المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاعتبار بخلاف أهل الأهواء في الإجماع



وضاح أحمد الحمادي
12-02-01 ||, 04:59 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
الإجماع لغة : العزم والاتفاق .
وفي الاصطلاح اتفاق مجتهدي الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي. والشأن كل الشأن في تقييده بالمجتهدين ، لكن نقول أولاً : تقييده بالأمة ليخرج إجماع غيرهم ، وذلك لأن عامة ما استدلوا به يخصهم كقوله رب العزة والجلال {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وقوله سبحانه {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقوله رب العزة {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وقوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ} وغيرها
ومن السنة حديث ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ " وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «... مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» وغيرها.
ولا خلاف بين القائلين بالإجماع أن المعتبر فيه هذه الأمة دون غيرهم ، ومن صحح إجماع غيرهم فذلك قبل حصول من بعدهم ممن شريعتهم ناسخة لشريعة من قبلهم ، فمثلاً إجماع اليهود اليوم ليس بحجة ، لأن شرط الاحتجاج به العصمة ، وإجماعهم ليس بمعصوم بدليل اتفاقهم على تكذيب عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، ولو كان أجماعهم معصوماً ما أجمعوا على هذا الخطأ الفاحش.
وهكذا كل أمة نسخت شريعتها ، فإجماعها على عدم النسخ مبطل لحجية إجماعها.

فصل : من يعتبر قوله ومن لا يعتبر اتفق القائلون بالإجماع على حجية إجماع الصحابة ، ثم اختلفوا في اختصاص إجماعهم بالحجية دون إجماع غيرهم فذهب داود ونقل عن ابن حبان قصره عليهم ، ونقل عن أحمد بن حنبل ، وفي النقل عنه نظر ، فإنهم اعتمدوا على قوله : (الإجماع أن يتبع ما جاءَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ، وهو في التابعين مخير) وهذا لا يصح حتى يكون قوله (أن يتبع ...) إلى آخر كلامه تفسيراً للإجماع ، أما إن كان أراد الإحتجاج بالإجماع على اتباع النبي صلى الله واتباع أصحابه فيما لا يعرف لهم فيه مخالف أو أجمعوا عليه ، فلا دليل فيه. واحتج من قال بقصر الإجماع على الصحابة بحجج أسلمها من الإعتراض أن الناس من بعدهم تفرقوا بحيث يمتنع في العادة إمكان حصر أقوالهم وجمعها ، وعليه ينزل بعضهم قول أحمد رحمه الله : (من ادعى الإجماع فقد كذب ، لعل الناس اختلفوا)
والجمهور على حجية إجماع المسلمين في كل عصر لعموم الأدلة السابقة.

فصل : واختلفوا أيضاً في إجماع عوام المسلمين ، فعامة أهل العلم على عدم اعتبارهم ، قال الإسنوي : (أن الإجماع في كل فن من الفنون يشترط أن يكون فيه قول جميع علماء ذلك الفن في ذلك العصر، فلا عبرة بقول العوام ولا بقول علماء فن في غير فنهم) وذهب بعض المتكلمين إلى دخول العوام ، وقد قصر الروياني وسليم الخلاف فيما يشترك في معرفته العام والخاص ، كأعداد الركعات وتحريم بنت البنت ، أما ما يختص بمعرفته العلماء فلا يعتقد بوفاق العوام اتفاقاً. [التقييد استفدناه من محقق القواطع أبي سهيل فراجع (القواطع) 2/740]
واحتج من أخرجهم بجهل العوام بطرق الإستدلال ، فهم في ذلك كالأطفال ، وبمنعهم من الاجتهاد وأمرهم بالاتباع. وهذا قوي ، قال سبحانه {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}
ووجه دلالته أنه إن كان فرض الجاهل تقليد العالم ، أغنى قوله عن قول الجاهل.
ثم إن كان فرض الجاهل تقليد العالم كان اجتهاده خلاف ما فرض عليه وكان معصية ، وافتقار صحة الإجماع على حصول المعصية باطل .
بل إن اعتبار قول الجاهل منهي عنه لحديث عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»
فالعامي المخالف لإجماع المجتهدين ، إن إقمناه مقام من تؤخذ فتواه ، فهو من اتخاذ الرؤساء الجهال ، وإن أفتى بجهله فقد ضل ، وإن أُلْزِمَ الناسُ اتباعه فقد أضل.
وأرجو أن هذا كافٍ.

المجتهد وشروط الاجتهاد :
قال الشوكاني رحمه الله : "المجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه في لتحصيل ظن بحكم شرعي ، ولا بد من أن يكون بالغاً عاقلاً قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مآخذها"
ثم قال : "وإنما يتمكن من ذلك بشروط : الأول أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة ، فإن قصر في أحدهما لم يكن مجتهداً ، ولا يجوز له الاجتهاد"
ثم ذكر رحمه الله اختلافهم في مقدار ما عليه العلم به من نصوص الكتاب والسنة وناقشها ، ثم قال : "والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست، وما يلتحق بها: مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد، والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له، مستحضرة في ذهنه، بل أن يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها، بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها، والحسن، والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح"
وهذا غاية في الحسن ، وفيه بعض مناقشة ، فليس من شرط المجتهد أن يجمع إلى معرفته بالسنن مثلاً أن يكون عالماً بالصحيح منها والضعيف باجتهاده هو إلا إذا قلنا بعدم تجزء الاجتهاد ، وإن قلنا بجواز تجزيه كفاه أن يسأل المجتهد في معرفة الصحيح من الضعيف ، ثم يعمل بقوله ، ويجتهد في الاستنباط من النص.

قال رحمه الله : "الشرط الثاني: أن يكون عارفا بمسائل الإجماع، حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه، إن كان ممن يقول بحجية الإجماع ويرى أنه دليل شرعي، وقل أن يلتبس على من بلغ رتبة الاجتهاد ما وقع عليه الإجماع من المسائل.

الشرط الثالث: أن يكون عالما بلسان العرب، بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه ...



الشرط الرابع:



أن يكون عالما بعلم أصول الفقه، لاشتماله على ما تمس الحاجة إليه، وعليه أن يطول الباع فيه، ويطلع على مختصراته، ومطولاته ...



الشرط الخامس : أن يكون عارفًا بالناسخ والمنسوخ، بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك، مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ"


راجع (إرشاد الفحول) ص819 – 824.

ومع اتفاقهم على عموم ما ذكر فقد اختلفوا في تفاصيله كما اختلفوا في بعض العلوم أتدخل أيضاً في شروط المجتهد أم لا ، كعلم الجرح والتعديل والعلم بالحساب ، وغير ذلك.

فصل (اعتبار أهل الأهواء والمعاصي في الإجماع)


المراد بأهل الأهواء من خالف أهل الحق في أصول الدين معتمداً على رأي نفسه أو متبوع له من غير أن يكون له مستند من كتاب أو سنة ، أو كان له مستند موهوم خالف فيه إجماع من تقدم ممن شهد له بصواب الاعتقاد كالصحابة وأهل القرون المفضلة.

وهؤلاء يختلفون قرباً وبعداً من أهل الحق ، فمن زعم الإلهية أو النبوة في نفسه أو بعض أئمته بعد رسول الله ليس كمن قال علي أفضل من عثمان رضي الله عنهما.

فمن الأهواء ما تخرج صاحبها عن أن يكون من أمة الإسلام ، فهؤلاء لا عبرة بهم في الإجماع لما تقدم من أدلة على حجية إجماع الأمة خاصة.

ومن أهل الأهواء من يخرجه هواه عن أن يعتبر في عموم المجتهدين ، كمن أنكر السنة مثل الأزارقة ومن وافقهم من الخوارج ، ومثل الروافض عند من لم يكفرهم وبعض الزيدية وغيرهم ، والعلم بالسنة من شروط الاجتهاد ، فمن جهله فليس بمجتهد ، كيف والجهل بها يؤدي إلى جهله بالناسخ والمنسوخ وما ينبني عليها من أصول الفقه بل وما ينبني عليها من العلم بكتاب الله وكذا مسائل الإجماع.

فهم بذلك خارجون عن أن يكونوا ممن يعتبر قوله الإجماع ، لكونهم كالعوام بل أسوأ حالاً ، لأن العامي مقر بحجية السنة غير عالمٍ بها ، وهؤلاء منكرون لحجيتها العالم بها والجاهل .

ومن أهل الأهواء من يحمله هواه على لي أعناق الآيات والأحاديث لتوافق هواه ، سواءً كان ذلك في الاعتقاد أو الفروع ، لكن يختلف ذلك أيضاً باختلافهم قرباً وبعداً من الحق ، وهؤلاء هم موضع الخلاف على الحقيقة.

فمثلاً المعتزلة والأشاعرة والكرامية والسالمية والكلابية والماتريدية ومن قاربهم ـ وأنا هنا لا أتهم هؤلاء بكونهم من أهل الأهواء ، بل أقول ما من طائفة إلا وهي تتهم مخالفيها بأنهم كذلك ، والحق مع طائفة فقط لا محالة ، فغير هذه الطائفة ما حكم مخالفتها في الإجماع ـ .

فذهب بعضهم إلى أن المعتبر قول الطائفة المحقة فقط مستدلين بأحاديث نحو : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين) وحديث : (كلها في النار إلى واحدة) و غيرها.

وهو استدلال قوي عموماً ، وقد استضعفه بعضهم على اعتبار أن هذا في العقائد خاصة ، وفيه نظر من جهة أنا حتى لو سلمنا بأن الحديثين واردان في ذلك ، فإن السبب يمكن جره إلى الفروع ، وبيانه أن نقول : ما سبب وصفهم بالظهور على الحق ودخول الجنة ؟

فإن قيل : اجتماعهم على الحق .

قلنا : وما أدرانا أن الذي اجتمعوا عليه الحق ؟ ولما لا يجوز أنهم اجتمعوا على الباطل ؟

فإن قيل : الحديث دل على أن إجماعهم عليه معصوم.

قلنا : فنحن نستصحب هذه العصمة في الفروع ، إذ تلك العصمة أن جعلها الله أثرَ اجتماعهم ، فهو في الأصول كهو في الفروع.

والله أعلم.

لكن في هذا نظر أيضاً.

والأحسن أن نقول : إن ما اختص به أهل الأهواء عن أهل الحق مما به حكم عليهم بأنهم أهل أهواء لا يجب أن يُعَدَّ خارقاً للإجماع ، وما بنوه على ما اختصوا به عن أهل الحق من الأهواء ، فهو كذلك.

أما ما لم يكن من خصائصهم ولا هو مبني على خصيصة لهم ، فقد أغنى عن قولهم قول من شاركهم فيه من أهل الحق.

فإن قالوا بفرعٍ مبني على أصل صحيح ، لكنهم اختصوا به عن أهل الحق ، فإن أمكن تصور خلو قائل به من أهل الحق ، فهذا حينئذٍ هو موضع الخلاف في ظني ، وقول أهل الأهواء متى بلغوا درجة الاجتهاد أرجو أنه معتبر ، لتحقق شروط قبولهم فيه.
والله أعلم

حمزة عدنان الشركسي
12-02-03 ||, 07:37 PM
أحاديث الفرقة الناجية فيها كلام ، وقد ضعف الصنعاني وابن حزم وابن الوزير زيادة "كلها في النار إلا واحدة" ، وللصنعاني رسالة في هذا الحديث مفيدة .
وأهل السنة كما قال السبكي : أهل الكلام - الأشاعرة والماتردية - وأهل الحديث وأهل التصوف - السني الصحيح -
والزيدية مخالفاتهم لأهل السنة قليلة ، نعم عقيدتهم كالمعتزلة ، لكنهم قريبون جدا من أهل السنة .

وضاح أحمد الحمادي
12-02-04 ||, 12:37 AM
جزاك الله خيراً أخي الفاضل الشركسي


الحديث بهذه الزيادة صححه الحاكم والضياء المقدسي وابن تيمية والشاطبي والعراقي والبوصيري والهيثمي عدد من طرقه والمناوي وحسنه الحافظ ، وتبعهم الألباني وطول الكلام عليه ، فانظره غير مأمور .