المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على هامش كتاب الرسالة للإمام الشافعي



عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-06-10 ||, 12:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد نبي الله سيد العالمين و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

قد جرت عادة العلماء تقسيم طريقة التأليف في علم الأصول إلى طريقتين :
1- طريقة المتكلمين التي تعتمد على علم الكلام و تجريد الأصول من الفروع الفقية.
2- طريقة الفقهاء أو الأحناف و تنطلق من الفروع الفقهية لبناء القواعد الأصولية.

لكن استقراء الكتب الأصولية يبين لنا وجود منهج ثالث يمكن تسميته طريقة أهل السنة و على رأس هذا المنهج كتاب الرسالة للإمام الشافعي و من الكتب التي سارت على منهجه كتاب جامع البيان و فضله لابن عبد البر و كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي.

هذه الطريقة تعتمد في بناء القواعد الأصولية على الكتاب و السنة و اللغة و فهم الصحابة و الإجماع و ما يتفق عليه العقلاء مما أجاز الشرع استعماله فإن قيل كيف نستخدم الكتاب و السنة في بناء القواعد الأصولية و نحتاج لفهمها لعلم الأصول كما أن هناك من النصوص ما هو مختلف في فهمه فجواب ذلك أن هناك من النصوص ما يفهم باللغة و لم يختلف فيه العلماء و هناك من النصوص ما نفهمه بفهم الصحابة و غير ذلك من النصوص التي لا تحتاج للقواعد الأصولية لفهمها مثال ذلك دلالة الأمر على الوجوب فيمكن الاستدلال على ذلك بما لم يختلف فيه العلماء و ما يفهم باللغة كأمر الله عز وجل لابليس بالسجود و الأمر بإقامة الصلاة.

كيفية صناعة القواعد الأصولية من المسائل التي تحتاج لضبط أسسها و إن كان علماء الأصول أشاروا جملة إلى ما يستمد منه علم الأصول إلا أنهم لم يفِّصلوا كيفية هذا الاستمداد و كيفية بناء قواعد هذا العلم و المتأمل في كتبهم يلاحظ اعتمادهم الكثير على التلازم في إثبات هذه القواعد و بما أن علم الأصول دخلت فيه الكثير من الشوائب كانت معرفة طريقة أهل السنة في بناء القواعد الأصولية لابد منها لتصفية علم الأصول مما شابه لذلك اخترت أهم كتب أهل السنة الأصولية و هو كتاب الرسالة للإمام الشافعي لدراسته و تحديد الأسس التي اعتمدها في بناء هذا العلم.


عندما بدأ الإمام الشافعي رحمه الله كتاب الرسالة أصّل قاعدتين مهمتين في صناعة هذا العلم :

القاعدة الأولى : أن مصدر هذا العلم الكتاب و السنة و سيأتي بيان ذلك لاحقا بنقول عن الإمام الشافعي رحمه الله.
و فرع الإمام الشافعي عن هذه القاعدة ، قاعدة ثانية و هي أن الشارع حدد مواقع يمكن فيها استعمال العقل لبلوغ المطلوب من النصوص و هذه قاعدة مهمة جدا ألا و هي تقديم النقل على العقل .

القاعدة الثانية: أن القرآن عربي لذلك كان فهم الخطاب العربي لابد منه لتقعيد هذه القواعد.

عبر دراسة كتاب الرسالة للإمام الشافعي سأبين إن شاء الله أن القاعدتين المذكورتين كافيتان لبناء علم أصول الفقه و ذلك باستقراء طريقة الإمام الشافعي في كتابه فهو غالبا ما يذكر القواعد و يستدل لها بالآيات و الأحاديث بطريقة التلازم و قد أسوق ما ذكر في بعض الكتب الأصولية لمزيد من الشرح و الفائدة مراعيا في ذلك بناء هذا العلم على طريقة أهل السنة و الكمال لله وحده و الله الموفق.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-06-10 ||, 02:03 PM
إن الله عز و جل كرّم هذه الأمة برسالة الإسلام ، فأرسل الرسول عليه الصلاة و السلام ليعلم المسلمين أحكام هذا الدين و كان أول من تلقى هذه الرسالة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فكان خطاب الشارع بلغة العرب التي شرب الصحابة من بلاغتها فكان فهم مقصود الشارع عندهم بالسليقة و ذلك لأنهم أول العلماء و الفقهاء ففهموا هذه الشريعة حق فهمها و أدركوا مقاصدها.

إن فهم الخطاب العربي أمر لابد منه لمن أراد أن يفهم خطاب الشارع و العرب الأوائل بفطرتهم يدركون خبايا هذا الخطاب.

يحكى أن الأصمعي قال: كنت أقرأ: السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، وبجنبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت، فقرأت: ؟ واللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ ؟ [المائدة: 38]، فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علمت أني أخطأت ؟ فقال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع(زاد المسير، لابن الجوزي: 382) اهــ فأنظر رحمك الله كيف أن هذا الأعرابي فهم بسليقته أن كلام القارئ لا يستقيم.

لذلك كان الصحابة و هم العرب الأوائل أوعى الناس لخطاب الشارع ثم سار على نهجهم التابعون ثم من بعدهم إلى أن استعجم لسان العرب فكان لزاما على العلماء أن يحفظوا هذه العلوم.

قام الإمام الشافعي رحمه الله بكتابة أول كتاب في هذا العلم ، كتاب الرسالة ، فوضع فيه طريقة الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية فبنى كتابه على منهجية فريدة سنحاول دراستها إن شاء الله في هذا الموضوع المتواضع وسنقوم من خلال هذه الدراسة إن شاء الله بتحديد أسس بناء علم الأصول و سنقسمها إلى ثلاث أنواع :

1- أسس جمع القواعد الأصولية.
2- أسس استمداد معاني القواعد الأصولية.
3- أسس إثبات القواعد الأصولية.

بدأ الإمام الشافعي الرسالة بحمد الله ثم الصلاة على نبيه ثم ذكر مناقبه و مناقب هذا الدين ثم قال:

القاعدة الأولى للإمام الشافعي: مصدر الأدلة الشرعية كتاب الله عز و جل

قال :
فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها (49) قال الله تبارك وتعالى * (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) * (50) وقال * (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * (51) وقال * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) * (52) وقال * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم اهــ

لقد أصل الإمام الشافعي قاعدة عظيمة عند أهل السنة أن كل الأدلة الشرعية ترجع إلى كتاب الله فهو المرشد في كيفية استنباط الأحكام فما شرعه الله عز و جل من أدلة أخدنا به و ما لم يشرعه تركناه.
ثم بدأ الإمام الشافعي كتابه بباب "كيف البيان" أي كيف بين الله عز و جل لخلقه في كتابه الأحكام الشرعية.
و كأنه يقول أول ما يلزم أن يعرفه الفقيه ، كيف بين الله عز و جل لعباده ما تعبدهم به إذ العلم بخطاب الشارع هو أول مرحلة في استنباط أحكام الشريعة.

ثم قسم الإمام الشافعي رحمه الله هذا البيان إلى أربعة أقسام و حصر هذه الأقسام لابد له من استقراء لنصوص الشريعة و كأن الإمام الشافعي يقول جمع القواعد الأصولية لابد له من استقراء لنصوص الشريعة و على هذا نقول :
الأساس الأول في بناء القواعد الأصولية : المرحلة الأولى في علم الأصول هي جمع قواعد هذا العلم و يتم ذلك باستقراء نصوص الشريعة و دليل ذلك قوله تعالى {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}.

أقسام البيان عند الشافعي

القسم الأول: ما بينه في القرآن نصا واضحا كتحريم الخمر.

القسم الثاني: ما احكم فرضه في القرآن و بين كيفيته في السنة أي ما جاء في القرآن جملة ثم فسرته السنة كعدد الصلوات.

القسم الثالث: ما جاءت به السنة دون أن يكون في القرآن نص على ذلك و قد فرض الله عز و جل طاعة رسوله عليه الصلاة و السلام فبين القرآن أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام من الشرائع لابد من إتباعه لأنه شرع الله و مثال ذلك صلاة العيدين.

القسم الرابع: ما فرض الشرع فيه الاجتهاد و مثال ذلك التوجه شطر القبلة في الصلاة و تحديد جزاء الصيد في الحج لقوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم).

و هنا أصل الشافعي قواعد فرعية نذكرها:

طرق إيجاد الأحكام أربعة:

- من كتاب الله
- من كتاب الله و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام
- من سنة نبيه عليه الصلاة و السلام
- من الطرق التي فرضها الله في كتابه و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام و من هذه الطرق الإجماع و القياس.

إذن إن جمعنا القواعد التي أصلها الإمام الشافعي رحمه الله و التي سيبني عليها كتابه:

القاعدة الكبرى: أن كل الأدلة ترجع لكتاب الله وعلى هذا يكون :
1- أساس جمع القواعد الأصولية هو النصوص الشرعية
2- إثبات هذه القواعد يكون كذلك بالنصوص الشرعية بطريقة مناشرة أو غير مباشرة و سنفصل ذلك لاحقا.

كيفية تطبيق القاعدة الكبرى بقواعد فرعية:

- إما بالرجوع لما هو محكم في كتاب الله و لا يحتاج تفسيرا.
- أو الرجوع لما هو مذكور في كتاب الله و مشروح في السنة.
- أو الرجوع لما هو موجود في السنة.
و هذه القواعد الثلاثة تقابل النص و المجمل في الكتب الأصولية الحديثة.
- أو استعمال الطرق التي فرضها الله على عباده في الكتاب و السنة و من هذه الطرق الإجماع و القياس فالقياس و إن كان من الأدلة العقلية إلا أن الشارع بين طريقة استعماله في كتابه فرجع إلى الأصل و هو الكتاب و السنة.

بعد ذلك شرع الشافعي في تفصيل كل نوع من البيان إلا أنه قسم ذلك في خمسة أبواب و الباب الذي أضافه هو قسم بين الأول و الثاني أي هو ما أحكم بعضه و فصل في القرآن و شرح بعضه الآخر في السنة و ذكر القاعدة الكبرى الثانية و هي "أن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب" التي شرحها الشافعي بقوله:
وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها (170) فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله وطاعة الله جامعة للخير اهــ

و الخلاصة من هذه المقدمة أن علم الأصول يبنى على قاعدتين و هما :

1- أن كل الأدلة ترجع لكتاب الله عز و جل و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام

2- و لفهم هذه الأدلة لابد من فهمها بأساليب العرب

وتفصيل ذلك : لبناء علم الأصول نحتاج ثلاث أسس بالاستقراء :

1- أسس جمع القواعد الأصولية وذلك يكون باستقراء الكتاب و السنة

2- أسس استمداد معاني القواعد الأصولية وذلك يكون من الكتاب و السنة و لغة العرب لأن القرآن عربي و ما شرع لنا الشارع استعماله.

3- أسس إثبات القواعد الأصولية و ذلك انطلاقا من الكتاب و السنة.


و الله أعلم.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-06-10 ||, 02:08 PM
باب البيان الأول :

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


قال الله تبارك وتعالى في المتمتع‏:‏‏{‏فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم‏.‏ تلك عشَرَة كاملة‏.‏ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجدِ الحرام‏}‏ البقرة ‏:‏196
فكان بيِّناً عند مَن خوطب بهذه الآية أن صوم الثلاثة في الحج، والسبع في المَرجِع عشرةُ أيام كاملة‏ .‏
قال الله‏ :‏ ‏{‏تلك عشرة كاملة‏}‏ فاحتملت أن تكون زيادةً في التبيين، واحتملت أن يكون أعلَمَهُم أن ثلاثة إذا جُمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة‏.‏
وقال الله‏ :‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين ليلة، وأتممناها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة‏}‏ الأعراف ‏:‏142
فكان بيِّنا عند من خوطب بهذه الآية أن ثلاثين، وعشراً أربعون ليلة‏ .‏
وقوله‏ :‏ ‏{‏أربعين ليلة‏}‏ يحتمل ما احتملت الآية قبلها‏:‏ من أن تكون‏:‏ إذا جُمعت ثلاثون إلى عشر كانت أربعين، وأن تكون زيادة في التبيين‏.‏
وقال الله‏ :‏‏{‏كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون‏.‏ أياماً معدودات، فمن كان منكم مريضا، أو على سفر فعدة من أيام أُخَرَ‏}‏ البقرة ‏:‏183 ، 184
وقال‏ :‏ ‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القُرَآن هدى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر، فعِدَّة من أيام أخر‏}‏ البقرة ‏:‏185
فافترض عليهم الصومَ، ثم بيَّن أنه شهر، والشهر عندهم ما بين الهلالين، وقد يكون ثلاثين، وتسعاً وعشرين‏ .‏
فكانت الدلالة في هذا كالدلالة في الآيتين، وكان في الآيتين قبله ‏زيادةٌ تبيِّن جماع العدد‏ ‏ .‏
وأشبهُ الأمور بزيادة تبيين جُملة العدد في السبع، والثلاث، وفي الثلاثين والعشر‏ :‏ أن تكون زيادةً في التبيين؛ لأنهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجماعة، كما لم يزالوا يعرفون شهر رمضان‏.‏ اهــ





النوع الأول من البيان :
ما فُصل في كتاب الله عز و جل فلم يحتج شرحا من السنة.

قال تعالى : {‏فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم‏.‏ تلك عشَرَة كاملة‏.‏ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجدِ الحرام‏}‏ .
بين الشارع في هذه الآية أنه من لم يجد الهدي يصوم ثلاث أيام في الحج و سبعة إذا رجع ثم زاد في البيان بذكر جمعها و هو عشرة فكانت هذه الآية نص بَيِّنٌ لمن خوطب بها فلم تحتمل فهما آخر.

و يصطلح على هذا النوع من البيان مصطلح النص فالنص ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً.

و قد قسم الأصوليون خطاب الشارع إلى عدة أقسام و هي :
النص : ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً.
الظاهر : ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر.
المؤول : ما حمل لفظه على المعنى المرجوح.
المجمل : هو ما يفتقر إلى البيان أي أنه يحتمل أكثر من معنى دون أن يظهر معنى على آخر.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله آية الصوم و ذكر فيها شهر رمضان ففي هذه الآية بيان أيضا من النوع الأول إلا أن الشارع لم يبين معنى الشهر لأنه معلوم للجميع.

باب البيان الثاني :
قال الإمام الشافعي رحمه الله
اقتباس:


قال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين، وإن كنتم جُنُبَاً فاطَّهروا‏}‏ المائدة 6
وقال‏ :‏ ‏{‏ولا جُنُبَاً إلا عابري سبيلٍ ‏}‏النساء ‏:‏ 43
فأتى كتاب الله على البيان في الوضوء دون الاستنجاء بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة‏ .‏
ثم كان أقل غسل الوجه، والأعضاء مرة مرة، واحتمل ما هو أكثر منها، فبين رسول الله الوضوء مرة، وتوضأ ثلاثاً، ودل على أن أقل غسل الأعضاء يجزئ، وأن أقل عدد الغسل واحدة‏ .‏ وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيار‏.‏
ودلت السنة على أنه يجزئ في الاستنجاء ثلاثة أحجار، ودل النبي على ما يكون منه الوضوء، وما يكون منه الغسل، ودل على أن الكعبين والمرفقين مما يغسل؛ لأن الآية تحتمل أن يكونا حدين للغسل، وأن يكونا داخلين في الغسل‏ .‏ ولما قال رسول الله ‏(‏ويل للأعقاب من النار‏)‏ دلَّ على أنه غسل لا مسح‏.‏
قال الله‏ :‏ ‏{‏ولأبويه لكل واحد منهما السُدُسُ مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولدٌ وَوَرِثَه أبواه، فلأمه الثلث، فإن كان له أخوة فلأمه السدس‏}‏ النساء 11
وقال‏ :‏ ‏{‏ولكم نصفُ ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنَّ ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربُع مما تركن من بعد وصية يُوصين بها أو دين، ولهن الربُع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمُن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دَين، وإن كان رجل يورث كلالةً أو امرأةٌ، وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدُسُ، فإن كانوا أكثرَ من ذلك، فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غيرَ مضارٍّ وصيةً من الله، والله عليم حليم‏}‏ النساء‏:‏ 12
فاستُغنِي بالتنـزيل في هذا عن خبرٍ غيرِه، ثم كان لله فيه شرطٌ أن يكون بعد الوصية والدَّين، فدل الخبر على أن لا يُجَاوَزَ بالوصية الثلثُ‏ .‏ اهــ





في هذا الباب ذكر الشافعي رحمه الله نوعا ثانيا من البيان و هو ما بُيِّنَ بعضه و ترك بعضه مجملا ثم بُيِّنَ في السنة مثال ذلك الوضوء في الصلاة فقد جاء مفصلا من حيث الكيفية : غسل الوجه و اليدين و مسح الشعر و غسل الأرجل , و مجملا من حيث العدد فقيدت السنة ذلك فيغسل الوجه و اليدين و الأرجل مرة أو إثنين أو ثلاث أما الشعر فيمسح مرة واحدة و مذهب الشافعي أنه يمسح ثلاث لذلك أجمل العدد بثلاث في كتابه.

المثال الثاني آية الميراث أطلقت الوصية ثم جاءت السنة فبينت أن الوصية لا تتجاوز الثلث فقيدت السنة الآية المطلقة .

باب البيان الثالث :

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً‏}‏ النساء‏:‏ 103
وقال‏ :‏ ‏{‏وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة‏}‏ البقرة‏:‏ 43
وقال‏ :‏ ‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏ البقرة‏:‏ 196
ثم بين على لسان رسوله عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتَها وسننها، وعددَ الزكاة ومواقيتَها، وكيف عملُ الحج والعمرة، وحيث يزول هذا ويثبُتُ، وتختلف سننه وتَاتَفِقُ ‏ [‏ ايتفق ياتفق فهو موتفق‏.‏ في لغة أهل الحجاز‏.‏‏]‏، ولهذا أشباهٌ كثيرة في القُرَآن والسنة‏.‏ اهــ





في هذا النوع من البيان ذكر الشارع الحكم مجملا كالصلاة فأحكم فرضها لكن لم يفصل عددها و كيفيتها ثم جاءت السنة ففسرت ذلك فحددت عدد الصلوات و كيفيتها و وقتها.

باب البيان الرابع :
قال الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


كل ما سنَّ رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا، من ذِكرِ ما مَنَّ الله به على العباد من تَعَلُّم الكتاب والحكمة‏:‏ دليلٌ على أن الحكمة سنة رسول الله‏.‏
مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله، وبيَّن من موضعه الذي وضعه الله به من دينه‏ :‏ الدليلُ على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه‏.‏
منها‏ :‏ ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره
ومنها‏ :‏ ما أتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله، فبين رسول الله عن الله كيف فرْضُهُ‏؟‏ وعلى من فرْضُهُ‏؟‏ ومتى يزول بعضه وَيَثبُتُ وَيَجِبُ‏؟‏
ومنها‏ :‏ ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب‏.‏
وكل شيء منها بيانٌ في الكتاب الله‏ .‏
فكل من قَبِلَ عن الله فرائضه في كتابه‏ :‏ قَبِلَ عن رسول الله سننه بفرْض الله طاعةَ رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قَبِلَ عن رسول الله، فمن الله قَبِلَ لِمَا افترض الله من طاعته‏.‏
فيجمع القبول لما في كتاب الله، ولسنة رسول الله‏ :‏ القبولَ لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قُبِل بها عنهما، كما أحل وحرم، وفرض وحدَّ بأسباب متفرقة، كما شاء جل ثناؤه، ‏{‏لا يُسأل عما يفعل، وهم يسألون‏}‏ الأنبياء ‏:‏23 اهــ





فبين الإمام الشافعي رحمه الله أنه قد تأتي أحكام في السنة لم تذكر في القرآن و هذه الأحكام تشريع لقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }


باب البيان الخامس :
قال الإمام الشافعي رحمه الله
اقتباس:


قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ومن حيث خرجتَ فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏}‏ البقرة ‏:‏150
ففرض عليهم حيث ما كانوا أن يُوَلُّوا وجوههم شطره، وشطرُهُ جِهَتُهُ في كلام العرب‏ .‏ إذا قلتَ أقصد شطر كذا، معروف أنك تقول‏:‏ أقصد قصدَ عَينِ كذا، يعني قصدَ نفسِ كذا، وكذلك ‏(‏‏(‏تلقاءه‏)‏‏)‏ جهتَهُ، أي أستقبل تلقاءه، وجهته، وإنَّ كلَّها معنىً واحدٌ، وإن كانت بألفاظ مختلفة‏.‏
وقال خُفَافُ بن نُدْبة‏ :‏
ألا من مبلغ عَمراً رسولاً * وما تغني الرسالة شَطر عمرو
وقال ساعدة بن جُؤَيَّة‏ :‏
أقول لأم زِنْبَاعٍ أَقيمي * صدور العِيس شطر بني تميمِ
وقال لقيط الأيادي‏ :‏
وقد أظلكُمُ من شطر ثغركُمُ * هولٌ له ظُلَمٌ تغشاكُمُ قِطَعَا
وقال الشاعر‏ :‏
إن العسير بها داءٌ مُخامرُها * فشطرَها بَصَرُ العينين مسحورُ
قال الشافعي‏ :‏ يريد تلقاءها بَصَرُ العينين، ونحوَها‏:‏ تلقاءَ جهتها‏.‏
وهذا كله - مع غيره من أشعارهم - يبين أن شطر الشيء قَصْدُ عين الشيء‏:‏ إذا كان معايناً فبالصواب، وإذا كان مُغَيَّبَاً فبالاجتهاد بالتوجه إليه، وذلك أكثر ما يمكنه فيه‏.‏
وقال الله‏ :‏ ‏{‏جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر‏}‏ الأنعام ‏:‏97
{‏وعلاماتٍ وبالنجم هم يهتدون ‏} ‏‏ النحل ‏:‏16
فَخَلَقَ لهم العلامات، ونصب لهم المسجد الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه‏ .‏ وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركَّبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات‏.‏ وكل هذا بيان، ونعمة منه جل ثناؤه‏.‏
{‏وأشهدوا ذَوَي عدل منكم‏} ‏‏ الطلاق ‏:‏2 ، وقال‏:‏ ‏{‏ممن ترضون من الشهداء‏}‏ البقرة ‏:‏282
أبان أن العدلَ العاملُ بطاعته، فمن رأوه عاملاً بها كان عدلاً، ومن عمل بخلافها كان خلاف العدل‏ .‏
وقال جل ثناؤه ‏ :‏‏{‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ، ومن قتله منكم متعمداً، فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النَّعَم، يحكمُ به ذوا عدل منكم هدياً بالغَ الكعبة‏}‏المائدة ‏:‏95
فكان المِثل - على الظاهر - أقربَ الأشياء شَبَهَاً في العِظَمِ من البدن‏.‏ واتفقت مذاهب مَن تكلم في الصيد من أصحاب رسول الله على أقرب الأشياء شبهاً من البدن‏.‏ فنظرنا ما قُتِلَ من دوابِّ الصيد‏:‏ أيُّ شيء كان من النَّعَم أقربَ منه شَبَهَاً فديناه به‏.‏
ولم يحتمل المِثل من النَّعَم القيمةَ فيما له مِثلٌ في البدن من النعم‏ :‏ إلا مستكرهاً باطناً‏.‏ فكان الظاهر الأعمُّ أولى المعنيين بها‏.‏ وهذا الاجتهاد الذي يطلبه الحاكم بالدلالة على المثل‏.‏
وهذا الصنف من العلم‏ :‏ دليلٌ على ما وصفْتُ قبلَ هذا على أنْ ليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حلَّ ولا حرُم إلا من جهة العلم‏.‏ وجهةُ العلم الخبرُ‏:‏ في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس‏.‏
ومعنى هذا البابِ معنى القياس؛ لأنه يُطلب فيه الدليل على صواب القبلةِ، والعَدلِ، والمِثل‏ .‏
والقياس ما طُلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم، من الكتاب أو السنة؛ لأنهما عَلَمُ الحق المفتَرَضِ طَلَبُهُ، كطلب ما وَصَفتُ قبله، من القبلة والعدل والمثل‏ .‏
وموافقته تكون من وجهين‏ :‏
أحدهما‏ :‏ أن يكون الله أو رسوله حرم الشيء منصوصاً، أو أحله لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم يَنُصَّ فيه بعينه كتابٌ ولا سنة‏:‏ أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال أو الحرام‏.‏
أو نجد الشيء يشبه الشيءَ منه، والشيءَ من غيره، ولا نجد شيئاً أقربَ به شَبَهَاً من أحدهما‏ :‏ فنلحقه بأَولى الأشياء شَبَهَاً به، كما قلنا في الصيد‏.‏
قال الشافعي‏ :‏ وفي العلم وجهان‏:‏ الإجماع والاختلاف‏.‏ وهما موضوعان في غير هذا الموضع‏.‏ اهــ





ففي هذا النوع ذكر الشافعي رحمه الله القياس - بمفهومه العام عنده أي يشمل القياس المصطلح عليه اليوم و زيادة - و هو النوع الذي جاء أصله في الكتاب و السنة ثم شرع الله عز و جل الاجتهاد فيه و ضرب الشافعي مثالا عن ذلك و هو الحكم في قتل الصيد في الحرم فقد فرض الله عز و جل الاجتهاد فيه لتقريبه بشبيهه من النعم.

إذن بين الشافعي رحمه الله أن البيان في كتاب الله و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام أنواع :

منه ما هو النص من الكتاب الذي لا يحتاج تفسيرا من السنة.
و منه ما هو مجمل في الكتاب مفسر في السنة.
و منه ما هو في السنة و ليس في الكتاب.
و منه ما لم يذكر بذاته في الكتاب و السنة فيجتهد فيه لتقريبه من أصله فيهما و هذا من ابتلاء الله عز و جل لعباده.

و خلاصة هذا الفصل أن الأدلة نوعان ، ما هو أصل بنفسه و هي الكتاب و السنة و ما هو ناتج عن الأصل و هو القياس و الإجماع و ما أذن لنا الشرع في استخدامه لاستنباط النصوص الشرعية.

القاعدة الكبرى الثانية "أن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب"
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


ومن جماع علم كتاب الله‏:‏ العلمُ بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب‏.‏
والمعرفةُ بناسخ كتاب الله، ومنسوخة، والفرْضِ في تنزيله، والأدبِ، والإرشادِ، والإباحةِ‏ .‏
والمعرفةُ بالموضع الذي وضع الله به نبيه من الإبانة عنه، فيما أحكم فرضه في كتابه، وبينه على لسان نبيه‏ .‏ وما أراد بجميع فرائضه‏؟‏ ومن أراد‏:‏ أكلَّ خلقه أم بعضهم دون بعض‏؟‏ وما افترض على الناس من طاعته، والانتهاء إلى أمره‏.‏
ثم معرفةُ ما ضرب فيها من الأمثال الدوالِّ على طاعته المبيِّنة لاجتناب معصيته، وتركُ الغفلة عن الحظ، والازديادُ من نوافل الفضل‏ .‏
فالواجبُ على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا‏ .‏
وقد تكلم في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساكُ أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله‏ .‏
فقال منهم قائل‏ :‏ إن في القُرَآن عربياً وأعجميًا
والقُرَآن يدل على أنْ ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب‏ .‏
ووجد قائل هذا القول مَن قَبِلَ ذلك منه تقليداً له، وتركاً للمسألة عن حجته، ومسألةِ غيره ممن خالفه‏ .‏
وبالتقليد أغفلَ من أغفلَ منهم، والله يغفر لنا ولهم‏ .‏
ولعل من قال‏ :‏ إن في القُرَآن غيرَ لسان العرب، وقُبِلَ ذلك منه ذَهَبَ إلى أن من القُرَآن خاصاً يجهل بعضَه بعضُ العرب‏.‏
ولسان العرب‏ :‏ أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه‏.‏
والعلمُ به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ‏ .‏
فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره‏ .‏
وهم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره‏ .‏
وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها‏ :‏ دليلاً على أن يُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عن نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها‏.‏
وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها‏ .‏ لا يذهب منه شيء عليها، ولا يُطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من قَبِله عنها، ولا يَشرَكها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها‏.‏
وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله‏ .‏
وعِلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعمُّ من علم أكثر السنن في العلماء‏ .‏
فإن قال قائل‏ :‏ فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب‏؟‏
فذلك يحتمل ما وصفتُ من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجدُ ينطقُ إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه، فهو تبع للعرب فيه‏ .‏
ولا ننكر إذ كان اللفظُ قِيل تعلماً، أو نُطِق به موضوعاً‏ :‏ أن يوافقَ لسانُ العجم، أو بعضُها قليلاً من لسان العرب، كما يَاتَفِقُ القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبُعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها‏.‏
فإن قال قائل‏ :‏ ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلِطُه فيه غيره‏؟‏
فالحجة فيه كتابُ الله قال الله‏ :‏‏{‏وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه‏}‏ إبراهيم ‏:‏4
فإن قال قائل‏ :‏ فإن الرسل قبل محمد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمداً بُعث إلى الناس كافة، فقد يحتمل أن يكون بُعث بلسان قومه خاصة، ويكونَ على الناس كافة أن يتعلموا لسانه، وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بُعث بألسنتهم‏:‏ فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم‏؟‏
فإن كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتَّبَع على التابِع‏ .‏
وأولى الناس بالفضل في اللسان مَن لسانُهُ لسانُ النبي‏ .‏ ولا يجوز - والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسانٍ غيرِ لسانه في حرف واحد، بل كلُّ لسان تَبَع للسانه، وكلُّ أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه‏.‏
وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه‏ :‏
قال الله‏ :‏ ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين‏.‏ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ‏}‏الشعراء 192 ، 193
وقال‏ :‏ ‏{‏وكذلك أنزلناه حكماً عربياً‏}‏ الرعد‏:‏ 37
وقال‏ :‏‏{‏وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى، ومَن حولها‏}‏ الشورى‏:‏ 7
وقال‏ :‏ ‏{‏حم‏.‏ والكتاب المبين‏.‏ إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون‏}‏ الزخرف ‏:‏1 ، 3
وقال‏ :‏ ‏{‏قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَجٍ لعلهم يتقون‏}‏ الزمر ‏:‏28
قال الشافعي‏ :‏ فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كلَّ لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه‏.‏
فقال تبارك وتعالى‏ :‏ ‏{‏ولقد نعلم أنهم يقولون‏:‏ إنما يعلمه بشر‏.‏ لسانُ الذي يُلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين‏}‏ النحل‏:‏ 103
وقال‏ :‏ ‏{‏ولو جعلناه أعجمياً لقالوا‏:‏ لولا فُصِّلت آياته، أعجمي وعربي}‏ فصلت‏:‏ 44
قال الشافعي‏ :‏ وعرَّفَنَا نعمه بما خصَّنا به من مكانه، فقال‏:‏ ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤفٌ رحيم‏}‏ التوبة ‏:‏128
وقال‏ :‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ الجمعة‏:‏2
وكان مما عرَّف اللهُ نبيَّه من إنْعامه، أنْ قال‏ :‏‏{‏ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ‏}‏ الزخرف‏:‏44، فخَصَّ قومَه بالذكر معه بكتابه‏.‏
وقال‏ :‏ ‏{‏ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏}‏الشعراء‏ :‏ 214 وقال‏:‏ ‏{‏لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ‏}‏ الشورى‏:‏7، وأمُّ القرى‏:‏ مكة، وهي بلده وبلد قومه، فجعلهم في كتابه خاصة، وأدخلهم مع المنذَرين عامة، وقضى أن يُنْذِروا بلسانهم العربي، لسانِ قومه منهم خاصة‏.‏
فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يَشْهَد به أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، ويتلوَ به كتابَ الله، وينطق بالذكر فيما افتُرِض عليه من التكبير، وأُمر به من التسبيح، والتشهد، وغيرِ ذلك‏.‏
وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسانَ مَنْ خَتَم به نُبوته، وأنْزَلَ به آخر كتبه‏ :‏ كان خيراً له‏.‏ كما عليه يَتَعَلَّمُ ‏الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيتَ، وما أُمِر بإتيانه، ويتوجه لِما وُجِّه له‏.‏ ويكون تبَعاً فيما افتُرِض عليه، ونُدب إليه، لا متبوعاً‏.‏
وإنما بدأت بما وصفتُ، من أن القُرَآن نزل بلسان العرب دون غيره‏ :‏ لأنه لا يعلم مِن إيضاح جُمَل عِلْم الكتاب أحد، جهِل سَعَة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجِماعَ معانيه، وتفرقَها‏.‏ ومن علِمه انتفَتْ عنه الشُّبَه التي دخلَتْ على من جهِل لسانَها‏.‏
فكان تَنْبيه العامة على أن القُرَآن نزل بلسان العرب خاصة‏ :‏ نصيحةً للمسلمين‏.‏ والنصيحة لهم فرضٌ، لا ينبغي تركه، وإدْراكُ نافلة خيْرٍ لا يَدَعُها إلاَّ مَن سفِهَ نفسَه، وترَك موضع حظِّه‏.‏ وكان يَجْمع مع النصيحة لهم قيامًا بإيضاح حقٍّ‏.‏ وكان القيام بالحق، ونصيحةُ المسلمين من طاعة الله‏.‏ وطاعةُ الله جامعة للخَير‏.‏
أخبرنا ‏ "‏سُفيان‏"‏ عن ‏"‏زِياد بن عِلاَقة‏"‏، قال‏:‏ سمعتُ ‏"‏جَرير بن عبد الله‏"‏ يقول‏:‏ ‏(‏بَايَعْتُ النَّبِيَّ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ‏)‏‏{‏ البخاري‏:‏ كتاب الإيمان/55؛ مسلم‏:‏ كتاب الإيمان/84‏.‏‏]‏‏.‏
أخبرنا ‏ "‏ابن عيينة‏"‏ عن ‏"‏سُهَيْل ابن أببي صالح‏"‏، عن ‏"‏عطاء بن يزيد‏"‏ عن ‏"‏تَمِيم الدَّارِي‏"‏، أنَّ النَّبيَّ قال‏:‏ ‏(‏إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ‏:‏ لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِنَبِيِّهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ‏)‏ ‏[‏مسلم‏:‏ كتاب الإيمان/82؛ النسائي‏:‏ كتاب البيع/4138؛ أبوداود‏:‏ كتاب الأدب/4293؛ الترمذي‏:‏ كتاب البر والصلة/1849‏.‏‏]‏
قال ‏ "‏الشافعي‏"‏‏:‏ فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها، وكان مما تعرف من معانيها‏:‏ اتساعُ لسانها، وأنَّ فِطْرَتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهِرًا، يُراد به العام، الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخِرِه‏.‏ وعاماً ظاهراً يراد به العام، ويَدْخُلُه الخاصُّ، فيُسْتَدلُّ على هذا ببَعْض ما خوطِبَ به فيه؛ وعاماً ظاهراً، يُراد به الخاص‏.‏ وظاهراً يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ ظاهره‏.‏ فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وَسَطِهِ، أو آخِرَه‏.‏
وتَبْتَدِئ الشيءَ من كلامها يُبَيِّنُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره‏ .‏ وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظِها منه عن أوَّلِهِ‏.‏
وتكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُه بالمعنى، دون الإيضاح باللفظ، كما تعرِّف الإشارةُ، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جَهَالتها‏ .‏
وتسمِّي الشيءَ الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمي بالاسم الواحد المعانيَ الكثيرة‏ .‏
وكانت هذه الوجوه التي وصفْتُ اجتماعَها في معرفة أهل العلم منها به - وإن اختلفت أسباب معرفتها -‏:‏ مَعْرِفةً ‏واضحة عندها، ومستَنكَراً عند غيرها، ممن جَهِل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتابُ، وجاءت السنة، فتكلَّف القولَ في علمِها تكلُّفَ ما يَجْهَلُ بعضَه‏.‏
ومن تكَلَّفَ ما جهِل، وما لم تُثْبِتْه معرفته‏ :‏ كانت موافقته للصواب - إنْ وافقه من حيث لا يعرفه - غيرَ مَحْمُودة، والله أعلم؛ وكان بِخَطَئِه غيرَ مَعذورٍ، وإذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بيْن الخطأ والصواب فيه‏. ‏اهـ



ـ

أثبت الإمام الشافعي رحمه الله قاعدة ثانية عظيمة مكملة للقاعة الكبرى الأولى (أن كل الأدلة ترجع لكتاب الله) فقال :
اقتباس:


فإنما خاطب الله بكتابه العربَ بلسانها، على ما تَعْرِف مِن معانيها، وكان مما تعرف من معانيها‏:‏ اتساعُ لسانها، وأنَّ فِطْرَتَه أنْ يخاطِبَ بالشيء منه عامًّا، ظاهِرًا، يُراد به العام، الظاهر، ويُسْتغنى بأوَّل هذا منه عن آخِرِه‏.‏ وعاماً ظاهراً يراد به العام، ويَدْخُلُه الخاصُّ، فيُسْتَدلُّ على هذا ببَعْض ما خوطِبَ به فيه؛ وعاماً ظاهراً، يُراد به الخاص‏.‏ وظاهراً يُعْرَف في سِياقه أنَّه يُراد به غيرُ ظاهره‏.‏ فكلُّ هذا موجود عِلْمُه في أول الكلام، أوْ وَسَطِهِ، أو آخِرَه‏.
وتَبْتَدِئ الشيءَ من كلامها يُبَيِّنُ أوَّلُ لفظها فيه عن آخره‏.‏ وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظِها منه عن أوَّلِهِ‏.‏
وتكلَّمُ بالشيء تُعَرِّفُه بالمعنى، دون الإيضاح باللفظ، كما تعرِّف الإشارةُ، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جَهَالتها‏.‏
وتسمِّي الشيءَ الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمي بالاسم الواحد المعانيَ الكثيرة‏.‏ اهـ



ـ

فالقرآن نزل عربيا لذلك كان لزاما دراسة أساليب العرب لفهم نصوصه و لا تحمل نصوصه إلا على المعان المعهودة عند العرب و على هذا لبناء أصول الفقه نحتاج قاعدتين :

أن كل الأدلة ترجع لكتاب الله :
إما في القرآن و السنة.
أو مما أقره القرآن أو أقرته السنة كالاجتهاد و القياس و غير ذلك فكل أصل أثبت في الكتاب أو السنة أخد به في البحث عن الأحكام.

و لفهم هذه الأدلة لابد من فهمها بأساليب العرب.

إذن لاستخراج الأحكام نحتاج :

الخطاب : و هي نصوص الكتاب و السنة و يتفرع من ذلك :
إثبات نسبة الخطاب للشارع كدراسة القراآت الشاذة و الحكم على صحة الأحاديث و ما شابه و يتفرع من ذلك أيضا الناسخ و المنسوخ.

فهم الخطاب : و يلزم لذلك إتقان أساليب العرب كالمطلق و المقيد و الخاص و العام.
ثم يتفرع عن فهم الخطاب ما أثبته الخطاب من أدلة فرعية كالاجماع و القياس و الاستدلال و الاستصحاب و ما شابه ذلك و يتفرع عن ذلك كذلك ترجيح ما احتمله النص من معاني و قول الصحابي لأنه فهم للنصوص و مقاصد الشريعة لأنه فهم مقصد الخطاب الشرعي و غير ذلك من المسائل الأصولية و بهذا نبني جميع علم أصول الفقه.

الذي سار على مثل هذا التشجير و التفريع الشريف التلمساني رحمه الله في كتابه مفتاح الوصول مع مزيد من التفريع و في كتاب تظهر جليا طريقة بناء علم الأصول و هضمه كما ينبغي و الله أعلم.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-06-10 ||, 02:15 PM
من خلال استقراء كلام العرب وجدنا من أساليبهم :


العام: هو اللفظ المستغرِق لجميع أفراده بلا حصر.

كقوله عليه الصلاة و السلام ((استوصوا بالنساء خيرا )) ، فلفظ النساء عام يستغرق جميع النساء.

و كأن تقول ارفق بالحيوان فلفظ الحيوان يدخل تحته جميع الحيوانات.

أما الخاص فهو اللفظ الدال على محصور كقولك هذا الرجل أو كقولك ميتة البحر حلال فقد حصرتها بالبحر.

أما التخصيص فهو قصر العام على بعض أفراده أو اخراج بعض أفراد العام من الحكم.

كأن تقول : رفقا بالناس. فهنا الناس لفظ عام أي لابد من الرفق بجميع الأفراد لكن إن قلت لا ترفق بالظالم فهذا خاص بالنسبة للناس لأن الظالمين جزء من الناس فتكون نتيجة الجملتين رفقا بالناس و لا ترفق بالظالمين أي أن المقصود من الجملة الأولى ليس جميع الناس إنما من لم يظلم منهم فها قد خصصتها بالجملة الثانية. أي أنك قصرت الرفق بالناس على غير الظلمة و هذا ما عبرنا عليه بقصر العام على بعض أفراده فالعام هنا كل الناس و بعض الأفراد هم الناس سوى الظلمة أو يمكن أن نقول التخصيص هنا اخراج الظلمة من الرفق بالناس و هذا ما عبرنا عليه باخراج بعض أفراد العام من الحكم فالحكم هو الرفق و الأفراد الذين أخرجوا منه هم الظلمة.


فكما تلاحظون أن أسلوب الخاص و العام موجود حتى في كلامنا مثلا أن تقول : المسلمون اليوم نائمون فهل تقصد كل فرد من المسلمين أم أنك تقصد عموما أغلب المسلمين نيام لكن يستثنى منهم العلماء و طلبة العلم و غير ذلك فقد نتلفظ باللفظ العام لكن لا نريد به كل عمومه.

في خطاب الشارع نجد أساليب من هذا النوع كقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة. فلفظ الميتة عام تدخل تحته كل الميتة لكن علمنا من الكتاب و السنة أن ميتة البحر و الجراد حلال فخصصت هذه النصوص نص التحريم الأول و علمنا أن المقصود بالميتة الحرام هي ميتة الحيوانات البرية ماعدا الجراد أو الحشرات في بعض المذاهب.


بعد أن أنهى الشافعي رحمه الله أنواع البيان و تقرير القاعدة الكبرى الثانية أن الكتاب نزل بلغة العرب ، بدأ بشرح أساليب هذه اللغة.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:
اقتباس:


باب‏:‏ بيان ما نزل من الكتاب عاماً يُراد به العام، ويدخله الخصوص‏.‏

قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ‏}‏ الزمر‏:‏62، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ‏}‏إبراهيم‏:‏32، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ‏}‏هود‏:‏6، فهذا عام، لا خاصَّ فيه‏.‏

قال ‏"‏الشافعي‏"‏‏:‏ فكل شيء، من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك‏:‏ فالله خَلَقَه، وكل دابة فعلى الله رزقُها، ويَعْلم مُستقَرَّها ومُسْتَوْدعها‏.‏

وقال الله‏:‏ ‏{‏ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ‏}‏التوبة‏:‏120

وهذا في معنى الآية قَبْلَهَا، وإنما أُرِيد به مَن أطاق الجهاد من الرجال، وليس لأحد منهم أن يرغب بنفسه عن نفس النبي‏:‏ أطاق الجهاد، أو لم يُطِقْه؛ ففي هذه الآية الخصوص والعموم‏.‏

وقال‏:‏‏{‏ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا‏}‏ النساء‏:‏75

وهكذا قول الله‏:‏ ‏{‏ حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا }‏الكهف‏:‏77

وفي هذه الآية دلالةٌ على أنْ لم يستطعما كل أهل قرية، فهي في معناهما‏.‏

وفيها، وفي‏:‏ ‏{‏ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ‏}‏ النساء‏:‏75‏:‏ خصوص، لأن كل أهل القرية لم يكن ظالماً، قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مَكْثُورِين، وكانوا فيها أقل‏.‏

وفي القُرَآن نظائر لهذا، يُكْتَفَى بها إن شاء الله منها، وفي السنة له نظائر، موضوعةٌ مَوَاضِعَهَا‏.‏اهــ





بدأ الإمام الشافعي رحمه الله بذكر المواضع من الكتاب التي أريد بها العموم و المواضع التي قد يدخلها خصوص فبدأ بقوله تعالى :

" اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" فلفظ كل يفيد عموم ما بعده أي أن لفظ "كل شيء" دخلت فيها الأشياء كلها فهذا لفظ عام لم يدخله الخصوص عند الشافعي أي لا توجد أشياء تستثنى من هذا الخلق.

أشير إلى أن هذا العموم دخله تخصيص و هو إخراج كتاب الله من الأشياء فالقرآن غير مخلوق.

ثم ضرب الشافعي مثلا آخر و هو (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ‏) فالآية فيها قسمين القسم الأول أنه لابد أن لا يتخلف أحد عن رسول الله عليه الصلاة و السلام فهذا عام دخل فيه جميع الأعراب لكن نعلم أنه يستثنى منهم المريض و الضعيف إذن أخرج هؤلاء من اللفظ العام فهذا عام دخله خصوص لكن في القسم الثاني و هو أن لا يرغب أحد بنفسه عن الرسول عليه الصلاة و السلام نجد عموما لم يخصص لأن كل الناس يستطيعون فعل ذلك و حتى الضعيف منهم فلابد أن لا يرغب بنفسه عن الرسول عليه الصلاة و السلام ، إذن في هذه الآية نجد عموما دخله التخصيص و نسميه العموم المخصوص و عموما لم يدخله التخصيص.

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

اقتباس:


باب‏:‏ بيان ما أنْزِل من الكتاب عامَّ الظاهرِ، وهو يجمع العام والخصوص‏.‏

قال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا‏.‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏}‏الحجرات‏:‏1 3

وقال تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏(‏183‏)‏ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ‏(‏184‏)‏‏}‏ البقرة‏:‏183،184

وقال‏:‏‏{‏ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا‏}‏ النساء‏:‏103

قال‏:‏ فبيَّنَ في كتاب الله، أنَّ في هاتين الآيتين العمومَ والخصوصَ‏:‏

فأمَّا العموم منهما، ففي قول الله‏:‏‏{‏ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا‏}‏ الحجرات‏:‏13، فكل نفس خوطبت بهذا، في زمان رسول الله، وقبله وبعده، مخلوقةٌ من ذكر وأنثى، وكلها شعوب وقبائل‏.‏

والخاص منها في قول الله‏:‏‏{‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏}‏ الحجرات‏:‏13 لأن التقوى تكون على من عَقَلَها، وكان من أهلها من البالغين من بني آدم، دون المخلوقين من الدوابّ سِواهم، ودون المغلوبين على عقولهم منهم، والأطفال الذين لم يبلغوا وعُقِل التقوى منهم‏.‏

فلا يجوز أن يُوصف بالتقوى وخلافها إلا من عَقَلها وكان من أهلها، أو خالفها فكان من غير أهلها‏.‏

والكتاب يدل على ما وصفتُ، وفي السنة دلالة عليها، قال رسول الله‏:‏ ‏(‏رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَة‏:‏ النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، والصَّبِيُّ حتى يَبْلُغَ، وَالمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ‏)‏‏ وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة‏:‏ على البالغين العاقلين، دون من لم يبلغ، ومن بلغ ممن غُلِبَ على عقله، ودون الحُيَّضِ في أيام حَيْضِهِنَّ‏.‏ اهــ




ذكر الإمام الشافعي رحمه الله في هذا الباب ما جُمع فيه العام و الخاص و مثاله قوله تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا‏.‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏) فهذه الآية عامة من ناحية الناس لأن الله عز و جل جعل جميع الناس شعوبا و قبائل ليتعارفوا لكن الآية خاصة من ناحية أكرم الناس فقد خصصت ذلك لأهل التقوى ، إذن جمعت الآية العام و الخاص.

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


باب‏:‏ بيان ما نزل من الكتاب عامَّ الظاهر، يراد به كلِّه الخاصُّ‏.‏

وقال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ‏:‏ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏ آل عمران‏:‏173‏.‏

قال الشافعي‏:‏ فإذْ كان مَن مع رسول الله ناسً‏‏، غيرَ مَن جمَعَ لهم من الناس، وكان المخبرون لهم ناسً غيرَ مَن جمُع لهم، وغيرَ من معه ممن جمُع عليه معه، وكان الجامعون لهم ناساً، فالدلالة بيِّنة مما وصفت من أنه إنما جمع لهم بعضُ الناس دون بعض‏.‏

والعلم يحيط أنْ من لم يَجمع لهم الناسُ كلهم، ولم يُخبرهم الناسُ كلهم، ولم يكونوا هم الناسَ‏كلَّهم‏.‏

ولكنه لما كان اسم الناس يقع على ثلاثة نفر، وعلى جميع الناس، وعلى مَن بين جمعهم وثلاثةٍ منهم، كان صحيحاً في لسان العرب أن يقال‏:‏‏{‏ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ ‏}‏ آل عمران‏:‏173 ، وإنما الذين قال لهم ذلك أربعةُ نفر‏{‏ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ‏}‏ آل عمران ‏:‏173، يعنون المنصرفين عن أُحُدٍ‏.‏

وإنما هم جماعة غيرُ كثير من الناس، الجامعون منهم، غيرُ المجموع لهم، والمخبرون للمجموع لهم غيرُ الطائفتين، والأكثر من الناس في بلدانهم غيرُ الجامعين، ولا المجموع لهم ولا المخبرين‏.‏

وقال‏:‏‏{‏ يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ‏.‏ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ‏.‏ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ‏}‏ الحج‏:‏73

قال‏:‏ فمَخْرَجُ اللفظ عامٌّ على الناس كلهم‏.‏ وبيِّنٌ عند أهل العلم بلسان العرب منهم‏:‏ أنه إنما يُراد بهذا اللفظ العامِّ المخرجِ بعضُ الناس، دون بعض؛ لأنه لا يُخاطَب بهذا إلا من يدعو من دون الله إلَهًا، تعالى عما يقولون عُلُوًّا كبيرا؛ لأن فيهم من المؤمنين المغلوبين على عقولهم، وغير البالغين ممن لا يدعو معه إلها‏.‏

قال‏:‏ وهذا في معنى الآية قبلها عند أهل العلم باللسان، والآية قبلها أوضحُ عند غير أهل العلم، لكثرة الدلالات فيها‏.‏

قال الشافعي ‏:‏ قال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ‏}‏ البقرة‏:‏199، فالعلم يحيط ء إن شاء الله ء أن الناس كلهم لم يحضروا عرفة في زمان رسول الله، ورسول الله المخاطبُ بهذا ومَن معه، ولكنَّ صحيحاً من كلام العرب أن يقال‏:‏‏{‏ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ‏}‏، يعني بعضَ الناس‏.‏

وهذه الآية في مثل معنى الآيتين قبلها، وهي عند العرب سواء‏.‏ والآية الأولى أوضح عند من يجهل لسان العرب من الثانية، والثانيةُ أوضح عندهم من الثالثة، وليس يختلف عند العرب وضوح هذه الآيات معا؛ لأن أقل البيان عندها كاف من أكثره، إنما يريد السامعُ فَهْمَ قول القائل، فأقل ما يفهمه به كافٍ عنده‏.‏

وقال الله جل ثناؤه‏:‏‏{‏ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ‏}‏ البقرة‏:‏24، فدل كتاب الله على أنه إنما وقودها بعضُ الناس، لقول الله‏:‏‏{‏ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى‏.‏ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ‏}‏ الأنبياء‏:‏101‏. اهــ




ففي هذا الموضع ذكر الإمام الشافعي أمثلة عن نصوص أريد بها الخاص أي أنها خصص جميع أفرادها و مثال ذلك قول الله عز و جل (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ‏) فالناس هنا ليس جميع الناس لأن النصوص دلت على إبعاد بعض الناس عنها قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى‏.‏ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)

و هنا نلاحظ أن القرآن خصص بالقرآن و قد يخصص بالسنة كذلك و سيأتي ذلك لاحقا.

وعلى هذا بنينا من القاعدة الكبرى الثانية و هي أن القرآن عربي :

قاعدة فرعية و هي أن العام قد يدخله التخصيص بنص خاص.


قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


باب ‏:‏ الصِّنْف الذي يُبَيِّن سياقُه معناه‏.‏

قال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا، وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ‏.‏ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏ الأعراف‏:‏163‏.‏

فابتدأ ء جل ثناؤه ء ذِكرَ الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال‏:‏‏{‏ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت } الآية، دل على أنه إنما أراد أهلَ القرية؛ لأن القرية لا تكون عادِيَةً، ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بَلاَهم بما كانوا يفسقون‏.‏

وقال‏:‏‏{‏ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً، وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ‏(‏11‏)‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ‏(‏12‏)‏‏}‏ الأنبياء‏:‏11،12
وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذَكَر قَصْمَ القرية، فلما ذكر أنها ظالمة بَانَ للسامع أن الظالم إنما هم أهلها، دون منازلها التي لا تَظلم، ولما ذكر القوم المنشَئِين بعدها، وذكر إحساسَهم البأسَ عند القَصْم، أحاط العلمُ أنه إنما أحسَّ البأس من يعرف البأس من الآدميين‏.‏

الصنف الذي يدل لفظه على باطنه، دون ظاهره‏.‏

قال الله تبارك وتعالى، وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم‏:‏‏{‏ مَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا، وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ‏(‏81‏)‏، وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏(‏82‏)‏‏}‏ يوسف‏:‏ 81،82

فهذه الآية في مثل معنى الآيات قبلها، لا تختلف عند أهل العلم باللسان، أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير، لأن القرية والعير لا يُنْبِئَانِ عن صدقهم‏.‏ اهــ




بعد أن أنهى الإمام الشافعي رحمه الله الكلام عن الخاص و العام في كتاب الله من ناحية تخصيصه بكتاب الله عرج على بعض المفاهيم في خطاب العرب فذكر المفهوم الأول و هو يُبَيِّن سياقُه معناه فذكر قوله تعالى : وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. فقال الشافعي أن لفظ القرية فسره سياق الآية أي أن المقصود أهل القرية لا القرية ذاتها لأن القرية لا تكون عادِيَةً، ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره.

المثال الذي ضربه الإمام الشافعي يدخل فيما يسميه الأصوليون دلالة الاقتضاء و هو أن يدل اللفظ دلالة التزام على محذوف لا يستقل الكلام دونه لتوقف صدقه عليه.

تدخل دلالة الاقتضاء في مباحث المنطوق و المفهوم .

قال الإمام الشافعي رحمه الله :
اقتباس:


ما نزل عاماًّ، دلت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص‏.‏

قال الله ء جل ثناؤه ‏:‏‏{‏ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏}‏ النساء‏:‏11‏.‏

وقال‏:‏‏{‏ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ، وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ، وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ‏}‏ النساء‏:‏12‏.‏

فأبان أن للوالدين والأزواج مما سمى في الحالات، وكان عامَّ المخرج، فدلت سنة رسول الله على أنه إنما أريد به بعض الوالدين والأزواج، دون بعض، وذلك أن يكون دين الوالدين والمولود والزوجين واحداً، ولا يكون الوارث منهما قاتلاً ولا مملوكاً‏.‏

وقال‏:‏‏{‏ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ‏}‏‏.‏

فأبان النبي أن الوصايا مقتَصَرٌ بها على الثلث، لا يُتَعدى، ولأهل الميراث الثلثان؛ وأبان أن الدَّين قبل الوصايا والميراث، وأن لا وصية ولا ميراث حتى يستوفي أهل الدَّين دينهم‏.‏

ولولا دلالة السنة، ثم إجماعُ الناس، لم يكن ميراثٌ إلا بعد وصية أو دين، ولم تعد الوصية أن تكون مُبَدَّاةً على الدين أو تكون والدين سواء‏.‏

وقال الله‏:‏‏{‏ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏}‏ المائدة‏:‏6

فقصد - جل ثناؤه - قصْدَ القدمين بالغسل، كما قصد الوجه واليدين، فكان ظاهر هذه الآية أنه لا يجزئ في القدمين إلا ما يجزئ في الوجه من الغسل، أو الرأس من المسح؛ وكان يحتمل أن يكون أريد بغسل القدمين أو مسحهما، بعضُ المتوضئين دون بعض‏.‏

فلما مسح رسول الله على الخفين، وأمر به من أدخل رجليه في الخفين، وهو كامل الطهارة، دلت سنة رسول الله على أنه إنما أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعضُ المتوضئين دون بعض‏.‏

وقال الله تبارك وتعالى‏:‏‏{‏ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ‏}‏ المائدة‏:‏38‏.‏

وسن رسول الله أن‏:‏ ‏(‏ لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ‏)، وأن لا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار، فصاعداً‏.‏

وقال الله‏:‏ ‏{‏ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ‏}‏ النور‏:‏2

وقال في الإماء‏:‏‏{‏ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ‏}‏ النساء‏:‏25‏.‏

فدل القُرَآن على أنه إنما أريد بجلد المائة‏:‏ الأحرارُ، دون الإماء‏.‏ فلما رجم رسول الله الثيب من الزناة، ولم يجلده‏:‏ دلت سنة رسول الله على أن المراد بجلد المائة من الزناة‏:‏ الحُرَّان البِكْرَان، وعلى أن المراد بالقطع في السرقة‏:‏ من سرَق من حِرْز، وبلغت سرقته ربع دينار، دون غيرهما ممن لزمه اسم سرقة وزنا‏.‏

وقال الله‏:‏‏{‏ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ‏}‏ الأنفال‏:‏41‏.‏

فلما أعطى رسول الله بني هاشم وبني المطلب سهم ذي القربى‏:‏ دلت سنة رسول الله أن ذا القربى الذين جعل الله لهم سهماً من الخمس‏:‏ بنو هاشم وبنو المطلب، دون غيرهم‏.‏

وكل قريش ذو قرابة، وبنو عبد شمس مساويةُ بني المطلب في القرابة، هم مَعًا بنو أب وأم، وإن انفرد بعض بني المطلب بولادة من بني هاشم دونَهم‏.‏

فلما لم يكن السهم لمن انفرد بالولادة من بني المطلب دون من لم تصبه ولادة من بني هاشم منهم‏:‏ دل ذلك على أنهم إنما أعطُوا خاصة دون غيرهم بقرابة جذم النسب، مع كَيْنُونَتِهِمْ معًا مجتمعين في نصر النبي بالشِّعْب وقبله وبعده، وما أراد الله ء جل ثناؤه ء بهم خاصًّا‏.‏

ولقد وَلَدَتْ بنو هاشم في قريش فما أعطي منهم أحد بولادتهم من الخمس شيئاً، وبنو نوفل مُسَاوِيَتُهُمْ في جِذْمِ النسب، وإن انفردوا بأنهم بنوا أم دونهم‏.‏

قال الله‏:‏‏{‏ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ‏}‏ الأنفال‏:‏41‏.‏

فلما أعطى رسول الله السلَبَ القاتلَ في الإقبال‏:‏ دلَّت سنة النبي على أن الغنيمة المَخْمُوسَة في كتاب الله، غيرُ السلب، إذْ كان السلب مَغْنُوماً في الإقبال،دون الأسلاب المأخوذة في غير الإقبال، وأن الأسلاب المأخوذة في غير الإقبال غنيمةٌ تُخمس مع ما سواها من الغنيمة بالسنة‏.‏

ولولا الاستدلال بالسنة، وحُكْمُنا بالظاهر قطعنا من لزمه اسمُ سرقة، وضربنا مائةً كلَّ مَنْ زَنَى، حُراًّ ثيباً، وأعطينا سهم ذي القربى كل من بينه وبين النبي قرابة، ثم خلص ذلك إلى طوائف من العرب، لأن له فيهم وَشَايِجَ أرحام، وَخَمَسْنا السَّلَب، لأنه من المَغْنم مع ما سواه من الغنيمة‏.‏ اهــ




بعد أن أنهى الإمام الشافعي الأمثلة من كتاب الله انتقل إلى ما قد يخصص نصوص الكتاب من السنة فضرب مثلا على ذلك بالسارق فيفهم من قوله عز و جل ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ) أن كل سارق تقطع يده لكن جاءت السنة فخصصت هذا النص و قصرت قطع اليد على من بلغت سرقته ربع دينار، فصاعداً‏ و بينت أنه لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ.

إذن قد يخصص الكتاب بالكتاب كما قد تخصص السنة الكتاب وخلاصة هذا الباب أنه من القاعدة الكبرى الأولى ، صنعنا قاعدة فرعية و هي أحكام الخاص و العام في كتاب الله و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام.

و الله أعلم.

الطيماوي
13-03-21 ||, 12:46 PM
شكرا وبارك الله فيكم

محاسن الظاهر
13-03-22 ||, 11:39 AM
جزاكم الله خيرا .

معاذ بن حسن المساوي
13-11-04 ||, 03:36 AM
شكر الله لكم شيخي الكريم، ووفقكم ربي لمراضيه.