المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج المليباري ومنهج علماء الحديث



وضاح أحمد الحمادي
12-03-30 ||, 11:23 PM
هذا موضوع كنت نشرته في (منتدى دار الحديث بمأرب) في 15/2/2009 أحب أن أشارك به هنا أيضاً

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أدخل رأساً في الموضوع فأقول:
قال المليباري : "وهذا الأسلوب المقترح في تدريس علو الحديث لا يدعو إلى إهمال ما ورد في كتب المصطلح من العريفات، بل يدعوا إلى فهمها على طلابنا من خلال ترتيبها ترتيباً موضوعياً، ثم عرض كم منها على تطبيقات نقاد الحديث، وشرحها بالأمثلة الواقعية التي يألفها المجتمع في معالجة الأخبار التي تتداول فيما بينهم"
قسم المليباري المتكلمين في علم الحديث، سواءً نظرياً، كالمتكلمين في الحدود والتعريفات، أو عملياً، أي تطبيق تلك الحدوث والتعريفات، إلى متقدمين ومتأخرين، وجعل لكلٍّ منهم منهج يسير عليه، لكن لا يعني هذا أن للمتأخر قواعد لا يقول بها المتقدم والعكس إجمالاً. لكن غالب الاختلاف هو في تطبيق تلك القواعد. وبخاصة فيما يتعلق بالعلة ماهي وكيف تعامل معها المتقدمون والمتأخرون.
لكن لما كانت المصطلحات ـ في أي علم كان ـ إنما توضع لتقييد وضبط عملٍ ما بغرض تبسيطه، ثم يسعون إلى تعريفه بحد يجمع شروطه ويمنع دخول غيره معه، فإن الناس قد يختلفون إما في نفس الاصطلاح، أو في تعريفه، وقد يتفقون على جملة يختلفون في تفاصيلها.
فمثلاً : الحسن عرفه بعضهم كالخطابي بما يتناول الحسن لذاته دون الحسن لغيره، وعرفه بعضهم بما يتناول الحسن لغيره دون الحسن لذاته، وذكر ابن الصلاح التعريفين جميعاً مع شيءٍ من التعديل فيه، من دون أن يجمع بينهما.
ومثله الصحيح، فاقتصر ابن الصلاح على تعريف أحد قسميه، وعقب عليه الحافظ بأنه كالحسن فيه الصحيح لغيره والصحيح لذاته، إلا أن من راعى القسمة رأى أنه يجب أن يزيد في الإسم ما يميز كل قسم عن قسيمه، فزادوا في الصحيح والحسن لفظتي لذاته ولغيره، وليس هو اصطلاحٌ قديم.
هذا فيما يتعلق بنفس التعريف، أما نفس الاصطلاح، فقد اختلفوا في رواية الثقة إذا تفرد عن رجل مشهور له أصحاب معروفون؛ هل يُسمى حديث هذا شاذاً أو منكراً أو صحيحاً فرداً أو غريباً إلى غير ذلك من المسميات، وذلك بحسب اختلاف المحدثين في الحكم على ما كان هذا حاله.
فمن سماه صحيحاً، نظر مثلاً إلى أن الشيخين أخرجا في صحيحهما أفراداً كثيرة، فدل على أن تفرد الثقة لا يخرج حديثه عن كونه صحيحاً. وغايته أن يكون فرداً أو غريباً. ورأى آخرون أن هذا قد يصح فيما لو كان الراوي المتفرد عنه ليس مشهوراً له أصحاب مشهورين، وإلا فيجب النظر حينئذٍ إلى روايات أصحابه، فإن لم يجدوا ذلك الحديث عنده نظروا في حال المتفرد، إن كان هو من أخصائه، وكان أكثر حديثه موافق لما يرويه أصحابه، فحديثه صحيح مقبول، ولا تراهم غالباً يسمون هذا غريباً، وإن قالوا : تفرد به فلان. ومنهم من يقسم حال الرواة إلى متقدمين يقبل منهم هذا بالشرط المذكور، ومتأخرين لا يقبل تفردهم مطلقاً. ثم إن لم يجمع الشروط المذكورة، فهل حديثه شاذ أم منكر، أو أن الشاذ والمنكر على حدٍّ سواء، فيطلق هذا حيث يطلق ذاك.
إلى آخر ما تراه في كتب المصطلح وغيرها.
قال المليباري : "ثم قام المتأخرون بتنظير تلك القواعد وجمعها في أطر المصطلحات وتعريفاتها المصاغة طبقاً لقواعد علم المنطق. وينبغي هنا أن نركز على أربع نقاط مهمة، تضمنتها هذه الجمل، بعضها يتصل بمصدر علوم الحديث، والأخرى بمحتواها : النقطة الأولى : تكون مرجعية هذا العلم هي نصوص المحدثين النقاد
النقطة الثانية: الذي قام به المتأخرون في مجال علوم الحديث هو جمع ما تفرق في كتب النقاد من نصوص ومصطلحات ثم تحديد معانيها وضبط مدلولاتها، بوضع تعريفات لكل منها، منضبطة بقواعد المنطق، وبأسلوب ألفه معاصروهم، حتى استقرت تلك المصطلحات، بحيث إذا أطلق لفظ أو مصطلح لا يتبادر إلى الذهن إلا ذلك المعنى"
أقول: في هذا الكلام شرح لسبب إعراضه عن بعض المصطلحات والتعريفات الموجودة في كتب المصطلح، وأن الواجب التقيد بتعبيرات المتقدمين، واستخراج المطلحات منها، والتعريفات من صنيعهم في نقد النصوص. لذا تراه يعمد في كتبه إلى وضع اصطلاحات لم يسبق إليها، من أجل أنه رأى أفعالاً للمتقدمين لم يرَ له اصطلاحاً ما في كتب المصطلح، أو يضع تعريفاً إما بزيادة قيد أو إسقاطه، لأنه رأى في صنيع المتقدمين ما يدل عليه. وهو لا يهاب الرد على المصنفين في علم المصطلح لذلك.
هذا إجمال ما سيأتي تفصيله لاحقاً.
مصطلح المتقدمين والمتأخرين :-
قد فسر المليباري نفسه مراده بهذا الاصطلاح في كتابه (نظرة جديدة) صفحة 13 بما حاصله أن المتقدمين هم من عاصروا فترة التدوين الأولى، والمراد بها فترة الاعتماد على التراث الشفوي، وجعلها ممتدة إلى نهاية القرن الخامس. وأن المتأخرين هم من عاصر المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي بدأ فيها الاعتماد على الرواية والإسناد تتلاشى، ويحل محلها الاعتماد على كتب المتقدمين.
فإذا لم نربط هذا الاصطلاح بأمر زائد على ما ذكره من التعريف، فإنه لا يظهر فيه أي سوء سواءً سُبِقَ إليه أو لم يسبق.
لكن المنتقدين له رأوا أنه نسب إلى المتأخرين العمل وفق قواعد تخالف قواعد المتقدمين.
وبالنظر إلى كتبه، فإني رأيته يقول بأن المتأخرين يعملون وفق مناهج تخالف مناهج المتقدمين، بمعنى أنهم قد يتفقون على قاعدة ويختلفون في تطبيقها.
فمثلاً يتفق المتقدمون والمتأخرون على أن الشاذ هو مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، ومع ذلك ترى كثيراً من المتأخرين يصححون زيادات وإن خالف فيها الثقة من هو أولى منه، أو ألفاظ يخالف فيها الثقة من هو أولى منه، بزعم أن الزائد ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، أو أن اللفظ المخالف يمكن الجمع بينه وبين ما يخالفه، فتنتفي بذلك المخالفة.
بينما لا ترى هذا ولا ذاك عند المتقدمين، فتراهم يعللون زيادات الثقات سواءً في السند أو المتن، وقد يجوز حمل ألفاظ المتون على الاتفاق، والزيادة في الإسناد على الرواية عن شيخين مثلاً، فلا يجيزونه، بل يعللونه.
وليس ذنب المليباري أن غيره يستخدم هذا الاصطلاح على غير ما يصطلح هو عليه.

والآن نشرع في المقصود، ونرتب الكلام اعتماداً على ترتيب كتب المصطلح، فأقول :
الحديث الصحيح :
المشهور من تعريفه هو أنه الحديث المتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
وعلى هذا التعريف إيرادات ذكر الحافظ ابن حجر كثيراً منها في (النكت) فرد أكثرها، وصحح بعضها، وأورد هو من عند نفسه إيرادات يهمنا هنا ما يتعلق بمعرفة الصحيح لغيره، حيث قال عند تعليقه على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن: ".. إن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسن، إذا روي من وجه آخر لا يدخل في التعريف الذي عرف به الصحيح أولاً. فإما أن يزاد في حد الصحيح ما يعطي أن هذا أيضاً يسمى صحيحاً، وإما أن لا يسمى هذا صحيحاً. والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال : هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط أو القاصر عنه إذا اعتضد عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللا" انتهى من (النكت) 1/417.
إلا أن هذا يضع على حد الصحيح إشكالات أوردها الحافظ نفسه عند كلامه على حد الصحيح. منها أنه لم يحدد مقدار القصور عن العدل الضابط.
فإن قيل : هو ما ينزل بحديثه إلى رتبة الحسن.
قيل : الضعيف إذا جاء من طريقين محتملين يرتفع إلى رتبة الحسن فإذا وجدنا له طريقاً آخر ضعيف أيضاً تقوى بذلك فارتفع إلى رتبة الصحيح أو كاد. فإذا جاء من طريق آخر تقوى بذلك أيضاً فيجزم الناقد حينئذٍ بالصحة. وهي طرق نزلت رتبة الراوي فيها عن رتبة الحسن.
فإن قيل : المراد بمن قصر ضبطه كل ضعيف محتمل.
قيل : فاعتضاد الضعيف بمثله لا يرفع الحديث إلى رتبة الصحيح، غايته أن يرتفع إلى رتبة الحسن، إلا أن تتكاثر الطرق كما قدمنا.
لا خلاف بأن الحديث الصحيح ينقسم إلى صحيح لذاته وصحيح لغيره، بالنظر إلى ما في نفس الأمر، لكن حد القسم الثاني يعسر.
حد المليباري للحديث الصحيح :
والمليباري أراد أن يضع حداً جامعاً للصحيح يشمل القسمين، لكنه لما لم يجد في كتب المصطلح حداً جامعاً مانعاً من جهة، لم يرتض التعاريف الموجودة فيها.
ولما كان يريد أن يستنبط هذا التعريف من صنيع المحدثين من جهة أخرى، ووجدهم يصححون حديث الضعيف كثيراً، ويعللون كثيراً من روايات الثقات، لم يعتبر بحال الراوي في الحد العام، إلا بمقدار ما يخرج حديث من لا ينجبر حديثه، كالمتروك وما دونه.
إلا أنه اختار في تعريف الحديث الصحيح عبارة عامة غير منضبطة فقال : "الحديث إذا تبين للناقد أنه تم نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، من غير خطأ ولا وهم، فإنه يُعِبَّرُ عنه غالباً بأنه (صحيح) ، وقد يُعِبَّر عنه بأنه حسن" انتهى المراد (علوم الحديث في ضوء تطبيقات النقاد)
وهذا بالتعمية أشبه منه بالتعريف، لكنه لم يقله اتباعاً لهواه، ولا هو منطوٍ على أمرٍ جديد بدعي. بل الرجل لما لما يجد حداً منضبطاً لما رآه من صنيع أهل الحديث يكون شاملاً إما للصحيح بقسميه، أو لما يحتج به عموماً ـ أي الصحيح بقسميه والحسن بقسميه ـ هداه اجتهاده إلى هذا الذي لا أستطيع أن أسميه تعريفاً، ولا حتى ضابطاً.
أما وجه اعتراضي عليه فهو من جهة أنه لم يعرف الصحيح بشيء من ذاتياته، بل هو كقولنا: إن العام هو الذي لم يجد الأصولي أو الفقيه ما يخصصه ببعض أفراده.
وقد عاب هو على ابن الصلاح نحو ذلك في تعريفه للعلة، حيث زعم أنه لم يأتِ يحقيقة العلة، وإن كان صنيع ابن الصلاح صواب تماماً كما سيأتي.
ومراد الطالب هو معرفة ذاتيات الصحيح التي يمكنه بها أن يميزه عن غيره، إما من غير استعانة بغيره، وذلك إذا قلنا بجواز التصحيح والتضعيف في العصور المتأخرة، أو مع الاستعانة بغيره من غير تقليد، كما لو اختلف إمامان ناقدان بحسب تعبير المليباري في حديث واحد فصححه أحدهما وضعفه الآخر، فإن هذا الحديث المختلف فيه قد تبين لأحد الناقدين ضبط الراوي له من غير خطأ ولا وهم، وتبين للآخر خطأه ووهمه فيه.
فكيف يفعل من يريد أخذ أحد القولين من غير تقليد؟
وكأن المليباري علم أن هذا الحد ـ إن كان حداً ـ لا يفي بتعريف الصحيح فذكر صفحة 42 من نفس الكتاب فصلاً سماه (كيف يقوي شعور الناقد بذلك؟) أي بالصحة أو الحُسْن. ثم أعطى ضوابط ثلاثة تجعل الناقد يشعر بارتفاع الحديث إلى رتبة الاحتجاج، أي إلى رتبة الصحيح بقسميه والحسن بقسميه، وهي ثقة الرواة، واتصال السند، وما سماه عدم مخالفة الأمر الواقع.
ولم يقصد بالثقة معناه المشهور عند المشتغلين بهذا الفن اليوم، بل ولا بالأمس، وهو العدل الضابط، وذلك أن هذا المعنى الاصطلاحي إنما هو شرط في الصحيح لذاته فقط، وهو إنما يتكلم عما يفيد الصحة مطلقاً أو الحجية، وهذا قد يحصل بالمتابعات حتى لو فقد شرط تمام الضبط أو الضبط مطلقاً كما في الصحيح لغيره والحسن لغيره.
كما أسقط الكلام عن الشذوذ والعلة، لأن الشذوذ عنده من العلل من جهة، ولأن الشرط الأخير الذي وضعه وسماه (عدم مخالفة الواقع) يشملهما.
في الحقيقة، في الوقت الذي قصدت فيه الدفاع عن الدكتور المليباري، أراه يجذبني إلى خلاف القصد، لا أقصد بذلك أني أظنه مبتدعاً متبعاً لهواه، بل أنه بدلاً من ضبط القواعد التي لعله يراها غير منضبطة في كتب المصطلح المعروفة اليوم، زاد ضغثاً على إبالة، وعمى على الدارسين الحالة.
والدكتور لا يجهل طرق النقد، يشهد لذلك كتابه (ما هكذا تورد يا سعدٌ الإبل) فإنه أبان فيه براعة في تمييز طرق مسلم وخفايا ما يعتريها، مما لعله لم يتنبه له كثير من المشتغلين في هذا الفن اليوم، ولا أقصد كل من هب ودب، بل كثير ممن يتقن هذه الصناعة، لعله ما تنبه لكثير مما بينه هو من الخصائص الإسنادية التي أودعها مسلم أحاديث صحيحه.
أما كتابه الذي ألفه حول صحيح الإمام مسلم خاصة، فلم أطلع عليه.
ولكن كأن الأستاذ الدكتور استخف بشأن المصنفين المتأخرين في هذا الفن منذ الإمام ابن الصلاح وحتى يومنا هذا؛ فهو مع موافقته لعموم ما جاؤوا به، واستشهاده بكثير من أقوالهم، لا يوافقهم على ما اصطلحوا عليه من القواعد والضوابط، والتعريفات، مع أنها أدق وأحصر مما جاءنا هو به. والله أعلم.
كأن عند الدكتور إعجاب بنسفه وثقة بأن ما وصل إليه من صنيع المتقدمين، إن لم يخف على المتأخرين، فقد امتاز هو بجودة فهم لم يبلغوه، لذا اصطلحوا على مصطلحات خاطئة ـ عنده ـ أوجب التنكب عنها، والبحث عن غيرها، لا من طريقهم، بل عبر النظر إلى صنيع المتقدمين مباشرة عند نقدهم للحديث.
إن حصل وبلغ الأستاذ هذا الكلام، فأنا أرجو أن يعفو ويصفح، فلا أقصد هنا التنقص منه، ولكن للأستاذ معجبين كثيرين، أرجو إن تحقق الإنصاف فيهم أو في بعضهم، أن لا ينجروا إلى ما يسير عليه الدكتور من الرد للقواعد المقررة والإصطلاحات المحررة في كتب المصطلح إلى هذه العمايات، التي نحتاج، لا أقول إلى تفسيرها، بل إلى تفسير التفاسير التي وضعها الأستاذ لها.
ونعود إلى ما وضعه من الشروط، وهي الثقة بالمعنى الذي قدمناه، والاتصال، ولا يخفى المقصود به، وعدم مخالفة الواقع.
هذا الأخير شرحه الدكتور بقوله : "وبقي لنا العنصر الثالث، وهو عدم مخالفة الحديث الواقع، أو الواقع العملي، ويتحقق هذا العنصر إما بموافقة ما رواه الراوي الأمر الواقع في رواية ذلك الحديث، أو بتفرده بما له أصل في الواقع. ويعد هذا من أهم عناصر التصحيح، إذ يُعْتَبَرُ الحديث صحيحاً بمجرد تحقق هذا العنصر، وإن كان راويه ضعيفاً بشرط أن لا يكون متروكاً. كما أن هذا العنصر يكون في غاية الدقة والغموض؛ حيث يحتاج الناقد في معرفة ذلك إلى فخلية علمية وملكة نقدية" انتهى (علوم الحديث) صفحة 53
وهذا كما ترى تفسير يحتاج إلى إيضاح، إذ أدخل لفظ الواقع في تعريفه لمعنى الواقع، ولم يسبق له أن عرف المراد بالواقع. ثم قسم هو الواقع إلى حديثي وعملي، فلننظر إلى تفسيره فلعله يجلو عنا العمى.
قال : "أما الواقع الحديثي، فأعني به ما ثبت عن المحدث الذي روي عنه الحديث، فبمقدور الناقد أن يقف على الواقع، وتحديده بكل دقة، من خلال معاينته المحدث، أو بحفظ ما يتداوله أصحابه الثقات عنه، لا سيما أكثرهم مجالسة له، وحفظاً وضبطاً لأحاديثه" صفحة 54.
تبين الآن مقصوده، ولكن بعض بيان، وذلك أنه يرد سؤال : إن اطلاع الناقد على أصل الشيخ المروي عنه، إما أن يكون ذلك بمعاصرة، وحينئذٍ يكون الناقد هو نفسه الراوي عن الشيخ، ولا يحتاج معه إلى النظر في حال الراوي للحديث عن الشيخ صاحب الأصل. أو عن طريق وجادة صحيحة، فإن قبلناها، كفى كذلك. أما إن لم تُقبل الوجادة، فإن كان من لا يقبلها هو بعينه ذلك الناقد صاحب الوجادة الصحيحة، فغاية ذلك أن يكون بينه وبين الشيخ صاحب الأصل انقطاع خفيف ينجبر، ورواية الضعيف عن الشيخ صاحب الأصل يجبر هذا الانقطاع. وهكذا إن كان الذي يرد الوجادة غير ذلك الناقد.
فتبين أن هذا النوع هو المعروف عند المتأخرين بالشواهد والمتابعات، ولا حاجة بنا إلى اختراع اصطلاح مبهم لا يدل بلفظه على معناه.
أما الحالة الثانية، وهي أن ينظر في أخبار الرواة عن ذلك الشيخ، فإن كان ذلك الحديث معروفاً لديهم قُبِلَتْ وإلا رُدَّت. أقول: هذا أوضح من سابقه في كونه أيضاً من الشواهد والمتابعات. وإن كانت هنا أمور دقيقة، من ذلك أن المليباري لم يتكلم هنا عن ضبط الراوي الذي نبحث عن روايته أصلاً، وعليه لا يكون البحث بالقفز إلى النظر إلى رواية غيره، هذا بناه المليباري على أصله من أن الحكم مبني بشكل رئيسي على النظر فيما سماه الواقع الحديثي والعملي.
والصواب أن الأمر مركب من معرفة حال الراوي ومروياته عموماً، ومن جهة معرفة حال مروياته عن ذلك الشيخ خصوصاً، ومن جهة أخرى بالنظر إلى تلك الرواية بعينها، هل وُجِدَ من وافقه عليها أم لا.
فإن كان في الأكثر من أمره في عموم رواياته موافقاً للثقات فهو ثقة ضابطٌ لما يرويه، وهو حكم أكثري في الغالب، وعليه فالأغلب من حاله أنه ضبط هذه الرواية الخاصة، وسواءً اتفقنا على هذه الأغلبية أم لا، يأتي بعد ذلك النظر إلى حال مروياته من ذلك الشيخ المعين، ولهذا غرضين إثنين:
الأول: معرفة ضبطه لمرويات ذلك الشيخ، وهذا أعم الغرضين.
والثاني: معرفة مكانته من ذلك الشيخ، وهو الأخص.
فإذا تبين أنه في غالب أمره موافقاً لغيره، فهو ثقة في ذلك الشيخ. وإذا تبين فوق ذلك، أنه من الملازمين لذلك الشيخ المكثرين عنه، وهو على كثرة أحاديثه لم ينفرد بالكثير، كان ما ينفرد به مقبولاً، محتجاً به. والعكس في جميع ما ذكرنا يعكس الحكم.
أنت كما ترى هنا، لا تستطيع أن تفصل ما يتعلق بحال الراوي من جهة عدالته وضبطه عن البحث في الواقع الحديثي، بل لا بُدَّ من الجمع ما أمكن، لتصل إلى حكم أدق.
لكن كلام الأستاذ مشعر ـ بل قد نص عليه ـ في كون النظر في الواقع الحديثي والعملي، كما اصطلح عليه في كتابه هذا، أو القرائن والحيثيات والعلل وغيرها من المصطلحات التي عبر بها في كتبه الأخرى، يغني عن النظر في حال الراوي.
ومع أني أرى هذا الصنيع خطأ سيء، فإن أظن أنه عند تطبيق ما اشترطه في معرفة حجية الخبر لا يؤدي إلى كبير اختلاف؛ لأن إهماله لحال الراوي، أظن والله أعلم، إنما كان من أجل أن كلامه في الخبر المحتج به عموماً، أما إذا أردنا أن نعرف مرتبته بعد تحقق هذه الشروط، هل هو من الصحيح لذاته، أو لغيره، أو الحسن لذاته أو لغيره، لا يسعنا حينئذٍ إلا النظر في حال الراوي.
وإنما أهمل ذلك لأن هذه الإصطلاحات، وهي صحيح لذاته وصحيح لغيره، ليست من عبارات المحدثين النقاد، بحسب اصطلاحه، كما أنه صرح بأن الحديث إن بحثنا في قرائنه، فلم نجد مزيداً على مجرد حال الرواة، فإن الناقد حينئذٍ يحكم بها وحدها، ولكنه يعبر بصحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، ونحو ذلك.
وقد لخص الدكتور تعريفه للصحيح بقوله : "إذا توفرت في الحديث عدالة راويه، واتصال سنده، وسلم من الشذوذ والعلة يعد صحيحاً، وإن كان راويه ضعيفاً"
ثم عرف الشذوذ والعلة بوقله : "هو أن لا يكون مخالفاً للواقع، ولا غريباً ليس له أصل"
وعدالة الراوي هنا، هي كثقة الراوي فيما تقدم، لا يقصد بها الضبط، بل الصدق وسلامة الدين.
وقال أيضاً : "الجرح والتعديل ليس هو أساس التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد كما يزعم كثير من الناس اليوم، بل هو نتيجة تمخض عنها نقدهم للأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً"
أقول : إن اصطلاح صحيح لذاته وصحيح لغيره، وحسن لذاته وحسن لغيره، اصطلاح متأخر لحقيقة متقدمة، فابن الصلاح مثلاً، قسم الحسن إلى قسمين، أحدهما الحسن باعتبار الإسناد، والثاني الحسن باعتبار الاعتضاد، ولم يعبر بالحسن لذاته والحسن لغيره؛ وذلك لما صرح به الترمذي في علله الصغير أن الحديث قد يكون حسناً باعتبار المتابعات.
فإذا ثبت وجود هذين المعنيين في كتب المتقدمين، فلا ضير في وضع اصطلاح يميز به بينهما، ليمكن وضع حدٍّ ضابطٍ لكيلهما كما فعله المتأخرين ـ بحسب تعبير الدكتور ـ ، بدل التعميات بالعموميات كما فعله هو.
والاستاذ سلك هذا المسلك، بل لعله توسع أكثر من غيره؛ ذلك لأنه باسم التجديد، وضع اصطلاحات ليست معروفة عند المتقدمين، أو يكون المصطلح نفسه معروفاً، لكن لغير المعاني التي كانت تستعمل لها، كـ(المتقدم) و(المتأخر)، و(المحدثين النقاد)، أو (النقاد)، ولفظ (العدل) و(الثقة) مع عدم إرادة الضبط رغم الإطلاق، و(الواقع الحديثي)، و(الواقع العملي)، و(العلة) بمعنى خطأ الراوي أو وهمه، ومجرد أن المتقدمين لم يتلفظوا بها، لا يعني انعدام معانيها.
وعليه قد ينظر الرجل في عمل الأئمة الأوائل في تصحيح الحديث، فيراهم يحكمون تارة به على الحديث بسند واحد، ويضعون لذلك شروطاً، ثم يراهم يحكمون على حديث آخر باعتبار سندين أو أكثر ولا يقبلونه بأحدها، فيعرف أن الأول ليس هو الثاني وإن جامعه في الإسم أو الحكم العام، فيجتهد في تعرف شروط الأول، وبم يتميز عن الثاني حتى صار الإسناد الواحد فيه كافياً مقبولا، ويرجع إلى الثاني ويبحث، ما الذي قصر به عن الأول، وما الذي يحتاجه ليبلغ نفس حكمه، ثم لا يرى من الحكمة أن يضع للجميع تعريفاً واحداً يضيع به كلما جمعه من الفوارق والمميزات لكل نوعٍ منهما، كما لا يستطيع أن يجعل لكلٍّ منهما إسماً يوهم اختلاف حكمهما مع أن صنيع الأئمة يدل على اتحادهما فيه.
فيجعل الأسم العام لهما هو الصحيح، ولكل واحدٍ منهما تعريفٌ يخصه.
لكن لتمييز تعريف أحدهما عن الآخر، يجعل اسماً تبسيطياً تفهيمياً هو الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، أخذاً من أن الأول باعتبار نفسه مشتمل على شروط الصحة، وأن الثاني لا يحمل سندٌ من أسانيده الحكم مفرداً حتى ينضم إليه غيره.
وهذا أفضل من جمع الجميع في خانة واحدة، ثم البحث عن الأعم الجامع لها، فيسقط بذلك ما به اختصاص كل واحدٍ منها عن الآخر. وهو صنيع المليباري.
لكن أعود فأقول : إن المليباري لا ينكر أن العدالة شرط، والضبط عند عدم العلة الخفية القادحة شرط، وأن الاتصال شرط، وأن نفي الشذوذ شرط، وأن نفي العلة شرط. لكن هذه جميعها شروط بعض الحديث الصحيح لا كل الحديث الصحيح، وهو يقصد لوضع حدٍّ يجمع الجميع، لأن المتقدمين يطلقون لفظ الصحيح مطلقاً على أكثر من هذا النوع، ولا يخصون واحداً منها بإسم دون غيره.
إذا أنت عرفت هذا، فلنرجع إلى مسألة الشذوذ والعلة، ومدى التزام المتقدمين والمتأخرين بها.
أما العلة فهي في كتب المصطلح سبب خفي يقدح في صحة الحديث. وقد عاب المليباري هذا الحد لكونه لا يوضح حقيقة الشيء المسمى علة، حيث قال بعد ذكره لتعريف ابن الصلاح للعلة : "ومفاد هذا التعريف أنه شيء خفي غامض يقدح في صحة الحديث، دون أن يوضح حقيقة هذا الشيء، وما هو هذا الشيء؟" (علوم الحديث) ص122. كما علق عليه في الحاشية بقوله : "قد يشكل على تعريف ابن الصلاح بأنه لم يكن مانعاً من دخول الإرسال الخفي، والتدليس فيه، لأن التعريف يصدق عليهما؛ إذ هما من الأسباب القادحة في صحة الحديث مع الغموض والخفاء. ومن المعلوم أن الإرسال الخفي والتدليس لا يعرفان بمجرد عنعنة الراوي، أو المدلس، بل بجمع الطرق والروايات. أما إذا قلنا إن العلة عبارة عن خطأ الراوي، فيكون المعنى واضحاً، ومانعاً من دخول التدليس والإرسال الخفي فيها، إذ لا صلة لهما بالخطأ، وإن كان كل منهما قادحاً في صحة الحديث" نفس المصدر ص 123.
وفي كتابه (نظرة جديدة) عند كلامه عن العلة وعن ميدان العلة، ذكر أن العلة قد تكون في حديث الثقة وحديث الضعيف على السواء، وقال : "يظن كثير من المتأخرين أن العلة لا تطلق على مرويات الضعفاء، وأن ميدانها مرويات الثقات، وفي تعريفهم للعرة إشارة إلى ذلك، وهو فيما قاله ابن الصلاح : "عبارة عن أسباب خفية غامضة، قادحة في صحة الحديث"
والحديث المعلل "هو الحديث الذي اطلع فيه على علةتقدح في صحته مع ظاهره السلامة منه"

أقول : أما كونه لم يعرف ماهية العلة وحقيقتها، فذلك لأنها لا تنضبط كما ذكره المليباري نفسه، فلما عسر ذكر حقيقتها لاختلافها وتمايز حقائق بعضها عن بعض، لجأ إلى تعريفها بنتيجتها المتحدة، وهي القدح.
أما قوله أن حده ليس جامعاً مانعاً، ففي كلامه نظر، وذلك أن خفاء كون الحديث المعين للمدلس إذا عنعنه فهو منقطع أم لا، لكونه يعتمد على جمع الروايات، لا يعني أنه علة خفية قادحة، ذلك أنا نرد حديث المدلس سواءً عرفنا أن ذلك الحديث المعنعن هو منقطع في نفس الأمر أم لا، إلا أن تدل الروايات على كونه متصلاً غير منقطع.
فالخفي هنا ـ وهو الإنقطاع ـ ليس هو سبب حكمنا على الحديث بالضعف، بل اتصاف الراوي بالتدليس، وهو ظاهر جلي.
فإذا بحثنا في الروايات فدلت على الإنقطاع، كان ذلك مؤكداً للحكم، وإن دلت على الإتصال، لم تكن علة خفية، لأن العلة الخفية تنتج ضعف الحديث، لا صحته.
وهكذا الأمر في المرسل الخفي.
وأيضاً لو فرضنا أن التدليس والإرسال الخفي علتان خفيتان لا تعرفان إلا عن طريق جمع طرق الحديث، فَلِمَ لا يدخلاف في باب العلة؟ مع أنهم عللوا كثيراً من الأحاديث بالتدليس والإرسال في كتب العلل.
فإن قيل: أن أحداً ممن صنف في المصطلح لم يدخلهما في الأحاديث المعللة.
قلنا: ومتى كنتم تتقيدون بما يذكره هؤلاء متى خالف صنيع النقاد عندكم.
على أن في كلام المتأخرين ما يدل على دخول التدليس والإرسال في معنى العلة، إذا آل الأمر إليهما مع كون الظاهر السلامة من ذلك، قال الحافظ احجر : "فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلاً معلولاً، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مضعف معلولاً، وإنما يسمى معلولاً إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك" (النكت) 2/710
ولما كان ابن الصلاح قدم اشتراط العدالة والضبط والاتصال، احتاج إلى بيان ما لا يعارضها ظاهراً، ويعارضها باطناً.
فلو وجد المحقق راوياً مدلساً أو موصوفاً بالإرسال في سند الحديث، ولو كان طالباً مبتدءً، فإنه يتوقف رأساً في الحكم عليه بالاتصال، وهذا أمر لا يختص به النقاد ـ بحسب تعبير الدكتور ـ ، ومبحث العلة والتعليل أمرٌ يختص به النقاد.
فإن قال : معرفة كون فلان مدلس أو يرسل، لا يقدر عليه إلا النقاد لجمعهم الروايات إلى آخر كلامه.
قلنا: هذا ليس من الكلام في العلل القادحة، بل من الكلام في أحوال الرواة، والفرض أنه لا مدخل له في الحكم على الحديث إلا بعد التنقيب والتفتيش، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، التدليس والإرسال حتى الخفي منه لا يشترط في معرفة صاحبه جمع الروايات، بل قد يصرح به المدلس نفسه، أو المرسل، بأن يروي حديث فيقول : عن فلان، فيُسأل: أسمعته منه، فيقول : لا. وهذا كثير.
وإن قال: إن بعض الأحاديث لا يمكن الكشف عن التدليس فيها إلا بجمع الطرق، وذلك إن كان المدلس كسفيان بن عيينة، أو أن ينسب التدليس إلى نحو الزهري.
قلنا: فدخل التدليس في باب المعلل لا محالة، وإن كان ذلك مقيداً بالتدليس في هذه الصورة. وقد تقدم قريباً.
وأخيراً : قد عرف المليباري العلة بقوله : "العلة تكون عبارة عن خطأ الراوي" (علوم الحديث) ص124.
وهذا أيضاً ليس جامعاً مانعاً؛ وذلك أن العلة قد تكون عن عمد، كالحال في التدليس من الزهري وابن عيينة كما تقدم، إن لم يمكن كشف ذلك إلا بتتبع الطرق والروايات.

وهنا أقول : على الرغم مما تقدم من خلافي للمليباري في منهجه لتأسيس مصطلاحات جديدة، أوافقه على صحة معانيها، وأخالفيه على اصطلاحه فيها، فإنه لا يمكنني قط أن أقول : أنه مبتدع ضال صاحب هوى لمجرد أنه خالفني في الاصطلاح.
وهنا يقفز المبدعة والمضللة بأنه يطلق مصطلحات على معاني بدعية كالمتقدمين والمتأخرين. فأقول : هذا هو موضوع حلقتنا الثانية إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

[تنبيه : ليس هناك حلقة ثانية ولن يكون ، لأن المقصود به في حينه خارج عن البحث العلمي إلى القيل والقال ، فعزفت عنه]

د. أيمن علي صالح
12-03-31 ||, 12:57 PM
مع احترامي البالغ لأهل الحديث يا شيخ وضاح، فعلمهم من أكثر العلوم فوضى من حيث الاصطلاح، حتى لكأنه لكل واحد فيهم مصطلحه الخاص.
ولما حاول المتأخرون ضبط هذه الفوضى وإقرار بعض الاصطلاات وعزل أخرى وإماتتها، ثار عليهم كثير من المعاصرين بدعوى الخروج عن منهج المتقدمين. وكأنه يراد لهذا العلم أن لا يتطور ولا يتراكم ولا تضبط اصطلاحاته حتى يمكن فهمه وتدريسه.
نعم، لا ينبغي أن تُفهم اصطلاحات المتقدمين بناء على اصطلاحات المتأخرين، لكن هذا لا يمنع من التطوير في سبيل الضبط مع التنبيه المتواصل على ضرورة عدم إنزال مصطلحات المتأخرين (الأكثر انضباطا) على مصطلحات المتقدمين.
ولقد قرأت للشيخ حاتم العوني تحذيرات متعددة من تطوير اصطلاحات هذا العلم. ولا أراني مقتنعا بما قال؛ لأنه ما من علم يراد له التقدم والازدهار إلا ويحتاج إلى ضبط وتحديد وتفصيل. نعم قد تكون هناك اختيارات وقواعد استقر عليها المتأخرون وهي محل نظر، لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى إنكار التطوير الاصطلاحي جملة.
وشيء آخر هو أن المتقدمين ليسوا على وزان واحد في النقد، ولا لهم قاعدة مطردة فيه، فشعبة ليس هو البخاري ولا البخاري هو مسلم ولا أحمد وهكذا يكاد كل منهم ينفرد بنمط خاص في نقد الأحاديث ونقد الرجال. بدليل اختلافهم الشديد في نقد الرجال، ما بين موثق ومضعف وملين...الخ، مع أن المفروض أن كلا منهم قام بسبر جميع المرويات أو جلها قبل إصدار الحكم على الراوي، لكن الذي يبدو أن منهم من كان يسارع في التوثيق أو الجرح ثم مع مرور الوقت وكثرة الاطلاع على أحوال الراوي ومروياته يغير رأيه فيه. ومنهم من كان يكتفي بتقليد غيره دون سبر كاف، ومنهم، بل كثير منهم، كان يُدخل في نقده معايير غير موضوعية، كقول الراوي بخلق القرآن أو الرأي أو الإرجاء وهذا كثير فيهم، وظُلِم بسببه كثير من الرواة. ومن هنا كان منهج المتأخرين كالذهبي وابن حجر أكثر موضوعية من منهج المتقدمين من هذه الجهة، على جلالة المتقدمين في الحفظ، والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
12-04-01 ||, 12:25 AM
في الحقيقة أخالفكم الرأي ، فعلم الحديث في ظني أسهل من علم الأصول لخلوه عن الكلاميات والمنطقيات التي شحنت بها كتب الأصول ، ولذلك حاول أن يتسوره اليوم كل من هب ودب ، وذلك أنهم يحصلون مقدماته بسهولة ، ثم يريد كل واحد منهم أن يكون محدث العصر ، ويظن أن ذلك لا يحصل له بالمتابعة بل بالمخالفة.
واختلافات المتقدمين كتلك التي أشرتم أنتم إليها وضعت لها ضوابط وقواعد يتميز به الحق من الباطل ، الأمر الذي لا تجد مثله في أصول الفقه ، حيث كثرت تصانيفه بعد استقرار المذاهب الفقهية ، فصار من يصنف فيه يريد نصرة مذهبه خاصة ، فنشأت قواعد أصولية متباينة ، وجئنا إلى عصر التجديد ـ ولعل الصواب أن يسمى عصر العصيد ـ فكان من آفاته طلب التجديد مع فتح باب الاجتهاد بغير ضابط ـ طبعاً هناك ضوابط تختلف بقدر اختلاف واضعيها بحيث صار الضابط سبباً للخلاف لا رافعاً له لذا نفينا الضابط ، لأن مرادنا بالضابط ما يرتفع به الخلاف لا أي كلام يسطر في الكتب ـ فصار كل واحد في زماننا هذا يؤلف في الأصول كتاباً يمثل رأيه هو ، لأنه مجتهد غير مقلد ، فدخلنا في فوضى لا نعلم كيف نخرج منها .
بينما لا يرى العاملون في الحديث مثلاً إشكالية في اختلافات المتقدمين ، فقد سطرت القواعد التي تزيل الإشكال وتبين الكلام الذي سببه العداوة الدينية والذي سببه العداوة الدنيوية والذي سببه المنافسة والذي سببه التشدد أو التساهل وهكذا.
فلم يستشكلوا وثاقة يحيى بن معين وعلي بن المديني ، مع طعن أحمد فيمن أجاب في الفتنة ، واجتمعوا على ضعف الواقدي والشاذكوني مع وجود من وثقهما ، فكانت هذه الكتب بحق فتح في هذا العلم ، بينما يقتل الأصوليون أنفسهم بحثاً لتحقيق بعض مباحث علم الأصول ، ثم ها نحن لا نراهم وصلوا إلى اتفاق في شيء منها ، اختلف الأئمة المجتهدون الأوائل في الاحتجاج بالاستحسان والمصالح المرسلة ولازالوا حتى يومنا هذا مختلفين في ذلك مع كثرة ما كتب في هذين المبحثين واختلفوا في تخصيص القطعي بالظني ونسخه به ولا زالوا كذلك حتى اليوم ، ففي الوقت الذي تقدم فيه العاملون بالحديث خطوات نحو الإتفاق لا يزال غيرهم (محلك سر) في هذا المجال .
ولعله يجوز أن نقول أن الفقهاء (والأصوليون) حققوا نجاحاً جزئياً إذا نظرنا إلى أثر بعض المجددين الذين ظهروا على الساحة الفقهية كنحو الجلال والمقبلي والصنعاني والشوكاني ، وهؤلاء بلغ تأثيرهم الهند وأذر بيجان في زمن كاد يظن الناس أن الله أنزل الدين على مذهب أحد الأئمة الأربعة ، حتى صرح بعضهم بأن المهدي حين يأتي سيحكم بمذهب أبي حنيفة.
ومع ذلك انتهت ثمرة هؤلاء إلى فوضى عارمة ، فكل الناس يريد أن يكون شوكاني عصره ... أقف هنا ، إذ القلم لو ترك له العنان ما وقف.
وعلى كلٍّ ، فرفع الخلاف بالكلية لا يمكن ، وإن كان رفع بعضه ـ على أقل تقدير ـ في علم الحديث أوضح منه في علم الأصول.
على أنك لو نظرت في اختلاف المختلفين في التصحيح والتضعيف ، لرأيت أن سبب الاختلاف هو أيضاً التعصب للمذاهب ، فشافعي يريد أن يصحح حديث البسملة وحنفي يريد أن يصحح حديث القهقهة ، وهكذا.
وأسوأ منه أن بعضهم حاول أن يحاكم الأحاديث عبر القواعد الأصولية لمذهبه خاصة ، كما تراه كثيراً في صنيع الإمام التهانوي رحمه الله في (إعلاء السنن) بينما لو نظرت في كلام المحدثين فيما يتعلق بتصحيح الأحاديث وتضعيفها خاصة لوجدت أن اختلافهم أقل بكثير جداً من اختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية ، بل لا نسبة بين الأمرين.
ثم لتلك الإختلافات قواعدها الواضحة .
وعندي أن عملية التجديد ـ لكن هنا أقصد عملية تجديد في غاية النضوج ـ بدأت في علم الحديث قديماً ، كان من أشهر روادها الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله ، فإنه جمع في كتابه (الكفاية في أصول علم الرواية) كلام من تقدمه ووفق بينه ورجح فيما لا يحتمل الجمع والتوفيق ، ولا زال من بعده عالة عليه ، حتى جاء ابن الصلاح فكان مجدداً حيث أخلى هذه العلم من النظر في الرواية الجزئية التي تمثل رأي عالمٍ عالمٍ في مسألة مسألة ، ووضعها على هيئة قواعد كلية تحاكم بحسب دليلها.
كما قامت أعمال موسوعية في مجالي جمع الرواة والكلام فيه في مصنفات ضخمة وجمع الرويات في مجاميع ومسانيد ضخمة أيضاً.
كما نشأت أيضاً كتب اعتنت بالكلام في الأحاديث التي تداولها الفقهاء في كتب الفقه المشهورة وغيرها من الكتب ، ثم في هذا العصر بدأت عمليات موسوعية تقصد إلى تصنيف كتب تتناول الأحاديث بالتخريج وبيان الأحكام بشكل عام من غير تخصيص ذلك بكتب الفقه وغيرها ، ولعل بداءة ذلك كانت في سلستي الشيخ الألباني الصحيحة والضعيفة وبعمله القيم في تحقيق الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث ، وجرى الناس بعده على منواله ـ مع كثير من الإسفاف والإستخفاف ـ .

ثم بدأ الناس بالإهتمام بالمشكلات

[ لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذه المرة الثانية التي يحصل لي هذا الإشكال أصحح كلمة أو كلمتين وبعد التعديل أقوم بالحفظ واكتشف أن جزء من الموضوع قد طار.
أرجو ممن حفظ الموضوع أن يسعفني بالجزء الذي ضاع ]

أبوبكر بن سالم باجنيد
12-04-01 ||, 06:15 AM
في الحقيقة أخالفكم الرأي ، فعلم الحديث في ظني أسهل من علم الأصول لخلوه عن الكلاميات والمنطقيات التي شحنت بها كتب الأصول ، ولذلك حاول أن يتسوره اليوم كل من هب ودب ، وذلك أنهم يحصلون مقدماته بسهولة ، ثم يريد كل واحد منهم أن يكون محدث العصر ، ويظن أن ذلك لا يحصل له بالمتابعة بل بالمخالفة.

من لطيف القول وطريفه أنني درَّستُ علوماً شتى على الشبكة؛ الفقه، والأصول، والتجويد، الصرف، والنحو، والبلاغة -وما أنا إلا طالب علم يستذكر ما تعلم- فكان الحضور الغالب المتابع خمسة أشخاص أو ستة.. فلما جاء علم مصطلح الحديث فإذا بالعدد يقفز إلى ما فوق الضعف، وإذا بالمشاركة تزيد، والأسئلة تنهال عليَّ من كل حدب وصوب، فكنتُ أعجَب لهذا أشد العجب. فلما غاب نجم علم المصطلح خبا الضوء الوهاج وعادت المياه إلى مجاريها.

د. أيمن علي صالح
12-04-02 ||, 03:56 AM
في الحقيقة أخالفكم الرأي ، فعلم الحديث في ظني أسهل من علم الأصول لخلوه عن الكلاميات والمنطقيات التي شحنت بها كتب الأصول
بورك فيك. لم أسق كلامي للمقارنة بين علم الحديث وعلم الأصول من حيث السهولة والصعوبة. ومما لا مرية فيه أن علم الأصول من أصعب علوم النقل (إذا استثنينا علم الكلام الذي هو دخيل لا أصيل)، وهو بالنسبة لباقي علوم النقل كعلم الحساب بالنسبة لعلم التاريخ.
وإنما سقته للإشارة إلى الفوضى الكبيرة في الاصطلاح في علم الحديث، حتى سماه أصحابه بعلم "المصطلح"، وقيام كثير من المعاصرين بنقد محاولات المتأخرين من أهل الحديث كابن الصلاح وابن حجر ونحوهم التخفيف من كثرة الاصطلاحات، وتطويرهم لها.

ثم نعود إلى ما كنت سطرته أولاً فأقول : كأنكم دكتورنا الفاضل فهمت أن المليباري حاول القيام بعملية تجديد وأني أخالفه وأمانعه.
لم أفهم هذا. وإنما كان كلامي مسوقا لنقد "جزئي" لدعوات كثير من المعاصرين من أهل الحديث إلى الاعتماد على جهود المتقدمين، والتهوين من جهود المتأخرين ونقدها.

وضاح أحمد الحمادي
12-04-02 ||, 03:37 PM
وإنما سقته للإشارة إلى الفوضى الكبيرة في الاصطلاح في علم الحديث
في الحقيقة إنما ذكرته من السهولة إشارة إلى انضباط الأصول والمصطلحات في علم الحديث ، وذكرت عسر علم الأصول لعكس ذلك ، فمثلاً لا خلاف على وضوح معنى الصحيح عند المحدثين وهو الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا .
فإن معنى الإتصال والإسناد والنقل والعدل والضابط والشذوذ والعلة واضح لا خلاف فيه ، وإنما يقع الخلاف في اشتراط بعض تلك الشروط في حد الصحيح مع الاتفاق على أن الحديث الجامع لهذه الشروط صحيح.
ثم قد يناقش المعرِّف في مسائل غير راجعة إلى عماية مصطلح ما ، كمناقشتهم ابن الصلاح رحمه الله لمَ زاد لفظ مسند ، مع أنه اصطلاح معروف ، ولِمَ لم يقسم الصحيح إلى صحيح لذاته وصحيح لغيره ، كما فعل في الحسن ، مع أن الجميع مصطلحات لمعاني معروفة.
ثم قد تكون هناك مسائل (أنا والله لا أستحضر الساعة مصطلح واحد مضطرب بحيث لا يفهم معناه لأمثل به) فهذه إن وجدت فعلى ندور.
هذا أول مباحث علم الحديث أو المصطلح والإلمام به وفهمه يسهل عليك عامة ما يأتي بعده.
فإذا انتقلت إلى أو مباحث علم الأصول ـ واستثنينا الكلام والمنطق ـ وجدتهم عادة ما يبدأون بخطاب الشارع ، وقبل التعريف تراهم غير متفقين على المُعَرَّف ، وهو خطاب وشارع ، بل والإضافة بينهما ، وهكذا حتى تصل إلى آخر مباحث علم الأصول ، فلو أنا اعتبرنا علم الأصول علماً منضبطاً لا فوضى فيه ، فلا شك أنا نرى حينئذٍ أن علم الحديث قد بلغ الكمال في الإنضباط.
والذي يناقشه المتأخرون ويختلفون فيه ليس هو نفس علم الحديث ، بل حمل عبارات المتقدمين الجزئية على المصطلحات التي أحدثها المتأخرون ، كقول البخاري مثلاً سكتوا عنه ، فيه نظر ، وقول ابن معين : ليس بشيء ، يكتب حديثه ، وقول أحمد : هو كذا وكذا ، حديث منكر ، وقول الترمذي حديث حسن ، وحسن صحيح ، وقول أبي داود فيما سكت عنه : هوصالح ، وقول أبي حاتم وابن القطان مجهول ونحو ذلك.
وليس للمعاصرين دور في تيسير أو تسهيل أي شيء إلا على ندور، ويا حبذا لو جدتم ذلك أن تمثلوا له ، ولا أقصد مجرد الجهود في الكتابة ، أو استجرار ما قد هضمته مصنفات من تقدم ، فإنه بالإمكان تسمية كتب عسرت فهم كلام المحدثين ولم تيسره وهي كثير كبعض من صنف في قواعد علم الجرح والعديل أو دراسات في صنيع بعض الحفاظ ، ولا حاجة ـ إنشاء الله ـ إلى تسمية بعضها ، لكني كنت صرحت باسم بعضها في موضوعنا في الجرح والتعديل.
ومع ذلك هناك جهود لا تنكر ، دورها توضيح ما خرج على خلاف الظاهر من عبارات المحدثين ، والتعريف بغيرها ، كمصنفات الشيخ أبو الحسن المأربي ، وقبله ما قدمناه عن الإمامين اللكنوي والمعلمي ، وغيرهم.
وأقول : لعلي لم أفهم مقصودكم بالفوضى .
كما لم أفهم مقصودكم بالمتقدمين والمتأخرين ، فإن أردت بالمتأخرين المعاصرين أو ما يشملهم، فأنا مع المهونين من شأنها ، لكني أخصه بالمعاصرين، مع اعترافي بوجود جهود لها قيمتها كما تقدم، لكن التعرف عليها يكون بالتعرف على علم الحديث أولاً كما سطره أئمتنا قديماً كابن الصلاح وابن كثير وابن حجر ، ثم ينظر من تعلمها في كتب المعاصرين ، وحينئذٍ يكون متحصناً من دخنها ، مع أنه لو أهملها رأساً لما ظننت أن ذلك يضيره.

والله أعلم

حمزة عدنان الشركسي
12-04-02 ||, 07:24 PM
فإذا انتقلت إلى أو مباحث علم الأصول ـ واستثنينا الكلام والمنطق ـ وجدتهم عادة ما يبدأون بخطاب الشارع ، وقبل التعريف تراهم غير متفقين على المُعَرَّف ، وهو خطاب وشارع ، بل والإضافة بينهما ، وهكذا حتى تصل إلى آخر مباحث علم الأصول ، فلو أنا اعتبرنا علم الأصول علماً منضبطاً لا فوضى فيه ، فلا شك أنا نرى حينئذٍ أن علم الحديث قد بلغ الكمال في الإنضباط.
حقيقة علم الأصول إنما تأتي صعوبته تبعا لاختلاف مناهج المدارس الفقهية ، وداخل كل مدرسة توجد عدة اتجاهات أيضا ، فعلم أصول الفقه موضوعه أصعب من علم مصطلح الحديث ، لأن الأول يبحث عن كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهذا موضوع كبير زلت فيه أقدام كثيرة ، أما الثاني فيبحث في قواعد ومصطلحات علم الحديث فعلم مصطلح الحديث ليس وحده الطريق إلى تصحيح الحديث بل هو مقدمة لفهم علم الرجال وعلم العلل - وهذا لوحده علم واسع لم ينقح كتنقيح علم مصطلح الحديث -
أضف إلى هذا أن علم المصطلح لا يحتاج إلى علوم أخرى لفهمه ، بخلاف علم الأصول فهو يحتاج إلى معرفة الفقه والعربية والكلام والمنطق، وبارك الله فيكم.

وضاح أحمد الحمادي
12-04-02 ||, 08:19 PM
أولاً : أسعدني مروركم أخي الفاضل.
ثانياً :

بل هو مقدمة لفهم علم الرجال وعلم العلل
أحسنت بارك الله فيك ، لكن علم الرجال وعلم العلل ، إما أن تريد القواعد التي بها تعرف أحوال الرجل والأحاديث المعلة ، فهذه داخلة في ما سميتموه ـ وهو كما قلتم ـ المقدمة ، أي علم المصطلح ، فهي من هذا الباب مضبوطة ومنقحة. وإن أردتم نفس عبارات المتقدمين في الرواة ، فهذا لا يدخله التنقيح والتجديد ، فمثلاً إذا قال أحمد في رجل ضعيف الحديث ، وقال ابن معين : ليس به بأس ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، فإنك لا تقول من باب التجديد : إن أحمد لم يضعفه ، وابن معين قال فيه كذاب ، وقال أبو حاتم : ثقة ثقة. بل تبقى هذه الألفاظ كما هي ، وإنما يقتصر المتأخر على النظر في القواعد التي تبين له المقبول من الجرح والمردود ، ومعاني عبارات الجرح وكيفية التوفيق بين بعضها مما في ظاهره إشكال ، ونحو وذلك ، وكل ذلك مبحوث مضبوط.
ثم نقول : ما ذكرتموه من كون علم المصطلح مقدمة ، هو صحيح بالنسبة للأصول أيضاً فهو مقدمة لأمرين : الأول لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، والثاني : معرفة القواعد التي جرى عليها الأئمة المجتهدين أو معرفة الأحكام الشرعية وفق تصرفات فقهاء معينين.
فنحن لا نجدد في نفس كلام الفقهاء فنقول : الشافعي يأمر بالإسرار بالبسملة في الصلاة لأنه يصحح العمل بالحديث الصحيح ، والحنفية لا يقولون بالنقض بالقهقهة لأنها خلاف القياس عندهم ، بل يبقى كلام الفقهاء كما هو لا يعرف إلا من خلال النقل المحض بلا تجديد ولا تطوير ولا شيء من ذلك ، والتجديد إنما يكون ـ لو كان ـ في القواعد والأصول التي عمل بها الفقهاء ، وتلك الأصول كما قدمناه مقدمة كشأن مصطلح الحديث كما بينتموه.
وحينئذٍ يعود كلامنا السابق بحذافيره هنا ، فاختلافات الفقهاء في المسائل الفرعية هي بيقين أكثر من اختلافات أهل الجرح والتعديل في الكلام في الرواة ، وأكثر من اختلافات المحدثين في تعليل الأحاديث ، بل دعني أقول واثقاً متثبتاً مما أقول : إختلافهم في المسائل الفرعية فقط أكثر من جميع اختلافات المحدثين في جميع العلوم الحديثية المحضة جملة.
فإن كان الاختلاف فوضى ، فيمكنك ببساطة تحديد موضعها في العلوم الشرعية.
والله سبحانه أعلم

د. أيمن علي صالح
12-04-03 ||, 06:43 AM
في الحقيقة إنما ذكرته من السهولة إشارة إلى انضباط الأصول والمصطلحات في علم الحديث ، وذكرت عسر علم الأصول لعكس ذلك
لم ندع أن علم الأصول يخلو من الفوضى الاصطلاحية، بل هو كذلك، وقد كتبت في ذلك قديما. وفوضى الاصطلاح ليست هي عسر المصطلح أو الاختلاف فيه. فوضى الاصطلاح هي تعدد الاصطلاحات بتعدد العلماء والمشايخ، فكل عالم له اصطلاحه الخاص به والذي لا يجري عليه غيره من العلماء. وهذا في الأصول ليس بالقليل لكنه لا يقارن بمداه في علوم الحديث. نعم حاول متأخرو المحدثين ضبط الاصطلاحات، ولكن المشكلة أن هذه الاصطلاحات التي استقروا عليها ليست هي نفسها الموجودة في كلام المتقدمين، بل تؤدي ـ بحسب زعم أنصار الرجوع إلى منهج المتقدمين ـ إلى الخطأ في فهم كلامهم، ولذلك لا ينبغي الركون لها.

فمثلاً لا خلاف على وضوح معنى الصحيح عند المحدثين وهو الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا .
هذا التعريف الذي ذكرته واضح في الجملة، لكن كل كلمة فيه تنطوي على لغم تتفجر منه كثير من المصطلحات الغامضة في حد ذاتها والتي يختلف فيها المحدثون لفظيا ومعنويا. فالاتصال يستلزم التفريق بينه وبين الإرسال والإرسال أنواع ثم التدليس ومباحثه، ثم اللقيا أو المعاصرة. وهكذا العدالة والضبط ضبطهما في استعمال المتقدمين ليس سهلا، لا سيما مع النظر إلى مباحث رواية المبتدعة. والشذوذ والعلة كذلك.
وما اشتمل على ما ليس بواضح فهو ليس بواضح في الجملة. علما بأن هذا التعريف هو من اختيار المتأخرين، ولكنه لا يعبر بالضرورة عن استعمال لفظ الصحيح في كلام المتقدمين. كيف لا وكثير من المتقدمين كانوا يدخلون الحسن في حد الصحيح، وقيل إن أحمد كان يدخله في الضعيف، بخلاف ما استقر عليه الحال عند المتأخرين من التفرقة الدقيقة بين هذه الأنواع.



والذي يناقشه المتأخرون ويختلفون فيه ليس هو نفس علم الحديث ، بل حمل عبارات المتقدمين الجزئية على المصطلحات التي أحدثها المتأخرون ، كقول البخاري مثلاً سكتوا عنه ، فيه نظر ، وقول ابن معين : ليس بشيء ، يكتب حديثه ، وقول أحمد : هو كذا وكذا ، حديث منكر ، وقول الترمذي حديث حسن ، وحسن صحيح ، وقول أبي داود فيما سكت عنه : هوصالح ، وقول أبي حاتم وابن القطان مجهول ونحو ذلك.
هذا أيضا جانب مهم في فوضى الاصطلاح، بل هو الأساس فيه، وهو ما لا تكاد تجده بهذه الكثافة في علم آخر. وأحد أسباب هذه المشكلة أن أكثر علماء الرجال لم يوضحوا مراداتهم باصطلاحاتهم. ومن وضحها منهم لم يسر عليها سيرا مطردا. فحتى اليوم لا زلنا نجهل مقصود البخاري بـ "فيه نظر" وقد ألفت كتب في دراسة هذا المصطلح، ومع ذلك فالنتائج فيها غير قاطعة وتحتمل الخلاف. وكذلك قل في ما قصده الترمذي بلفظ "الحسن" و"الغريب" وهكذا.

كما لم أفهم مقصودكم بالمتقدمين والمتأخرين
المتقدمون كشعبة وابن المديني وأحمد والمتأخرون كالخطيب وابن الصلاح وابن حجر، والمعاصرون كالألباني وشاكر والعوني ونحوهم من المشتغلين بعلم الحديث.

أم طارق
12-04-03 ||, 09:43 AM
هذا أيضا جانب مهم في فوضى الاصطلاح، بل هو الأساس فيه، وهو ما لا تكاد تجده بهذه الكثافة في علم آخر. وأحد أسباب هذه المشكلة أن أكثر علماء الرجال لم يوضحوا مراداتهم باصطلاحاتهم. ومن وضحها منهم لم يسر عليها سيرا مطردا. فحتى اليوم لا زلنا نجهل مقصود البخاري بـ "فيه نظر" وقد ألفت كتب في دراسة هذا المصطلح، ومع ذلك فالنتائج فيها غير قاطعة وتحتمل الخلاف. وكذلك قل في ما قصده الترمذي بلفظ "الحسن" و"الغريب" وهكذا.
بارك الله فيكم
وقد كانت دراسة مقدمة ابن الصلاح بعد دراستنا لعلم مصطلح الحديث للطحان صعبة للغاية لأني درست الكتابين بسبب التحاقي بجامعتين كل منهما تقرر على طلابها كتابا
فبعد أن اعتدنا على تعريفات وتقسيمات الطحان وجدنا تقسيمات وتعريفات مختلفة لابن الصلاح
حتى محاولته للتفريق بين مقصود الترمذي وغيره من بعض المصطلحات كانت صعبة ولا أشعر بأننا استوعبناها لدرجة تجعلنا نوضحها للعامة عندما يسألوننا عما يقصد المحدث بقوله حسن صحيح، حسن غريب، ونحوه

وضاح أحمد الحمادي
12-04-03 ||, 02:36 PM
فوضى الاصطلاح هي تعدد الاصطلاحات بتعدد العلماء والمشايخ، فكل عالم له اصطلاحه الخاص به والذي لا يجري عليه غيره من العلماء. وهذا في الأصول ليس بالقليل لكنه لا يقارن بمداه في علوم الحديث.
نعم أوافقكم في هذا ، لكن على نحو عكسي ، لا تقارن الفوضى الموجودة في علما الأصول بتلك التي في علم الحديث ، لكن السبب كثرتها في علم الأصول فوق كل كثير ، حتى اختلفوا في معنى اسمه على معاني عدة.
وهنا يبدأ الكلام يعيد نفسه ، وهو أنه ليس في علم الحديث مصطلح غير منضبط إلا في القليل النادر ، وهكذا علوم الحديث جملة ، وأعود إلى تعريف الحديث الحديث الصحيح :
هو الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذاً ولا معللا.
هذا الحد ليس فيه اصطلاح مختلف فيه :
الإتصال : ضد الإنقطاع ، وهي أن يكون كل راوٍ سمع الحديث ممن فوقه.
الإسناد سلسلة الرجال.
النقل : أداء كل راوٍ لما سمعه إلى من هو دونه .
العدل : ملكة تحمل الراوي على ملازمة التقوى ، بحيث يؤمن مع ذلك كذبه.
الضابط : المتقن الحافظ لحديثه بحيث يؤديه كما سمعه من غير تغيير لمعناه ، سواءً فعل ذلك باعتماده على قوة حفظه وهو ما يعرف بضبط الصدر أو اعتمد على كتاب يحافظ عليه من التغيير والتلف ، وهو المعروف بضبط الكتاب.
عن مثله إلى منتهاه: أي يشترط أن يتوفر هذا الشرط فيمن يرويه عنه ، وهكذا كل رجال السند.
ولا يكون شاذاً : بأن يخالف الراوي من هو أولى منه بسبب زيادة في الثقة والضبط أو كثرة في العدد.
ولا معللا : هي أسباب خفية تقدح في صحة الحديث ، ظاهر الحديث خلوه عنها.
ثم كل مصطلح هو في نفسه واضح لا نزاع فيه من جهة معناه بل من جهة اشتراطه كخوارم المروءة في العدل.
فمثلاً الحديث الجامع لهذه الشروط لا خلاف في صحته عند المحدثين ، لكن الأحناف مثلاً يقولون : لا يشترط إتصال السند بل يجوز أن يكون الحديث صحيحاً وهو مع ذلك مرسل.
فالأحناف لا يخالفون في معاني المصطلحات أصلاً حتى نتكلم عن فوضى اصطلاحية ، بل يوافقون عليها ويخالفون في اشتراط بعضها.
وهكذا الحفظ : فأبو حنيفة يشترط أن يبقى الرجل حافظاً لحديثه منذ سمعه حتى أداه بحيث لو نساه ثم ذكره لم يقبل ، وليس ذلك لأن معنى الحفظ والضبط غير معروف أو مفهوم أو اصطلاحات الناس فيه مربكة ، بل هو اصطلاح واضح منضبط اختلفوا في بعض شروطه.
على أن بعض الاختلافات ليست لعلماء الحديث ، بل لغيرهم كما هو في الضبط في هذا الشأن.
وهكذا يستمر الأمر منضبطاً في سائر أبواب علم المصطلح لا خلاف إلا في اشتراط بعض الشروط في المصطلح موضع البحث.
فليس هناك لا ألغام ولا شيء من هذا القبيل.
وظني أنكم بذلتم بعض المجهود في قراءة الدراسات المعاصرة ، فغركم أن كل مؤلف ـ في العادة ـ يدعي أن هناك إشكالاً وأن كتابه جاء ليحله ، فتصدقونهم في ذلك بحسن نية ، ولا وجود لشيء من هذا القبيل.
وهكذا الأمر فيما يتعلق بما ذكرتموه من البدعة ، فمثلاً : لا خلاف في معنى البدعة ، وطالب علم الحديث متى عرفه لم يشكل عليه ، أما أحكامه فمترددة بين القبول مطلقاً ، والرد مطلقاً والتفصيل ، أما القبول والمطلق والرد المطلق فيحكى إخباراً بما قيل قديماً في المسألة ، وكأننا نتكلم عن مسألة تاريخية اتفق الناس على خلافها ، هذا من علامات أن أهل الحديث مشو في طريق تقليص الاختلافات وضبط الاصطلاحات ، أما التفصيل ، فتقبل رواية كل مبتدع لا تحمله بدعته على الكذب ، وتفصيل آخر ، وهو أنه لا تقبل روايته فيما يوافق بدعته ، وقد اختلفوا فيها.

هذا الأمر ليس كذلك في علم الأصول ، الإصطلاح نفسه فيه عماية ، لا بسبب أن كل عالم يضع لنفسه اصطلاح خاص ـ مع أن هذا موجود في الأصول بكثرة ـ بل لعدم اتفاقهم على موضوع ذلك الاصطلاح اختلافاً يبلغ من كثرته بحيث يصير مضجراً . ويستمر ذلك في عامة الأبواب.


هذا أيضا جانب مهم في فوضى الاصطلاح، بل هو الأساس فيه، وهو ما لا تكاد تجده بهذه الكثافة في علم آخر.
كلا ، فاختلافات علماء الجرح والتعديل في الرجال ليس فوضى أصلاً ، وليس سببه ـ إلا في القليل النادر ـ عدم وضوح الاصطلاح ، بل هو كاختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية ، وهي بالمناسبة كثير أكثر منها في أي علم آخر ، إلا أني لا أجعل سببها هو اضطراب القواعد الأصولية ـ وإن كانت حقاً تقود إلى اضطراب في في استنباط الأحكام الشرعية ـ ولكن قد يكون الرجل يظهر الصدق في عامة أمره ، ثم يكذب كذبةً يطلع عليها واحد أو اثنان ، فيوثقه الناس ويضعفه هذان ، فهذا لا علاقة له بحال باضطراب الاصطلاحات.
كما أن كثيراً جداً من الاختلافات ، ليست اختلافات في نفس الأمر ، بل هي من باب اختلاف العبارات ، كقول أبي حاتم في راوٍ : "صدوق" وقول النسائي فيه : "لا بأس به" وقول أبي زرعة : "ثقة" وهنا يمكن أن يقال : أن لكلٍّ اصطلاح ، لكن هذه الإصطلاحات هي كقول الفقهاء : أحب كذا ، وقول آخر هو مستحب ، وقول آخر : سنة ، وقول أخر : هذا حسن ، وقول آخر : نفل، وهكذا .
وأخيراً : فيما يتعلق باصطلاحات المتقدمين كشعبة وابن المديني وأحمد والمتأخرين كالخطيب وابن الصلاح وابن حجر ، فلا أظن أنه يصح أن نخلق بينهم اختلاف فإن صنيع المتأخر هو استخراج القواعد والضوابط من كلام من تقدم ، لا أن هناك قواعد للمتقدم وأخرى للمتأخر.
وهذا كالفقه وأصوله وقواعده ، فلا يقال : إن اصطلاحات المتقدمين كابن أبي ليلى وأبي حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي تخالف اصطلاحات المتأخرين كالجويني والغزالي والرازي والنسفي.
ثم نعيد ما قدمناه أولاً ولا حاجة بنا لتكراره.

والله أعلم

محمد هرز جامع
12-07-08 ||, 02:15 AM
أخي وضاحا ، هلا أردفت كلامك بالخلاصة التي تصل إليها ؟

وضاح أحمد الحمادي
12-07-10 ||, 01:26 AM
أخي الفاضل محمد هزر جامع ، أخوك فاشل في التلخيص .