المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف الإمام ابن السمعاني رحمه الله من نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.



فؤاد أحمد عطاء الله
12-03-14 ||, 09:57 PM
السلام عليكم.بدا لي من خلال كلام الإمام ابن السمعاني رحمه الله في [قواطع الأدلة] أنه يوافق مذهب الأشاعرة في نفي الحكمة والتعليل عن أفعال الله تعالى.وهذه بعض عباراته: قال ما نصه:(تعليل أفعال الله تعالى لا يجوز، ويكون باطلا عندنا، وإنما يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد، من غير أن يكون لذلك علة بوجه ما) .وقال في موضع آخر: (وأما كلامهم الأخير، فقوله: إن الأوامر مصالح.قلنا تأصيل المصالح في الأوامر عندنا باطل، والله تعالى لا يجب عليه شيء بوجه ما، وقد يفعل الأصلح بالعبد، وقد يفعل غير الأصلح، وهذه قاعدة تعرف في غير هذا الموضع. وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد في فعل الشيء في وقت معين، ولا يكون فعله في غير ذلك الوقت مصلحة، ألا ترى أن فعله في الوقت مصلحة له، وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم) .وقال أيضا: (وأما قوله – أي القاضي الدبوسي -: إن الحرمة ثابتة للأشياء على وجه المصالح على ما ذكر.قلنا: أولا: إن القول بالمصالح باطل، ونحن نعلم قطعا أن الله تعالى لم يفعل بالخلق ما هو الأصلح لهم. وأيضا فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قصد لطفه في فعل الأصلح بهم. بل ما من أصلح إلا ووراءه أصلح منه، وما من لطف يوصله إليهم إلا ووراءه ما هو ألطف منه. ولو وجب فعل ما هو صلاح لهم لوجب فعل ما هو أصلح بهم. وقد عرفنا أن الأصلح ليس له نهاية في قدرة الله تعالى وعلمه، وإن حكموا بنفاده وانتهائه فهو قول يؤدي إلى تناهي القدرة، وهذا لا يقول به أحد) .وقال أيضا: (أما قولهم: إن الشرعيات مصالح. قلنا: قد أجبنا عن هذا في مواضع، وبينا أن القول بالصلاح والأصلح قول باطل، وزعم لا يمكن تمشيته) .فهل يصح أن ينزلق الإمام السمعاني رحمه الله في هذا المنزلق العقائدي الخطير؟اقرأ كلام العلامة ابن القيم رحمه الله في المسألة وقارن بينه وبين كلام السمعاني:قال العلامة ابن القيم (751هـ) في هذا الصدد: (وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده، وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها، وإن فاتت أدناهما؛ وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادا باحتمال أدناهما. وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه، شاهدة له بكمال علمه وحكمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم. وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضاع من ثديها، وورود من صفو حوضها، وكلما كان تضلعه منها أعظم؛ كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل، ...وأما طريقة إنكار الحكم والتعليل ونفي الأوصاف المقتضية لحسن ما أمر به، وقبح ما نهى عنه، وتأثيرها، واقتضائها للحب والبغض، الذي هو مصدر الأمر والنهي بطريقة جدلية كلامية، لا يتصور بناء الأحكام عليها، ولا يمكن فقيها أن يستعملها في باب واحد من أبواب الفقه. كيف والقرآن وسنة رسول الله  مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم، التي لأجلها شرع تلك الإحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة...) .أتمنى أن تكون المشاركات في صميم هذه القضية.

حمزة عدنان الشركسي
12-03-14 ||, 11:50 PM
أنصحك أخي بمراجعة كتاب "ضوابط المصلحة للبوطي" ، فقد بين فيها أن نفي التعليل المقصود هي العلة الغائية وليست العلة القياسية ، وهذا هو مراد الأشاعرة، لكن ربما لأنهم أدخلوا علم الكلام في علم أصول الفقه فصار الأمر موهم.
يقول الدكتور زياد احميدان في كتابه "مقاصد الشريعة" : (إن المقصود في علم الكلام هي العلة الغائية، وهي التي يطمح الفاعل لتحقيق نفع يعود إليه، وأما المقصود بالعلة في علم أصول الفقه، الوصف الذي هو مظنة الحكمة، وهي المصلحة التي تعود على المكلفين.من هنا انتفى التناقض الذي نسب للإمام الرازي والأشاعرة ومن وافقهم؛ لأن الخلاف لاينصب على مراد واحد.)
ويقول الدكتور البوطي: (قولهم في الأصول: أحكام الله مشروعة لمصالح العباد، وقولهم في علم الكلام: أفعال الله لا تعلل، غير واردين على مراد واحد لهم بالعلة، فالعلة التي يتحدثون عنها في علم الكلام هي العلة العقلية التي يقصدها الفلاسفة، وهي ما يوجب الشيء لذاته).
ويقول أيضاً: (أساس علم الكلام هو فلسفة العقيدة الإسلامية، ورد أباطيل الحكماء والفلاسفة بموازينهم التي يتداولونها، فلا جرم أن مصطلحاتهم في البحث إنما هي مصطلحات المناطقة والحكماء، وأن قصارى همهم إبعاد التعليل الفلسفي عن أن يتسرب إلى خلقا لله وأفعاله في أذهان المسلمين).
وقال الشيخ محمد أبو زهرة : ( الله سبحانه وتعالى لا يسأل عن أفعاله ولا يسأل عن أقواله؛ لأنه ليس لأحد سلطان بجوار سلطانه إنه مالك الملك ذو الجلال والإكرام، فليس لأحد أن يستطيل فيسأله عن علة أفعاله تعالى؛ لأنه الحكيم العليم الخبير، ولكن هل يقتضي النهي عن أن يبحث عن علة النصوص في الشريعة؟ إني أرى أنّ الفارق كبير بين علّة النصوص الشرعية، وعلة أفعال الله تعالى).
من كتاب مقاصد الشريعة لزياد احميدان

د. أيمن علي صالح
12-03-15 ||, 10:59 AM
بعض الأشاعرة لاينفون العلة الغائية الباعثة كالغزالي والجويني، مع أنهم ينفون الغرض عن أفعاله سبحانه وتعالى (وأقواله وأحكامه منها). والغرض في مقصودهم ليس هو العلة الغائية نفسها بل ما يعود بالفائدة على الباري نفسه، وهذا ـ في تصورهم ـ يتنافى مع الغنى الذاتي له سبحانه، أما ما يعود بالفائدة على المكلف نفسه فلا ينكرونه.
والسائد عند المتأخرين منهم بعد الرازي والآمدي إلغاء العلة والقصد والمقصود في أفعال الباري وأقواله وأحكامه. وهذا في علم الكلام، أما في الأصول فقد أثبتوا العلة على أنها المعرف للحكم والعلامة عليه وليست باعثا أو علة غائية. وقالوا بأن المصالح موجودة مع الأحكام اتفاقا ووقوعا لا بمعنى أنها جالبة للأحكام ولا أن الله شرع هذه الأحكام لأجل تحقيق هذه المصالح، ولذلك لم ينكروا القياس ولا غيره من المباحث المبنية على التعليل.
وفي الموقع بحث عن "العلة عند الأشاعرة" وقد علقنا عليه بعض التعليقات ونقلنا بعض النقول التي تشير إلى شيء مما سبق.
وأفضل من تكلم في هذا الموضوع، في نظري، مصطفى شلبي في تعليل الأحكام. وأكثر من كتبوا في الموضوع إنما هم عالة عليه.
وموقف الأشاعرة، أو كثير منهم، من التعليل في أفعال الباري، سبحانه وتعالى، إنما جرهم إليه خلافهم الحاد مع المعتزلة الذين يوجبون التعليل بالمصلحة. وأكثر المعاصرين من الأشاعرة كالبوطي وغيره يحاولون تبرئة ساحة الأشاعرة من هذا الرأي الضعيف المصادم لظواهر عشرات بل مئات النصوص الدالة على التعليل الغائي لا الشكلي الاتفاقي. ولعله ثمة شبه اتفاق الآن بين المعاصرين من الأصوليين ـ ما خلا من يميلون إلى مذهب الظاهر ـ على التعليل بالمصالح وأنها غايات باعثة على الأحكام لا مجرد علامات اتفاقية ساذجة .
وكلام ابن السمعاني وغيره في هذا الباب ينبغي أن يُفهم في إطار الصراع العلمي العنيف الذي كان يدور بين الأشاعرة والمعتزلة ليس أكثر.
والحمد لله أن خلاف الأشاعرة الكلامي في التعليل لم ينجر إلى علم الأصول والفقه، وعليه كانت هذه المسألة (تعليل أفعال الباري) مما لا ثمرة أصولية أو فقهية له، اللهم إلا عند الظاهرية الذين استعملوا أدلة الأشاعرة الكلامية نفسها في نفي التعليل جملة في الكلام والأصول والفقه.
والله أعلم.

حمزة عدنان الشركسي
12-03-15 ||, 11:42 AM
سيدي الدكتور أيمن قرأت مقالكتم عن "العلة عند الأشاعرة" وهي مفيدة ، وعندي بعض الملاحظات :
1- إن تداخل علم الكلام بعلم أصول الفقه سببه هو إدخال المعتزلة علومهم بعلم أصول الفقه كما ذكرتم سابقا .
2- إن مصطلحات الفائدة والعلة مختلفة بين علمي الأصول وعلم الكلام ، ففي علم الكلام يقصد بها إثبات أن أفعال الله تعالى جائزة فهو غير محتاج سبحانه لشيء - كما يقول المعتزلة - ، وفي علم الأصول يقصد بالعلة والفائدة إثبات ترابط عادي بين الأحكام الشرعية ، فإذا قلنا الإسكار مثلا علة لتحريم الخمر ، فالإسكار علة عرفتنا على حكم تحريم النبيذ أو أثرت تأثير عادي - أو شرعي - في تحريمه ، فما نفاه الأشاعرة هو نفي تأثير على الإسكار على أفعال الله تعالى ، بمعنى أن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، وعندئذ يسمونه بنفي التأثير العقلي - وليس العادي - .
وكذلك الأمر ينطبق على الفائدة ، فما نفاه الأشاعرة هي الفائدة العقلية وليست الفائدة العادية - وهي وجود حكم وفوائد من الأحكام الشرعية على الناس - ، أي أن الله تعالى غير محتاج لشيء .
3- حقيقة الذي سبب كثير من الإشكالات في هذه المواضيع هي لغة الأشاعرة وإدخالهم مصطلحات المنطق والكلام في علم الأصول .
4- مصطلحات الجويني والغزالي والرازي والآمدي تدور قريبا حول هذا المعنى ، فالجويني والغزالي أثبتوا أن أفعال الله جائزة ولا يجب عليه شيء ، والرازي والآمدي أثبتوا تعليل الأحكام بل وأجاز الرازي التعليل بالحكمة، فالمحصل أن الخلاف بينهم في معنى العلة ليس بالخلاف المفصلي لأنهم اتفقوا على الأمرين السابقين.
طبعا قد يخالفني الكثيرون في هذا الفهم - ولهم الحق في ذلك - ، ولكن الأهم من ذلك كله هو ما أشرت إليه في آخر النقطة الرابعة ، والله تعالى أعلم .