغوي كما لو قال: «والله لا أكلت شيئا» والثالث: في المفهوم فإنه يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه سواء على موافقة المنطوق به أو على مخالفته وهو مذهب جمهور العلماء كالضرب والشتم وغيرها من المسكوت عنه في تحريم التأفيف في قوله تعالى:"فلا تقل لهما أف"[الإسراء: 23] ولا زكاة في كل ما ليس بسائمة في قوله صلى الله عليه وسلم"وفي سائمة الغنم الزكاة"(٢). والرابع: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال مثل قوله صلى الله عليه وسلم لابن غيلان الثقفي وكان قد أسلم وتحته عشرة نسوة:"أمسك أربعا وفارق سائرهن"(٣) فلم يستفسر منه أعقد على أولائك النسوة بعقد واحد في زمن واحد أم بعقود متعددة في أزمان مختلفة؟ فتركه للسؤال عن ذلك يفيد العموم. وكذلك فيما يرجع إلى سؤال السائل عن أمر فإن حكمه لم يعم كل مكلف(٤) ولعل الأفضل -في عنوان المصنف- إفراد لفظة"أبواب"إلى"باب"لأنه أبلغ من حيث الشمول، ولأن الجمع قد لا يشمل الأحكام الخاصة، ولأن نفي الفرد يستلزم نفي الجمع ولا العكس، ولكي يقع التجانس مع غيره من أبوب الكتاب، ومن حيث التجانس- أيضا- تنسجم لفظة"مسائله"على"أقسامه"حتى يكون موافقا لما تحتويه فصول باب العموم، ويكون العنوان:"باب العموم ومسائله"ولعل ذلك هو مقصود المصنف من تلك اللفظة(٥).
ومن جهة أخرى فالمصنف لم يصدر في باب العموم بتعريف لمعناه كما لم يتناوله في"إحكام الفصول في أحكام الأصول"مكتفيا بما عرفه في كتاب"الحدود في الأصول"بقوله:"العموم: استغراق ما تناوله اللفظ"، وهذا التعريف ليس مانعا إذ لا يحترز به من أسماء الأعداد، والمطلق، وصيغ العموم التي يكون المقصود بها فردا واحدا. والأولى تعريف العام بأنه: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، دفعة واحدة من غير حصر"(٦).
- فاللفظ في تعريف العام قيد لإخراج العموم المعنوي أو المجازي، لأن الحكم فيه مختلف، مثل قولك: «المطر عام» فلا يتحد الحكم فيه في أماكن نزوله، بخلاف قولك:"اكرم الطلاب"فالحكم فيه متحد على جميع الطلاب من غير تخصيص أو استثناء، كما يخرج من هذا القيد الألفاظ المركبة التي تفيد العموم بأكثر من لفظ كقولك:"كلام منتشر".
- «وما يصلح له» قيد يقصد منه تحقيق معنى العموم والاحتراز من اللفظ الذي استعمل في بعض ما يصلح مثل قوله تعالى «أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» [النساء:54] فلفظ"الناس"صيغة عموم ولكن المقصود بها فرد واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
-"وبحسب وضع واحد"ليخرج منه اللفظ المشترك كالعين والقرء، فلا يسمى عاما بالنسبة للجارية والباصرة، وللحيض والطهر، لأنه لم يوضع لهما وضعا واحدا، بل لكل منهما وضع مستقل، أما اللفظ العام ، فهو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، هذا المعنى عام شامل لكل أفراده، ولهذا يجب العمل باللفظ العام دون اللفظ المشترك إلا بعد وجود القرينة المعينة لأحد المعاني، اللهم إلا على رأي من يجوز استعمال المشترك في جميع معانيه إن أمكن.
- والاستغراق في العام يشمل جميع أفراده في آن واحد، وهو قيد لإخراج المطلق، لأن استغراق المطلق بدلي لا دفعة واحدة، وقيد لإخراج منه النكرة في سياق الإثبات كقولك: «اضرب رجالا» فإن استغراقها بدلي يحقق الضرب في أقل الجمع وهو ثلاث رجال.
-"ومن غير حصر"قيد تخرج منه أسماء الأعداد مثل قوله تعالى: «تلك عشرة كاملة» [البقرة: 196] لأن الاستغراق في العام لا حد له ولا حصر.




فصل
[في حكم العمل بالعموم]


* قال الإمام الباجي رحمه الله في ص186: «فإذا ورد شيء من ألفاظ العموم المذكورة وجب حملها على عمومها إلا أن يدل دليل على تخصيص شيء منها، فيصار إلى ما يقتضيه الدليل».
[م] العموم له صيفة في اللغة خاصة به موضوعة له تدل على العموم حقيقة ولا تحمل على غيره إلا بقرينة، وهي الصيغ السابقة، وهذا مذهب الجمهور الذي رجحه المصنف وهو الصحيح، ويكفي للدلالة على صحته إجماع الصحابة رضي الله عنهم أن تلك الصيغ للعموم، فقد كانوا يجرونها حال ورودها في الكتاب والسنة على العموم ويأخذون بها، ولا يطلبون دليل العموم، بل كانوا في اجتهاداتهم يطلبون دليل الخصوص، وفهمهم للعموم إنما كان من صيغته ولفظه، جرى ذلك عندهم من غير نكير، ومن الواقع التي عمل الصحابة فيها بالعموم قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة»[النور: 2] وقوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما» [المائدة: 38] وقوله تعالي:"الرجال قوامون على النساء"[النساء: 34] فهذه الآيات وغيرها تفيد العموم بسبب وجود الألف واللام غير العهدية، فالاسم المحلي بالألف واللام يفيد الاستغراق والعموم سواء مفردا أو جمعا، وقد استدل أبو بكر رضي الله عنه على الأنصار بقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»(٧) وسلم له بقية الصحابة رضي الله عنهم احتجاجه على هذا العموم، واحتجاجه –أيضا- بلفظ «الناس» من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»(٨)، ولم ينكر عليه أحد منهم على إفادته للعموم، ونظائره كثيرة وأثر هذه المسألة يظهر في أن هذه الألفاظ تفيد العموم من غير الحاجة إلى قرائن على مذهب الجمهور، وتفتقر إلى قرينة عند غيرهم(٩)، فلو قال لزوجته: «إذا قدم الحاج فأنت طالق» فهي لا تطلق إلا بعد قدوم جميع الحجاج، فلو لم يرجع بعضهم، أو مات أحدهم فلا تطلق على مذهب الجمهور خلافا لغيرهم.
هذا وحري بالتنبيه أن اللفظ العام يجب اعتقاد عمومه قبل ظهور المخصص، فإذا ظهر تغير الاعتقاد السابق، لأن الأصل عدم المخصص، ويكفي ظن عدم المخصص في إثبات اللفظ العام.




[في الاحتجاج بالعام المخصص]



* قال أبو الوليد –رحمه الله- في ص 188: «فإذا دل الدليل على تخصيص ألفاظ العموم بقي باقي ما يتناوله اللفظ العام بعد التخصيص على عمومه أيضا، يحتج به كما كان يحتج به لو لم يخص شيء منه".[م] اللفظ العام سواء كان أمرا أو نهيا أو خبرا يجوز تخصيصه بدليل صحيح، ويجب العمل به في صورة التخصيص وإهمال دلالة العام عليها، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ما عدا صورة التخصيص، سواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، وهذا مذهب جمهور العلماء الذي قرره المصنف وهو الراجح من أقوال أهل العلم، ويكفي للدلالة على صحة هذا المذهب إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الاحتجاج بالعمومات مع أن معظمها مخصوص، فمن إجماعاتهم : احتجاجهم بقوله تعالى :"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"[النور:2] وقوله تعالى :"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"[المائدة:38] مع دخول التخصيص على الآيتين كالصبي، والمجنون، والمكره، والجاهل، وكاحتجاج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :"يوصيكم الله في أولادكم"[النساء:11] على طلب حقها في الميراث ولم ينكر عليها أبو بكر رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة مع أن الآية مخصصة بعدم توريث الكافر والقاتل والعبد، وكذا ما احتج به عليها أبو بكر رضي الله عنه على سبيل التخصيص للآية السابقة بقول النبي صلى الله عليه وسلم :"إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"(١٠).


* وقول المصنف في هذا الفصل من ص 189:"... وكذلك لو ورد تخصيص آخر لبقي اللفظ العام على ما كان عليه قبل التخصيص".[م] يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى فردا واحدا مطلقا، سواء كان جمعا كالرجال، أو غير جمع كـ"من"و"ما"، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ذلك الفرد المتبقى بعد التخصيص، وهو مذهب الجمهور، وبه قال مالك -رحمه الله- فهو الصحيح، ويشهد لهذا المذهب وقوعه في القرآن واللغة، مثل قوله تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"[الحجر:9] ومنزل الذكر هو الله تعالى، وقوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس"[البقرة:199] والمقصود به"إبراهيم عليه السلام"، وقوله تعالى :"أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله"[النساء:54] والمقصود بـ"الناس"النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى :"أولئك مبرؤون مما يقولون"[النور : 26] والمقصود به"عائشة"رضي الله عنها، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه:"أنفد إليه ألفي رجل، وكان قد أرسل إليه ألفا من الرجال والقعقاع بن عمرو رضي الله عنه، ولم يرد عليه نكير في إطلاق الألف الثانية على القعقاع رضي الله عنه.


* وقول الباجي رحمه الله بعدها :"ويجوز أن يرد التخصيص والبيان مع اللفظ العام".
[م] التخصيص نوع من البيان إذا ارتبط بالمبين على صفة تحد من عمومه(١١)، سواء كان التخصيص منفصلا أو متصلا، والمخصصات التي ترتبط بكلام آخر ولا تستقل بنفسها هي المخصصات المتصلة منها : الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، واقترانها بالعام يعد من وجوه الفرق بين التخصيص والنسخ الذي يشترط فيه التراخي بين الناسخ والمنسوخ، والأحناف يطلقون على الاستثناء ببيان التغيير وعلى النسخ ببيان التبديل(١٢).


* وفي الصفحة نفسها قال رحمه الله :"ويجوز تأخيره عنه إلى وقت فعل العبادة، ولا يجوز أن يتأخر عن ذلك الوقت"
[م] لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة عند عامة العلماء إلا على من يرى بجواز التكليف بما لا يطاق، والصحيح أن الفعل المكلف به يشترط في صحة التكليف به شرعا أن يكون ممكنا، فإن كان محالا لم يجز الأمر به، والتفريع على شرط الإمكان يتولد عنه عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وصورته أن يقول : صلوا غدا، ثم لم يبين لهم في غد كيف يصلون، أو يقول : آتوا الزكاة عند رأس الحول، ثم لا يبين لهم عند رأس الحول كم يؤدون ونحو ذلك.
أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فجائز مطلقا سواء كان المقصود بيانه ماله ظاهر يفهم ويعمل به كالعام والمطلق أو ما ليس له ظاهر كالمجمل وهو مذهب جمهور العلماء خلافا للمانعين والمفصلين، وصورته : أن يقول وقت الفجر مثلا : صلوا الظهر، ثم يؤخر بيان أحكام الظهر إلى وقت الزوال، أو يقول: حجوا في عشر ذي الحجة ثم يؤخر بيان أحكام الحج إلى دخول العشر(١٣).
ومذهب الجمهور القاضي بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة مطلقا هو الصحيح لوقوعه مطلقا، والوقوع دليل الجواز، ومما وقع في الكتاب والسنة قوله تعالى :"فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه"[القيامة:18، 19] و"ثم"للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب، وكذلك قوله تعالى:"وأقيموا وآتوا الزكاة"[البقرة : 43] وقوله تعالى :"ولله على الناس حج البيت"[آل عمران:97] فأخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بينها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ثم بينها صلى الله عليه وسلم لأمته فقال:"صلوا كما رأيتموني أصلي"(١٤)، وبين النبي صلى الله عليه وسلم مقادير الزكوات ومن نوع الأجناس بالتدريج، وبين أفعال الحج وأحكامه بعد نزول آية الحج وقال صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم"(١٥). ومن ذلك أيضا، قوله تعالى لنوح عليه السلام :"احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول"[هود:40] وآخر بيان أن ولده الذي غرق ليس من الأهل الموعود بنجاتهم حين قال نوح:"إن ابني من أهلي"فبين له تعالى أنه ليس من أهله. وكذلك في قوله تعالى:"والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"[البقرة:228] ثم ورد التخصيص بعد ذلك بقوله تعالى:"وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"[الطلاق:4]، ولأن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول ولا خلاف في جواز تأخير بيانه إلى وقته، إلى غير ذلك من الأدلة وهي كثيرة التي لا سبيل إلى إنكارها(١٦).




فصل
[ في أقل الجمع ]

* قال المصنف رحمه الله في ص 190:"أقل الجمع اثنان عند جماعة من أصحاب مالك رحمه الله تعالى، وحكى القاضي أبو بكر بن الطيب أنه مذهب مالك".
[م] ليس من محل النزاع المفهوم من لفظ"الجمع"لغة إجماعا، لأنه ضم شيء إلى شيء، وذلك موجود في الاثنين والثلاثة وما زاد، كما لا خلاف في أن أقل الجمع في لفظ"الجماعة"في غير الصلاة ثلاثة، وفي الصلاة اثنان، ويخرج أيضا من محل النزاع ما لو قصد المتكلم بلفظ الجمع التخفيف كقول القائل:"ضربت رؤوس الرجلين"أو"وطئت بطونهما"ومنه قوله تعالى:"فقد ضغت قلوبكما"[التحريم:4] كما يخرج عنه تعبير الاثنين عن نفسيهما بضمير الجمع سواء كان ضمير المتكلم متصلا مثل:"عملن"أو منفصلا مثل:"نحن"وهذا يصدق – أيضا – على الواحد عن نفسه بضمير الجمع، وليس من محل الخلاف الجمع المعرف بـ"أل"كالرجال فإنه يفيد الاستغراق، وإنما يتعين محل النزاع في الجمع المذكر السالم المنكر كـ"مسلمين"وجمع المؤنث السالم : كـ"مسلمات"وجمع الكثرة المنكر كـ"جمال"و"رماح"أو جمع القلة المنكر وهو على أربعة أوزان: الأول:"أفعلة"كـ"أطعمة"و"أعمدة"، والثاني:"فعلة"كـ"فتية"و"شيخة"والثالث:"أفعال"كـ"أحمال"و"أبواب"والرابع:"أفعل"كـ"أعين"و"أذرع"(١٧)، كما أن من محل النزاع"واو"الجمع كـ"دخلو"أو"خرجوا"، والمصنف فيها اختار أن أقل الجمع اثنان حقيقة وعلى الواحد يطلق مجازا وهو مذهب القاضي الباقلاني وابن الماجشون وداود الظاهري وأبي إسحاق الإسفرائيني وبه قال الخليل بن أحمد وسيبويه وعلي بن عيسى النحوي وغيرهم، واستدل المصنف بقوله تعالى:"وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين"[الأنبياء:78] فقد جمع الله في الآية بين حكم سليمان وداود بضمير الجمع في قوله"لحكمهم"فدل ذلك على أن أقل الجمع اثنان، وأجيب عن هذا الدليل من أن ضمير الجمع يرجع إلى أربعة وهم: الحاكمان: داود وسليمان، والمحكوم له وهو صاحب الزرع، والمحكوم عليه وهو صاحب الغنم. والدليل الثاني الذي احتج به المصنف على مذهبه قوله تعالى:"فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون"[الشعراء:15] فقد أطلق فيه ضمير الجمع المتمثل في لفظه"معكم"وأرجع إلى موسى وهارون عليهما السلام واعترض على هذا الدليل بأن الضمير يرجع إليهما وإلى فرعون الذي يذهبون إليه، أما دليل المصنف من اللغة قولهم :"ظهراهما مثل ظهور الترسين"، فأجيب عن الاستشهاد بهذا البيت بأنه خارج عن محل النزاع، لأن المقصود بالجمع في لفظ"ظهور"التخفيف، فإنه لو قال"ظهري"لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة(١٨).
والظاهر أن مذهب القائلين أن اقل الجمع ثلاثة ويطلق على الاثنين والواحد مجازا أقوى وهو مذهب جمهور أهل العلم لما رواه الحاكم البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:"أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله"فإن كان له أخوة"[النساء:11] والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع تغيير ما كان قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس"(١٩)، فهذان الصحابيان من أهل اللسان واللغة يتفقان على أن اقل الجمع ثلاثة وإنما عدل عثمان رضي الله عنه في مسألة حجب الأم من الثلث إلى السدس لوجود قرينة صارفة وهي إجماع من قبله على خلافه، فصح ما قاله ابن عباس رضي الله عنه من أن الأخوين ليسا بإخوة في كلام العرب ولغتهم فدل على أن أقل الجمع حقيقة ثلاثة، لأن الجمع لا يطلق على الاثنين إلا على وجه المجاز(٢٠)، وهذا الأثر –وإن لم يصح سنده- إلا أنه يؤكد معناه إجماع أهل اللغة على التفريق بين الجمع والتثنية في الضمير المنفصل، فقالوا في الجمع"هم"وفي التثنية:"هما"، كما فرقوا بين الجمع والتثنية بالتوكيد مثل:"أقبل الطلاب أنفسهم"، أما في التثنية فقالوا:"أقبل الطالبان أنفسهم"كما فرقوا بينهما في الضمير المتصل فقالوا في الجمع:"عملو"و"اعملو"وفي التثنية:"عملا"و"اعملا"، وهذا ما يفسر أن مرتبة الجمع غير مرتبة التثنية، فالثلاثة تنعت بالجمع والجمع ينعت بالثلاثة، لكن التثنية لا تعنت بالجمع ولا ينعت الجمع بالتثنية وإذا كان في الاثنين فمن باب أولى الواحد، فدل ذلك على أن اقل الجمع يكون حقيقة في الزائد على الاثنين وهو ثلاثة، ويؤيده قول صلى الله عليه وسلم:"الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"(٢١) وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم:"الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة بم يهمم بهم"(٢٢) والحديثان ظاهران في فصل النبي صلى الله عليه وسلم بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين حكما خاصا دون الجمع، فظهر جليا أن التثنية ليست بجمع حقيقة، ولا يعترض بأثر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال:"الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعدا"(٢٣) لأنه ورد في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد قال عنه الإمام أحمد:"إنه مضطرب الحديث"وقال عنه يحي بن معين:"لا يحتج بحديثه"(٢٤)، ولو ثبت فمراده إفادة ذلك مجازا، أو حمل كلامه على خصوص مسألة حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين(٢٥).
والخلاف في هذه المسألة ينبني عليه آثار فقهية منها: الصلاة على الميت لا تصح إلا بثلاثة عند من يرى أن أقل الجمع ثلاثة، ولا تصح إلا بالاثنين عند من قال أن أقل الجمع اثنان، أو بالواحد عند من يرى أن أقل الجمع واحد، ومن ذلك من نذر أن يصوم أياما من غير تعيين فيلزمه ثلاثة أيام على القول الأول ويلزمه يومان على القول الثاني ويوم واحد على القول الثالث، وكذلك إذا أقسم أن لا يكلم الناس فإنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة من الناس خلافا لمن قال بأن أقل الجمع اثنان أو واحد.
ومن ذلك أيضا المقر لغيره بدراهم أو ثياب أو بأي جنس من الأجناس وعبر عنه بلفظ الجمع غير المنصوص على عدد(٢٦) فإنه يلزمه ثلاثة دراهم على المذهب الأول أو اثنان على المذهب الثاني أو واحد على المذهب الثالث.


فصل
[الاختلاف في تناول لفظ الجمع المذكر للنساء]

* قال المصنف –رحمه الله- في ص 193:"إذا ورد لفظ الجمع المذكر لم تدخل فيه جماعة المؤنث إلا بدليل، لأن لكل طائفة لفظا يختص به في مقتضى اللغة، قال الله تعالى:"إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات"[الأحزاب:35]"
- لا خلاف بين العلماء في عدم دخول كل واحد من المذكر والمؤنث في الجمع المختص به أحدهما كلفظ"الرجال"للمذكر، فإن النساء لا يدخلن فيه اتفاقا، أو لفظ"النساء"للمؤنث فإن الرجال لا يدخلون فيه اتفاقا، ولا خلاف في دخولهما في الجمع الذي لم تذكر فيه علامة التذكير ولا التأنيث كالبشر والناس، فإن لفظ الجمع بهذا المعنى يتناول الذكور والإناث لغة ووضعا بالاتفاق، ومن هذا القبيل –أيضا- أدوات الشرط والاستفهام التي لا تظهر فيها علامة التذكير والتأنيث، فإن لفظ الجمع فيها يتناول الذكور والإناث بالاتفاق، وإنما الخلاف في هذه المسألة واقع في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير كالجمع بالواو والنون كـ:"مسلمون"و"مؤمنون"، أو الجمع بضمير الجمع كـ"عملو"و"جاهدو"و"كلو"و"اشربوا"، فهل هذا الجمع يتناول الإناث؟ فالخلاف حاصل بين أهل العلم، والمصنف اختار مذهب القائلين أن جماعة المؤنث لا يدخلن في الجمع الذي تبينت في علامة التذكير إلا بدليل خارجي وهو مذهب جمهور الحنفية وبعض المالكية كالباقلاني وأكثر الشافعية وبعض الحنابلة كالطوفي(٢٧)، مما استدل لهم المصنف أن الله تعالى في الآية السابقة خص الذكور بخطاب والإناث بخطاب آخر، ولما حرص على تخصيصهن بألفاظ مميزة دل ذلك على عدم دخولهن في الخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة أو دليل.
وقد أجيب عن هذا الدليل بأن تخصيص الإناث بألفاظ ونون النسوة إنما هو للبيان والإيضاح والتأكيد عليهن، وهذا لا يلزم عدم دخولهن في اللفظ العام، إذ قد يجيء لفظ عام شامل للأعيان مع أنه يخص بعض الأفراد بالذكر، كما يعطف الخاص على العام لمزيد اهتمام وتأكيد مثل قوله تعالى:"من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال"[البقرة:98] فإن تخصيص جبريل وميكال عليهما السلام بالذكر لا يلزم عدم دخولهما في لفظ"الملائكة"و"الرسل"فهما لفظان شاملان لكل الملائكة والرسل، فكذلك لفظ"المسلمين"شامل للذكور الإناث، لكن لما عطف عليه لفظ"المسلمات"كان ذلك زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.
هذا، ولعل أصح المذهبين قول القائلين بدخول النساء في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير سواء بالجمع بالواو والنون أو جمع بضمير الجمع، وهو ما عليه أكثر الحنابلة وبعض الشافعية والمالكية وهو رواية عن الإمام أحمد، ودليل صحته انعقاد الإجماع على أن النساء يدخلن في الصيغة الخاصة بالذكور في جميع خطابات الشرع العامة وأكثر أوامره ونواهيه مثل قوله تعالى:"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"[البقرة:43] وقوله تعالى:"وكلوا واشربوا ولا تسرفو"[الأعراف:31] وقوله تعالى:"هدى للمتقين"[البقرة:2] وقوله تعالى:"ولا تقربوا الزنى"[الإسراء:32] فلو كانت صيغ هذه الأحكام والخطابات خاصة بالذكور لما تعدى إلى النساء، فدل ذلك على دخولهن في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، ويؤيد ذلك أيضا بأن المألوف عند العرب في خطاباتهم تغليب التذكير على التأنيث في حالة اجتماع الذكور والإناث ولو كان الذكر واحدا، وقد وقع مثل هذا في القرأن الكريم في قوله تعالى:"قلنا اهبطوا منها جميعا"[البقرة: 38] فكان الخطاب واردا على"آدم"و"حواء"و"إبليس"ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"بين كل أذانين صلاة"(٢٨) فسمى الإقامة آذانا من باب تغليب التذكير لشرفه ومثله قوله تعالى:"ولأبويه لكل واحد منهما السدس"[النساء:11] فغلب جانب الأب على الأم، والأمثلة على قاعدة التغليب المعتادة عند العرب متكاثرة(٢٩)، وهي معمول بها في خطاباتهم وكلامهم، والقرآن الكريم إنما نزل بلغة العرب فدل ذلك على أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير ولا يخرجن إلا بدليل، ولأن النساء شقائق الرجال ولا يخرجن من الخطاب الإلهي إلا بدليل.
هذا، ومن فروع هذه المسألة الاختلاف في صحة دعاء المرأة بالجمع المذكر كأن تقول:"وأنا من المسلمين""وما أنا من المشركين"، فعلى من يرى دخولها في الجمع المذكر قال يكفيها أن تقول ذلك بخلاف من منع ذلك إلا بدليل، ومن هذا القبيل الوصية والعطية، فمن قال لجمع من الرجال والنساء"وهبتكم عقاري"أو"لكم ثلث مالي بعد وفاتي"فعلى من يدخل النساء في خطاب الرجال بالجمع المذكر قال يشاركن الرجال في العطية والوصية وعلى المذهب الآخر الذي ارتضاه المصنف فلازمه أن النساء لا حق لهم في العطية والوصية.




فصل
[في الخاص الذي أريد به العام]


* قول المصنف رحمه الله في ص 195:"ومما خص أوله وعم آخره قوله تعالى:"يا ايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن"[الطلاق: 1]
[م]- هذا المثال الذي ساقه المصنف ليس بين العموم والخصوص تعارض حتى يقصر الخاص على أفراده المخصوصة ويعمل بالعام فيما عداه من الأفراد الداخلة تحت عمومه، وإنما يندرج هذا المثال في باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، لذلك استدل بالآية على أن خطاب الشرع عام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته ولا يخرج عن العموم إلا بدليل خاص وهذا معلوم من استقراء القرآن الكريم أن الله يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب لفظه خاص ويكون المراد منه تعميم الحكم فمن ذلك قوله تعالى:"يا أيها النبي اتق الله"ثم قال:"إن الله بما تعملون خبير"[الأحزاب:1، 2] وقال تعالى:"يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك"إلى أن قال سبحانه:"قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم"[التحريم:1، 2]، وقوله تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا"ثم قال سبحانه:"منيبين إليه واتقوه"[الروم:30، 31] فهذه الآيات شواهد على ما خص أوله بلفظ خاص لكن المقصود منه تعميم الحكم إلا إذا ورد دليل على الخصوصية.

..يتبع..



--------------------------------------------------------------------------------

١- انظر العموم العرفي في مفتاح الوصول للتلمساني: 504 والمصادر الأصولية المثبتة على هامشه.
٢- هو جزء من حديث طويل وفيه: «... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة» والحديث أخرجه البخاري: 3/317، وابو داود: 2/214. والنسائي: 5/27. وأحمد في مسنده: 1/11 من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
والحديث يمكن أن يكون مثالا للعموم اللغوي باعتبار إضافته إلى معرفة كما نص عليه المصنف [ص: 186].
٣- الحديث أخرجه الترمذي: 3/435 وابن ماجه: 1/628. وأحمد في"مسنده": 2/13. والدارقطني في"سننه": 3/269 والحاكم في المستدرك: 2/192 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما [انظر صحيح الترمذي للألباني: 1/574. وصحيح ابن ماجه له: 2/151 وإرواء الغليل رقم:1883]
٤- أنظر العموم العقلي في مفتاح الوصول للتلمساني: 507 والمصادر الأصولية المثبتة على هامشه.
٥- يوجد تقسيم آخر للعام من حيث مرتبته وسعته يتمثل في: عام لا أعم منه كالمعلوم والمذكور وهو شامل لجميع الموجودات والمذكور، وخاص لا أخص منه كالأعيان والأشخاص، وواسطة هي أعم مما تحتها وأخص مما فوقها، كالحيوان فإنه أعم من الإنسان وأخص من النامي، والنامي أعم من الحيوان وأخص من الجسم لشمول الجسم غير النامي كالحجر وهكذا [أنظر شرح مختصر الروضة للطوفي: 2/461.ومذكرة الشنقيطي:204].
كما يوجد تقسيم ثالث للعام باعتبار بقائه على عمومه أو دخول التخصيص عليه أو إرادة بعض افراده، فالأول هو العام المحفوظ والثاني العام المخصوص، والثالث هو العام الذي أريد به الخصوص [أنظر الفتح المأمول في شرح مبادئ الأصول لابن باديس: 120].
ولا يخفى أن هذين التقسيمين غير مرادين لاتجاه المصنف إلى صيغ العموم وألفاظه وهو العموم اللغوي، وقسميه- في هذا المجال- هو العموم العرفي والعقلي.
٦- أنظر: كشف الأسرار للبخاري:1/33. إرشاد الفحول للشوكاني: 112. أصول الفقه لزكي الدين شعبان:322. تفسير النصوص محمد أديب صالح: 2/9-10.
٧- أخرجه أحمد في"مسنده": 3/129، وغيره من حديث أنس رضي الله عنه، وله طرق أخرى من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبي برزة الأسلمي، والحديث صححه الألباني في الإرواء:2/298، وفي صحيح الجامع الصغير: 2/406.
٨- متفق عليه: أخرجه البخاري: 3/262، ومسلم: 1/262 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٩- أنظر اختلاف العلماء وأدلتهم في صيغة العموم ومحاملها في المصادر المثبتة على هامش في كتاب الإشارة ص:187
١٠- أخرجه البخاري: 12/5، ومسلم: 12/80، وأبوداود: 3/381 من حديث عائشة رضي الله عنها.
١١- أنظر الإحكام لابن حزم : 1/89.
١٢- أنظر : كشف الأسرار للبخاري : 3/106 وما بعدها.
١٣- شرح مختصر روضة الناظر للطوفي : 2/688.
١٤- أخرجه الشافعي في"مسنده": 55، والبخاري : 2/111 من حديث مالك بن الحويرث، في أوله قصة وفي آخره"فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم". والحديث متفق عليه إلا هذا الطرف من الحديث فهو من أفراد البخاري [صحيح مسلم : 5/174. سنن البيهقي : 2/17].
١٥- أخرجه أحمد في"مسنده": 3/318، 337، 367، 378، ومسلم: 9/44، وأبو داود: 2/495، وابن ماجة: 2/1006، والنسائي: 5/270، والبيهقي في"السنن الكبرى": 5/130، والبغوي في"شرح السنة": 7/179 بألفاظ متقاربة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وتمامه :"فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
١٦- أنظر تفصيل المذاهب وأدلتها على هذه المسألة في المصادر المثبتة على هامش كتاب"الإشارة"ص 190.
١٧- أنظر : شرح تنقيح الفصول للقرافي: 233.
١٨- أنظر المصادر المثبتة على هامش كتاب الإشارة ص 193.
١٩- أخرجه الحاكم في"المستدرك": 4/335، والبيهقي في"سننه الكبرى": 6/227، وابن حزم في"المحلي": 9/258، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"وأقره الذهبي في التلخيص على صحته، قال ابن كثير في"تفسيره"[2/198-199] معقبا على ذلك بقوله: وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به"ورده الحافظ –أيضا- في التلخيص 3/85 بقوله:"وفيه نظر، فإن فيه شعبة مولى لبن عباس، وقد ضعفه النسائي"والحديث ضعفه الألباني في الإرواء: 6/122.
٢٠- أنظر المحلى لابن حزم: 9/258، شرح مختصر الروضة للطوفي: 2/498، والمصادر المثبتة على هامش"الإشارة": 193.
٢١- أخرجه مالك في الموطأ: 3/144، وابوداود: 3/80، والترمذي: 4/193 من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 2/124، والأرناؤوط في"شرح السنة"للبغوي: 11/21.
٢٢- أخرجه مالك في الموطأ: 3/144، وقال ابن عبد البر أنه مرسل باتفاق رواة الموطأ على ما نقله الزرقاني في"شرح الموطأ": 4/21، وقال السيوطي في تنوير الحوالك: 3/144"وصلة قاسم بن أصبغ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه.
٢٣- أخرجه الحاكم في"المستدرك": 4/335 والبهيقي في"سننه الكبرى": 6/227 وابن حجر في"موافقة الخبر الخبر": 1/483، وقال:"هذا موقوف حسن".
٢٤- تهذيب التهذيب لابن حجر: 6/170.
٢٥- أنظر: أصول الفقه لابن مفلح: 2/783.
٢٦- أنظر إيضاح المحصول للمازري: 281، ومفتاح الوصول للتلمساني: 512.
٢٧- أنظر تفصيل الخلاف في المصادر –المثبتة على هامش كتاب الإشارة: 194.
٢٨- خرجه البخاري: 2/110 ومسلم: 6/124، وأبو داود: 2/60، والترمذي: 1/351، والنسائي: 2/28 وابن ماجه: 1/368 من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه.
٢٩- قال الخطابي في معالم السنن: 2/60:"أراد بأذانين الأذان والإقامة حمل أحد الاسمين على الآخر، والعرب تفعل ذلك كقولهم الأسودين للتمر والماء، وإنما الأسود أحدهما، وكقولهم سيرة العمرين يريد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنما فعلوا ذلك لأنه أخف على اللسان من أن يثبتوا كل اسم منهما على حدته ويذكروه بخاص صفته"

أبو حزم فيصل بن المبارك
08-07-16 ||, 01:47 AM
فصل
[في بناء العام على الخاص]


* قال المصنف -رحمه الله- في ص 196: "إذا تعارض لفظان خاص وعام بني العام على الخاص مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" فاقتضى ذلك نفي كل صلاة بعد العصر، ثم(١) قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، فأخرج بهذا اللفظ الخاص(٢) الصلاة المنسية من جملة الصلوات المنهي عنها بعد العصر، سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا".
[م] التمثيل بهذين الحديثين يجعله علماء الأصول –أيضا- في مسألة أخرى تعرف بـ "تعارض عمومين من كل وجه" أي أن يكون أحد اللفظين عاما من وجه خاصا من وجه آخر، فالحديث الأول النهي فيه عام في الصلاة خاص في الوقت، والحديث الثاني الأمر فيه عام في الوقت خاص في الصلاة، ومن هذا القبيل الأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله سلم عام في الوقت خاص في الكلام، والنهي عن الكلام حال خطبة الجمعة عام في كل كلام خاص في الوقت، وكذلك الأمر بتحية المسجد عام في الوقت خاص بالصلاة، والنهي عن الصلاة بعد العصر عام في الصلاة خاص في الوقت، وفي مثل هذه المسائل ينبغي سلوك المراتب التدريجية، وعند من قال بالترجيح يرى تعذر التوفيق الصحيح والجمع المقبول بين عموم الأمر بالصلاة أو الإنصات وعدمه من جهة، وبين خصوص كل العمومين من وجه معارض بخصوص الآخر من جهة ثانية، لأن لكل منهما جهة عموم تطرقت إليه ظنية الدلالة فلا ينتهض للتخصيص، وعندئذ وجب المصير إلى الترجيح، ووجهه أن العموم في أحد الدليلين إذا ضعفت دلالته بدخول التخصيص عليه، كان العام الذي يقابله أرجح منه، لأن العام المحفوظ الذي لم يدخله التخصيص أقوى وأولى بالتقديم من العموم الذي دخله التخصيص.
هذا، ويجوز تخصيص العموم مطلقا سواء كان اللفظ العام أمرا أو نهيا أو خبرا، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، وسواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ فلا نعلم أيهما المتقدم من المتأخر وهذا مذهب الجمهور، ولا يصح ذلك إلا بدليل صحيح يجب العمل به في صورة التخصيص وإهمال دلالة العام عليها، وتبقى دلالة العام حجة قاصرة على ما عدا صورة التخصيص. ويكفي الحكم على صحة هذا المذهب عمل الصحابة رضي الله عنهم في الاستدلال بالعمومات وتمسكهم بالعام المخصوص مع تقديمهم لدليل الخصوص مطلقا من غير نظر إلى كون أحدهما متقدما أو متأخرا مثل قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" [النساء : 1 ] فإن الآية عامة على جميع الأولاد لكن الصحابة خصصوا حق التوريث بما إذا لم يكن الولد كافرا أو قاتلا لأبيه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : " لا يرث الكافر المسلم ولا يرث المسلم الكافر "(٣)، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : "القاتل لا يرث"(٤)، وكذلك يخرج من استحقاق الميراث أولاد الأنبياء بما استدل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه على فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"(٥).
والأمثلة عنهم كثيرة في العمل بالخاص مطلقا سواء تقدم على العام أو تأخر عنه أو جهل التاريخ، فلم ينقل عنهم أنهم اجتهدوا في البحث عن تاريخ نزول أحدهما ليعمل بالمتأخر منهما فظهر رجحان القول بأن الخاص يخصص العام مطلقا.

* قال المصنف في ص: 197 : " وقال أبو حنيفة : إذا كان الخاص متقدما نسخه العام المتأخر، وإن كان العام متفقا عليه والخاص مختلفا فيه قدم العام على الخاص ".
[م] لجمهور الحنفية تفصيل في مسألة بناء العام على الخاص ويظهر وجهه :
إما أن نعلم أن الخاص ورد بعد العام أو ورد العام بعده، وإما أن نعلم أنهما وردا معا، أو نجهل تاريخ كل منهما، فإن علمنا أن الخاص ورد بعد العام كان الخاص ناسخا للعام، فلا يعمل إلا بدلالة الخاص، وإن علمنا أن العام ورد بعد الخاص، كان العام ناسخا للخاص، فلا يعمل إلا بدلالة العام في الحكم الثابت لجميع أفراده، وإن علمنا ورودهما معا فإن الخاص مقدم على العام، ويجب العمل بالخاص في صورة التخصيص، والعمل بالعام فيما عدا صورة التخصيص، فإن جهل التاريخ فلا نعلم المتقدم من المتأخر فالواجب التوقف لاستواء دلالة العام والخاص في القطعية ولا يرجح أحدهما إلا بدليل(٦).
وعمدة جمهور الحنفية في تقرير هذا المذهب قول ابن عباس رضي الله عنهما : "وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره"(٧) ووجه دلالته ظاهرة في أن المتأخر أولى بالعمل من المتقدم سواء كان المتأخر هو الخاص أو هو العام، أما حال المقارنة بينهما فإن الخاص يقيد العام ويخصصه، ويلزم التوقف -عند عدم العلم بتاريخ المتقدم من المتأخر- حتى يأتي دليل مرجح لأحدهما.
والمذهب الأول أقوى وهو أن النص الخاص يخصص اللفظ العام مطلقا لإجماع الصحابة رضي الله عنهم –كما تقدم- ولأن تخصيص العام بالخاص إعمال لكل واحد منهما وهو جمع بين الدليلين، بينما العمل بالنسخ أو التوقف إهمال لأحد الدليلين أو لكليهما، والإعمال أولى من الإهمال، والجمع مقدم على النسخ والتوقف.
أما الأثر المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو زيادة مدرجة من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري(٨)، وفي بيان هذا المعنى ترجم ابن خزيمة في أحد أبواب "صحيحه" بقوله : "باب ذكر البيان على أن هذه الكلمة "إنما يؤخذ بالآخر" ليس من قول ابن عباس"(٩) فضلا عن أنه معارض بعمل الصحابة رضي الله عنهم، وعلى تقدير صحة الأثر فيحمل على ما إذا كان الأحدث خاصا للجمع بين الدليلين. هذا وإنما آل بالأحناف إلى هذا التقرير هو البناء على قاعدتهم أن دلالة العام قطعية كدلالة الخاص(١٠)، وقد فند المصنف هذا القول في آخر الفصل ببيانه أن الخاص قطعي يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التأويل، والعام ظني فهو يتناول الحكم على وجه يحتمل التأويل، والقطعي أولى بالتقديم على الظني في كل الأحوال مطلقا تقديما للقوي على ما دونه، فكان الخاص أولى من العام مطلقا.
ومن أهم ما يتفرع عن هذه المسألة : جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة المتواترة بالدليل الظني فالجمهور يجيزون هذا التخصيص لأن العام عندهم ظني الدلالة، فيصح تخصيصه بالظني كخبر الآحاد، والقياس الذي ثبتت علته بنص أو إجماع، بخلاف الأحناف فيمنعون هذا التخصيص، لأن العام قطعي إذا ورد من الكتاب أو السنة المتواترة، والقطعي في ثبوته ودلالته لا يصح تخصيصه بالظني. ولا يخفى كثرة الآثار التطبيقية المترتبة على هذه المسألة، منها قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى"[البقرة : 178] وغيرها من الآيات التي تفيد عموم القصاص سواء كان المقتول مسلما أو كافرا، وقد خصص الجمهور هذه الآية بحديث : "لا يقتل مسلم بكافر"(١١) عملا بأن دلالة العموم ظنية يصح تخصيصها بظني آخر كخبر الواحد سواء أكان هذا الدليل الخاص نزل قبل العموم أو بعده أو جهلنا تاريخهما، بخلاف الأحناف حكموا العموم لدلالته القطعية بينما الحديث ظني لا يصلح للتخصيص أولا وهو قابل للتأويل ثانيا، وقد أولوه بقتل المسلم للكافر الحربي، فلو كان الخاص قطعيا في ثبوته ودلالته كالحديث المتواتر، ونزل بعد الآية متراخيا فإنه يكون ناسخا للعام في القدر الذي اختلفا فيه متى تساوى معه في الثبوت.


فصل
[ في طرق دفع التعارض ]

* قال المصنف –رحمه الله- في ص: 198 : " فإذا تعارض اللفظان على وجه لا يمكن الجمع بينهما، فإن علم التاريخ فيهما نسخ المتقدم بالمتأخر، وإن جهل ذلك، نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح ... فإن تعذر الترجيح في أحدهما ترك النظر فيهما، وعدل إلى سائر أدلة الشرع ".
[م] ليس المراد به التعارض الحقيقي الذي هو التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالة وعددا وثبوتا ومتحدتين محلا وزمانا، لأن الوحي منزه عن التعارض الحقيقي لقوله تعالى : "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" [النساء : 82] وقال تعالى مخبرا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم : "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" [النجم : 3، 4]، ولأن الله تعالى أمر بالرجوع –عند الاختلاف- إلى الكتاب والسنة ليرتفع الخلاف في قوله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" [النساء:59] فدل ذلك على عدم وجود التعارض الحقيقي، وإنما المراد به التعارض الظاهري الذي هو وهم يقوم في ذهن الناظر ولا وجود له في الواقع، ويزول هذا الوهم بمجرد إظهار التوفيق بين الدليلين وحصول الائتلاف بينهما من خلال الجمع، أو ببيان النسخ، أو إبراز الترجيح، وأسباب التعارض الظاهري(١٢) تعود في مجملها إما إلى قصور في إدراك الناظر إلى اختلاف الرواة من حيث الحفظ أو الأداء، وإما إلى دلالات الألفاظ من حيث العموم والخصوص، وإما إلى الجهل بالناسخ والمنسوخ، أو الجهل بتغاير الأحوال. وللعلماء مسالك في دفع التعارض الظاهري واختار المصنف مذهب جمهور العلماء في الجملة الذي رتب مسالكه على الوجه التالي :
أولا : الجمع بين الدليلين المتعارضين وفق شروط الجمع وهي : أن تثبت الحجية لكل واحد من المتعارضين وذلك بصحة سنده ومتنه، وأن يتساوى الدليلان المتعارضان في درجة واحدة من حيث القوة، وأن يكون التأويل صحيحا حتى يوافق الدليل الآخر، وأن يكون الموفق أهلا لذلك، وأن لا يؤدي الجمع بين المتعارضين إلى إبطال نص شرعي، أو الاصطدام معه، وإذا روعيت هذه الشروط أمكن الجمع وله أوجه منها : الجمع بين العمومين بالتنويع، وبين الخصوصين بالتبعيض، وبين العام والخاص بالتخصيص، وبين المطلق والمقيد بالتقييد، والجمع بحمل الأمر على الندب، والجمع بحمل النهي على الكراهة، والجمع بحمل اللفظ على المجاز، والجمع ببيان تغاير الحال أو المحل.
ثانيا : النسخ عند تعذر الجمع، وذلك بالبحث في تاريخ صدور كل من النصين المتعارضين، فإن علم تاريخ صدورهما وأن أحدهما متقدم والآخر متأخر عمل بالمتأخر الناسخ وأهمل المتقدم المنسوخ ولا يسعه العمل بالناسخ إلى عند توفر جملة من الشروط منها : أن يكون الناسخ خطابا شرعيا، وأن يكون الناسخ مساويا للمنسوخ في قوة ثبوته ودلالته، وأن يكون الناسخ ورد متراخيا عن المنسوخ وهذا لازم للرفع، وأن يكون المنسوخ حكما شرعيا لا عقليا ومؤبدا لا مؤقتا وأن يوجد تعارض بين الناسخ والمنسوخ. ومثل هذا النسخ إنما يثبت بالطرق الاحتمالية التي يمكن إجمالها في : تصريح الصحابي بالناسخ، وفي الإجماع على الناسخ، وفي حداثة الراوي، وفي تأخر إسلام الصحابي، وفي معرفة التاريخ، وفي موافقة البراءة الأصلية.
ثالثا : الترجيح عند تعذر الجمع على وجه مقبول، وتعذر الوقوف على المتقدم والمتأخر، ويسعى المجتهد في البحث في درجة النصين من حيث القوة، فإن ظهر له مرجح لأحدهما على الآخر إما من حيث ثبوته أو من حيث دلالته أو من حيثيات أخرى معتبرة شرعا، عمل بالراجح وأهمل المرجوح وفق شروط الترجيح وهي : استواء الدليلين المتعارضين في الحجية، وعدم إمكان الجمع بينهما، وعدم معرفة تاريخهما، وأن يكون المرجح به وصفا قائما بالدليل وأن لا يكون الدليلان متواترين، فإذا روعيت هذه الشروط أمكن الترجيح وله ثلاث جهات وهي :
الجهة الأولى الترجيح من جهة سند الحديث، وهذه الجهة تنقسم إلى وجوه الترجيح باعتبار حال الراوي، وإلى وجوه الترجيح باعتبار قوة السند في مجموعه.
أما الجهة الثانية وهي الترجيح من جهة المتن فتنقسم إلى : وجوه الترجيح باعتبار لفظ الدليل، وإلى وجوه الترجيح باعتبار دلالة الدليل، وإلى وجوه الترجيح باعتبار مدلول الدليل أو حكمه.
أما الجهة الثالثة وهي الترجيح بأمر خارجي، فتنقسم إلى ترجيح ما وافقه دليل آخر وإلى ترجيح ما عمل به واحتمل تأخره.
رابعا : التوقف عن العمل بأحد الدليلين أو التساقط إن تعذر دفع التعارض بالجمع والنسخ والترجيح ولم يذكر المصنف وغيره من القائلين بهذا المسلك معيار التوقف عن أحد الدليلين واختيار الآخر، والواجب في ذلك هو السعي الحثيث في طلب الدليل والاجتهاد في معرفة الحق، إذ لا تخلو مسألة عن دليل وبيان من الشرع، ويبقى القول بالتوقف أو التساقط في حقيقة الأمر ما هو إلى مجرد كلام نظري ليس له أثر عملي على الجانب الفقهي، وقد أوضح ابن خزيمة أنه لا يوجد حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متضادان إلا يمكن التوفيق بينهما، ولا يمكن أن يرد عن الشارع نصان متعارضان في موضوع واحد دون أن يكون أحدهما ناسخا أو راجحا(١٣)، ويؤيد هذا المعنى إمام الحرمين بقوله : " إن قول العلماء بالتوقف –إن تعذر الترجيح- إنما هو مجرد افتراض لا يمكن حدوثه"(١٤)، وورد عن الشاطبي ما يؤكد ذلك بقوله : " لا يوجد دليلان تعارضا بحيث أجمع العلماء على التوقف فيهما "(١٥).
هذا، والذي تجدر ملاحظته أن المصنف قدم مسلك الجمع مطلقا على النسخ والترجيح، والأولى تقديم النسخ الثابت بنص الشارع على بقية المسالك، لأنه إذا ثبت بالنص نسخ أحدهما فإن محاولة الجمع أو الترجيح بينهما هو إعطاء حجية لدليل انتهت حجيته فلا يصلح أن يعارض الدليل الناسخ، وإنما يقدم الجمع على النسخ إن كان ثابتا بالطرق الاحتمالية المتقدمة وليس بالنص. كما أن المصنف رتب مسلك التساقط ضمن مسالك دفع التعارض، والأولى إلغاؤه لأنه مجرد كلام نظري لا أثر له من الناحية العملية والواقعية في الفقه الإسلامي، وعليه يكون ترتيب المسالك كالآتي : النسخ بالنص ثم يليه الجمع ثم النسخ الاحتمالي ثم الترجيح.

* قال المصنف- رحمه الله- في ص 199 : ".. فإن تعذر في الشرع دليل حكم تلك الحادثة كان الناظر مخيرا في أن يأخذ بأي اللفظين شاء الحاضر أو المبيح، إذ ليس في العقل حظر ولا إباحة ".
[م] اختار المصنف مسلك التخيير في العمل بأي الدليلين شاء عند تعذر وجود دليل حكم تلك المسألة المبحوث عنها، وبهذا قال أبو بكر الباقالانى والغزالي والفخر الرازي والبيضاوي(١٦)، ولا يخفى أنّ القول بالتخيير جمع بين النقيضين وإطراح لكلا الدليلين وكلاهما باطل، ووجه الجمع بين النقيضين أنّ المباح نقيض المحرم، فإذا تعارض المبيح والمحرم، وخير بين كونه محرما يأثم بفعله وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله كان جمعا بينهما وذلك محال، ولأنّ في التخيير بين الموجب والمبيح رفعا للإيجاب فيصير إلى التخيير المطلق وهو حكم ثالث غير حكم الدليلين معا فيكون إطراحا لهما وتركا لموجبهما. وعليه فإن التخيير في الشرع لا ينكر لكن التخيير بين النقيضين ليس له في الشرع مجال وهو في نفسه محال.
هذا، ومرد خلافهم في مسألة الاختيار والتوقف مبني على مسألة التصويب والتخطئة في الاجتهاد، ومنشأ القول بالتصويب والتخطئة يعود إلى مسألة: هل لله تعالى في كل مسألة حكم معين قبل اجتهاد المجتهد أو ليس له حكم معين وإنما الحكم فيها هو ما وصل إليه المجتهد باجتهاده، وعليه فمن قال إن لله حكما معينا في كل واقعة قبل الاجتهاد وهو قول المخطئة قال: لا تعارض بين أدلة الشرع وعلى المجتهد إصابة الحكم فإذا أصابه فهو المصيب الذي يستحق أجرين، وإذا أخطأه بعد بذل الجهد فهو المخطيء الذي يستحق أجرا واحدا، فإن عجز عن الترجيح ولم يجد دليلا آخر فلا يجوز أن تبقى الأدلة متكافئة، في محل واحد، بل لابد أن يكون أحد المعنيين أرجح فيلزمه والحال هذه - نظرا لعجزه- التوقف وبه قال أكثر الأحناف وأكثر الشافعية(١٧)، وأنكر وقوعه إمام الحرمين والشاطبي وغيرهما كما تقدم، أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح وبه قال تقي الدين بن تيمية وحكاه الزركشي عن حكاية الجويني(١٨)، أو يتعين الأغلظ وهو الحظر وبه قال الأبهري وابن القصار والشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام(١٩)، أو تتعين الإباحة بناء على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، وبه قال القاضي عبد الوهاب المالكي، وابن حمدان الحنبلي(٢٠)، أمّا على قول المصوبة أنّ الحكم في مسألة هو ما وصل إليه المجتهد باجتهاده، فالحق- عندهم- ليس في جهة واحدة، إنما هو مطالب متعددة(٢١)، ويجوز أن تتكافأ الأدلة في محل واحد بحيث لا مزية لأحدهما على الآخر، وعليه يكون حكم الله التخيير، وقد تقدم القول بأنّ مسلك التوقف أو التساقط ما هو إلاّ مجرد كلام نظري ليس له أثر عملي في الفقه الإسلامي.

فصل
[في المخصصات المنفصلة للعموم]

* قال المصنف رحمه الله في ص 199: " يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وعليه جمهور الفقهاء، ويجوز تخصيص السنة بالقرآن، وتخصيص عموم القرآن وأخبار الآحاد بالقياس الجلي والخفي، لأنّ ذلك جمع بين دليلين ".
[م] والمصنف في هذا الفصل، والفصل الذي يليه تناول بالذكر بعض المخصصات المنفصلة، وضابط المخصص المنفصل هو: " أنّه يستقل بنفسه دون العام بأن لم يكن مرتبطا بكلام آخر، وهو لفظ أو غيره"(٢٢)، والمسائل التي ذكرها المصنف تصريحا وغيرها تعريضا كتخصيص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة المتواترة أو الآحاد، أو تخصيص عموم القرآن والسنة بالإجماع والقياس مطلقا وبالمفهوم، لا نزاع في جوازها عند الجمهور لوقوعها، والوقوع دليل الجواز، ولإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد من غير نكير، كتخصيص أبي بكر رضي الله عنه الآية في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء:11]، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنّا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"(٢٣)، كما خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾[النساء:24] بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها"(٢٤) ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] فإنّ عموم منطوق هذه الآية قد خصص بقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ [الطلاق:14] فهذه الآية تخصص الحامل من عموم عدة المطلقات بثلاثة قروء (حيض أو طهر على خلاف)، فإنّ عدتها بوضع الحمل، ولو بعد ساعة من طلاق أو بعد سنة منه. وأمّا تخصيص الكتاب بالسنة فمثل قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء:11] فهو عموم مخصص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم"(٢٥)، ومثل تخصيص السنة بالكتاب قول صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ "(٢٦) فهي مخصصة بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم
من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء:43 ]، ومثل تخصيص العموم بالإجماع قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾[المؤمنون:6،المعارج:30] فظاهر الآية يقضي بإباحة المملوكة سواء كانت أختا من الرضاع أو لم تكن، لكن الإجماع خصص الآية بتحريم المملوكة إذا كانت أختا من الرضاع. وأمّا تخصيص اللفظ العام بالقياس فمثل قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور:2] خصص منه العبد قياسا على الأمة المخصصة منه بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء:25].
وأمّا تخصيص العام بالمفهوم مطلقا فمثاله في مفهوم الموافقة تخصيص عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته"(٢٧) بمفهوم قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء:23] فإنّه يفهم منه منع حبس الوالد للدين، فلا يصح أن يحبس في دين ولده، ومثاله في مفهوم المخالفة تخصيص قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3] بمفهوم قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ [النساء:25] فإنه مفهوم يقتضي عدم جواز نكاح الأمة لمستطيع الطول فيخصص به العام.
هذا، والمصنف ذكر مذهب الجمهور في جواز تخصيص اللفظ العام بالقياس مطلقا سواء كان جليا أو خفيا، وهو الصحيح، خلافا لمن فرق بينهما في التخصيص، فجعل القياس الجلي يخصص العموم دون الخفي وهو مذهب ابن سريج والإصطخري من الشافعية(٢٨)، علما أنّ العلماء يختلفون في تفسير القياس الجلي والخفي على آراء متعددة حيث يرى البعض أنّ القياس الجلي هو قياس العلة والقياس الخفي هو قياس الشبه، ومنهم من يرى أنّ القياس الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه والخفي خلافه، وفسر آخرون الجلي بأنّه ما تبادرت علته إلى الفهم عند سماع الحكم والخفي بخلافه، وفي المسألة أقوال أخرى، ولكن مهما كان الاختلاف في تفسيرهما فلا يخرج القياس الخفي من أن يكون دليلا شرعيا حكمه حكم القياس الجلي فهما أشبه في تخصيص العموم بخبر المتواتر وخبر الواحد.
أمّا مذهب الجمهور في العرف والعادة فإنّه لا يخصص بها العموم، لأنّ أعراف الناس وعاداتهم لا تكون حجة على الشرع.

فصل
[ في بقية المخصصات المنفصلة للعموم]

* قال المصنف رحمه الله في ص 202: "وقد يقع التخصيص أيضا بمعان في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإقراره على الحكم وما جرى مجرى ذلك".
[م] ويجوز تخصيص العموم بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مذهب جمهور أهل العلم ونفاه بعضهم كالكرخي وفصل آخرون كالآمدي والشوكاني وغيرهما وتوقف غيرهم، كما يجوز تخصيص العام بإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مذهب الجمهور أيضا، وهو الصحيح(٢٩)، لأنّ إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فعل وسكوته عن الإنكار دليل على جواز الفعل، والإقرار - وإن كان لا صيغة له- إلا أنّه حجة في الجواز لعصمته صلى الله عليه وآله وسلم ونفي الخطأ عنه، فتظهر قوة حجيته من هذا الجانب بخلاف العام فمحتمل للتخصيص والأقوى مقدم، ومن أمثلة تخصيص العام بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: "﴿ولا تقربوهنّ حتى يطهرن﴾ [البقرة: 222] فإنّ هذا العموم خصص بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه كان يأمر بعض أزواجه أن تشدّ إزارها ثمّ يباشرها وهي حائض"(٣٠)، أمّا تخصيص اللفظ العام بإقراره صلى الله عليه وآله وسلم فمثاله عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس"(٣١)، وقد خصص بجواز قضاء الراتبة بعد الصبح بما روى قيس بن قهد قال: " رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: " ما هاتان الركعتان يا قيس؟" فقلت: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الركعتان، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم"(٣٢).

* ثمّ قال المصنف رحمه الله بعد ذلك في ص 203: " ولا يقع التخصيص بمذهب الراوي، وذلك مثل ما روى ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا "(٣٣)، وقال ابن عمر: التفرق بالأبدان ".
[م] اختلف أهل العلم في المراد بالراوي، هل هو مخصوص بالصحابي أم هو أعم من ذلك ويشمل غيره؟ مع اتفاقهم على عدم حجية قول غير الصحابي، فذهب القرافي وغيره إلى أنّ المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيا، وذهب فريق آخر إلى أنّه يشمل التابعي أيضا لأنّه لا يكاد يأتي شيء عن التابعين إلاّ وهو مأخوذ عن الصحابة، ويرى فريق ثالث أنّ الأمر أعمّ من تخصيصه بالصحابي أو التابعي، لأنّ مخالفته إنّما تصدر عن دليل، وكلّ ما في الأمر أن من ليس بصحابي فمخالفته أضعف، والأولى قصره على الصحابي، لأنّ مخالفة مذهبه لما رواه يحتمل الدلالة على اطلاعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قرائن حالية تفيد اختصاصه بها، ولأنّه يحسن في الصحابي دون غيره أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم، خلافا لغير الصحابي فإنّ مخالفته مبنية على ظنه واجتهاده(٣٤).
أمّا مسألة تخصيص العموم بمذهب الصحابي فإنّما يجوز التخصيص به إذا كان له حكم الرفع وذلك فيما لا مجال للرأي فيه، أمّا ما عدا ذلك فإنّ مذهب الصحابي لا يخصص به العموم وهو مذهب جمهور أهل العلم، وبه قال الشافعي في الجديد خلافا للحنفية وبعض الحنابلة وجماعة من الفقهاء(٣٥) ويشهد لمثل لمذهب الجمهور واقع الصحابة رضي الله عنهم حيث كان الواحد منهم يترك قوله ومذهبه إذا سمع العموم من كتاب أو سنة، وما نقل عن أحد منهم أنّه خصص عموما بقول نفسه، وهذا يدلّ على أنّه لا يخصص به العموم لضعفه عن العموم، أي أنّه يقدم المرفوع على الموقوف ولا يخصص به، ومثاله: رجوع ابن عمر رضي الله عنهما إلى خبر رافع بن خديج رضي الله عنه في المخابرة(٣٦) حيث قال: " كنّا نخابر ولا نرى بذلك بأسا، حتى أخبرنا رافع بن خديج أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها، فتركناها من أجل قول رافع"(٣٧).
ورجعت الصحابة إلى حديث عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين(٣٨)، ورجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن عدم أخذه جزية المجوس حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها من مجوس هجر(٣٩)، وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
وهذه المسألة مبنية على حجية قول الصحابي، فمن اعتبره حجة خصص به العموم، ومن لم يعده كذلك منع التخصيص به، ومن اعتبر حجيته إذا وافق القياس قال بتخصيص العموم به وهو في حقيقة الأمر تخصيص العموم بالقياس، ومن اشترط انتشار مذهبه بحيث لا يوجد له مخالف كان حجة وإجماعا قال بالتخصيص وهو في واقع الأمر تخصيص بالإجماع ويبقى الاختلاف ظاهرا في تحقق وقوع هذا الشرط من عدمه(٤٠).
وقول المصنف أنّ ابن عمر رضي الله عنهما قال: " التفرق بالأبدان " فالمنقول عنه رضي الله عنهما بيانه للتفرق بفعله المفسر لحديث خيار المجلس، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان إذا بايع رجلا، فأراد أن يقيله قام فمشى هنيهة ثمّ رجع إليه(٤١)، وأنّه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه(٤٢)، وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا إذا تبايعنا كل منا بالخيار ما لم يتفرق المتبايعان، قال: فتبايعت أنا وعثمان، فبعته مالي في الوادي بمال له بخيبر، قال: فلمّا بعته طفقت أنكص القهقري خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه(٤٣).
وثبوت خيار المجلس هو الصحيح من قولي العلماء وبه قال الصحابة وجمهور التابعين وهو مذهب الشافعي وأحمد وأكثر المجتهدين وسائر المحدثين، خلافا لأبي حنيفة ومالك وجمهور أصحابهما الذين منعوا خيار المجلس وفسروا التفرق في الحديث أنه التفرق بالأقوال - وهذه المسألة بينتها مفصلة في كتابي "مختارات من نصوص حديثية"(٤٤)، غير أنّ الذي يشكل من فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان ينكص القهقري خشية أن يراد من المتعاقد ليثبت له البيع مع أنّ هذا الفعل ورد النهي عنه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلاّ أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله"(٤٥) ولدفع هذا الإشكال يمكن حمله على أنّه لم يبلغه خبر النهي. والله أعلم.

* وقوله - رحمه الله- بعدها في ص:204: " فذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي إلى أنّه يقع التخصيص بذلك ".
[م] والقول بتخصيص العموم بقول الصحابي ومذهبه هو أيضا مذهب الحنفية والحنابلة وهو قول الشافعي في القديم وابن حزم، ودليل هذا المذهب مبني على القول بحجية مذهب الصحابي وتقديم مذهبه على القياس، وإذا جاز تخصيص العموم بالقياس فإنّ الأمر يقتضي تخصيص العموم بمذهب الصحابي من باب أولى لتقدمه على القياس.
ولا يخفى أنّ مذهب الصحابي يكون حجة فيما إذا كان له حكم الرفع، أو كان حجة وإجماعا، أو وافقه قياس صحيح- كما تقدم- وقد يكون حجة إذا لم يعارض مذهبه نصا من كتاب أو سنة، أمّا إذا عارض أحدهما أو كليهما فلا حجة فيه، وقياسه على القياس فاسد للفرق بينهما، لأنّ القياس ثابت استنادا إلى أصل ثابت بكتاب أو سنة فجاز تخصيصه للدليل المعتمد عليه، أمّا مذهب الصحابي فلا يعلم مستنده لذلك عدل عنه إلى العمل بما علم وهو العموم.
هذا، والخلاف في هذه المسألة معنوي ومن آثاره: مسألة قتل المرأة إذا ارتدت فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:"من بدّل دينه فاقتلوه"(٤٦) فإنّ الحديث بعمومه يقتضي قتلها، لكن راويه وهو ابن عباس رضي الله عنهما يرى أنّ المرأة لا تقتل إذا ارتدت، بل تحبس كما يقوله أبو حنيفة فهل يخصص عموم الحديث بمذهب الصحابي أم لا؟(٤٧). وهذه المسألة تبنى على هذا الأصل الذي له جملة من التطبيقات الفرعية.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
08-07-19 ||, 02:06 PM
مشكوووور يا شيخنا ....
وحتى لايكون ردي باهتا:) أقول من باب الفائدة ...:

إن المذهب المالكي كان مذهب فروع محض غير معني بالأصول إلا القليل الناذر ولذلك كان عصر المرابطين عصر ازهار ونفوق كتب الفروع وانتشارها بل قال المؤرخون إن كتب السنن وغيرها أهملت في هذه الفترة...ولذلك لا تكاد تجد مؤلفا في الأصول المالكي في تلك الفترة إلا كتب الإمام الفحل الفقيه المحدث أبو الوليد الباجي والسبب في ذلك أنه درس في العراق وتأثر بالجو الدائر هناك ...ولذلك يعتبر الباجي فقيها على الطريقة البغدادبة المتأثرة بأسلوب أهل الرأي ...ثم جاء عصر النهضة ...عصر التنوير ...عصر الدولة الموحدية على مؤسسها ما يستحق وعلى خلفائه رحمة الله ورضوانه وخاصة أمير المسلمين ( هم يقولون أمير المؤمنين لكنها لاتجوز) الملك المظفر ناصر الإسلام قاهر قشتالة وليون أبو يعقوب المنصور الموحدي رحمة الله عليه ....فبدأ المذهب المالكي يفيق من سباته لما أحس ان مذهب سادتنا أهل الظاهر بدا يزاحمه بل ويهدد كيانه ..خاصة وأن المنصور كان يدعم هذا المذهب بل وأحرق كتب الرأي والفروع كلها وأسس مدارس لطلبة الحديث...آنذاك فقط بدا المالكية يهتمون بفقه الدليل وكتب الأصول فنرى : بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد وتلخيص المستصفى لابن رشد وكتب ابن قطان الفاسي ( يقال إنه كان ظاهريا )
وغيره ...ولقد كنت مرة في مكتبة جامعة ابن طفيل فوقع نظري على كتاب في مسالة فقهية فتصفحته فإذا بلهجة اهل الظاهر طافحة والإنكار على المقلدة لائح بين .... مع أن المؤلف مغربي ومالكي فتعجبت...فلما بحثت عن ترجمته وجدت أنه عاش في عصر الموحدين ...آنذاك فقط زال العجب ...

أبو حزم فيصل بن المبارك
08-08-06 ||, 01:47 PM
فصل

[في اللفظ العام الوارد ابتداء]


* قال المصنف رحمه الله في ص 206: "... فأما المستقل بنفسه فمثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن بئر بضاعة، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"(١)، فمثل هذا اللفظ العام اختلف أصحابنا فيه، فروي عن مالك رحمه الله أنه يقصر على سببه ولا يحمل على عمومه، وروي عنه أيضا أنه يحمل على عمومه ولا يقصر على سببه، وإليه ذهب إسماعيل القاضي وأكثر أصحابنا".



[م] مذهب الجمهور أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به بل يكون عاما لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره، أي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وخالف في ذلك مالك وأحمد في رواية عنهما والمزني وأبو ثور والقفال والدقاق والأشعري ورأوا أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وفصل في المسألة فريق ثالث، وتوقف آخرون.

ويكفي لصحة مذهب الجمهور قوة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآية الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان نزلت في عويمر العجلاني وزوجته، وآية القدف نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، وآية السرقة نزلت فيمن سرق رداء صفوان بن أمية وكذلك المواريث وغيرها.

ومما هو نص في محل النزاع قصة الأنصاري الذي قبل امرأة أجنبية فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، ونزل فيه قوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين" [هود: 114] قال الرجل: ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي"(٢) وفي رواية قال: "بل للناس كافة"(٣) ومعناه أن العبرة بعموم لفظ "إن الحسنات يذهبن السيئات" لا بخصوص السبب.

ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طرق عليا وفاطمة رضي الله عنهما فقال: "ألا تصليان"؟ فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله: "إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا" فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" [الكهف: 54](٤) فجعل عليا داخلا في عموم الآية مع أن سبب نزولها في الكفار الذين أكثروا الجدل والخصومة والمراء لإدحاض الحق الذي بينه الله في القرآن الكريم، ففي الآية دليل على عموم الآية وشمولها لكل خصام وجدل، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(٥).

هذا، والمعتبر في هذه المسألة إذا لم توجد قرينة على التخصيص ولا على التعميم إلا اللفظ نفسه، والخلاف فيها -على الجملة(٦)- لفظي لاتفاق العلماء على تعميم أحكام اللعان والظهار والسرقة وغيرها مما نزلت بسبب حوادث خاصة، غاية ما في الأمر أن مذهب الجمهور يرى ثبوت تلك الأحكام المشابهة لتلك الحوادث عن طريق اللفظ والنص، بينما عند من يقصر اللفظ على السبب ولا يحمل على عمومه يلحق تلك الأحكام المشابهة للأصل بالقياس، والفرق يبن الطريقتين يظهر من حيث النسخ والتعارض، أما من حيث النسخ فإن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ وينسخ به، بخلاف الحكم الثابت عن طريقة القياس فلا يقبل النسخ. أما من حيث التعارض فالحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم الثابت عن طريق القياس.

* قال المصنف في ص 208: "وأما ما لا يستقل بنفسه، فمثل ما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذا"، فمثل هذا الجواب يقصر على سببه، ويعتبر به في خصوصه وعمومه، ولا اختلاف في ذلك نعلمه"(٧).

[م] لا خلاف بين العلماء في تبعية الجواب غير المستقل بالسؤال أو الحادثة في عمومه اتفاقا، وأما الاعتبار به في خصوصه فقيل: إنه لا نزاع في ذلك، والصواب أنه محل خلاف، ويتبع السؤال في خصوصه في أحد قولي العلماء وهو المختار عند الجمهور(٨).




باب أحكام الاستثناء

[في الاستثناء من غير الجنس]


* قال المصنف رحمه الله في ص 210: "الاستثناء وهو على ضربين: استثناء يقع به التخصيص، واستثناء لا يقع به التخصيص، فأما الاستثناء الذي يقع به التخصيص فعلى ثلاثة أضرب: استثناء من الجنس، واستثناء من غير الجنس، واستثناء من الجملة... وأما الاستثناء من غير الجنس فلا يقع به التخصيص"

[م] الاستثناء هو قول متصل يدل بحرف "إلا" أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول، والفرق بين الاستثناء والتخصيص المنفصل أن الأول يشترط فيه الاتصال فلا يجوز أن يقول "رأيت الناس" ثم بعد زمن يستثني زيدا، بينما التخصيص المنفصل يجوز أن يكون متصلا ومتراخيا، والتخصيص المنفصل يصح في الظاهر –وهو العام فقط- فلا يجوز في النص بخلاف الاستثناء فإنه يتناول الظاهر والنص فيجوز أن تقول: "لي عليه عشرة دنانير إلا ثلاثة".

هذا، والمصنف في هذا الباب قسم الاستثناء إلى ضربين: ما يقع به التخصيص، وما لا يقع به التخصيص غير أن الظاهر من نص المصنف إقحامه للقسم الثاني الذي لا يقع به التخصيص -وهو الاستثناء من غير الجنس- في أضرب القسم الأول الذي يقع به التخصيص، ولعل المصنف أدرج اختياره المتمثل في جواز التخصيص بالاستثناء من غير الجنس ضمن أضرب القسم الأول، واستبقى القسم الثاني الذي هو مذهب الجمهور في عدم وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس، وقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة وأنه يصح الاستثناء به، وأما الاستثناء من غير الجنس فاختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يجوز استثناء به خلافا لمذهب المصنف وبه قال الباقلاني وذكر الفخر الرازي أنه ظاهر كلام النحويين(٩)، لأنه لا يخرج من الجملة بعض ما تناولته مثل قولك: "رأيت الناس إلا حمارا" لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا جاءت مثل هذه الصيغ والجمل حملت على المجاز لا على الحقيقة، وهو مذهب الجمهور –كما تقدم- وبه قال محمد بن خويز منداد كما صرح به المصنف وهو قول الشيرازي شيخ المصنف والغزالي والسرخسي والبيضاوي وغيرهم، ومن أدلتهم أن المستثنى من الجنس شاع استعماله حتى أصبح المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، والتبادر أمارة الحقيقة وما ورد على خلافها فهو المجاز، كما أنه لا يوجد معنى في استثناء من غير الجنس، لأن الاستثناء إخراج، ولا إخراج فيه إذ الإخراج فرع الدخول، ولا دخول للمستثنى تحت لفظ المستثنى منه في غير الجنس، لأنه ليس من جنسه، واللفظ لا يدل على ما ليس من جنسه، فتسميته استثناء مع أنه لا إخراج فيه لا تكون حقيقة وإنما مجاز، ولأن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة، إذ قد يكون معيبا استعماله عند العقلاء، فلو قال: "رأيت الحجاج إلا الكلاب" لكان مستهجنا أو قال: "رأيت العلماء إلا الحمير" لكان معيبا ومستهجنا، وما كان كذلك فلا يجوز أن يضاف إلى أهل اللغة على وجه الحقيقة(١٠).



* قال الباجي -رحمه الله- في ص: 211، عند معرض الاستدلال على اختياره بجواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس: "ودليلنا قوله تعالى: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ" [النساء: 92] والخطأ لا يقال فيه للمؤمن أن يفعله، ولا ليس له أن يفعله، لأنه ليس بداخل تحت التكليف، وقد قال النابغة: " .... وما بالربع من أحد إلا أواري ...".

[م] قد لا يسلم المخالف أن في الآية وقول النابغة دليلا على جواز وقوع التخصيص بالاستثناء من غير الجنس، لأن الآية لا يوجد فيها استثناء لكون " إلا " فيها للاستدراك، وهو استثناء منقطع ليس من الأول وهو الذي يكون فيه " إلا " بمعنى "لكن"، والتقدير: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة لكن إن قتله خطأ فعليه الكفارة والدية. وإذا سلم مجيئه متصلا فعلى التقديرين كليهما ليس فيه حجة على وقوع التخصيص به، ويظهر التقدير الأول في العبارة التالية: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه إلا أن يكون خطأ فلا يقتص منه ولكن فيه الكفارة والدية "، والتقدير الثاني أن يقدر"كان" بمعنى "وجد" أو "استقر" فكأنه قال: " وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحيانا "(١١).

أما محل الشاهد عند المصنف من إيراد بيتي النابغة هو استثناء "أواري" من "أحد" على أنه استثناء من غير الجنس، فأجيب لا يسلم أنه استثناء من غير الجنس من ناحيتين:

- الأولى: إن " الأواري" مستثنى من جنس المستثنى منه، لأن "أحد" يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.

- الثانية: أنه قد جرت عادة العرب في كلامهم أن يجعلوا الشيء من جنس غير جنسه توسعا كما في قول أبي ذؤيب الهذلي:

فإن تمس في غارٍ برَهْوَةٍ ثَاوِياً أنيسُك أَصْدَاءُ القُبُورِ تَصِيحُ(١٢).

فقد جعل أصداء القبور أنيسا، وليست في الأصل من جنس الأنيس إلاّ من باب التوسع، وقد يحصل وأن يكون من جنسه لأن الأبنية والأحجار والأشجار فضلا عن الحيوان يحصل معه الأنس كالآدمي.

وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا حلف إنسان أنه لا يستثني، أو قال لزوجته: "إن استثنيت فأنت طالق" ثمّ يستثني منقطعا، فإنه يحنث عند من يسمي الاستثناء المنقطع استثناء، ولا يحنث عند من لا يسميه كذلك(١٣)، ولو قال المقر: "علي ألف درهم إلا ثوبا" فإنه لا يجوز التخصيص به عند من لا يسمي الاستثناء المنقطع استثناء، ويجوز عند الفريق الثاني، وله أن يبين قيمة الثوب ليعلم مقداره المستثنى(١٤). هذا، أما من يرى أن الاستثناء من غير الجنس حقيقة أو مجاز أو موقوف فهو مجرد اصطلاح واختلاف لفظي لا أثر له في الفروع لاتفاقهم على تسميته استثناء(١٥).




فصل

[في رجوع الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو]

* قال المصنف -رحمه الله- في ص 212: "الاستثناء المتصل بجمل من الكلام معطوف بعضها على بعض يجب رجوعه إلى جميعها عند جماعة أصحابنا، وقال القاضي أبو بكر فيه بمذهب الوقف، وقال المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة: "يرجع إلى أقرب مذكور إليه".

[م] محل النزاع في هذه المسألة واقع فيما إذا لم تكن قرينة تدل على إرادة الجميع أو إرادة إحدى الجمل سواء كانت متقدمة أو متأخرة، من نفس اللفظ أو من خارجه، فإن وجدت القرينة وجب المصير إلى ما تدل عليه والعمل بما تقتضيه، ومن أمثلة رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل اتفاقا قوله تعالى: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ..." إلى قوله تعالى: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا" [الفرقان: 68-69-70] ومن ذلك قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا..." إلى قوله تعالى: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعملوا أن الله غفور رحيم " [ المائدة: 33-34 ] ومن أمثلة ما يمنع فيه مانع أو قرينة من إرادة الجميع والحكم فيه للمانع أو للقرينة الدالة على المراد قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا" [النساء: 92 ] فحق الله المتمثل في تحرير الرقبة مانع من عود الاستثناء إليه لأنه لا يسقط بإسقاطهم للدية، وعليه فالاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة، وقد يعود إلى الجملة الأولى بقرينة مثل قوله تعالى: " فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده " [البقرة: 249 ] ومعناه: أن من شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولا يكون المعنى صحيحا إذا رجع إلى الجملة الأخيرة وهي: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده.

ويخرج أيضا من محل النزاع الاستثناء الوارد بعد جمل منسوقة بأنواع العطف كالفاء، و"ثم" فإن الاستثناء يختص بالأخيرة لاقتضائهما الترتيب سواء كان على الفور أو على التراخي بخلاف "الواو" فيقضي الجمع والاشتراك، لذلك اتفق العلماء على أن الاستثناء إذا ورد بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى الجملة الأخيرة وفي رجوعه إلى ما قبلها خلاف(١٦).

وفضلا عما ذكر المصنف من خلاف في هذه المسألة من أن جمهور المالكية والشافعية والحنابلة يذهبون إلى أن الاستثناء إذا تعقب جملا بالواو يرجع إلى جميعها خلافا لأصحاب أبي حنيفة فإنه يرجع عندهم إلى أقرب مذكور إليه، وقال القاضي الباقلاني بالوقف وتبعه الغزالي والشريف المرتضي من الشيعة إلا أن هذا الأخير توقف للاشتراك، ففضلا عن هذا، فقد ذهب آخرون إلى التفصيل، فمنهم من يرى أنه إذا تبين الإضراب عن الأولى فللآخرة وإلا للجميع، وهو مذهب عبد الجبار وأبي الحسين من المعتزلة، ويرى آخرون أنه إذا ظهر أن الواو للابتداء رجع للجملة الأخيرة، وإن ظهر أنها عاطفة فالواجب الوقف وهو مذهب الآمدي، وقال غيرهم: إن القيد الواقع بعد الجمل إذا لم يمنع مانع من عوده إلى جميعها لا من نفس اللفظ ولا من خارج عنه فهو عائد إلى جميعها، وإن منع مانع فله حكمه، والظاهر أن مذهب الجمهور في هذه المسألة أصح لاتفاق أهل اللغة أن تكرار الاستثناء عقب كل جملة تلزمه الركاكة في الاستعمال، والركاكة قبح يتخلص منه كلام العرب، ولأن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليست جملة أولى من أختها فوجب اشتراكهم في عود الاستثناء إلى الجميع(١٧).

ويتفرع عن هذه المسألة اختلافهم في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة من مقتضى آية القذف الواردة في نص المصنف فهل تقبل ؟ مع ما نقل من اتفاقهم على أن المحدود في القذف إن تاب لم يسقط عنه الحد(١٨)، وزال عنه الفسق، ولكنهم اختلفوا في قبول شهادته، وما عليه الجمهور قبولها(١٩)، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، والحنفية تخصه بالأخيرة، ويبقى قوله تعالى: "ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا" [النور: 4] على عمومه(٢٠).

ومما يتفرع عنها أيضا اختلافهم في اشتراط الإذن في الإمامة في الصلاة في قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يَؤُمَنَّ الرّجُلُ الرّجلَ في سلطانه، ولا يَقْعُدُ في بيته على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه"(٢١)، ورجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة متفق عليه، فلا يجوز له الجلوس على تكرمته إلا بإذنه، ومن رأى رجوع الاستثناء إلى الجميع قال: باشتراط الاستئذان في الإمامة بالصلاة، ومن رأى رجوعه إلى الجملة الأخيرة لم يشترط الإذن(٢٢).


باب حكم المطلق والمقيد وما يتصل بالخاص والعام



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 215: "التقييد يقع بثلاثة أشياء: الغاية، والشرط، والصفة".

[م] لم يتعرض المصنف للمطلق والمقيد بالتعريف اكتفاءا بما هو وارد في كتابه "الحدود" حيث عرف فيه المطلق بأنه: " اللفظ الواقع على صفات لم يقيد ببعضها"(٢٣)، وعرف المقيد بأنه: "اللفظ الواقع على صفات قد قيد ببعضها(٢٤)، ولا يخفى أن هذا التعريف لا يمنع دخول ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، وأسماء الأعلام، والعام المستغرق، والمشترك، والأولى تعريفه في الاصطلاح بأنه: "هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه" فيخرج من "المتناول لواحد" اللفظ غير المفيد وألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد، ويخرج من "لا بعينه" أسماء الأعلام، وما مدلوله واحد، والعام المستغرق، ويخرج من " باعتبار حقيقة شاملة لجنسه" المشترك، والواجب المخير، فإن كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة، ومثاله: "اعتق رقبة" فإن هذا الأمر تناول واحدا من الرقاب غير معين، ومدلوله شائع في جنسه، وأما المقيد فهو: "المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه"، ومثاله: "اعتق رقبة مؤمنة" فهذا المثال دال على غير المعين لكنه موصوف بوصف زائد على مدلوله المطلق، وقد يتناول اللفظ معينا أو دالا على مدلول معين، مثل: "أكرم زيدا".

هذا، ومحل الإطلاق والتقييد الأمر، مثل أن يقول: "أكرم طالبا" أو المصدر كقوله تعالى: " فتحرير رقبة" [المجادلة: 3]، وجدير بالتنبيه أن الإطلاق لا يكون في النهي والنفي، فهذا إنما يدل على باب العموم، كما لا يحصل الإطلاق في الخبر المتعلق بالماضي، كقولك "أكرمت طالبا" لتعينه بضرورة إسناد الإكرام إلى الطالب، وإنما يكون في الخبر المتعلق بالمستقبل كقولك: "سأكرم طالبا" ولك أن تقيده بالنجابة والتفوق.

والمصنف في هذا الباب اقتصر على ذكر المقيدات المتصلة(٢٥) ولم يعرج على المقيدات المنفصلة، والمعلوم أن كل مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة تصدق على المطلق والمقيد، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، والكتاب بالسنة، وتقييد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفهوم، والغاية، والشرط، والسبب.



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 216: "...فإن كانا من جنسين، فالمشهور من قول العلماء أنه لا يحمل المطلق على المقيد، لأن تقييد الشهادة بالعدالة لا يقتضي تقييد رقبة العتق بالإيمان".

[م] إذا كان المطلق والمقيد من جنسين فلا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا، لأنه لا يوجد مناسبة بينهما، ولا يعلق أحدهما بالآخر أصلا، فمتعلق حكم المطلق مغاير لمتعلق حكم المقيد على نحو ما مثل به المصنف من عدم اقتضاء تقييد الشهادة بالعدالة تقييد الرقبة بالإيمان لانعدام المناسبة بينهما.

هذا ويجدر التنبيه إلى أن صورة حمل المطلق على المقيد أن يكون المطلق في كلام مستقل ويأتي المقيد في كلام آخر مستقل، وليس من قبيل هذه المسألة اجتماع المطلق والمقيد في كلام واحد إذ لا نزاع في هذه الصورة.



* قال المصنف -رحمه الله- في ص 217: " فإن تعلقا بسببين مختلفين نحو أن يقيد الرقبة في القتل بالإيمان، ويطلقها في الظهار، فإنه لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا إلا بدليل يقتضي ذلك، وقال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: يحمل المطلق على المقيد من جهة وضع اللغة".

[م] المثال الذي أورده المصنف يظهر في اتحاد الحكم مع اختلاف السبب في قوله تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا" [المجادلة: 3] فالرقبة وردت مطلقة عن تقييد، وفي قوله تعالى: ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة" [النساء: 92] فالرقبة وردت مقيدة بالإيمان، فالحكم في الصورتين واحد وهو تحرير رقبة، والسبب مختلف، فالسبب في الأولى الظهار وفي الثانية قتل الخطأ.

ونقل عن الشافعي رحمه الله حمل المطلق على المقيد في هذه المسألة لكن أصحابه يختلفون في تأويله، فمنهم من يرى أنه يحمل على ذلك من غير ما حاجة إلى دليل آخر، لأن تقييد أحدهما يوجب تقيد الآخر لفظا، وجمهور أصحابه يرون حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة تقتضي تقييده وبهذا قال أكثر المالكية كما صرح بذلك المصنف وهو أظهر الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو الصحيح خلافا لمن أثبته من جهة الوضع أو من يذهب إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا وعليه أكثر الحنفية، لأن العموم إذا جاز تخصيصه بالقياس فيجوز تقييد المطلق بالقياس أيضا، والجامع صيانة القياس عن الإلغاء.

ولأن دلالة العام على أفراده لفظية، ودلالة المطلق على أفراده غير لفظية بل معنوية، وإذا كانت الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية فمعنى ذلك أنه متى جاز تخصيص العام بالقياس فيجوز تقييد المطلق به من باب أولى(٢٦)، والخلاف في هذه المسألة معنوي، فعند من يحمل المطلق على المقيد سواء بالقياس أو من جهة الوضع اللغوي يوجب الإيمان في الرقبة المعتوقة بخلاف من يمنع حمل المطلق على المقيد فإنه في الظهار يعمل بالإطلاق الوارد فيه فتجوز الرقبة المؤمنة والكافرة، وفي القتل لا تجوز إلا المؤمنة عملا بالتقييد الوارد فيها.



* قال المصنف رحمه الله بعده في ص 221: "وأما إذا كانا متعلقين بسبب واحد مثل أن ترد الزكاة في موضع واحد مقيدة بالسوم، وترد في موضع آخر مطلقة فإنه لا يجب عند أكثر أصحابنا -أيضا- حمل المطلق على المقيد، ومن أصحابنا من أوجب ذلك، وهو من باب دليل الخطاب".

[م] إذا كان متعلق الحكم المطلق والمقيد واحدا والسبب واحدا، وكل منهما أمرا مثل المسألة التي أوردها المصنف، فالصحيح أنه يحمل المطلق على المقيد، لأن العمل بالمقيد عمل بالدليلين، والجمع بين الدليلين أولى من إهمال أحدهما وترك الآخر، أما إذا كان متعلقهما واحدا والسبب واحدا، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول: "لا تعتق رقبة" ثم يقول: "لا تعتق رقبة كافرة" فهذه المسألة ترجع إلى حجية المفهوم، فمن رأى حجيته قال: يخصص به عموم النهي، ومن منع حجية المفهوم منع التخصيص واستبقى العموم، أما إذا كان متعلق المطلق والمقيد واحدا والسبب واحدا ويكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده سواء كان المطلق أمرا والآخر نهيا أو بالعكس مثل أن يكون المطلق نهيا كقوله: "لا تعتق رقبة" والمقيد أمرا كقوله: "اعتق رقبة مؤمنة" أو العكس أن يكون المطلق أمرا كقوله: " اعتق رقبة " والمقيد نهيا كقوله: " لا تعتق رقبة كافرة ".

فضابط حمل المطلق على المقيد يتجسد في الاتفاق في الحكم دون اختلافه مهما اتحد السبب أو اختلف، لأن في اتحاد الحكم قوة صلة بين الكلامين، ويزيد قوة وتقاربا إذا ما اتحد السبب فيهما، ومثال اتحاد الحكم مع اتحاد السبب قوله تعالى: "وذكر اسم ربه فصلى" [الأعلى: 15] أطلق فيه الذكر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير"(٢٧) قيد الذكر بالتكبير، فالسبب في الصورتين واحد وهو إرادة الدخول في الصلاة، والحكم واحد وهو ما يفتتح به من الذكر، وقد تقدم تمثيل المصنف لاتحاد الحكم مع اختلاف السبب، أما مع اتحاد الحكم واختلاف السبب فالأحوط حمله عليه.

وأما إذا اختلف الحكم سواء كان المطلق والمقيد مثبتين أو منفيين أو مختلفين اتحد سببهما أو اختلف فلا يحمل المطلق على المقيد، وقد نقل الآمدي الإجماع على منع حمل المطلق على المقيد إذا اختلف الحكم والسبب مثل الإطلاق في آية السرقة فسببها السرقة والحكم القطع، وآية الوضوء فالحكم فيها طلب الغسل والسبب فيها إرادة الصلاة، ومثال في اتحاد السبب واختلاف الحكم: صيام شهرين متتابعين في الظهار قيدت بالتتابع، وإطعام ستين مسكينا وردت مطلقة فالحكم مختلف مع اتحاد السبب وهو الظهار(٢٨).

هذا، ويجدر التنبيه إلى وجوب اعتبار المقيَّد إذا كان قائمًا على دليلٍ صحيحٍ، ولا يُشترط مساواتُه في القُوَّة مع المطلق؛ لأنَّ المقيَّد بيانٌ للمطلق، ولا يُشترط في البيان أن يكون في درجة المبيَّن أو أقوى منه، وإنما يكفي أن يكون البيان صحيحًا، كما يجب اعتباره إذا خلا من قرينة أو دليلٍ يمنع حملَ المطلق عليه، كما يمتنع حملُ المطلق على المقيَّد إذا ورد قيدان متضادَّان واتحد السبب والحكم في الإطلاق وفي القيدين، فإنّ المطلق يبقى على إطلاقه، ويتساقط القيدان لعدم الأولوية بينهما في الإلحاق، مثل قولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا: إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»(٢٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: (1/274)، مسلم: (3/182)، والنسائي: (1/52)، وابن ماجه: (1/130)، وأحمد في مسنده: (2/245، 260)، ومالك في «الموطأ»: (1/55)، والشافعي في «مسنده»: (7)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.)، وفي رواية مقيَّدة ﺑ: «أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ» وفي أخرى: «آخِرُهُنَّ بِالتُّرَابِ».

أمّا إذا اختلف السبب دون الحكم، وورد القيدان المتضدَّان على المطلق، وأمكن الترجيح، فإنَّ المطلق يحمل على أقوى القيدين وأرجحهما شبهًا، مثل إطلاق صوم كفَّارة اليمين في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، من غير اشتراط التتابع الثابت في صيام الظِّهار في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ولا التفريق الثابت في صيام التمتّع في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، فإنه يحمل على قيد الظِّهار لكونه أقرب إلى اليمين من التمتع؛ ولأنّ كلاًّ منهما كفارة، فضلاً عن تأييد التتابع بالقراءة الشاذَّة لابن مسعود رضي الله عنه.

أمّا إذا تعذَّر الترجيح في حمل أحدهما على الآخر فإنه يبقى على إطلاقه، كإطلاق صوم قضاء رمضان في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184، 185]، عن تقييد صوم التتابع في الظهار والتفريق في صوم التمتع(٣٠- «الفتح المأمول» للمؤلف: (132 – 133)، وانظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (6/545-548).).



"يتبع..."



--------------------------------------------------------------------------------

١- حديث صحيح مخرج على هامش "الإشارة": 206.

٢- أخرجه البخاري: 8/355 ومسلم: 17/79 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

٣- أخرجه مسلم: 17/80 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

٤- أخرجه البخاري: 8/407 ومسلم: 6/64 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

٥- مذكرة الشنقيطي: 209، وانظر تفصيل المذاهب في مسألة العام المستقل على سبب خاص بسؤال أو بغيره وأدلتهم في المصادر المثبتة على الأصل ص: 208.

٦- من فروع هذه المسألة اختلافهم في الترتيب في الضوء بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: "أبدأ بما بدأ الله به" [أنظر مفتاح الوصول للتلمساني: 39].

٧- صحيح مخرج على هامش "الإشارة" ص: 208.

٨- أنظر المصادر المثبتة على هامش "الإشارة" ص" 209.

٩- أنظر: المستصفى للغزالي: 2/169، إرشاد الفحول للشوكاني: 146.

١٠- أنظر مذاهب العلماء وأدلتهم في مسألة التخصيص بالاستثناء من غير الجنس في المصادر المثبتة على هامش كتاب "الإشارة": 211.

١١- تفسير القرطبي: 5/312- 313.

١٢- خزانة الأدب للبغدادي:(3/315).

١٣- أنظر: فواتح الرحموت للأنصاري: 1/316.

١٤- أنظر: التمهيد للإسنوي: 391.

١٥- فواتح الرحموت للأنصاري: 1/316.

١٦- أنظر: مفتاح الوصول للشريف التلمساني: 532 بتحقيقي والمصادر المثبتة على هامشه.

١٧- أنظر مذاهب العلماء في هذه المسألة وأدلتهم على هامش "الإشارة ": 214.

١٨- قال البعلي في القواعد والفوائد الأصولية (260): " ودعوى الإجماع لا تصح، فإن ابن الجوزي جزم بعوده إلى الجلد، وأنه قول أحمد، وجزم به صاحب المغني أيضا في أول مسألة شهادة القاذف، لما بحث مع الحنفية المسألة، وأنهم قالوا: الاستثناء لا يعود إلى الجلد ومنعهم، وقال: بل يعود إليه أيضا، قال البعلي: يؤيد أن حد القاذف يسقط بالتوبة، لو قذف شخص شخصا لا يجب عليه إعلامه والتحلل منه، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد -حتى إنه يحرم عليه إعلامه بذلك، ذكره القاضي أبو يعلى، والشيخ عبد القادر- يقبل هاهنا: لا ينبغي أن يعلمه ".

١٩- أنظر: الأحكام لابن العربي: 3/1337، بداية المجتهد لابن رشد: 2/462، المغني لابن قدامة: 9/197، القوانين الفقهية لابن جزي: 296، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 12/179.

٢٠- أنظر: مفتاح الوصول للتلمساني: 533.

٢١- أخرجه مسلم: 5/173، وأحمد في مسنده: 5/272، وأبو داود: 1/390، والنسائي: 2/76، والترمذي: 1/58، وابن ماجه: 1/313 من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

٢٢- أنظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري: 2/32، وحاشية السندي: 2/76، المهذب للنملة: 4/1698.

٢٣- الحدود للباجي: 47.

٢٤- المصدر نفسه: 48.

٢٥- أنظر المخصصات المتصلة على هامش كتاب "الإشارة": 216.

٢٦- أنظر المصادر الأصولية المثبتة على هامش "الإشارة": 218.

٢٧- هو جزء من حديث أخرجه أحمد: 1/123، 129. وابن أبي شيبة في "المصنف": 1/129، والدارمي / 1/175، وأبو داود: 1/49، وابن ماجة: 1/101، والترمذي: 1/9، والبيهقي: 2/173، 379، والبغوي في "شرح السنة": 3/17 من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا، وأول الحديث ومنتهاه بلفظ: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " والحديث حسنه البغوي وصححه الألباني بمجموع الشواهد (أنظر: المجموع للنووي: 3/389 ونصب الراية للزيلعي: 1/308. والدراية لابن حجر: 1/126، وصحيح الجامع الصغير للألباني: 5/211).

٢٨- أنظر: الفتح المأمول للمؤلف: 136- 138.

٢٩- متفق عليه: أخرجه البخاري: (1/274)، مسلم: (3/182)، والنسائي: (1/52)، وابن ماجه: (1/130)، وأحمد في مسنده: (2/245، 260)، ومالك في «الموطأ»: (1/55)، والشافعي في «مسنده»: (7)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٣٠- «الفتح المأمول» للمؤلف: (132 – 133)، وانظر «أضواء البيان» للشنقيطي: (6/545-548).