المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلَّم وعصمته، وحديث تلقيح النخل ....ومفاهيم خاطئة



إسلام بن إبراهيم بن عفيفي
12-06-21 ||, 12:48 AM
اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلَّم وعصمته، وحديث تلقيح النخل ....ومفاهيم خاطئة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم:
فحديث تلقيح النخل على شهرته إلا أنه مشكل عند الناس لما لبَّس أهل الباطلِ على الناس فيه وأشكلوا عليهم وحملَّوا الحديث ما لم يحتمل فأردتُ أن أعرض ما يسر الله لي من أقوال العلماء حتى يعم النفع من كلام أئمتنا رحمهم الله ولأستزيد من مشاركات مشايخي وإخواني بارك الله فيهم
الحديث اخرجه مسلم وغيره من طريق عائشة وأنس لكن أريد أن أسوق رواية طلحة لأن بها موضع الشاهد عند أحمد وهذا لفظه:
حَدَّثَنَا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ.
فَقَالَ: " مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ؟ " قَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى. قَالَ: " مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا " فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ. فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنِ إذَا أَخْبَرْتُكُمْ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ فَخُذُوهُ، فَإِنِّي لَنِ أكْذِبَ عَلَى اللهِ شَيْئًا.[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn1)
(3/15-16) مؤسسة الرسالة ت.شعيب الأرنؤوط عادل مرشد وآخرون إشراف د.التركي.
يقول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند:
وهذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر وصنائع أوروبا فيها، من عبيد المستشرقين وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحاجون به أهل السنة وأنصارها وخدام الشريعة وحماتها إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا يتمسكون برواية أنس "أنتم أعلم بأمر دنياكم " والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين ولا بالألوهية ولا بالرسالة ولا يصدقون القرآن في قرارة نفوسهم ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهراً ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه لا عن ثقة وطمانينة ولكن تقليداً وخشية فإذا ما جد الجد وتعارضت الشريعة -الكتاب والسنة – مع ما درسوا في مصر أو في أوربا ، لم يترددوا في المفاضلة ولم يحجموا عن الاختيار فضلوا ما أخذوه عن سادتهم واختاووا ما أشربته قلوبهم ! ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام !!
والحديث واضح صريح لا يعارض نصاً ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا ينطق عن الهوى ،فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع "وإن تطيعوه تهتدوا" وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم "ما أظن ذلك يغني شيئاً " فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة ، حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع ، بل ظن ، ثم اعتذر عن ظنه، قال "فلا تؤاخذوني في الظن" ، فأين هذا مما يرمي إليه أولئك ؟ هدانا الله وأياهم سواء السبيل أهـ
(2/364-365) برقم (1395) نقلا من حكم الجاهلية طبعة مكتبة السنة. صـ 46-47

يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:
وَقَوْلُ السَّائِلِ: مَا قَالَهُ فِي عُمُرِهِ أَوْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَوْ تَشْرِيعًا فَكُلُّ مَا قَالَهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْسَخْ فَهُوَ تَشْرِيعٌ لَكِنَّ التَّشْرِيعَ يَتَضَمَّنُ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الطِّبِّ. فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لِإِبَاحَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا لِاسْتِحْبَابِهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ؟ . وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْد الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ قَالَ مَسْرُوقٌ. مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَقَدْ يَحْصُلُ أَحْيَانًا لِلْإِنْسَانِ إذَا اسْتَحَرَّ الْمَرَضَ مَا إنْ لَمْ يَتَعَالَجْ مَعَهُ مَاتَ وَالْعِلَاجُ الْمُعْتَادُ تَحْصُلُ مَعَهُ الْحَيَاةُ كَالتَّغْذِيَةِ لِلضَّعِيفِ وَكَاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ أَحْيَانًا. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ وَهُوَ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَآهُمْ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ قَالَ لَهُمْ: مَا أَرَى هَذَا - يَعْنِي شَيْئًا - ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إنَّمَا ظَنَنْت ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ}[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn2)وَقَالَ: {أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ} [3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn3)وَهُوَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ التَّلْقِيحِ لَكِنْ هُمْ غَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَهَاهُمْ كَمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ (الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ) و (الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ) هُوَ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ.
(18/11-12)

فَإِذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَة: إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ كَانَ الْمَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ دُونَ مَنْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالدِّينِ مِنْهُمْ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فِي تَأْبِيرِ النَّخْلِ: {أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِدُنْيَاكُمْ. فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ} . ثُمَّ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى مَا تَعْلَمُهُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ كَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّقْوِيمِ وَالْقِيَامَةِ وَالْخَرْصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(29/493)

وقال في الصارم المسلول :
وذكر موجدة الأنصار في غنائم حنين فعن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا: "يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وفي رواية: لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم".......................وذ وو الرأي من القبيلتين وهم الجمهور لم يتكلموا بشيء أصلا بل قد رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: "حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله" كما قالت فقهاء الأنصار: "أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا" وأما الذين تكلموا من أحداث الأسنان ونحوهم فرأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقسم المال لمصالح الإسلام ولا يضعه في محل إلا لأن وضعه فيه أولى من وضعه في غيره هذا مما لا يشكون فيه.
وكان العلم بجهة المصلحة قد تنال بالوحي وقد تنال بالاجتهاد ولم يكونوا علموا أن ذلك مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه بوحي من الله فإن من كره ذلك أو اعترض عليه بعد أن يقول ذلك فهو كافر مكذب.
وجوزوا أن يكون قسمه اجتهادا وكانوا يراجعونه بالاجتهاد في الأمور الدنيوية المتعلقة بمصالح الدين وهو باب يجوز له العمل فيه باجتهاده باتفاق الأمة وربما سألوه عن الأمر لا لمراجعته فيه لكن ليتثبتوا وجهه ويتفقهوا في سننه ويعلموا علته.
وكانت المراجعة المشهورة منهم لا تعدو هذين الوجهين: إما لتكميل نظره صلى الله عليه وسلم في ذلك إن كان من الأمور السياسة التي للاجتهاد فيها مساغ أو ليتبين لهم وجه ذلك إذا ذكر ويزدادوا علما وإيمانا وينفتح لهم طريق التفقه فيه.
فالأول كمراجعة الحباب بن المنذر له لما نزل ببدر منزلا قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: إن هذا ليس بمنزل قتال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه وتحول إلى غيره.
وكذلك أيضا لما عزم أن يصالح غطفان عام الخندق على نصف تمر المدينة ثم جاء سعد بن معاذ في طائفة من الأنصار فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هذا الذي تعطيهم أشيء من الله أمرك فسمع وطاعة لله ولرسوله أم شيء من قبل رأيك؟ قال: " لا بل من قبل رأيي أني رأيت القوم أعطوا الأموال فجمعوا لكم ما رأيتم من القبائل وإنما أنتم قبيل واحد فأردت أن أدفع بعضهم ونعطيهم شيئا وننصب لبعض أشتري بذلك ما قد نزل بكم معشر الأنصار " فقال سعد: والله يا رسول الله لقد كنا في الشرك وما يطمعون منا في أخذ النصف أو كما قال وفي رواية: ما يأكلون منها تمرة إلا بشرى أو قرى فكيف اليوم والله معنا وأنت بين أظهرنا لا نعطيهم ولا كرامة لهم ثم تناول الصحيفة فتفل فيها ثم رمى بها.
وما كان من قبل الرأي والظن في الدنيا فقد قال صلى الله عليه وسلم لما سئل عن التلقيح: " ما أظن يعني ذلك شيئا إنما ظننت فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله " رواه مسلم.
وفي حديث آخر: "أنتم أعلم بأمر دنياكم فما كان من أمر دينكم فإليّ ".
ومن هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فترك رجلا منهم هو أعجبهم إلي فقمت فقلت له: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم" ذكر ذلك سعد له ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" متفق عليه.
فإنما سأله سعد رضي الله عنه ليذكر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل لعله يرى أنه ممن ينبغي إعطاؤه أو ليتبين لسعد وجه تركه مع إعطاء من هو دونه فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن المقدمتين فقال: إن العطاء ليس لمجرد الإيمان بل أعطي وأمنع والذي أترك أحب إلي من الذي أعطيه لأن الذي أعطيه لو لم أعطه لكفر فأعطيه لأحفظ عليه إيمانه ولا أدخله في زمرة من يعبد الله على حرف والذي أمنعه معه من اليقين والإيمان ما يغنيه عن الدنيا وهو أحب إلي وعندي أفضل وهو يعتصم بحبل الله ورسوله ويعتاض بنصيبه من الدين عن نصيبه من الدنيا كما اعتاض به أبو بكر وغيره وكما اعتاضت الأنصار حين ذهب الطلقاء وأهل نجد بالشاة والبعير وانطلقوا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لو كان العطاء لمجرد الإيمان فمن أين لك أن هذا مؤمن؟ بل يجوز أن يكون مسلما وإن لم يدخل الإيمان في قلبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من سعد بتمييز المؤمن من غيره حيث أمكن التمييز.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا قال: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة من الإبل مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما على إسلامهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ".
وقد ذكر بعض أهل المغازي في حديث الأنصار: وددنا أن نعلم من أين هذا إن كان من قبل الله صبرنا وإن كان من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم استعتبناه.
فهذا يبين أن من وجد منهم جوز أن يكون القسم وقع باجتهاد في المصلحة فأحب أن يعلم الوجه الذي أعطى به غيره ومنع هو مع فضله على غيره في الإيمان والجهاد وغير ذلك.
وهذا في بادي الرأي هو الموجب للعطاء وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطيه كما أعطى غيره وهذا معنى قولهم: "استعتبناه" أي طلبنا منه أن يعتبنا أي يزيل عتبنا: إما ببيان الوجه الذي به أعطى غيرنا أو بإعطائنا وقد قال صلى الله عليه وسلم: "" فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذره في ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ما فعل فبين لهم ذلك فلما تبين لهم الأمر بكوا حتى أخضلوا لحاهم ورضوا حق الرضاء والكلام المحكي عنهم يدل على أنهم رأوا القسمة وقعت اجتهادا وأنهم أحق بالمال من غيرهم فتعجبوا من إعطاء غيرهم وأرادوا أن يعلموا هل هو وحي أو اجتهاد يتعين إتباعه لأنه المصلحة أو اجتهاد يمكن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بغيره إلى رأي أنه أصلح وإن كان هذا القسم إنما يمكن فيما لم يستقر أمره ويقره عليه ربه ولهذا قالوا: "يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وقالوا: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم وإن غنائمنا لترد عليهم" وفي رواية: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطي الغنائم غيرنا".
واختلف الناس في العطايا: هل كانت من أصل الغنيمة أو من الخمس؟.
فروي عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن عتبة قالا: كانت العطايا فارغة من الغنائم وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ نصيبهم من المغنم لطيب أنفسهم.
وقد قيل: إنه أراد أن يقطعهم بدل ذلك قطائع من البحرين فقالوا: لا حتى يقطع إخواننا من المهاجرين مثله ولهذا لما جاء مال البحرين وافوه صلاة الفجر وقال لجابر: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا لكن لم يستأذنهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل القسم لعلمه بأنهم يرضون بما يفعل وإذا علم الرجل من حال صديقه أنه تطيب نفسه بما يأخذ من ماله فله أن يأخذ وإن لم يستأذنه نطقا وكان هذا معروفا بين كثير من الصحابة والتابعين كالرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم كبة من شعر فقال: " أما ما كان لي ولبني هاشم فهو لك " وعلى هذا فلا حرج عليهم إذا سألوا نصيبهم.
وقال موسى بن إبراهيم عن أبيه: "كانت من الخمس".
قال الواقدي: وهو أثبت القولين وعلى هذا فالخمس إما أن يقسمه الإمام باجتهاد كما يقوله مالك أو يقسمه خمسة أقسام كما يقوله الشافعي وأحمد وإذا قسمه خمسة أقسام فإذا لم يوجد يتامى أو مساكين أو ابن سبيل أو استغنوا ردت أنصباؤهم في مصارف سهم الرسول.
وقد كان اليتامى والمساكين وأبناء السبيل إذ ذاك مع قلتهم مستغنين بنصيبهم من الزكاة لأنه لما فتحت خيبر واستغنى أكثر المسلمين رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار منائح النخل التي كانوا قد منحوها للمهاجرين فاجتمع للأنصار أموالهم التي كانت والأموال التي غنموها بخيبر وغيرها فصاروا مياسير ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " فصرف النبي صلى الله عليه وسلم عامة الخمس في مصارف سهم الرسول؟ فإن أولى المصالح تأليف أولئك القوم ومن زعم أن مجرد خمس الخمس قام بجميع ما أعطي المؤلفة فإنه لم يدر كيف القصة ومن له خبرة بالقصة يعلم أن المال لم يكن يحتمل هذا.
وقد قيل: إن الإبل كانت أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا أو أقل أو أكثر والورق أربعة آلاف أوقية والغنم كانت تعدل عشرة منها ببعير فهذا يكون قريبا من ثلاثين ألف بعير فخمس الخمس منه ألف ومئتا بعير وقد قسم في المؤلفة أضعاف ذلك على ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وأما قول بعض قريش والأنصار في الذهيبة التي بعث بها علي من اليمن: أيعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فمن هذا الباب أيضا إنما سألوا على هذا الوجه.
وها هنا جوابان آخران:
الجواب الأول: أن بعض أولئك القائلين قد كان منافقا يجوز قتله مثل الذي سمعه ابن مسعود يقول في غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وكان في ضمن قريش والأنصار منافقون كثيرون فما ذكر من كلمة لا مخرج لها فإنما صدرت من منافق والرجل الذي ذكر عنه أبو سعيد أنه قال: "كنا أحق بهذا من هؤلاء" ولم يسمه منافقا والله أعلم.
الجواب الثاني: أن الاعتراض قد يكون ذنبا ومعصية يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن نفاقا مثل قوله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} ومثل مراجعتهم له في فسخ الحج إلى العمرة وإبطائهم عن الحل وكذلك كراهتهم للحل عام الحديبية وكراهتهم للصلح ومراجعة من راجع منهم فإن من فعل ذلك فقد أذنب ذنبا كان عليه أن يسغفر الله منه كما أن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته أذنبوا ذنبا تابوا منه وقد قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} .
قال سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت".
فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين كما صدر عن حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاص يجب على صاحبها أن يتوب وهي بمنزلة عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما يدخل في هذا حديث أبي هريرة في فتح مكة قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن " فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قرابته ورأفة في بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحدا منا يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قد كان ذلك قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا لظن بالله وبرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " رواه مسلم.
وذلك أن الأنصار لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد آمن أهل مكة وأقرهم على أموالهم ودمائهم مع دخوله عليهم عنوة وقهرا وتمكنه من قتلهم وأخذ أموالهم لو شاء خافوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يستوطن مكة ويستبطن قريشا لأن البلد بلده والعشيرة عشيرته وأن يكون نزاع النفس إلى الوطن والأهل يوجب انصرافه عنهم فقال من قال منهم ذلك ولم يقله الفقهاء وأولو الألباب الذين يعلمون أنه لم يكن له سبيل إلى استيطان مكة فقالوا ذلك لا طعنا ولا عيبا ولكن ضنا بالله وبرسوله والله ورسوله قد صدقاهم أنما حملهم على ذلك الضن بالله ورسوله وعذراهم فيما قالوا لما رأوا وسمعوا ولأن مفارقة الرسول شديد على مثل أولئك المؤمنين الذين هم شعار وغيرهم دثار والكلمة التي تخرج عن محبة وتعظيم وتشريف وتكريم تغفر لصاحبها بل يحمد عليها وإن كان مثلها لو صدر بدون ذلك استحق صاحبها النكال.
وكذلك الفعل ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بكر حين أراد أن يتأخر عن موقعه في الصلاة لما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم: "مكانك" فتأخر أبو بكر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منعك أن تثبت مكانك وقد أمرتك" فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك أبو أيوب الأنصاري لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ينتقل إلى السفل وأن يصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلو وشق عليه أن يسكن فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكث في مكانه وذكر له أن سكناه أسفل أرفق به من أجل دخول الناس عليه فامتنع أبو أيوب من ذلك أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرا له فكلمة الأنصار رضي الله عنهم من هذا الباب.
وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام:
إحداهن: ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله".
الثاني: ما هو ذنب ومعصية يخاف على صاحبه أن يحبط عمله مثل رفع الصوت فوق صوته ومثل مراجعة من راجعه عام الحديبية بعد ثباته على الصلح ومجادلة من جادله يوم بدر بعد ما تبين له الحق وهذا كله يدخل في المخالفة عن أمره.
الثالث: ما ليس من ذلك بل يحمد عليه صاحبه أو لا يحمد كقول عمر: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ " وكقول عائشة: "ألم يقل الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه} " وكقول حفصة: "ألم يقل الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} " وكمراجعة الحباب في منزل بدر ومراجعة سعد في صلح غطفان على نصف تمر المدينة ومثل مراجعتهم له لما أمرهم بكسر الآنية التي فيها لحوم الحمر فقالوا: "أو لا نغسلها" فقال: "اغسلوها" وكذلك رد عمر لأبي هريرة لما خرج مبشرا ومراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وكذلك مراجعته له لما أذن له في نحر الظهر في بعض المغازي وطلبه منه أن يجمع الأزواد ويدعو الله ففعل ما أشار به عمر ونحو ذلك مما فيه سؤال عن إشكال ليتبين لهم أو عرض لمصلحة قد يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا ما اتفق ذكره من السنن المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل من سبه من معاهد وغير معاهد وبعضها نص في المسألة وبعضها ظاهر وبعضها مستنبط مستخرج استنباطا قد يقوى في رأي من فهمه وقد يتوقف عنه من لم يفهمه أو لم يتوجه عنده أو رأى أن الدلالة منه ضعيفة ولن يخفى الحق على من توخاه وقصده ورزقه الله تعالى بصيرة وعلما والله سبحانه وتعالى أعلم.
(189-200)

وقال في الرد على الشاذلي:
وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور الدنيوية ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها فهذا لم يُعْصَم منه أحدٌ من البشر بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل ما أراه يغني شيئًا وتركوه فصار شِيْصًا قال إنما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ ولكن إذا حدَّثتكم عن الله فلَنْ أكْذِبَ على الله وفي لفظ أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم فأمَّا ما كانَ من أمرِ دينكم فإليَّ رواه مسلم.
وكذلك في الصحيحين أنه قال إنما أنا بشرٌ أنسى كما تَنْسَون فإذا نَسيتُ فذكِّروني. وفي الترمذيِّ وغيره أنه قال نَسِي آدمُ فنسِيَتْ ذريتهُ وجَحَد آدمُ فجحَدَتْ ذريتهُ وهو حديثٌ جيد.
فإذا كان لم يُعْصَم أحدٌ من الأنبياء ولا غيرهم مِن مثل هذه الظنون والشكوك والأوهام فكيف يُعْصَم غيرهم منها؟!
وأيضًا فإن قول القائل الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب إما أن يجعلَها صفةَ توضيح وإما أن يجعلها صفةَ تقييد.
فالأول أن يكون مراده العصمة من كلِّ شكٍّ وظنٍّ ووهم لأن ذلك ستر القلب عن مطالعة الغيب لأن الشك والظن والوهم ينافي العلم ويضاده فالضدان لا يجتمعان فعلى هذا التقدير يكون سؤاله أن لا يشكَّ في شيء ولا يظن ظنًّا ولا يتوهَّم وهمًا ومعلومٌ أنَّ هذا لم يقع لأحدٍ من البشر بل ما من بشر إلا وقد يشكّ في أشياءَ كثيرة ويظن فيها ويتوهم.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنَّكُم تَخْتَصِمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألْحَنَ بحُجَّته مِنْ بعضٍ وإنما أقْضي بنَحْوِ ما أسمعُ فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخُذْهُ فإنما أقْطَعُ له قطعةً من النَّار وفي لفظ فاحسَبه صادقًا.
(17-18)


ويقول الددو في شرح الورقات:
[فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدًا] .
والنبي صلى الله عليه وسلم اختُلِفَ في حكم اجتهاده: فقيل: لا يجوز له الاجتهاد؛ لأنه يأتيه الوحي من عند الله، والوحي قطعي، والاجتهاد ظني، واستبدالُ الاجتهادِ الظني بالوحي القطعي من استبدال الأدنى بالذي هو خير.[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn4)
وقيل: بل يجب عليه الاجتهاد، لقول الله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] ، ولقوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105] ، ولأنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمور أُقِرَّ عليها بالوحي، وفي أمور لم يُقّرَّ عليها بالوحي.[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn5)
والأمور التي لم يُقَرَّ عليها في الاجتهاد، منها:
1- فداء أسرى بدر، فقد قال الله في ذلك: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:67] .
2- وكذلك وما حصل له مع ابن أم مكتوم، عندما أتاه وفي مجلسه عليةُ القوم من ملأ قريش، فقال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس:2-3] .
3- ومثل ذلك: اجتهاده في معذرة المنافقين حين أقسموا له في رجوعه من تبوك، فعاتبه الله في ذلك بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] .
4- وكذلك تحريمه لأمته مارية أمِّ إبراهيم لإرضاء أمهات المؤمنين، وبالأخص لإرضاء حفصة، أنزل الله فيه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم:1] .
5- وكذلك ما حصل في قصة زينب بنت جحش مع زيد بن حارثة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها لزيد، ثم أتاه الوحي أن ذلك النكاح لن يستمر، وأن زينب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فهو يعلم ذلك عن طريق الوحي، ومع ذلك فكان زيد يأتيه يشكو إليه، وتأتي زينب فتشكو، فيقول لـ زيد: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب:37] ، وهو ما أوحاه الله إليه من أنها ستكون زوجتَه في الدنيا والآخرة، فقال الله في ذلك هذه الآيات من سورة الأحزاب.
6- وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا: كاجتهاده يوم بدر في النزول على البئر التي تليه، ولذلك قال له الحباب بن المنذر: (يا رسول الله! أرأيت منزلك هذا، أهو الرأي والحرب والمكيدة، أم وحي أُنزل إليك؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة.
فقال: ليس هذا بمنزل) ، وأمره أن ينزل على آخر بئر، مما يلي العدو، وأن يُغَوِّرَ الآبار الأخرى، ففعل.
7- ومنها: نهيه عن تأبير النخل، وذكره أنه لا يغير شيئاً، فقال: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) .
فالراجح إذاً: حصول الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يُقرُّ على الخطأ قطعاً، بل لا بد أن يأتيه الوحي بعد اجتهاده، واجتهاده رفعٌ لدرجته، وزيادة لأجره، لكن مع ذلك الأخذ بقوله حتى لو كان من اجتهاده لا يُسمى تقليداً؛ لأنه معصوم ولا يمكن أن يُقرَّ على الخطأ.
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد t&audioid=150959


يقول النووي في شرح مسلم:
(بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ شَرْعًا دُونَ مَا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ فِيهِ حَدِيثُ ابار النخل وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

[2361] (مَا اظن يعني ذَلِكَ شَيْئًا فَخَرَجَ شِيصًا فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ

[2362] إِذَا امرتكم بشئ من دينكم فخذوا به واذا امرتكم بشئ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَفِي رِوَايَةٍ

[2363] أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَأْيِي أَيْ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَمَعَايِشِهَا لَا عَلَى التَّشْرِيعِ فَأَمَّا مَا قَالَهُ بِاجْتِهَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَآهُ شَرْعًا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَيْسَ إِبَارُ النَّخْلِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ بَلْ مِنَ النَّوْعِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ الرَّأْيِ إِنَّمَا أَتَى بِهَا عِكْرِمَةُ عَلَى الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوُ هَذَا فَلَمْ يُخْبِرْ بِلَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَقَّقًا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ خَبَرًا وَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا كَمَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ قَالُوا وَرَأْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمُورِ الْمَعَايِشِ وَظَنُّهُ كَغَيْرِهِ فَلَا يُمْتَنَعُ وُقُوعُ مِثْلِ هَذَا وَلَا نَقْصَ فِي ذَلِكَ وَسَبَبُهُ تَعَلُّقُ هِمَمِهِمْ بِالْآخِرَةِ وَمَعَارِفِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلَّم (يُلَقِّحُونَهُ) هُوَ بِمَعْنَى يَأْبُرُونَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَمَعْنَاهُ إِدْخَالُ شئ طَلْعِ الذَّكَرِ فِي طَلْعِ الْأُنْثَى فَتَعَلَّقَ بِإِذْنِ الله ويأبرون بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا يُقَالُ مِنْهُ أَبَرَ يَأْبُرُ وَيَأْبِرُ كَبَذَرَ يَبْذُرُ وَيَبْذِرُ وَيُقَالُ أَبَّرَ يُؤَبِّرُ بِالتَّشْدِيدِ تَأْبِيرًا قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعْقِرَ وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنَ الْيَمَنِ قَوْلُهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ هُوَ بِفَتْحِ الْحُرُوفِ كُلِّهَا وَالْأَوَّلُ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ الْمَعْقِرِيُّ فَنَفَضَتْ
(15/116-117)

قال المناوي في فيض القدير:
قال بعضهم: فبين بهذا أن الأنبياء وإن كانوا أحذق الناس في أمر الوحي والدعاء إلى الله تعالى فهم أسرج الناس قلوبا من جهة أحوال الدنيا فجميع ما يشرعونه إنما يكون بالوحي وليس للأفكار عليهم سلطان.
(3/50)

وقال الشيخ عبد الرحيم السلمي في شرح العبودية لشيخ الإسلام:
معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)

السؤال
يقول بعض الناس: إن الشريعة يكون تطبيقها في العبادة، أما أمور الدنيا فهي متروكة للناس، ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟

الجواب
هذا لم يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فقوله: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: الأمور الاعتيادية، سواء في الزراعة، أو في الصناعة، أو في تركيب الأمور الاجتماعية، ولهذا لم ينكر أحد من المسلمين المباني الجديدة، ولم ينكر أحد من المسلمين استخدام الصناعات الحديثة، والمركوبات من السيارات والطيارات، أو الأدوات الجديدة في القتال مثلا.
وإنما يجب على المسلم أن يستفيد من كل ما هو جديد، ومفيد للأمة الإسلامية، بل هو من عمارة الأرض، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أن الإنسان في زراعته وصناعته وأموره الشخصية هو أعلم بها، وليس المقصود به أنكم تبنون حياتكم بأكملها على غير الدين، وتحصرون الدين في أعمال صغيرة.
فالشريعة جاءت بتنظيم حياة الإنسان في كل مجال، فجاءت بتنظيم حياة الإنسان في مجال الأسرة، كالطلاق والنكاح، والإرث، وجاءت بتنظيم حياة الإنسان في المال، فهناك بيوع مباحة، وبيوع محرمة، وجاءت أيضا في تنظيم شئون الإنسان فيما يتعلق بالخصومات، والمضاربات، والمقاتلة، والاختلاف في العقار، والاختلاف في الحقوق المالية وغير ذلك، فالشريعة جاءت بما يصلح الإنسان في هذا المجال، وهناك فيما يتعلق بدنيا الناس مقاصد عامة للشريعة جاءت بضبطها، مثل حفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ الدين.
ولهذا فإن أي شيء جديد يأتينا يجب أن نزنه بميزان الشرع، فالفكرة العلمانية التي نتكلم عليها وننتقدها ليست هي في قبول الأمور الدنيوية التي تكون عند الأمم الأخرى مثل: الأسلحة، أو المركوبات، أو غير ذلك من المصنوعات، فهذه لا يخالف فيها أحد من المسلمين، فضلا عن علمائهم، لكن العلمانيون لا يريدون هذا، بل يريدون أن يحصروا الإسلام كله في شرائع تعبديه، وأما بقية الحياة فيريدون أن يخترعوا لها قانونا مدنيا عقليا.
فمجال الخصومات مثلا يريدون أن يشرعوا له ضوابط من تلقاء أنفسهم مع أن دين الله عز وجل وضح الأحكام المتعلقة بخصومات الناس، وهكذا الديات، وهكذا كل شئون الحياة الأخرى، ولهذا فالقضاة اليوم يحكمون بشريعة الله عز وجل في شئون الناس فيما يتعلق بالعقار مثلا واختلاف الناس فيه، أو المديونيات، أو ما يتعلق بالأموال في البيع والشراء ونحو ذلك، والعلاقة مع الأمم الأخرى والتي تسمى اليوم: العلاقات الدولية.
ولهذا قسم الإسلام الأمم الأخرى إلى أقسام: أمة محاربة، وأمة بيننا وبينها عهد، وأهل الذمة: وهم الذين يدخلون على الذين يكونون في بلاد المسلمين من الكفار من أهل البلاد الأصلية، فكل هؤلاء لهم أحكام.
أما العلمانيون فإنهم يقولون: يجب أن نجعل الشريعة في مجال الشعائر التعبدية فقط، ونأخذ على فكرهم مثالا: فالمرأة اليوم تركيز العلمانيون عليها تركيز كبير جدا، فالعلمانيون يقولون: لماذا تمنعون المرأة من المشاركة في أي عمل من الأعمال الفنية؟ فلماذا تمنعون المرأة من الرقص؟ ولماذا تمنعون المرأة من التبرج والسفور؟ ولماذا تمنعون المرأة من حريتها فيما يتعلق بالتصرف بجسدها كما تشاء؟ فيمكن أن تبيع عرضها بمبلغ مالي، ويصيحون: أعطوا النساء حقوقهن، والعلمانيون يختلفون من بلد إلى بلد، فبعض البلاد لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا الكلام، وهكذا حال المنافقين، إذ المنافقون لا يستطيعون أن يصرحوا بكل ما يعتقدونه في وقت واحد، لكن هذا مقتضى دعواهم، وهذا معنى دعواهم، ولهذا ليس الخلاف بيننا وبين هؤلاء في مسألة هل نأخذ من الكفار أسلحة أم لا؟ أو هل نستفيد من الكفار في بعض القضايا الطبية أم لا؟ بل نحن نتفق بأننا نستفيد من كل صاحب صنعة في الدنيا، يهوديا كان أو نصرانيا؛ لأن هذه الأمور ليس فيها أي مشكلة وضرر على ديننا، وهذه هي حياة المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.
فلا مانع من ابتعاث أي شخص إلى هناك للتعلم، أو يستفيد من أي شخص، بل أهم شيء هو ألا يكون ابتعاثه سببا في رجوعه إلى بلاد المسلمين ليطالب بتطبيق النموذج الغربي في بلاد المسلمين.
وهذا مثال آخر: النظام الاقتصادي، فالآن النظم الاقتصادية المشهورة في العالم تنقسم إلى نظامين مشهورين: النظام الأول: نظام الرأسمالي، والنظام الثاني: النظام الاشتراكي.
أما النظام الرأسمالي، فيعتمد على ما يسمونه باقتصاد السوق، واقتصاد السوق هو تعبير عن النظام الرأسمالي، ومعنى اقتصاد السوق: أن ترفع الدولة يدها عن الأسواق، فتترك الناس يبيعون ويشترون كما يشتهون دون أي تدخل أو تنظيم لهذه الأسواق، فهذا هو مختصر الرأسمالية؛ ولهذا ألف بعض فلاسفتهم الكبار كتبا في استحسان الربا، مع أن الربا محرم حتى عند النصارى، والسبب في ذلك هو أنه يرى أن من حق المستثمر الذي عنده مال ألا يدفع قرضا إلا بمقابل عليه،
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد t&audioid=210614

وفي موسوعة المذاهب الفكريية المعاصرة على موقع الدرر السنية:
الموقف الشرعي من العولمة
يرفض قطاع عريض من البشر العولمة كما سلف، ولكن رفضه من قبل المسلمين أشد، وليس ذلك للتصور الذي يحاول أن يرسمه بعض الغربيين، فبعض مثقفيهم نمى إلى علمه أن الله هو الذي يشرع لعباده في نظر المسلمين فقرر متوهماً أنه "لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون" ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn6))، وردّد قوله هذا (لوي غارديه) فقال: "اللَّه هو الشارع بامتياز" ([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn7)).ولاشك أن المسلمين يؤمنون بأن التشريع من خصائص الربوبية أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:21]، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رباً، وأشركه مع الله" ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn8)).ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن المقصود بهذا كل تشريع يتعبد به الناس، ولهذا قال (من الدين)، فكل ما شرعه الله ديناً لا تجوز مخالفته، وكل تشريع في الدين بغير دليل باطل يرد ولا يقبل ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn9))، ولا يعني هذا المنع من وضع قوانين تنظم الأمور الدنيوية والحياتية وتحكم الوسائل وفقاً للشرع فيما سُكت عن النص عليه، فضلاً عن عد ذلك مصادماً لتشريع الله كما قالت الكنيسة! ولكن يجب أن تكون تلك القوانين والنظم تحت إطار تلك التشريعات الربانية والموجهات العامة والخاصة، وهذا ما فهمه من أنزل عليهم الوحي، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أشد هذه الأمة تمسكاً بما جاء به، ففي تاريخنا نجد أن أول من دون الدواوين، وجعلها على الطريقة الفارسية, لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، وأول من استحدث التأريخ الهجري، وأول من وضع وزارة للمالية (بيتاً للمال)، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فالشارع الحكيم وضع أحكاماً عامة وخاصة في كثير من الأمور الحياتية الدنيوية، وأوكل مهمة سن الآليات التنفيذية والقضايا التنظيمية إلى البشر، بحسب ما يتوفر لهم من وسائل قادتهم إليها مبتكرات عصرهم، ما لم تخالف الشرع، وفي صحيح مسلم عن عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) ([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_edn10)).
فلم يمنع الإسلام فيما يتعلق بأمور الدنيا وتنظيم المعاش من سن تشريعات ليست من الدين ولكنها تنظم أمر المعاش، شريطة أن تكون خاضعة للتشريعات الإلهية العامة والخاصة لا تناقضها، تقود إلى العمل بها لا تعارضها.
وبناء على هذا، فالإسلام يرفض العولمة لكونها غير خاضعة لتشريعاته السمحة، التي جاءت لهداية البشرية وإرشادها للطريق الأقوم، وهذا يعني أن رفض الإسلام للعولمة معللاً لاعتقاد المسلمين أن تشريع الخالق العليم أحكم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وليس هذا الرفض رفضاً مجرداً عن التعليل أو تقديم البديل، ولكنه رفض مع تبين الطريق الأرشد، كما أنه ليس رفضاً مطلقاً لكافة تفاصيل العولمة وآلياتها، ولكن لما خالفت فيه التشريعات الربانية، بحجة تحصيل المصلحة الشخصية أو المحدودة على حساب مصلحة الأمم والمجتمعات.
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

_________________________ _________________________ __


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref1) ت.المسند:إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ سماك بن حرب، فمن رجال مسلم؟ وهو صدوق حسنُ الحديث. بهز: هو ابن أسد العَمي، وأبو عوانة: هو الوضاحُ بنُ عبد الله اليشكري.
وأخرجه عبد بن حميد (102) عن عفان وحده، بهذا الإسنادِ.
وأخرجه الطيالسي (230) ، ومسلم (2361) ، والبزار (937) ، وأبو يعلى (639) ، والشاشي (7) و (9) من طرق عن أبي عَوانة، به.
وأخرجه البزار (938) من طريق حفص بنِ جميع، عن سماك بنِ حرب، به.
وسيأتي برقم (1399) و (1400) .
وفي الباب عن رافع بن خديج، وعن عائشة وأنس عند مسلم (2362) و (2363) .
قوله:"يلقحونه"، قال السندي: من التلقيح، وهو التأبير، وهو أن يُشَق طَلْعُ الإناث، وُيؤْخذ من طلع الذكر، فيُوضَع فيها ليكون التمر بإذن الله أجود مما لم يُؤبَر.
وقوله: "لن أكذب"، كأن المراد: لن أخطئ، وبه وافق هذا الكلام السابق، واندفع أنه يوهم أنه يكذب إذا لم يكن مخبراً عن الله، فليتأمل.

وخرجه الألباني في الصحيحة:
(إذا كانَ شيءٌ من أمرِ دُنياكم؛ فأنتُم أعلمُ به، فإذا كانَ من أمر دينكم؛ فإليَّ) .
أخرجه أحمد (3/152) من طريق حماد عن ثابت عن أنس قال:
سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصواتاً، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: يلقحون النخل، فقال: "لو تركوه فلم يلقحوه لصلح "، فتركوه فلم يلقحوه، فخرج شيصاً، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -:
"ما لكم؟ "، قالوا: تركوه لما قلت، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ... فذكره.
وأخرجه مسلم (7/95) ، وابن ماجه (2471) ، وابن حبان (1/112/22) من طرق أخرى عن حماد بن سلمة قال: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وعن ثابت عن أنس به. ولفظ مسلم-
"أنتم أعلم بأمر دنياكم ".
وله شاهدان؛ أحدهما: عن رافع بن خديج. أخرجه مسلم وابن حبان.
والأخر عن موسى بن طلحة عن أبيه. أخرجه مسلم، وابن ماجه (2470) ، وأحمد (1/ 162) .
(7/1705-1706) السلسلة الصحيحة للألباني



[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref2) رواه مسلم في (الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، 2361) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.


[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref3) رواه مسلم في (الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، 2363) ، وأحمد في ((المسند)) (3 / 152) - واللفظ أقرب إليه -؛ كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.


[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref4) كما قال ابن حزم الظاهري وهو قول بعض المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي هاشم وهو قول نفاة القياس (أنظر الاجتهاد لسيد محمد موسى صـ40 والإحكام لابن حزم (2/699) المعتمد لأبي الحسين البصري (2/761) التبصرة للشيرازي (صـ521) والإحكام للآمدي (4/165) نقلاً من أوضح العبارات د.محمد يسري صـ369


[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref5) يقول د.محمد يسري في أوضح العبارات صـ368-369 :وإن قلنا أنه صلى الله عليه وسلَّم كان يجتهد جاز أن يسمى قبول قوله في الأحكام تقليداً ؛ لاحتمال أن يكون عن اجتهاد وقد ورد ما يدل على اجتهاده صلى الله عليه وسلَّم وإعماله للقياس كما في حديث ابن عباس مرفوعاً "أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم وقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال صلى الله عليه وسلَّم :نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " أخرجه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلَّم لعمر وقد قبل امرأته وهو صائم "أرأيت لو تمضمضت بماء" أخرجه أحمد.
وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلَّم أعمل القياس في هذه الحاديث فقاس ديْن الله على ديون العباد ، والقبلة على المضمضة .
وقد قال صلى الله عليه وسلَّم في القضاء " وإنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض
فأقضي له على نحو ما أسمع منه. فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا" أخرجه البخاري ومسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها


[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref6) انظر ((المذاهب النقدية)) (ص71).


[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref7) انظر ((المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية)) (104، 105).


[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref8) ((الحداثة)) (269، 270).


[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref10) ((الحداثة)) (269، 270). انظر ((الحداثة في منظور إيماني)) (ص79).


[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ednref10) ) انظر ((الحداثة في منظور إيماني)) (81,80).