المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العموم الجزئي



عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-01-24 ||, 10:26 PM
العموم الجزئي: هو نص عام من جهة خاص من جهة أخرى فإذا تلاقى مع نص معارض له خاص في عمومه , عام في خصوصه أمكن تخصيص عموم الأول بالثاني كما أمكن تخصيص عموم الثاني بالأول و مثال ذلك :






المثال الأول :


عدة المتوفي عنها زوجها قال تعالى : ‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏} و قوله تعالى :

‏{‏وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}

‏فالآية الأولى عامة في النساء الحامل و غير حامل ، خاصة في المتوفي عنها زوجها و الآية الثانية خاصة في الحوامل عامة في النساء المطلقات و المتوفي عنهن أزواجهن فصلح أن نقول :

الآية الأولى عامة أي كل امرأة مات عنها زوجها تعتد أربعة أشهر و عشر ثم نقول هذا العموم خصص بآية الحامل فأصبح الحكم كل أرملة تعتد أربعة أشهر و عشر إلا الحامل عدتها وضع الحمل.

و يصلح كذلك أن نقول العكس أن الآية الثانية عامة في النساء خاصة في الحوامل أي أن كل حامل عدتها وضع حملها لكن خصصت بآية الوفاة فأصبح الحكم كل حامل عدتها وضع حملها إلا المتوفي عنها زوجها عدتها أربعة أشهر و عشر.

و من هنا يتضح أن كلا الآيتين لهما عموم جزئي و كل منهما يصلح مخصصا للآخر فلما جاءت السنة و بينت أن عدة المتوفي عنها زوجها الحامل هي وضع الحمل لحديث سُبَيْعَة بنْتِ الحرثِ، وضَعَتْ بعْدَ وَفَاةِ زوْجِها بأيامٍ‏ فقال لها رسول الله عليه الصلاة و السلام (قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي) فهمنا أن آية الحمل مخصصة لعدة المتوفي عنها زوجها.


المثال الثاني :


حكم ميتة أهل الكتاب و اليوم أهل الكتاب لا يذبحون إنما يقتلون الحيوانات صعقا أو خنقا أو رميا بالرصاص.
قال تعالى : {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة:5]
و قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ} [المائدة:3].

ذهب جمهور العلماء إلى أن ذبائح أهل الكتاب حلال بشرط أن تكون مذكاة وفق شروط الشريعة و على هذا تدخل ميتة أهل الكتاب في حكم تحريم الميتة المنصوص عليها في الآية.

و شذ ابن العربي فأجاز أكل ميتة أهل الكتاب إن كانت حلالا في معتقدهم.

و بالغ البساطي في إنكار قول بن العربي فقال ما نصه: (ليت قوله هذا لم يخرج للوجود، ولا سطر في كتب الإسلام) اهـ



أصل الخلاف في هذا الحكم تعارض عمومين , الآية الأولى آية تحريم الميتة و الآية الثانية آية إباحة طعام أهل الكتاب.

فالأولى خاصة في الميتة عامة في الديانة و الثانية خاصة في الديانة عامة في الميتة ، عند التعارض لابد لأحد من العمومين أن يخصص الأخر: فإما أن آية الميتة تخصص آية طعام أهل الكتاب فيباح طعام أهل الكتاب إن وافق شروط الشريعة أو أن آية أهل الكتاب تخصص آية الميتة فتباح ميتتهم.
عند وجود مثل هذا التعارض نلجأ لمرجح خارجي و هنا أشير إلى قاعدة :

العموم الذي لم يدخله خصوص يقدم على العموم المخصوص.

بما أن الأمة أجمعت على تحريم خمر أهل الكتاب و لحم الخنزير من طعامهم رغم اعتقادهم حلية ذلك, نكون قد حكمنا بأن آية الميتة خصصت طعام أهل الكتاب بإستثناء الخمر و لحم الخنزير و تحريمها من مأكولاتهم فأصبح عموم آية أهل الكتاب مخصوصا أي دخله الخصوص بل أكثر من ذلك : آية تحريم الميتة خصصت هذا العموم في بعض الأطعمة و على ذلك وجب تخصيص باقي الأطعمة و إخراج إباحتها من آية إباحة أهل الكتاب ذلك أنه لا يُتصور إعمال نصف الآية و تعطيل الباقي أو تخصيص آية أهل الكتاب بنصف الآية الأولى و تخصيص نصف الآية الأولى بالآية الثانية , فدل ذلك على تحريم ميتة أهل الكتاب و إن اعتقدوا إباحتها.



المثال الثالث :
قوله تعالى : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ} [المائدة:3]. و قوله تعالى {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } [النحل: 80]

فمن عموم الآية الأولى فهمنا أن الميتة حرام سواء اللحم أو الشحم أو الوبر أو الصوف و من عموم الثانية فهمنا أن أصواف و أوبار الأنعام مباحة سواء حية أو ميتة فتعارض لدينا عمومان جزئيان إما أن نخصص الآية الأولى بالثانية فيحرم أكل الميتة لكن تباح جلودها و أوبارها و صوفها و إما أن تخصص الآية الثانية بالأولى فتباح جلود و أوبار الحيوانات الحية و تحرم الميتة.

لكن إن نظرنا لقوله عليه الصلاة و السلام : (ِإذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُر) صحيح مسلم و في صحيح البخاري (وَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم شَاةً مَيِّتَةً فقال : هَلا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا، قَالُوا : إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ : إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ) فهمنا أن جلود الميتة خصصت من عموم تحريم الميتة و على هذا نحكم أن الآية الثانية تخصص الأولى فتكون الميتة حرام ما عدا أصوافها و أوبارها و جلودها.



المثال الرابع :
احتجاج الأحناف لعدم قتل المرتدة بنَهَى الرسول عليه الصلاة و السلام عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
فالحديث خاص في النساء عام في حالهم أما الحديث الثاني قوله عليه الصلاة و السلام : " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " ، فهذا عام في الرجال و النساء خاص في المرتد.
فإما أن يخصص الحديث الأول بالثاني فينهى عن قتل النساء إلا المرتدة و إما أن يخصص الثاني بالأول فيقتل المرتد و لا تقتل المرتدة لكن لما وجدنا أن الزانية الثيب ترجم و أن قاتلة النفس عمدا تقتل فهمنا أن الحديث الأول دخله الخصوص فصار أضعف من الثاني و على هذا يُحمل الحديث الأولى على منع قتل النساء في غير الحدود أما الزانية الثيب و القاتلة عمدا و المرتدة تقتل و على هذا يخصص الحديث الثاني الأول و إن كان في عموم الأول نظر لأنه ورد في الحرب.




المثال الخامس :
صلاة ذات الأسباب في أوقات النهي.
و المسألة تتعلق بقوله عليه الصلاة و السلام : " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ " متفق عليه و حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنه في الصحيحين " شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ " .

فالحديث الأول خاص بتحية المسجد عام في الوقت و الحديث الثاني خاص في الوقت عام في نوع الصلاة فتعارض عندنا عمومان جزئيان فإما أن نقول يخصص الحديث الأول بالثاني فتكون صلاة تحية المسجد مندوبة إلا في أوقات النهي و إما أن نقول يخصص الحديث الأول الثاني فتمنع الصلاة أوقات النهي لكن تندب صلاة ذات السبب كتحية المسجد أما طريقة الجمهور فهي تقديم الحظر على الإباحة فمنعوا تحية المسجد أوقات النهي و أما على طريقة الشافعي فصلاة ذات الأسباب لا تمنع وقت النهي و ذلك أن عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح و العصر دخله التخصيص في قضاء الفرائض للناسي و النائم فعلى هذا هو عموم مخصوص كما ثبتت أحاديث أخرى في هذا الباب تخصص هذا العموم كركعتي الطواف و صلاة الجنازة و الراتبة التي قضاها الرسول عليه الصلاة و السلام بعد العصر لإنشغاله و بما أن العموم المخصوص أضعف من العموم غير المخصوص خصصنا حديث أوقات النهي بحديث تحية المسجد فجازت صلاة ذات السبب وقت النهي والله أعلم.

عبد النور محمد أحمد
12-01-24 ||, 10:32 PM
و بما أن العموم المخصوص أضعف من العموم غير المخصوص خصصنا حديث أوقات النهي بحديث تحية المسجد فجازت صلاة ذات السبب وقت النهي
و يؤكد هذا فعل الصحابة رضي الله عنهم.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-01-24 ||, 10:56 PM
نعم بارك الله فيك أخي الكريم ،

هناك أفعال للصحابة تؤكد ذلك و منها فعل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بصلاة ركعتين عند الغروب و الحديث في سنن النسائي قال : أخبرنا عثمان بن عبد الله قال حدثنا عبيد الله بن معاذ قال أنبأنا أبي قال حدثنا عمران بن حدير قال سألت لاحقا عن الركعتين قبل غروب الشمس فقال كان عبد الله بن الزبير يصليهما فأرسل إليه معاوية ما هاتان الركعتان عند غروب الشمس فاضطر الحديث إلى أم سلمة فقالت أم سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين قبل العصر فشغل عنهما فركعهما حين غابت الشمس فلم أره يصليهما قبل ولا بعد اهـــ