المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يصح اشتراط الالتزام بمذهب معين في عقد التولية



عبد النور محمد أحمد
12-01-23 ||, 01:52 PM
قال الحجوي ـ رحمه الله ـ في الفكر السامي:
من أدرك رتبة الاجتهاد هل يجوز له أن يحكم أو يفتي بمذهب غيره إذا شرط عليه ذلك في عقد التولية:
الجواب: نعم على قول قوي، فإن قلت: إذا أدرك الإنسان رتبة الاجتهاد، وتبين له الدليل، فكيف يفتي بالتقليد؟
قلت: نعم يفتي به وفاء بشرط التولية لأن السلطان ما نصبه إلا ليفتي أو يقضي بمذهب معين،
وقد كان في الأندلس وأفريقيا علماء يفعلون ذلك، فإن المازري كان بالمرتبة العليا من الاجتهاد المذهبي، وطال عمره خمسا وثمانين سنة،
وقال: لست أحمل الناس إلا على المشهور المعروف من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قد قل، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم، ويتجاسر على الفتيا، ولو فتح لهم باب مخالفة المذاهب، لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهو من المفسدات التي لا خفاء بها. انظر "الموافقات" وهو مبني على سد الذرائع والمصالح المرسلة وكل ذلك من أصل مالك وتقدم لنا أن أحمد بن ميسر كان يخير المستفتي فيقول: مذهب أهل بلدنا كذا، ومذهبي كذا وكذا، ومذهبي كذا وكذا، وكان منذر بن سعيد البلوطي قاضي القضاة بقرطبة أيام الحكم المستنصر ظاهري المذهب، ولكن لا يقضي ولا يفتي إلا بمشهور مذهب مالك حسب الشرط الذي يشترطه الإمام في منشوره الذي يولي به القاضي بالأندلس، نص على ذلك في القسم الأول من "نفح الطيب" وأمثاله كثير.
وقال القفال: لو أدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة، لقلت: مذهب الشافعي كذا، لكني أقول بقول أبي حنيفة؛ لأن السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي، فلا بد أن أعرفه أن الذي أفتيته به غير مذهبه.
وقال ابن تيمية: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين، وإنما يسأل عن الحكم، فلا يسع المفتي إلا الجواب بما يعتقده صوابا.
والتوفيق بين هذا وما قبله ظاهر، والخلاف في حال أن في المسألة خلافا منصوصا فيما إذا نصب الإمام قاضيا، وشرط عليه الحكم بمذهب ابن القاسم أو مالك مثلا، فقيل: العقد صحيح، والشرط صحيح، وقيل: الكل باطل، وقيل: الشرط باطل، والعقد صحيح، وعلى القول الأول عمل المسلمين مشرقا ومغربا. وأما قول ابن القيم في "إعلام الموقعين": ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه وتوليته، ومنهم من صحح التولية، وأبطل الشرط، فهو مذهب له. والذي عليه عمل مغربنا أنه يكتب في منشور تولية القاضي شرط أن يحكم بمشهور مذهب مالك أو ما به العمل. وذلك أخذوه عن عمل ملوك قرطبة والأمويين، وهو أخذ بسد الذرائع والمصالح المرسلة، وما دامت الأخلاق متأخرة، والمدارك جامدة والثقة مفقودة، فإبقاء الناس على ما هو عليه في القضاء أخذ بأخف الضررين وإن المفتي مثل القاضي سواء، والضرورة قد ألزمت به في وقتنا هذا إلى أن يجدد الله مجد الفقه، ويعيد شبابه باجتهاد الفقهاء وأمانتهم. اهـ

لا شك أن الأحكام تدور مع عللها ومقاصدها وجودا وعدما؛ فاستدلاله بقول المازري ـ رحمه الله ـ معَلَلٌ بقلة الورع، و التجاسر على الفتوى ...إلخ، هذا لا يستقيم في زماننا.
فإن الناس في زماننا أصبح المذهب عندهم لا اعتبار له، إلا عند قلة منهم.

و مع هذه الصحوة المباركة، أضحى كثير من الناس ممن فيهم صلاح و ورع، لا يلتزمون بمذهب معين، بل يسألون من يثقون في دينه وعلمه، دون الالتفات إلى مذهبه.
بل المشاهد ـ خاصة في الشباب المثقف ـ قد لا يثق في فتوى من كان مقلدا لمذهب معين، لا متبعا.

و الملاحظ أيضا: أن الفتوى الرسمية ليس لها وقع كبير في قلوب الكثير من الناس، إلا من أصدر هذه الفتوى وكان ثقة عندهم قبل التولية.

و لو عكسنا المسألة في وقتنا لصح، أعني عدم اشتراط مذهب معين للتولية، فهذا أصلح للأمة، و أنفع لها؛ و أدعى لثقة الناس به، بشرط أن يكون المفتي أهلا للفتوى، عالما بأحوال الناس وعوائدهم و أعرافهم.

و دعوى أن منذر بن سعيد البلوطي كان ظاهري المذهب فلا أظنه يصح، فإن الذهبي قال عنه في السير:وكان مذهبه النظر والجدل ، يميل إلى مذهب داود بن علي؛
فالميل شيء، وأن يكون ظاهريا فشيء آخر.

تنبه: قد يصح ما ذكرته تنزيلا على واقع بلدنا.

عبد الرحمن بن سعد الشثري
12-01-27 ||, 08:56 PM
وفقك الله
ولقد تناولت هذا الموضوع في رسالتي حكم تقنين الشريعة الإسلامية
وقد قدَّم له جماعة من أهل العلم كالشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله
وراجعه شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك حفظه الله
وقد تم طبعه للمرة الرابعة
ولدي الآن الطبعة الخامسة يسَّر الله خروجها وإتمامها .