المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في تعليل الأحكام الواردة في كتاب ابن دقيق إحكام الأحكام



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-19 ||, 02:58 PM
قراءة في
تعليل الأحكام
الواردة
في كتاب ابن دقيق إحكام الأحكام:




بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.



اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.



وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.



أما بعد:



فهذا مبحث لطيف أعرض فيه المسائل الفقهية التي تطرق فيها ابن دقيق العيد إلى قضية العلة وأحكامها، ويفيد هذا العرض للراغبين في النظر في تطبيقات الفقهاء الأصوليين في المسائل الفقهية حسب القواعد الأصولية ناهيك عن محل هذه المسألة – أعني تعليل الأحكام - في نصوص الشريعة.



وأمهد هنا بإلماحة سريعة عن ابن دقيق العيد كنت كتبتها في مبحث "إلزامات ابن دقيق العيد" من رسالتي في "الإلزام"، فإليك التمهيد أولاً، ثم أتبعه بعرض المسائل، مستعينا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



تمهيد لمبحث إلزامات ابن دقيق العيد:


إذا كنَّا في هذه المباحث مِن الوقوف على إلزامات الأئمة، نستحثُّ على استعمال هذا النوع مِن البرهان، فلعلَّنا بإلزامات ابن دقيق العيد نسوّره ببناء حصين، ندفعُ به أي محاولة للإسراف في استعماله.

والسبب في هذا:
أنَّ ابن دقيق العيد رحمه الله لم يكن غرضه بهذه الإلزامات الإفحام والمغالبة على عادة أهل العلم، أو حتى أهل الجهل، وإنما نَزَلَ أبو الفتح القُشيري ( 1 ) محلاً أنزله اللهُ فيه مِنْ التصدِّي للنظر في مآخذ الناس، وما يصح منها وما لا يصح.
فكان رحمه الله أهلاً لذلك، وقد أذكرنا بما صنعته يدا الشافعي في "الأم"، فقد كان ابنُ دقيق رحمه الله يَجْمَعُ هِمَّتَه في سائر كلامه على تدقيق النظر في صحة الدليل، ومأخذ الاستدلال، وما يَرِدُ عليه، أو حتى يمكن أنْ يَرِدَ، وهكذا، بل إنه أحياناً في تصحيح الحديث يجيب بطريقة الفقهاء، ويجيب بطريقة المحدثين، حتى يستوفي أطراف المسألة، وهذا منه رحمه الله غاية في الإيعاب.
وسار ابن دقيق العيد في طريقته هذه:
في ما استعمله مِنْ إلزام المخالف، أو فيما أجاب به مخالفيه عن إلزاماتهم، فكان في إلزامه وفي جوابه لا يَقْصِدُ إلا إنزال الإلزام مَحِلَّه، وإقامة مُعْوَجِّه، وتصحيح خطئه، وبيان وجه الملازَمة، وبيان أنَّ مَنْ قال بهذين القولين صَعُبَ عليه الاعتذار عن الحديث، كما نبَّه على أصول كل فريق، وما ينبغي أنْ يقولَه هؤلاء، وما لا ينبغي أنْ يقوله هؤلاء، فَتَرَفَّع عن التشنيع، ونأى عن المخاصمة، وتربّع على كرسي القضاء حَكَمَاً بين الفقهاء.

ثم إنَّ تَضَلُّعَ ابن دقيق بعِلْمِ الأصول:
دَفَعَه إلى إيقاف جماعةٍ مِنَ الفقهاء على ما استلزمته أقوالهم مِنْ مسائل في الأصول لا يقولون بها، أو أنها مسائل عُلِمَ في الأصول وهنها، وتدافعوا في البراءة منها، كالقول بعموم المفهوم، أو العلل العائدة على النص بالإبطال، وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه بلسان ابن دقيق نفسه.
========================= ===========
1- هذا هو اللقب الأصلي لابن دقيق العيد رحمه الله.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-19 ||, 03:21 PM
المسألة الأولى:
عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
{ إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا } ولمسلم{ أولاهن بالتراب}وله في حديث عبد الله بن مغفل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال :{ إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة بالتراب }
فيه مسائل:
الأولى : الأمر بالغسل ظاهر في تنجيس الإناء .
وأقوى من هذا الحديث في الدلالة على ذلك : الرواية الصحيحة .
وهي قوله صلى الله عليه وسلم { طهور إناء أحدكم ، إذا ولغ فيه الكلب : أن يغسل سبعا} فإن لفظة " طهور " تستعمل إما عن الحدث ، أو عن الخبث .
ولا حدث على الإناء بالضرورة .
فتعين الخبث .
وحمل مالك هذا الأمر على التعبد ، لاعتقاده طهارة الماء والإناء .
وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص ، وهو السبع ؛ لأنه لو كان للنجاسة : لاكتفى بما دون السبع فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة .
وقد اكتفى فيها بما دون السبع .
والحمل على التنجيس أولى .
لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدا ، أو معقول المعنى ، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى .
لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى .

وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة :
فممنوع عند القائل بنجاسته ، نعم ليس بأقذر من العذرة ، ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار .
وأيضا:
فإذا كان أصل المعنى معقولا قلنا به .
وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل ، لم ينقض لأجله التأصيل .
ولذلك نظائر في الشريعة ، فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد ، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى .
إذا ظهر أن الأمر بالغسل للنجاسة : فقد استدل بذلك على نجاسة عين الكلب .
ولهم في ذلك طريقان .
أحدهما : أنه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه ، فإنه جزء من فمه ، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى .
الثاني : إذا كان لعابه نجسا - وهو عرق فمه - ففمه نجس، والعرق جزء متحلب من البدن، فجميع عرقه نجس، فجميع بدنه نجس ، لما ذكرناه من أن العرق جزء من البدن .
فتبين بهذا :
أن الحديث إنما دل على النجاسة فيما يتعلق بالفم، وأن نجاسة بقية البدن بطريق الاستنباط.
وفيه بحث، وهو أن يقال :
إن الحديث إنما دل على نجاسة الإناء بالولوغ .
وذلك قدر مشترك بين:
1- نجاسة عين اللعاب.
2- وعين الفم.
3- أو تنجسهما باستعمال النجاسة غالبا.
والدال على المشترك لا يدل على أحد الخاصين .
فلا يدل الحديث على نجاسة عين الفم ، أو عين اللعاب .
فلا تستقيم الدلالة على نجاسة عين الكلب كله .
وقد يعترض على هذا بأن يقال:
لو كانت العلة تنجيس الفم أو اللعاب - كما أشرتم إليه - لزم أحد أمرين وهو:
1- إما وقوع التخصيص في العموم.
2- أو ثبوت الحكم بدون علته.
لأنا إذا فرضنا تطهير فم الكلب بماء كثير ، أو بأي وجه كان ، فولغ في الإناء :
1- فإما أن يثبت وجوب غسله.
2- أو لا .
فإن لم يثبت وجب تخصيص العموم .
وإن ثبت لزم ثبوت الحكم بدون علته .
وكلاهما على خلاف الأصل .
والذي يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال أن يقال :
الحكم منوط بالغالب وما ذكرتموه من الصور نادر ، لا يلتفت إليه .
وهذا البحث إذا انتهى إلى هنا يقوي قول من يرى أن الغسل لأجل قذارة الكلب.
-========================= ============
المسألة الثانية:
قوله " بالتراب " يقتضي تعينه .
وفي مذهب الشافعي قول - أو وجه -:
إن الصابون والأشنان والغسلة الثامنة ، تقوم مقام التراب.
بناء على أن المقصود بالتراب:
زيادة التنظيف ، وأن الصابون والأشنان يقومان مقامه في ذلك .
وهذا عندنا ضعيف:
لأن النص إذا ورد بشيء معين ، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص ، واطراح خصوص المعين فيه .
والأمر بالتراب - وإن كان محتملا لما ذكروه ، وهو زيادة التنظيف - فلا نجزم بتعيين ذلك المعنى.
فإنه يزاحمه معنى آخر ، وهو الجمع بين مطهرين ، أعني الماء والتراب ، وهذا المعنى مفقود في الصابون والأشنان .
وأيضا:
فإن هذه المعاني المستنبطة إذا لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة ، فليست بذلك الأمر القوي .
فإذا وقعت فيها الاحتمالات ، فالصواب اتباع النص .
وأيضا:
فإن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص : مردود عند جمع من الأصوليين .
-========================= ============

وفي شرح الإلمام:
قال ابنُ دقيق في فوائد حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب في الإناء (1):
"ادَّعى بعضُ مَنْ يُعَمِّمُ الحُكْمَ في سائر أعضائه الأوَّلية في الحكم فيها، وذكر وجهين:
أحدهما: أنه لما نُصَّ على الولوغ، وهو أصونُ أعضاءِ الكلب، كان وجوب الغسل بما ليس بمصونٍ منها أولى.
والثاني: أنَّ ولوغه يكثر، وإدخال غير ذلك مِنْ أعضائه يَقِلُّ، فلمّا عَلَّقَ وجوبَ الغَسْل بما يكثر كان وجوبه بما يَقِلُّ أولى؛ لأنَّ النجاسة إذا عَمَّ وجودها خَفَّ حكمُها، وإذا قَلَّ وجودُها تغلَّظ حكمُها.
وهذا إنْ كان مبنيا على القول بالقياس وفرعا له، فلا يصلُح رداً على داود منكر القياس، بل طريقُه: إثباته عليه، ثم ادِّعاء أوْلويَّته،
وإنْ كان ذلك بناءً على ما في نفس الأمر – سواء قلنا بالقياس أم لا – فهذا إنما يكون فيما يقوى فيه الإلحاق، كالضرب مع التأفيف مع القول بأنَّ ذلك ليس بقياس."(2)
-========================= ============

وفي شرح الإلمام أيضاً:
: ذَكَرَ ابنُ دقيق أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب"(3) لو كان هذا التطهير المذكور في الحديث " لنجاسة طارئة لَزِمَ أحدُ أمرين:
1- إما التخصيص في محل العموم.
2- وإما ثبوت الحكم بدون عِلَّتِه.
وكلاهما على خلاف الأصل.
بيانه:
أنا إذا فرضنا تطهير فم الكلب، أو ولوغ كلب لم يأكل النجاسة قبل الولوغ كجرو صغير، فإما أنْ يقال: لا يلزم غسل الإناء، فيلزم التخصيص ؛ لأنَّ لفظ الكلب عام، وإما أنْ يقال: إنه يلزم أن يغسل منه، فيلزم ثبوت الحكم بدون علته؛ لأنا نتكلم على تقدير عدم تنجيسه باستعمال النجاسة، ولا سبب حينئذ للغسل إلا التنجيس، وقد انتفى.
وقد يقال على هذا:
الحكم مبني على الغالب مِن استعمال الكلاب النجاسة واطِّراح النادر."(4) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n4)
========================= =====
1- وسياقه: عن أبي هريرة t: " أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات. » أخرجه البخاري (رقم172)، ومسلم (رقم279).

2- شرح الإلمام (2/235، 236).

3- سَبَقَ تخريجه.

4- شرح الإلمام (2/221، 222).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-19 ||, 03:28 PM
[استطراد]:

قال ابن حزم في رسالته: "مسألة الكلب طاهر"(1):

"وأما قولكم: إنَّ تَعْداد الغَسلات إلى سبعٍ دليلٌ على تَغْليظ النجاسة، فليس بصحيح؛ لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بغَسْل الميت غَسْلاً مُتعدِّداً (2)... وكذلك غُسِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم غَسْلا مُتعدِّدا (3)، وهذا أطهرُ ولد آدم حيا وميتا صلى الله عليه وسلم؛ فهل دَلَّ ذلك على غِلَظِ نجاسةٍ فيه.
فليس تعديدُ الغَسَلات: دليلٌ على تغليظ النجاسة، ولا على ثبوتها أصلا، بل العَدَدُ في ذلك تَعَبُّدٌ مَحْضٌ، إذا زالت النجاسة لا يُوْقَفُ على عَدَد، فبطل ما تعلَّلْتم من ذلك.
وأما قولكم: إنَّ التراب مع الماء دلَّ على تأكيد التغليظ: فباطل؛ لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ النِّساء اللاتي غَسَلْنْ ابنتَه بإذ ماتت بماء وسدر، ولم يَقْتَصِرْ على الماء وحده؛ فهل دَلَّ على أنَّ ابنته الطاهرة ب لها نَجَاسةٌ غليظة ؟ حاشا لله مِن ذلك، فَبَطَلَ جميعُ ما علَّلْتموه بالماء والتراب وعدد الغَسلات.
وأما قولكم: إنَّ "طُهور الماء" (4) يدل على التنجيس: فقول فاسد؛ لأنه ليس مِن الواجب في الشرعيات أنْ يكونَ الغَسْلُ في كل مَحَلِّ دليلا على النجاسة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غُسْل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (5) فليس ذلك دليلا على أنَّ الناس في يوم الجمعة أنجاس" (6)

========================= ==========

1- رسالة لابن حزم، مخطوط بمكتبة شهيد علي بتركيا، نُسِخَت في المنتدى الالكتروني: "دارة أهل الظاهِر".
2- عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: « دَخَلَ عَلَيْنَا اَلنَّبِيُّ r وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا, أَوْ خَمْسًا, أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ...» أخرجه البخاري (رقم1253)، ومسلم (رقم939) .

3- لم أقف على حديث بهذا المعنى، فإن لم يكن ثمة حديث فلعل ابن حزم قاله من باب المعرفة الضرورية، فابن حزم رحمه الله لما ذكر مسألة غَسل الميت من كتابه المحلى لم يذكره. المحلى (5/121).

4- أي دلالة هذه اللفظة مِن قوله صلى الله عليه وسلم: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب...."، وسَبَقَ تخريجه.

5- أخرجه البخاري (رقم880 ) ومسلم (رقم846 ) مِنْ حديث أبي سعيد الخدري [/font]t.

6- مسألة الكلب طاهر (ص5).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-19 ||, 03:33 PM
المسألة الخامسة:
اختلفوا في علة هذا النهي من حيث المعنى [أي النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول]
والظاهر:
أنه لإظهار الاحترام والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد الحكم على وفقه، فيكون علة له.
وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل:
ما روي من حديث سلمة بن وهرام عن سراقة بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله عز وجل ، ولا يستقبل القبلة }
وهذا ظاهر قوي في التعليل بما ذكرناه .
ومنهم من علل بأمر آخر :
فذكر عيسى بن أبي عيسى قال : قلت للشعبي - هو بفتح الشين المعجمة ، وسكون العين المهملة - عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر قال : وما قالا ؟ قلت : قال أبو هريرة " لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها " وقال نافع عن ابن عمر " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مذهبا مواجه القبلة " قال : أما قول أبي هريرة : ففي الصحراء ، إن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء ، فلا تستقبلوهم ، ولا تستدبروهم وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها .
وذكر الدارقطني : أن عيسى هذا ضعيف .
وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء ، فاستتر بشيء:
هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا ؟
فالتعليل باحترام القبلة : يقتضي المنع.
والتعليل برؤية المصلين : يقتضي الجواز .
ثم قال ابن رجب في المسألة التي تليها:
قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الخلاء ، فلا تستقبلوا القبلة - الحديث " يقتضي أمرين: أحدهما : ممنوع منه .
والثاني : علة لذلك المنع .
وقد تكلمنا عن العلة .
والكلام الآن على محل العلة:
فالحديث دل على المنع من استقبالها لغائط أو بول ، وهذه الحالة تتضمن أمرين :
أحدهما : خروج الخارج المستقذر .
والثاني: كشف العورة.
فمن الناس من قال : المنع للخارج ، لمناسبته لتعظيم القبلة عنه .
ومنهم من قال : المنع لكشف العورة .
وينبني على هذا الخلاف :
خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة؟
فمن علل بالخارج: أباحه ، إذ لا خارج .
ومن علل بالعورة: منعه .

========================= =====
المسألة السادسة:
عن عبد الله بن عمر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: { يا رسول الله ، أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد } .
ليس في هذا الحديث - الذي ذكره المصنف - متمسك للوجوب:
فإنه وقف إباحة الرقاد على الوضوء ، فإن هذا الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام " فليرقد " ليس للوجوب ، ولا للاستحباب ، فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب ، فإذا هو للإباحة ، فتتوقف الإباحة ههنا على الوضوء ، وذلك هو المطلوب .
والذين قالوا : إن الأمر ههنا على الوجوب ، اختلفوا في علة هذا الحكم:
فقيل: علته أن يبيت على إحدى الطهارتين ، خشية الموت في المنام.
وقيل: علته أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه.
وبنوا على هاتين العلتين :
أن الحائض إذا أرادت النوم ، هل تؤمر بالوضوء ؟
فمقتضى التعليل بالمبيت على إحدى الطهارتين :
أن تتوضأ الحائض ؛ لأن المعنى موجود فيها.
ومقتضى التعليل بحصول النشاط :
أن لا تؤمر به الحائض ؛ لأنها لو نشطت لم يمكنها رفع حدثها بالغسل .
وقد نص الشافعي على أنه ليس ذلك على الحائض:
فيحتمل: أن يكون راعى هذه العلة ، فنفى الحكم لانتفائها.
ويحتمل أن يكون لم يراعها ، ونفى الحكم ؛ لأنه رأى أن أمر الجنب به تعبد ، ولا يقاس عليه غيره ، أو رأى علة أخرى غير ما ذكرناه ، والله أعلم .


========================= =====


المسألة السابعة:
الظاهرية أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة .
وزادوا - فيما نقل عنهم - فقالوا : إن صلى فصلاته باطلة .
وأما أهل القياس والنظر: فإنهم نظروا إلى المعنى ، وفهموا : أن العلة التشويش ، لأجل التشوف إلى الطعام، وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها، وهي قوله " وأحدكم صائم " فتتبعوا هذا المعنى .
فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام .
واقتصروا أيضا على مقدار ما يكسر سورة الجوع .
ونقل عن مالك : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون طعاما خفيفا .
------------------
قال أبو فراس:
قد يقال: أليس في هذه الطريقة تخصيص عموم النص بالعلة المستنبطة ، وهو ممنوع عند المؤلف ويكرره كثيرا فيشترط في العلة المستنبطة ألا تعود على النص بالإبطال أو التخصيص.
وهنا أطلق النص تقديم الطعام على الصلاة، ومقتضى العلة المستنبطة التي قررها المصنف في هذا الموضع يقتضي تقديم الصلاة على الطعام في بعض المواطن الذي لا يقع فيها التشوف إلى الطعام.
وأنا هنا لا أنازعه في صحة هذه العلة أو فسادها، وإنما أطبق القاعدة التي استفدناها منه على تقريره لهذه المسألة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-19 ||, 03:48 PM
المسألة الثامنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا
وذلك : أنه إذا توضأ ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحط عنه خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ، ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة } .
الكلام عليه من وجوه:
أحدها : أن لقائل أن يقول : هذا الثواب المقدر لا يحصل بمجرد صلاة الجماعة في البيت .
وذلك بناء على ثلاث قواعد:
الأولى : أن اللفظ - أعني قوله " وذلك " - أنه يقتضي تعليل الحكم السابق .
وهذا ظاهر ؛ لأن التقدير : وذلك لأنه، وهو مقتض للتعليل .
وسياق هذا اللفظ في نظائر هذا اللفظ يقتضي ذلك .
الثانية : أن محل الحكم لا بد أن تكون علته موجودة فيه .
وهذا أيضا متفق عليه، وهو ظاهر أيضا، لأن العلة لو لم تكن موجودة في محل الحكم لكانت أجنبية عنه، فلا يحصل التعليل بها .
الثالثة : أن ما رتب على مجموع لم يلزم حصوله في بعض ذلك المجموع إلا إذا دل الدليل على إلغاء بعض ذلك المجموع ، وعدم اعتباره، فيكون وجوده كعدمه ويبقى ما عداه معتبرا ولا يلزم أن يترتب الحكم على بعضه .
فإذا تقررت هذه القواعد:
فاللفظ يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بمضاعفة صلاة الرجل في الجماعة على صلاته في بيته وسوقه بهذا القدر المعين .
وعلل ذلك باجتماع أمور :
منها:
1- الوضوء في البيت.
2- والإحسان فيه.
3- والمشي إلى الصلاة لرفع الدرجات .
4- وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه .
وإذا علل هذا الحكم باجتماع هذه الأمور ، فلا بد أن يكون المعتبر من هذه الأمور موجودا في محل الحكم .
وإذا كان موجودا فكل ما أمكن أن يكون معتبرا منها ، فالأصل : أن لا يترتب الحكم بدونه .
فمن صلى في بيته في جماعة لم يحصل في صلاته بعض هذا المجموع ، وهو المشي الذي به ترفع له الدرجات وتحط عنه الخطيئات .
فمقتضى القياس :
أن لا يحصل هذا القدر من المضاعفة له .
لأن هذا الوصف - أعني المشي إلى المسجد ، مع كونه رافعا للدرجات ، حاطا للخطيئات - لا يمكن إلغاؤه .
وهذا مقتضى القياس في هذا اللفظ.
إلا أن الحديث الآخر - وهو الذي يقتضي ترتيب هذا الحكم على مطلق صلاة الجماعة- :
يقتضي خلاف ما قلناه ، وهو حصول هذا المقدار من الثواب لمن صلى جماعة في بيته .
فيتصدى النظر:
في مدلول كل واحد من الحديثين بالنسبة إلى العموم والخصوص.

========================= =============

البحث الثاني [المسألة التاسعة] :
هذا الذي ذكرناه:
أمر يرجع إلى المفاضلة بين صلاة الجماعة في المساجد والانفراد .
وهل يحصل للمصلي في البيوت جماعة هذا المقدار من المضاعفة أم لا ؟
والذي يظهر من إطلاقهم :
حصوله .
ولست أعني أنه لا تفضل صلاة الجماعة في البيت على الانفراد فيه.
فإن ذلك لا شك فيه .
إنما النظر:
في أنه هل يتفاضل بهذا القدر المخصوص أم لا ؟
ولا يلزم من عدم هذا القدر المخصوص من الفضيلة :
عدم حصول مطلق الفضيلة .
وإنما تردد أصحاب الشافعي:
في أن إقامة الجماعة في غير المساجد : هل يتأدى بها المطلوب؟
فعن بعضهم:
أنه لا يكفي إقامة الجماعة في البيوت في إقامة الفرض، أعني إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض على الكفاية .
وقال بعضهم :
يكفي إذا اشتهر ، كما إذا صلى صلاة الجماعة في السوق مثلا .
والأول عندي :
أصح ؛ لأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد .
هذا وصف معتبر لا يتأتى إلغاؤه.
وليست هذه المسألة هي التي صدرنا بها هذا البحث أولا:
لأن في هذه:
نظر في أن إقامة الشعار هل تتأدى بصلاة الجماعة في البيوت أم لا ؟
والذي بحثناه أولا :
هو أن صلاة الجماعة في البيت هل تتضاعف بالقدر المخصوص أم لا ؟

========================= ====================

المسألة العاشرة:
حديث أبي هريرة وأبي مسعود ... يدلان على التخفيف في صلاة الإمام .
والحكم فيها مذكور مع علته ، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول .
وفيه - بعد ذلك – بحثان:
أحدهما :
أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم:
1- فحيث يشق على المأمومين التطويل ، ويريدون التخفيف : يؤمر بالتخفيف .
2- وحيث لا يشق ، أو لا يريدون التخفيف : لا يكره التطويل .
وعن هذا قال الفقهاء : إنه إذا علم من المأمومين : أنهم يؤثرون التطويل طول ، كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل فإن ذلك - وإن شق عليهم - فقد آثروه ودخلوا عليه .
الثاني :
التطويل والتخفيف : من الأمور الإضافية:
فقد يكون الشيء طويلا بالنسبة إلى عادة قوم .
وقد يكون خفيفا بالنسبة إلى عادة آخرين .
وقد قال بعض الفقهاء :
إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود .
والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك ، مع أمره بالتخفيف.
فكأن ذلك:
لأن عادة الصحابة لأجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا .
هذا إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عاما في صلواته أو أكثرها .
وإن كان خاصا ببعضها:
فيحتمل أن يكون ؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل.
وهو متردد بين:
1- أن لا يكون تطويلا بسبب ما يقتضيه حال الصحابة.
2- وبين أن يكون تطويلا لكنه بسبب إيثار المأمومين.
وظاهر الحديث المروي : لا يقتضي الخصوص ببعض صلواته صلى الله عليه وسلم .
ثم قال رحمه الله:
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أفعال مختلفة في الطول والقصر ، وصنف فيها بعض الحفاظ كتابا مفردا .
والذي اختاره الشافعية:
التطويل : في قراءة الصبح والظهر ، والتقصير في المغرب ، والتوسط في العصر والعشاء ، وغيرهم يوافق في الصبح والمغرب ، ويخالف في الظهر والعصر والعشاء .
واستمر العمل من الناس:
على التطويل في الصبح ، والقصر في المغرب.
وما ورد على خلاف ذلك من الأحاديث:
فإن ظهرت له علة في المخالفة:
فقد يحمل على تلك العلة ، كما في حديث البراء بن عازب المذكور ، فإنه ذكر " أنه في السفر " فمن يختار أوساط المفصل لصلاة العشاء الآخرة : يحمل ذلك على أن السفر مناسب للتخفيف ، لاشتغال المسافر وتعبه .
والصحيح عندنا:
أن ما صح في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يكثر مواظبته عليه ، فهو جائز من غير كراهة:
1- كحديث جبير بن مطعم في قراءة "الطور" في المغرب.
2- وكحديث قراءة " الأعراف " فيها .
وما صحت المواظبة عليه ، فهو في درجة الرجحان في الاستحباب إلا أن غيره مما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم غير مكروه .
وقد تقدم الفرق:
1- بين كون الشيء مستحبا.
2- وبين كون تركه مكروها .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-20 ||, 12:50 PM
المسألة الحادية عشرة:
اختلف الفقهاء في الإبراد بالظهر في شدة الحر :
1- هل هو سنة.
2- أو رخصة.
وعبر بعضهم بأن قال:
هل الأفضل:
1- التقديم.
2- أو الإبراد ؟
وبنوا على ذلك:
أن من صلى في بيته ، أو مشى في كِنِّ إلى المسجد : هل يسن له الإبراد ؟
1- فإن قلنا : إنه رخصة لم يسن ، إذ لا مشقة عليه في التعجيل.
2- وإن قلنا : إنه سنة أبرد .
والأقرب : أنه سنة:
1- لورود الأمر به.
2- مع ما اقترن به من العلة، وهو أن " شدة الحر من فيح جهنم " وذلك مناسب للتأخير.
3- والأحاديث الدالة على فضيلة التعجيل عامة أو مطلقة وهذا خاص .
ولا مبالاة - مع ما ذكرناه من صيغة الأمر ومناسبة العلة:
بقول من قال: إن التعجيل أفضل، لأنه أكثر مشقة فإن مراتب الثواب إنما يرجع فيها إلى النصوص، وقد يترجح بعض العبادة الخفيفة على ما هو أشق منها بحسب المصالح المتعلقة بها.

========================= ====================

المسألة الثانية عشرة:
قد يستدل به:
على أن أكل هذه الأمور [البصل والثوم] من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة.
وقد يقال:
إن هذا الكلام خرج مخرج الزجر عنها، فلا يقتضي ذلك : أن يكون عذرا في ترك الجماعة، إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة.
ويبعد هذا من وجه:
تقريبه إلى بعض أصحابه فإن ذلك ينافي الزجر.
ثم قال:
وفي رواية :
زيادة " الكراث " وهو في معنى الأول إذ العلة تشمله .
وقد توسع القائسون في هذا:
حتى ذهب بعضهم إلى أن من به بخر ، أو جرح منه ريح يجرى هذا المجرى.
كما أنهم توسعوا:
وأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد - كمصلى العيد ، ومجمع الولائم - مجرى المساجد لمشاركتها في تأذي الناس بها .
وقوله عليه السلام " فإن الملائكة تتأذى " إشارة إلى التعليل بهذا .
وقوله في حديث آخر " يؤذينا بريح الثوم " يقتضي ظاهره : التعليل بتأذي بني آدم .
ولا تنافي بينهما، والظاهر :
أن كل واحد منهما علة مستقلة .

========================= ====================

المسألة الثالثة عشرة:
الحديث دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، وهو مذهب الشافعي.
وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة:
وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف ، وهو الحياة .
لكن اتبع الشافعي الحديث وهو مقدم على القياس .
وغاية ما اعتذر به عن الحديث ما قيل:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علل هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا يعلم وجودها غيره
وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيا .
وهذا الأمر لا يعلم وجوده في غير هذا المحرم لغير النبي صلى الله عليه وسلم والحكم إنما يعم في غير محل النص بعموم علته .
وغير هؤلاء:
يرى أن هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام ، فيعم كل محرم .

========================= ====================

المسألة الرابعة عشرة:
أما حديث ابن عباس:
فقد أطلق فيه القول بأن أم الرجل ماتت وعليها صوم شهر، ولم يقيده بالنذر .
وهو يقتضي :
أن لا يتخصص جواز النيابة بصوم النذر.
وهو منصوص الشافعية ، تفريعا على القول القديم ، خلافا لما قاله أحمد .
ووجه الدلالة من الحديث من وجهين:
أحدهما :
أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحكم غير مقيد، بعد سؤال السائل مطلقا عن واقعة:
1- يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر.
2- ويحتمل أن يكون عن غيره .
فخرج ذلك على القاعدة المعروفة في أصول الفقه:
وهو أن الرسول عليه السلام إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفا : أنه يكون الحكم شاملا للصور كلها .
وهو الذي يقال فيه:
" ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال ، مع قيام الاحتمال : منزل منزلة العموم في المقال " وقد استدل الشافعي بمثل هذا وجعلها كالعموم .
الوجه الثاني:
أن النبي صلى الله عليه وسلم علل قضاء الصوم بعلة عامة للنذر وغيره وهو كونه عليها.
وقاسه على الدين .
وهذه العلة لا تختص بالنذر - أعني كونها حقا واجبا - والحكم يعم بعموم علته.
وقد استدل القائلون بالقياس في الشريعة بهذا [هذه الجملة من ابن دقيق العيد فيها مراعاة أصول المخالف]:
من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قاس وجوب أداء حق الله تعالى على وجوب أداء حق العباد وجعله من طريق الأحق .
فيجوز لغيره القياس لقوله تعالى:{ واتبعوه }
لا سيما وقوله عليه السلام " أرأيت " إرشاد وتنبيه على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس المخاطب.
ثم قال ابن دقيق العيد:
وأما الرواية الثانية :
ففيها ما في الأولى من دخول النيابة في الصوم ، والقياس على حقوق الآدميين ، إلا أنه ورد التخصيص فيها بالنذر .
فقد يتمسك به:
من يرى التخصيص بصوم النذر ، إما بأن يدل دليل على أن الحديث واحد يبين من بعض الروايات : أن الواقعة المسئول عنها واقعة نذر .
فيسقط الوجه الأول : وهو الاستدلال بعدم الاستفصال إذا تبين عين الواقعة.
إلا أنه قد يبعد لتباين بين الروايتين:
فإن في إحداهما " أن السائل رجل " وفي الثانية " أنه امرأة " وقد قررنا في علم الحديث : أنه يعرف كون الحديث واحدا باتحاد سنده ومخرجه ، وتقارب ألفاظه .
وعلى كل حال .
فيبقى الوجه الثاني:
وهو الاستدلال بعموم العلة على عموم الحكم .
وأيضا فإن معنا عموما:
وهو قوله عليه السلام: { من مات وعليه صيام صام عنه وليه } فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر، مع ذلك العموم راجعا إلى مسألة أصولية .
وهو أن التنصيص على بعض صور العام لا يقتضي التخصيص وهو المختار في علم الأصول.
وقد تشبث بعض الشافعية:
بأن يقيس الاعتكاف والصلاة على الصوم في النيابة، وربما حكاه بعضهم وجها في الصلاة فإن صح ذلك فقد يستدل بعموم هذا التعليل .
قال أبو فراس:
وقد يعارض بأن النيابة في الصوم خارجة عن القياس لكونها تكليف بما في ذمة الغير، فلا يقاس عليه بناء بأن المعدول به عن سنن القياس لا يقاس عليه.
والجواب بمعارضة إطلاق هذه القاعدة لأن ما خرج عن سنن القياس قد يكون لعلة معلومة فيصح القياس عليه أو بعبارة أخرى: يصح تعميم معناها في نظائرها.

========================= ====================

المسألة الخامسة عشرة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {لا يصومن أحدكم يوم الجمعة ، إلا أن يصوم يوما قبله ، أو يوما بعده } .
حديث أبي هريرة يبين المطلق في الرواية الأولى، ويوضح:
أن المراد إفراده بالصوم.
ويظهر منه:
أن العلة هي الإفراد بالصوم.
ويبقى النظر:
هل ذلك:
1- مخصوص بهذا اليوم.
2- أم نعديه إلى قصد غيره بالتخصيص بالصوم ؟
وقد أشرنا إلى الفرق:
1- بين تخصيصه.
2- وتخصيص غيره.
بأن الداعي ههنا إلى تخصيصه عام بالنسبة إلى كل الأمة فالداعي إلى حماية الذريعة فيه أقوى من غيره .
فمن هذا الوجه :
يمكن تخصيص النهي به.
ولو قدرنا:
1- أن العلة تقتضي عموم النهي عن التخصيص بصوم غيره.
2- ووردت دلائل تقتضي تخصيص البعض باستحباب صومه بعينه.
لكانت:
مقدمة على العموم المستنبط من عموم العلة.
لجواز:
أن تكون العلة قد اعتبر فيها وصف من أوصاف محل النهي
والدليل الدال على الاستحباب:
لم يتطرق إليه احتمال الرفع فلا يعارضه ما يحتمل فيه التخصيص ببعض أوصاف المحال .

========================= ====================


المسألة السادسة عشرة:
المشهور في الرواية:
" خمس " بالتنوين " فواسق ".
ويجوز:
خمس فواسق بالإضافة من غير تنوين.
وهذه الرواية التي ذكرها المصنف تدل على صحة المشهور:
فإنه أخبر عن " خمس " بقوله " كلهن فواسق " وذلك يقتضي أن ينون " خمس " فيكون " فواسق " خبرا .
وبين التنوين والإضافة في هذا فرق دقيق في المعنى وذلك :
أن الإضافة:
1- تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل .
2- وربما أشعر التخصيص بخلاف الحكم في غيرها وبطريق المفهوم .
وأما مع التنوين :
1- فإنه يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى.
2- وقد يشعر بأن الحكم المرتب على ذلك - وهو القتل - معلل بما جعل وصفا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب ، وهو ضد ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو التخصيص .
========================= ===========
المسألة السابعة عشرة:
اختلفوا:
1- في الاقتصار على هذه الخمسة.
2- أو التعدية لما هو أكثر منها بالمعنى.
فقيل : بالاقتصار عليها:
وهو المذكور في كتب الحنفية .
ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة: أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها.
وعدوا ذلك من مناقضاته.
والذي قالوا بالتعدية اختلفوا في المعنى الذي به التعدية:
فنقل عن بعض الشارحين :
أن الشافعي قال : المعنى في جواز قتلهن : كونهن مما لا يؤكل ، فكل ما لا يؤكل قتله جائز للمحرم ، ولا فدية عليه.
وقال مالك :
المعنى فيه كونهن مؤذيات ، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله ، وما لا فلا .
وهذا عندي فيه نظر [أي نقل بعض الشارحين عن الشافعي كما نبه على ذلك الصنعاني في حاشيته]:
فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد ، وإنما يرى الشافعي جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول.
وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل مما ليس فيه ضرر : فغير هذا .
ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه:
أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر ، وما في معناهما من بقية السباع العادية.
والشافعية يردون هذا:
بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس ، وهو الأذى الطبيعي ، والعدوان المركب في هذه الحيوانات ، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدى القائسون إلى كل ما وجد فيه المعنى ذلك الحكم ، كما في الأشياء الستة التي في باب الربا.
وقد وافقه أبو حنيفة على التعدية فيها ، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي يعدى به .
قال الصنعاني في حاشيته:
مراده هنا إلزام أبي حنيفة أن يعدي الحكم عن الخمسة إلى كل ما يشاركها في العلة كما عداه في باب الربا فهذا الإلزام لأبي حنيفة.
ثم قال ابن دقيق العيد:
وأقول : المذكور ثم :
هو تعليق الحكم بالألقاب ، وهو لا يقتضي مفهوما عند الجمهور ، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ ، والمذكور ههنا مفهوم عدد ، وقد قال به جماعة ، فيكون اللفظ للتخصيص ، وإلا بطلت فائدة التخصيص بالعدد ، وعلى هذا المعنى عول بعض مصنفي الحنفية في التخصيص بالخمس المذكورات - أعني مفهوم العدد - وذكر غير ذلك مع هذا أيضا .
واعلم:
أن التعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ : قوي ، بالإضافة إلى تصرف القائسين ، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق ، وهو الخروج عن الحد.
وأما التعليل بحرمة الأكل :
ففيه إبطال ما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق ؛ لأن مقتضى العلة : أن يتقيد الحكم بها وجودا وعدما ، فإن لم يتقيد ، وثبت الحكم حيث تعدم : بطل تأثيرها بخصوصها في الحكم ، حيث ثبت الحكم مع انتفائها ، وذلك بخلاف ما دل عليه النص من التعليل بها .



========================= ====================


المسألة الثامنة عشرة:
القائلون بالتخصيص بالخمسة المذكورة وما جاء معها في حديث آخر من ذكر الحية:
وفوا بمقتضى مفهوم العدد.
والقائلون بالتعدية إلى غيرها:
يحتاجون إلى ذكر السبب في تخصيص المذكورات بالذكر:
وقال من علل بالأذى :
إنما خصت بالذكر لينبه بها على ما في معناها ، وأنواع الأذى مختلف فيها ، فيكون ذكر كل نوع منها منبها على جواز قتل ما فيه ذلك النوع ، فنبه بالحية والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع ، كالبرغوث مثلا عند بعضهم ، ونبه بالفأرة على ما أذاه بالنقب والتقريض ، كابن عرس ، ونبه بالغراب والحدأة على ما أذاه بالاختطاف كالصقر والباز ، ونبه بالكلب العقور على كل عاد بالعقر والافتراس بطبعه ، كالأسد والفهد والنمر .
وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل :
فقد أحالوا التخصيص في الذكر بهذه الخمسة على الغالب ، فإنها الملابسات للناس والمخالطات في الدور ، بحيث يعم أذاها ، فكان ذلك سببا للتخصيص ، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم ، على ما عرف في الأصول.
إلا أن خصومهم:
جعلوا هذا المعنى معترضا عليهم في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية .
وتقريره :
أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسا شرطه مساواة الفرع للأصل أو رجحانه أما إذا انفرد
الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر ، فلا إلحاق .
ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى - كما ذكرتم - ناسب أن يكون ذلك سببا لإباحة قتلها ، لعموم ضررها ، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعم ضرره مما لا يخالط في المنازل ، فلا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله ، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات ، فلا يلحق به.
وأجاب الأولون عن هذا بوجهين :
أحدهما : أن الكلب العقور نادر ، وقد أبيح قتله .
والثاني : معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر .
ألا ترى أن تأثير الفأرة بالنقب - مثلا - والحدأة بخطف شيء يسير لا يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس ؟ فكان إباحة القتل أولى .

========================= ====================

المسألة التاسعة عشرة:
اختلفوا في الكلب العقور:
فقيل : هو الإنسي المتخذ .
وقيل : هو كل ما يعدو ، كالأسد والنمر .
واستدل هؤلاء:
بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب " بأن يسلط الله عليه كلبا من كلابه: افترسه السبع " فدل على تسميته بالكلب .
ويرجح الأولون قولهم :
بأن إطلاق اسم الكلب على غير الإنسي المتخذ : خلاف العرف، واللفظة إذا نقلها أهل العرف إلى معنى ، كان حملها عليه أولى من حملها على المعنى اللغوي .
يقول الصنعاني في حاشيته:
وحاصله: تسليم أنه كان في أصل اللغة يعم ما يعدو، ولكنه صار في عرفها خاصا بهذا النوع، والحقيقة العرفية مقدمة لأنها المتبادرة عند الإطلاق....

========================= ====================


المسألة العشرون:
استدل به [أي بحديث الفواسق الخمس]:
على أنه يقتل في الحرم من لجأ إلى الحرم بعد قتله لغيره مثلا ، على ما هو مذهب الشافعي .
وعلل ذلك:
بأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم : معلل بالفسق والعدوان فيعم الحكم بعموم العلة .
والقاتل عدوانا فاسق بعدوانه، فتوجد العلة في قتله ، فيقتل بالأولى ؛ لأنه مكلف .
وهذه الفواسق فسقها طبعي، ولا تكليف عليها، والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتكٌ لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه .
وهذا عندي:
ليس بالهين، وفيه غور ، فليتنبه له، والله أعلم .

يقول الصنعاني:


قوله: "وهذا عندي ليس بالهين" أقول: يريد أن الاستدلال بذلك قوي....

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-21 ||, 03:00 PM
المسألة الحادية والعشرون:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
{ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة قال المشركون : إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ، وأن يمشوا ما بين الركنين ، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها : إلا الإبقاء عليهم }
قيل:
إن هذا القدوم لم يكن في الحجة ، وإنما كان في عمرة القضاء فأخذ من هذا : أنه نسخ منه عدم الرمل فيما بين الركنين .
فإنه ثبت:
{ أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر }
وذكر : أنه كان في الحج فيكون متأخرا ، فيقدم على المتقدم .
وفيه دليل:
على استحباب الرمل:
والأكثرون:
على استحبابه مطلقا في طواف القدوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وإن كانت العلة التي ذكرها ابن عباس قد زالت.
فيكون استحبابه:
1- في ذلك الوقت لتلك العلة.
2- وفيما بعد ذلك تأسيا واقتداء بما فعل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم .
وفي ذلك من الحكمة:
تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها : مصالح دينية، إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى ، والمبادرة إليه ، وبذل الأنفس في ذلك .
وبهذه النكتة يظهر لك:
أن كثيرا من الأعمال التي وقعت في الحج ، ويقال فيها " إنها تعبد " ليست كما قيل .
ألا ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها :
حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين ، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله ، فكان هذا التذكر باعثا لنا على مثل ذلك ، ومقررا في أنفسنا تعظيم الأولين .
وذلك معنى معقول .
مثاله :
1- السعي بين الصفا والمروة:
إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه :
قصة هاجر مع ابنها ، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية ، مع ما أظهره الله تعالى لهما من الكرامة، والآية في إخراج الماء لهما - كان في ذلك مصالح عظيمة أي في التذكر لتلك الحال .
2- وكذلك " رمي الجمار ":
إذا فعلناه ، وتذكرنا أن سببه :
رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده: حصل من ذلك مصالح عظيمة النفع في الدين .
نقل الصنعاني في الحاشية عن الطبري قوله:
قد ثبت أن الشارع رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل بل لهيئة مخصوصة كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها فلا شيء عليه.




المسألة الثانية والعشرون:
اختلف الناس : هل تعم الأركان كلها بالاستلام ، أم لا ؟
والمشهور بين علماء الأمصار :
ما دل عليه هذا الحديث وهو اختصاص الاستلام بالركنين اليمانيين .
وعلته :
أنهما على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأما الركنان الآخران فاستقصرا عن قواعد إبراهيم .
كذا ظن ابن عمر ، وهو تعليل مناسب .
وعن بعض الصحابة :
أنه كان يستلم الأركان كلها ، ويقول " ليس شيء من البيت مهجورا ".
واتباع ما دل عليه الحديث أولى:
فإن الغالب على العبادات :
الاتباع.
لا سيما:
إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العلة، وهنا أمر زائد، وهو إظهار معنى للتخصيص غير موجود فيما ترك فيه الاستلام .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-28 ||, 01:49 PM
المسألة الثالثة والعشرون:

استدل به على أن التمتع أفضل .
ووجه الدليل:
أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى ما يكون به متمتعا لو وقع وإنما يتمنى الأفضل مما حصل .
ويجاب عنه:
بأن الشيء قد يكون أفضل بالنظر إلى ذاته ، بالنسبة إلى شيء آخر ، وبالنظر إلى ذات ذلك الشيء الآخر .
ثم يقترن بالمفضول:
في صورة خاصة ما يقتضي ترجيحه ولا يدل ذلك على أفضليته من حيث هو هو، وههنا كذلك .
فإن هذا التلهف اقترن به قصد موافقة الصحابة في فسخ الحج إلى العمرة، لما شق عليهم ذلك .
وهذا أمر زائد على مجرد التمتع.
وقد يكون التمتع مع هذه الزيادة أفضل.
ولا يلزم من ذلك:
أن يكون التمتع بمجرده أفضل .
وقوله صلى الله عليه وسلم " ولولا أن معي الهدي لأحللت " معلل بقوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } وفسخ الحج إلى العمرة : يقتضي التحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة .
ولو تحلل بالحلق عند الفراغ من العمرة : لحصل الحلق قبل بلوغ الهدي محله .
وقد يؤخذ من هذا - والله أعلم -:
التمسك بالقياس .
فإنه يقتضي:
تسوية التقصير بالحلق في منعه قبل بلوغ الهدي محله ، مع أن النص لم يرد إلا في الحلق .
فلو وجب الاقتصار على النص ، لم يمتنع فسخ الحج إلى العمرة لأجل هذه العلة، فإنه حينئذ كان يمكن التحلل من العمرة بالتقصير .
ويبقى النص معمولا به في منع الحلق ، حتى يبلغ الهدي محله فحيث حكم بامتناع التحلل من العمرة ، وعلل بهذه العلة : دل ذلك على أنه أجرى التقصير مجرى الحلق في امتناعه قبل بلوغ الهدي محله ، مع أن النص لم يدل عليه بلفظه ، وإنما ألحق به بالمعنى .
قال أبو فراس:
رحم الله ابن دقيق العيد، ما أدق مآخذه، فإنه مع صحة هذا القياس فإنه قد طرق محلاً خلوا من النص الصريح، فكان مؤديا لغرضه من تحقيق القياس الصحيح على مذهب الجمهور ومحوجاً لنفاته أن يتكلفوا له الجواب عما ألزمهم به، فإن عزَّ لهم الجواب فإن ما ذكره ابن دقيق العيد لازمٌ لهم.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-07-30 ||, 03:09 PM
المسألة الرابعة والعشرون:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يبيت بمكة ليالي منى ، من أجل سقايته فأذن له} .
الشرح
أخذ منه أمران:
أحدهما: حكم المبيت بمنى ، وأنه من مناسك الحج وواجباته : وهذا من حيث قوله " أذن للعباس من أجل سقايته " فإنه يقتضي أن الإذن لهذه العلة المخصوصة ، وأن غيرها لم يحصل فيه الإذن .
الثاني: أنه يجوز المبيت لأجل السقاية .
ومدلول الحديث:
تعليق هذا الحكم بوصف السقاية ، وباسم العباس : فتكلم الفقهاء في أن هذا من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم .
فأما غير العباس:
فلا يختص به الحكم اتفاقا ، لكن اختلفوا فيما زاد على ذلك : فمنهم من قال : يختص هذا الحكم بآل العباس .
ومنهم من عمَّه:
في بني هاشم .
ومنهم من عمَّ ، وقال :
كل من احتاج إلى المبيت للسقاية فله ذلك .
وأما تعليقه بسقاية العباس :
فمنهم من خصصه بها ، حتى لو عملت سقاية أخرى لم يرخص في المبيت لأجلها .
والأقرب:
اتباع المعنى ، وأن العلة : الحاجة إلى إعداد الماء للشاربين.
========================= =======

المسألة الخامسة والعشرون:
عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه قال:
{ انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر ، وهي يومئذ صلح ، فتفرقا ، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل - وهو يتشحط في دمه قتيلا - فدفنه ، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كبر ، كبر - وهو أحدث القوم - فسكت فتكلما ، فقال : أتحلفون وتستحقون قاتلكم ، أو صاحبكم ؟ قالوا : وكيف نحلف ، ولم نشهد ، ولم نر ؟ قال : فتبرئكم يهود بخمسين يمينا قالوا : كيف بأيمان قوم كفار ؟ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده .}
الحديث ورد بالقسامة في قتيل حر ، وهل تجري القسامة في بدل العبد ؟
فيه قولان للشافعي.
وكأن منشأ الخلاف:
أن هذا الوصف - أعني الحرية - هل له مدخل في الباب، أو اعتبار ، أم لا ؟
فمن اعتبره:
يجعله جزءا من العلة ، إظهارا لشرف الحرية.
ومن لم يعتبره ، قال :
إن السبب في القسامة: إظهار الاحتياط في الدماء والصيانة من إضاعتها .
وهذا القدر شامل لدم الحر ودم العبد ، وألغي وصف " الحرية " بالنسبة إلى هذا المقصود ، وهو جيد .
========================= =======


المسألة السادسة والعشرون:
مذهب أهل الحجاز:
أن المدعي في محل القسامة يبدأ به في اليمين ، كما اقتضاه الحديث.
ونقل عن أبي حنيفة خلافه.
وكأنه قدم المدعي ههنا - على خلاف قياس الخصومات -:
بما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث ، مع عظم قدر الدماء ، ولينبه على أنه ليس كل واحد من هذين المعنيين بعلة مستقلة بل ينبغي أن يجعل كل واحد جزء علة .

========================= =======


المسألة السابعة والعشرون:

عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال:
{ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة ، فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلا وغنما وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت ، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فند منها بعير فطلبوه فأعياهم ، وكان في القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم ، فحبسه الله فقال : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا قلت : يا رسول الله ، إنا لاقو العدو غدا ، وليس معنا مدى .
أفنذبح بالقصب ؟ قال : ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه ، فكلوه ، ليس السن والظفر ، وسأحدثكم عن ذلك ، أما السن : فعظم ، وأما الظفر : فمدى الحبشة }
قوله " وذكر اسم الله عليه ":
دليل على اشتراط التسمية أيضا فإنه علق الإذن بمجموع أمرين والمعلق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما.
وفيه دليل:
على منع الذبح بالسن والظفر ، وهو محمول على المتصلين وقد ذكرت العلة فيهما في الحديث.
واستدل به قوم:
على منع الذبح بالعظم مطلقا لقوله عليه السلام " أما السن : فعظم " علل منع الذبح بالسن بأنه عظم والحكم يعم بعموم علته .

========================= =======


المسألة الثامنة والعشرون:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
{ لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين } .
اختلف الناس : هل تعم الأركان كلها بالاستلام ، أم لا ؟
والمشهور بين علماء الأمصار:
ما دل عليه هذا الحديث، وهو اختصاص الاستلام بالركنين اليمانيين .
وعلته:
أنهما على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأما الركنان الآخران فاستقصرا عن قواعد إبراهيم .
كذا ظن ابن عمر، وهو تعليل مناسب .
وعن بعض الصحابة :
أنه كان يستلم الأركان كلها ، ويقول " ليس شيء من البيت مهجورا " واتباع ما دل عليه الحديث أولى .
1- فإن الغالب على العبادات : الاتباع.
2- لاسيما إذا وقع التخصيص مع توهم الاشتراك في العلة.
3- وهنا أمر زائد: وهو إظهار معنى للتخصيص غير موجود فيما ترك فيه الاستلام.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-03 ||, 01:52 AM
المسألة التاسعة والعشرون:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
{ من أدرك ماله بعينه عند رجل - أو إنسان - قد أفلس فهو أحق به من غيره } .
فيه مسائل:
الأولى:
رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس ، أو الموت .
فيه ثلاثة مذاهب:
الأول : أنه يرجع إليه في الموت والفلس، وهذا مذهب الشافعي .
والثاني : أنه لا يرجع إليه ، لا في الموت ولا في الفلس وهو مذهب أبي حنيفة .
والثالث : يرجع إليه في الفلس دون الموت، ويكون في الموت أسوة الغرماء، وهو مذهب مالك.
وهذا الحديث دليل على الرجوع في الفلس:
ودلالته قوية جدا ، حتى قيل : إنه لا تأويل له.
وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي:
لو قضى القاضي بخلافه نقض حكمه .
ورأيت في تأويله وجهين ضعيفين :
أحدهما : أن يحمل على الغصب الوديعة ، لما فيه من اعتبار حقيقة المالية .
وهو ضعيف جدا ؛ لأنه يبطل فائدة تعليل الحكم بالفلس .
الثاني : أن يحمل على ما قبل القبض .
وقد استضعف بقوله صلى الله عليه وسلم " أدرك ماله ، أو وجد متاعه " فإن ذلك يقتضي إمكان العقد وذلك بعد خروج السلعة من يده .



========================= ===============


المسألة الثلاثون:

حديث المسيء صلاته:
الوجه الرابع من الكلام على الحديث :
استدل بقوله " فكبر " على وجوب التكبير بعينه .
وأبو حنيفة يخالف فيه ، ويقول : إذا أتى بما يقتضي التعظيم ، كقوله " الله أجل " أو " أعظم " كفى .
وهذا نظر منه إلى المعنى ، وأن المقصود التعظيم ، فيحصل بكل ما دل عليه .
وغيره اتبع اللفظ .
وظاهره تعيين التكبير .
ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات .
ويكثر ذلك فيها .
فالاحتياط فيها الاتباع .
وأيضا:
فالخصوص قد يكون مطلوبا ، أعني خصوص التعظيم بلفظ " الله أكبر " وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلقة ، كما تدل عليه الأحاديث فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى ، ولا يعارض هذا: أن يكون أصل المعنى مفهوما .
فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل ، كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع ، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به .
ويتأيد هذا:
باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة، أعني " الله أكبر".
وأيضا:
فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة ويخرج على هذا حكم هذه المسألة .
فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير .
وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرا وتفصيلا .
وعلى تقدير تقريرها مطلقا يخرج ما ذكرناه .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-03 ||, 06:58 PM
المسألة الواحدة والثلاثون:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
{ بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل .
فقال : يا رسول الله ، هلكت .
قال : ما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي ، وأنا صائم - وفي رواية : أصبت أهلي في رمضان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا .
قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا .
قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا .
قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السائل ؟ قال : أنا .
قال : خذ هذا ، فتصدق به .
فقال الرجل : على أفقر مني : يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي .
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه .
ثم قال : أطعمه أهلك } .
قوله " فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ ":
يدل على وجوب إطعام هذا العدد .
ومن قال بأن الواجب إطعام ستين مسكينا فهذا الحديث يرد عليه من وجهين :
أحدهما : أنه أضاف " الإطعام " الذي هو مصدر " أطعم " إلى ستين .
ولا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام .
الثاني: أن القول بإجزاء ذلك عمل بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال وقد عرف ما في ذلك في أصول الفقه .

========================= ===

المسألة الثانية والثلاثون:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
{ إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها .
قال : فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن .
قال : فأقبل عليه عبد الله ، فسبه سبا سيئا ، ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟ } وفي لفظ { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } .
الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان وقوله في الرواية الأخرى { لا تمنعوا إماء الله } يشعر أيضا بطلبهن للخروج فإن المانع إنما يكون بعد وجود المقتضى .
ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن ؛ لأنه لو كان ممتنعا لم ينه الرجال عن منعهن منه .
والحديث عام في النساء ، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات : منها : أن لا يتطيبن.
وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات { وليخرجن تفلات } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة } فألحق بالطيب ما في معناه .
فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم .
وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة أيضا .
فما أوجب هذا المعنى التحق به .
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة } ويلحق به أيضا : حسن الملابس ، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة .
وحمل بعضهم قول عائشة رضي الله عنها في الصحيح " لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده : لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل " على هذا ، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة .
ومما خص به بعضهم هذا الحديث : أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة .
ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص : أن يكون بالليل، وقد ورد في كتاب مسلم ما يشعر بهذا المعنى

========================= =========

المسألة الثالثة والثلاثون:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين } .
الرابع : قد يستدل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء .
فإن مسمى السجود يحصل بالوضع .
فمن وضعها فقد أتى بما أمر به .
فوجب أن يخرج عن العهدة .
وهذا يلتفت إلى بحث أصولي:
وهو أن الإجزاء في مثل هذا هل هو راجع إلى اللفظ؟
أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به ، مضموما إلى فعل المأمور به ؟ .
وحاصله:
أن فعل المأمور به : هل هو علة الإجزاء ، أو جزء علة الإجزاء ؟
ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب .
وكذلك القدمان .
أما الأول: فلما يحذر فيه من كشف العورة .
وأما الثاني: وهو عدم كشف القدمين فعليه دليل لطيف جدا ؛ لأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف .
فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين .
وانتقضت الطهارة ، وبطلت الصلاة .
وهذا باطل .
ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخف ، فيدل عليه بحديث صفوان الذي فيه { أمرنا أن لا ننزع خفافنا } - إلى آخره " .
فتقول : لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدة التي دل عليها لفظة " أمرنا " المحمولة على الإباحة .
وأما اليدان:
فللشافعي تردد في وجوب كشفهما .

أبو حزم فيصل بن المبارك
08-08-04 ||, 12:36 AM
جزاك الله خيرا
وبارك فيك
على هذه الفوائد الجياد
واصل يرحمك الله

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-05 ||, 01:30 PM
جزاك الله خيرا
وبارك فيك
على هذه الفوائد الجياد
واصل يرحمك الله

أعاننا الله وإياك لما يحبه ويرضى، وتقبل الله دعاءك وشكر الله لك مرورك

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-05 ||, 01:33 PM
المسألة الرابعة والثلاثون:

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه:
{ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها }
والكلام على هذا الحديث من وجهين :
أحدهما :النظر في هذا الحمل ووجه إباحته .

فقد تكلموا في تخريجه على وجوه :

أحدها : أن ذلك في النافلة وهو مروي عن مالك .
وكأنه لما رأى المسامحة في النافلة قد تقع في بعض الأركان والشرائط ، كان ذلك تأنيسا بالمسامحة في مثل هذا.
ورد هذا القول:
بما وقع في بعض الروايات الصحيحة { بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر - أو العصر - خرج علينا حاملا أمامة } - وذكر الحديث .
وظاهره يقتضي : أن ذلك كان في الفريضة ، وإن كان يحتمل أنه في نافلة سابقة على الفريضة .
ومما يبعد هذا التأويل:
أن الغالب في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت في الفرائض دون النوافل .
وهذا يتوقف على أن يكون الدليل قائما على كون النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما .
وقد ورد ذلك مصرحا به في رواية سفيان بن عيينة بسنده إلى { أبي قتادة الأنصاري، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس ، وأمامة بنت أبي العاص - وهي بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - على عاتقه } الحديث " .

الوجه الثاني : أن هذا الفعل كان للضرورة .
وهو مروي أيضا عن مالك وفرق بعض أتباعه بين أن تكون الحاجة شديدة ، بحيث لا يجد من يكفيه أمر الصبي ، ويخشى عليه .
فهذا يجوز في النافلة والفريضة .
وإن كان حمل الصبي في الصلاة على معنى الكفاية لأمه ، لشغلها بغير ذلك : لم يصلح إلا في النافلة .
وهذا أيضا عليه من الإشكال:
أن الأصل استواء الفرض والنفل في الشرائط والأركان إلا ما خصه الدليل .

الوجه الثالث : أن هذا منسوخ، وهو مروي أيضا عن مالك .
قال أبو عمر : ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها .
وقد رد هذا:
بأن قوله صلى الله عليه وسلم { إن في الصلاة لشغلا } كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة .
فإن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك ، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه إثبات النسخ بمجرد الاحتمال .

الوجه الرابع : أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم .
ذكره القاضي عياض .
وقد قيل :
هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يؤمن من الطفل البول وغير ذلك على حامله .
وقد يعصم منه النبي صلى الله عليه وسلم وتعلم سلامته من ذلك مدة حمله .
وهذا الذي ذكره :
إن كان دليلا على الخصوص فبالنسبة إلى ملابسة الصبية ، مع احتمال خروج النجاسة منها .
وليس في ذلك تعرض لأمر الحمل بخصوصه الذي الكلام فيه .
ولعل قائل هذا:
لما أثبت الخصوصية في الحمل بما ذكره - من اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بجواز علمه بعصمة الصبية من البول حالة الحمل - تأنس بذلك .
فجعله مخصوصا بالعمل الكثير أيضا .
فقد يفعلون ذلك في الأبواب التي ظهرت خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، ويقولون : خص بكذا في هذا الباب .
فيكون هذا مخصوصا .
إلا أن هذا ضعيف من وجهين :
أحدهما : أنه لا يلزم من الاختصاص في أمر : الاختصاص في غيره بلا دليل ، فلا يدخل القياس في مثل هذا .
والأصل عدم التخصيص .
الثاني : أن الذي قرب دعواه الاختصاص لجواز الحمل : هو ما ذكره من جواز اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم بالعصمة من البول .
وهذا معنى مناسب لاختصاصه بجواز ملابسته للصبية في الصلاة .
وهو معدوم فيما نتكلم فيه من أمر الحمل بخصوصه .
فالقول بالاختصاص فيه قول بلا علة تناسب الاختصاص .

الوجه الخامس : حمل هذا الفعل على أن تكون أمامة في تعلقها بالرسول صلى الله عليه وسلم وتأنسها به ، كانت تتعلق به بنفسها فيتركها فإذا أراد السجود وضعها : فإن الفعل الصادر منه : إنما هو الوضع لا الرفع ، فيقل العمل الذي توهم من الحديث .
ولقد وقع لي أن هذا حسن .
فإن لفظة " وضع " لا تساوي " حمل " في قضاء فعل الفاعل .
فإنا نقول لبعض الحوامل " حمل كذا " وإن لم يكن هو فعل الحمل .
ولا يقال " وضع " إلا بفعل حتى نظرت في بعض طرق الحديث الصحيحة.
فوجدت فيه " فإذا قام أعادها " وهذا يقتضي الفعل ظاهرا .
الوجه السادس : وهو معتمد بعض مصنفي أصحاب الشافعي ، وهو أن العمل
الكثير إنما يفسد إذا وقع متواليا ، وهذه الأفعال قد لا تكون متوالية فلا تكون مفسدة .
والطمأنينة في الأركان - لا سيما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم - تكون فاصلة .
ولا شك أن مدة القيام طويلة فاصلة.
وهذا الوجه إنما يخرج به إشكال كونه عملا كثيرا ، ولا يتعرض لمطلق الحمل .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-12 ||, 02:09 PM
المسألة الخامسة والثلاثون:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
{ اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب } .
لعل " الاعتدال " ههنا محمول على أمر معنوي .
وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع وعلى وفق الأمر .
فإن الاعتدال الخلقي الذي طلبناه في الركوع لا يتأدى في السجود .
فإنه ثم : استواء الظهر والعنق ، والمطلوب هنا : ارتفاع الأسافل على الأعالي ، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي ومما يقوي هذا الاحتمال : أنه قد يفهم من قوله عقيب ذلك { ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب } أنه كالتتمة للأول.
وأن الأول كالعلة له .
فيكون الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علة لترك الانبساط انبساط الكلب .
فإنه مناف لوضع الشرع .
وقد تقدم الكلام في كراهة هذه الصفة .
وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقرونا بعلته .
فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة .
ومثل هذا التشبيه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة قال: { مثل الراجع في هبته: كالكلب يعود في قيئه } أو كما قال .


المسألة السادسة والثلاثون:

واختلف الفقهاء في محل السجود:
فقيل : كله قبل السلام، وهو مذهب الشافعي.
وقيل : كله بعد السلام، وهو مذهب أبي حنيفة .
وقيل : ما كان من نقص فمحله قبل السلام، وما كان من زيادة فمحله بعد السلام .
وهو مذهب مالك، وأومأ إليه الشافعي في القديم .
وقد ثبت في الأحاديث السجود بعد السلام في الزيادة ، وقبله في النقص .
واختلف الفقهاء:
فذهب مالك إلى الجمع:
بأن استعمل كل حديث قبل السلام في النقص ، وبعده في الزيادة....
وذهب أحمد بن حنبل:
إلى الجمع بين الأحاديث بطريق أخرى ، غير ما ذهب إليه مالك:
وهو أن يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه حديث فمحل السجود فيه قبل السلام .
وكأن هذا:
نظر إلى أن الأصل في الجابر : أن يقع في المجبور ، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا في مورد النص .
ويبقى فيما عداه على الأصل .
وهذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع ، وعدم سلوك طريق الترجيح ، لكنهما اختلفا في وجه الجمع .
ويترجح قول مالك:
بأن تذكر المناسبة في كون سجود السهو قبل السلام عند النقص.
وبعده عند الزيادة .
وإذا ظهرت المناسبة - وكان الحكم على وفقها - كانت علة ، وإذ كانت علة : عم الحكم
فلا يتخصص ذلك بمورد النص .


المسألة السابعة والثلاثون:

عن عائشة رضي الله عنها قالت :
{ لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، يقال لها : مارية - وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة - فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها ، فرفع رأسه صلى الله عليه وسلم وقال : أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ، ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله.}
فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل .
وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور .
ولقد أبعد غاية البعد من قال:
إن ذلك محمول على الكراهة ، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان ، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده - لا يساويه في هذا المعنى.
فلا يساويه في هذا التشديد - هذا أو معناه - وهذا القول عندنا باطل قطعا .
لأنه قد ورد في الأحاديث:
الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين .
وأنهم يقال لهم " أحيوا ما خلقتم " وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل وقد صرح بذلك في قوله عليه السلام { المشبهون بخلق الله } وهذه علة عامة مستقلة مناسبة .
لا تخص زمانا دون زمان .
وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي .
يمكن أن يكون هو المراد ، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله .

محمد بن حسين الأنصاري
08-08-14 ||, 07:20 PM
جهد مبارك.. وعمل جليل..
يدل على العناية والبذل للعلم والمعرفة..
أرجو من شخكم الكريم جمع هذه المادة عند الانتهاء منها في ملف واحد ليسهل الرجوع إليها.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-08-14 ||, 10:24 PM
جهد مبارك.. وعمل جليل..
يدل على العناية والبذل للعلم والمعرفة..
أرجو من شخصكم الكريم جمع هذه المادة عند الانتهاء منها في ملف واحد ليسهل الرجوع إليها.

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم ...
سأفعل إن شاء الله قريبا لكن أمهلني بعض الوقت حتى أفرغ من تسجيل النتائج المستخلصة من هذه الأمثلة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-02-12 ||, 01:18 PM
المسألة الثامنة والثلاثون:

عن رافع بن خديج رضي الله عنه:
{ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث ، وكسب الحجام خبيث }
وأما " الكلب " فإذا قيل بثبوت الحديث الذي يدل على جواز بيع كلب الصيد : كان ذلك دليلا على طهارته .
وليس يدل النهي عن بيعه على نجاسته ؛ لأن علة منع البيع : متعددة لا تنحصر في النجاسة




المسألة التاسعة والثلاثون:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
{من السنة إذا تزوج البكر على الثيب : أقام عندها سبعا ثم قسم .
وإذا تزوج الثيب : أقام عندها ثلاثا ثم قسم .
قال أبو قلابة ولو شئت لقلت : إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم } .
الحديث يقتضي : أن هذا الحق للبكر أو الثيب : إنما هو فيه إذا كانتا متجددتين على نكاح امرأة قبلهما ، ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة ، وإن لم يكن قبلها غيرها وقد استمر عمل الناس على هذا ، وإن لم يكن قبلها امرأة في النكاح ، والحديث لا يقتضيه .
وتكلموا في علة هذا:
فقيل : إنه حق للمرأة على الزوج ، لأجل إيناسها وإزالة الحشمة عنها لتجددها ، أو يقال : إنه حق للزوج على المرأة .
وأفرط بعض الفقهاء من المالكية:
فجعل مقامه عندها عذرا في إسقاط الجمعة إذا جاءت في أثناء المدة .
وهذا ساقط ، مناف للقواعد ، فإن مثل هذا من الآداب أو السنن ، لا يترك له الواجب.
ولما شعر بهذا بعض المتأخرين وأنه لا يصلح أن يكون عذرا :
توهم أن قائله يرى الجمعة فرض كفاية ، وهو فاسد جدا ؛ لأن قول هذا القائل متردد ، محتمل أن يكون جعله عذرا ، أو أخطأ في ذلك وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلت عليه النصوص وعمل الأمة ، من وجوب الجمعة على الأعيان .




المسألة الأربعون:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
{ إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها ، أو يلعقها } .
وقد جاءت علة هذا مبينة في بعض الروايات:
{ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة }
وقد يعلل:
بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة تلويث لما مسح به ، مع الاستغناء عنه بالريق ولكن إذا صح الحديث بالتعليل لم نعدل عنه .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-06-14 ||, 08:52 PM
ما تعليق الإخوة؟







المسألة السابعة:
الظاهرية أخذوا بظاهر الحديث في تقديم الطعام على الصلاة .
وزادوا - فيما نقل عنهم - فقالوا : إن صلى فصلاته باطلة .
وأما أهل القياس والنظر: فإنهم نظروا إلى المعنى ، وفهموا : أن العلة التشويش ، لأجل التشوف إلى الطعام، وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها، وهي قوله " وأحدكم صائم " فتتبعوا هذا المعنى .
فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدموا الطعام .
واقتصروا أيضا على مقدار ما يكسر سورة الجوع .
ونقل عن مالك : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون طعاما خفيفا .
------------------
قال أبو فراس:
قد يقال: أليس في هذه الطريقة تخصيص عموم النص بالعلة المستنبطة ، وهو ممنوع عند المؤلف ويكرره كثيرا فيشترط في العلة المستنبطة ألا تعود على النص بالإبطال أو التخصيص.
وهنا أطلق النص تقديم الطعام على الصلاة، ومقتضى العلة المستنبطة التي قررها المصنف في هذا الموضع يقتضي تقديم الصلاة على الطعام في بعض المواطن الذي لا يقع فيها التشوف إلى الطعام.
وأنا هنا لا أنازعه في صحة هذه العلة أو فسادها، وإنما أطبق القاعدة التي استفدناها منه على تقريره لهذه المسألة.