المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : درس مفاهيم ومصطلحات لها ارتباط بالمنهج المقاصدي 3ـ مفهومي الفقه والعقل



عبد الكريم محمد بناني
12-01-12 ||, 01:25 PM
مفاهيم ومصطلحات لها ارتباط بالمنهج المقاصدي


لا شك في أن من أهمّ الطرق الموصلة إلى العلم "معرفة اصطلاحات أهله"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)، وأن المصطلح هو "اللبنة الأولى من كل علم، بما هو مدار كل علم، به يبدأ وإليه ينتهي"[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)، بل إذا شئنا الحقيقة فإن "المصطلح هو العلم. ذلك قول يجري مجرى القاعدة في جميع العلوم، وللعلم الشرعي منها خصوص أيُّ خصوص، من حيث ينفرد فيه المصطلح بِمَيِّزَاتٍ تجعله أكثر اكتنازا بما هو تصورات وقضايا وإشكالات"[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3). وإذا أردنا أن نحدّد للمقاصد مصطلحات ومفاهيم نجعل له بها حدا يتميز عن غيره ونستوعب ماهيته ونقف عند خصوصيته ، فلا يمكننا أن نبتعد عن المصطلحات التالية في فهم واستيعاب المنظومة المقاصدية من خلالها ، وهي : الفكر والعقل والنظر والاجتهاد والاستنباط والفقه .... وما ينتمي إليها من مفاهيم أخرى ، تخدم نفس المعنى .

3ـ مفهومي الفقه والعقل
الفقه لغة: هو الفهم والعلم والشعر والطب، وإنما اختُص بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب من العرف. واصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية بالاستدلال، ويقال فَقِه بكسر القاف إذا فهم، وبفتحها إذا سبق غيره للفهم، وبضمها إذا صار الفقه له سجية"[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4). قال المازري في شرح البرهان: "الفقه والفهم والطب والشعر والعلم، خمس عبارات لمعنى واحد، غير أنه اشتُهر[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5) بعضها في بعض أنواع الفهم، فاشتُهر الطب في معرفة أحوال مزاج الإنسان، والشعر في معرفة الأوزان، والفقه في معرفة الأحكام، وإلا فالعرب تقول: رجل طبيب إذا كان عالما. قال الشاعر من البحر الطويل: وَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ. أي عارف، وقال الله تعالى: (وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)، أي لا تعرفون، وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ"[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)، أي أفهم. وأكثر من ذلك فإن من الألفاظ الشرعية ما يطلق ويراد به الفقه، كما في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8). كلفظ الدين بما هو القانون الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وكلفظ الشرع ولفظ الشريعة، ولفظ الشرعة، ولفظ التشريع. والحاصل أن الفقه ــ كما هو معلوم ـــ هو الفهم والإدراك، من قولنا فقه بمعنى فهم وأدرك، والمقصود بالفهم هنا الفهم المعمق، ويؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9). لأنه فهمٌ خاص لأمر خاص، وهو الحكم الشرعي باعتباره أمرا خاصا، فهو مأخوذ من شيء خاص، وهو الخطاب الشرعي، فهو إذاً "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية"[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)،كما هو مقرر عند الفقهاء. أما عند الأصوليين فالفقه هو معرفة كل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى، سواء منه ما اتصل بالعقيدة أم بالأخلاق أم بالجوارح. ولهذا قال أبو حنيفة: الفقه "هو معرفة النفس ما لها وما عليها"[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)، ثم دخله بعض التخصيص ليستقل علم العقائد بعلم خاص هو علم التوحيد أو علم الكلام، ويبقى علم الفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستمدة من الأدلة التفصيلية"، سواء منها المتعلقة بأفعال الجوارح أم بأفعال القلوب. فإذا جاء التخصيص الثاني عند الأصوليين استقر التعريف التالي، وهو "العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستمدة من الأدلة التفصيلية"، بعد ما اختص علم الأخلاق بتعريف خاص هو علم التصوف أو السلوك"[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12). بناء على هذا وذاك، فالفقه في اصطلاح العلماء هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة"[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13). أما العقل في اللغة فيأتي على معان تدور بين الربط والإحكام والتحصن والحبس، ثم أطلق على الْحِجَا واللُّبّ. قال الرازي: "العقل الْحِجْرُ والنُّهَى". وعَقَلَ من باب ضَرَب، والمعقل الملجأ"[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14). و"عقلتَ البعير عقلا (...) أن تثني وظيفه مع ذراعه، فتشدهما في وسط الذراع بحبل (...) وعقلت القتيل عقلا، أديت ديته، وعقلت الشيء تدبرته، وعقل الدواءُ البطنَ أمسكه (...) واعتقلت الرجل حبسته (...)"[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15). وقيل في تعريفه إنه "الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لفهم الخطاب"[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16). فهو إذن" القوة المدركة التي تُعقل بها الحقائق، وتتميز بها الأشياء، أو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها، وكمالها ونقصها، أو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، وكلها معان متقاربة. وأجمعُها أنه "نور إلهي تُدرِك به النفس العلوم الضرورية والنظرية"[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)، كما قال الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى: "وقيل نور في القلب يعرف الحق والباطل، والصحيح أنه جوهر مجرد يدرك الغائبات بالوسائط، والمحسوسات بالمشاهدة"[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18). فالعقل مرتكز الدعوة في النفس الإنسانية ، به يعرف صالح الأشياء ويميزها ، وبه يفهم الخطاب الشرعي ، وينظر في تنزيله بكيفية منسجمة مع روحه وأهدافه ، ولا سبيل إلى معرفة كل ذلك إلا بالعقل، فقد "خلق الله تعالى العقل، وجعل من وظائفه أن يَفهم عنه، ويعقل دينه وشرعه، فلا يجوز في حقه أن يرد شيئا من الوحي كتابا وسنة، بحجة أنه يخالف قضية العقل، بل الشريعة كلها بأخبارها وأحكامها، ليس فيها ما يعلم بطلانه بالعقل، بل العقل يشهد بصحتها على الإجمال والتفصيل. أما الإجمال: فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة. وأما التفصيل: فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل، بل كل ما أدركه العقل من مسائلها، فهو يشهد له بالصحة تصديقا وتعضيدا، وما قصر العقل عن دَرْكِهِ من مسائلها، فهذا لِعِظَمِ الشريعة وتفوقها. ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل، التي عجز العقل عن دَرْكِهَا، فالشريعة قد تأتي بما يُحَيِّرُ العقول، لا بما تُحِيلُهُ العقول"[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19). أما تنصيص العلماء على أهمية العقل في فهم النصوص ، فنجد من المتقدمين ابن حبيب الأندلسي (ت238هـ) الذي أبان عن أهمية النظر والعقل حين نقل عن الإمام مالك في الواضحة قوله: "ولا أرى خصال القضاء تجمع اليوم في أحد، فإن اجتمع منها خصلتان العلم والورع وُلِّيَ". وقال ابن حبيب معلقا: "فإن لم يكن معه علم وكان معه عقل وورع يُكتفى بالعقل، فبه يسأل وبه خصال الخير كلها، وبالورع يقف، فإن طلب العلم وجده، وإن طلب العقل إذا لم يكن فيه لم يجده"[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20). فالعقل هو ثمرة الفكر ونتيجته، وبه يتحصل ما هو مجهول ويلاحظ ما هو معقول بسرعة بديهة وحسن تدبر وتأمل . وهكذا تتضامّ هذه المصطلحات ومثلها معها في صعيد واحد تنبئ عن "تشابك المواد ببعضها" إذا جاز أن نستفيد من مصطلحات ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى في نظريته المعروفة.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) الموافقات. الشاطبي. (م.س). 1/97.
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) المصطلح الأصولي عند الشاطبي. د.فريد الأنصاري. معهد الدراسات المصطلحية والمعهد العلمي للفكر الإسلامي. ط.1. 1424هـ/2004م. ص.11.
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) المصطلح الأصولي عند الشاطبي. د.فريد الأنصاري. (م.س). ص.11. بتصرف.
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) الذخيرة. القرافي. 1/57. (م.س).
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) نقول اشتُهر بضم التاء ولا نقول اشتهر بفتحها لأنه لم يفعل من تلقاء نفسه كما قالت العرب.
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) سورة الإسراء. الآية 44.
[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) رواه أحمد 20608. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. رقم404.
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) سورة الشورى. الآية 13.
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) البخاري. كتاب العلم. ح.71. مسلم. كتاب الزكاة. 2/748. ح.98.
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) جمع الجوامع بشرح المحلى.تاج الدين السبكي.1/42.مطبعة دار إحياء الكتب العربية.د.ت.

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) الموسوعة الفقهية. 1/11 وما بعدها. ط.1. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. مطبعة الموسوعة الفقهية. الكويت. 1984م.
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) المحصول في علم الأصول. فخر الدين الرازي. تـ. جابر العلواني. 1/92. مطبوعات جامعة محمد بن سعود. الرياض. ط.1. مطابع الفرزدق. السعودية. 1400هـ/1980م.
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) مختار الصحاح. الرازي. تـ. محمود حاطر. مكتبة لبنان. بيروت. مادة (ع ق ل). 1415هـ/1955م.
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) المصباح المنير. الفيومي. المكتبة العلمية. بيروت. د.ت. مادة (ع ق ل).
[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) المصباح المنير. الفيومي. (م.س). مادة (ع ق ل).
[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) الشرع بين العقل والنقل. محمد أبو سليمان. ص.6-7. (م.س).
[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) التعريفات. الجرجاني. (م.س). مادة (ع ق ل).
[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد. عثمان علي حسن. ص.65-66. سلسلة رسائل ودراسات في منهج أهل السنة. دار الوطن للنشر. الرياض. 1413هـ.
[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة. ابن رشد. تحقيق: د.محمد حجي. 7/590. ط2. دار الغرب الإسلامي. بيروت. لبنان. 1406-1408/1986-1988م. والمقدمات الممهدات. ابن رشد. 2/259. (م.س).