المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : استفسار حول معيار التفريق بين الفرض والواجب



د. نعمان مبارك جغيم
12-07-03 ||, 04:56 AM
جعل الإمام السرخسي معيار التفريق بين الفرض والواجب هو كون الفرض ما ثبت بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة أو الإجماع، والواجب ما ثبت بخبر الواحد، وعليه حكم على الوتر والعمرة وصدقة الفطر بالوجوب لأنها ثابتة بخبر الواحد (1/113).

وسؤالي هو: ألا يمكن القول إن ثبوت الوتر (وليس حكمه من كونه واجبا أو سنة مؤكدة) ثابت بالإجماع، فقد أجمعت الأمة على ثبوت الوتر والعمرة وصدقة الفطر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أن هناك من المسلمين من خالف في ثبوت هذه الثلاثة وثبوت صلاة العيدين. فهل يصح بعد ذلك القول بأن هذه ثابتة بأخبار الآحاد، وأن ثبوتها ظني؟

صلاح الدين
12-07-04 ||, 02:59 AM
جعل الإمام السرخسي معيار التفريق بين الفرض والواجب هو كون الفرض ما ثبت بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة أو الإجماع، المراد بالإجماع هنا الإجماع القطعي.إذ إن لهم في الإجماع مراتب.
والواجب ما ثبت بخبر الواحد، وعليه حكم على الوتر والعمرة وصدقة الفطر بالوجوب لأنها ثابتة بخبر الواحد (1/113).

وسؤالي هو: ألا يمكن القول إن ثبوت الوتر (وليس حكمه من كونه واجبا أو سنة مؤكدة) ثابت بالإجماع، فقد أجمعت الأمة على ثبوت الوتر والعمرة وصدقة الفطر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أن هناك من المسلمين من خالف في ثبوت هذه الثلاثة وثبوت صلاة العيدين. فهل يصح بعد ذلك القول بأن هذه ثابتة بأخبار الآحاد، وأن ثبوتها ظني؟
نعم يصح على مذهبهم؛ لأن ما ذكرتم وإن كانت أخبار مجمع على العمل بها؛ لكن هي عند الحنفية وإن كانت مجمع عليها أحادية الأصل، ثم اشتهرت في العصور التالية فيثبت بها عندهم الوجوب لاشتهارها دون الفرضية لظنية أخبار الآحاد.

د. نعمان مبارك جغيم
12-07-04 ||, 04:35 AM
نعم يصح على مذهبهم؛ لأن ما ذكرتم وإن كانت أخبار مجمع على العمل بها؛ لكن هي عند الحنفية وإن كانت مجمع عليها أحادية الأصل، ثم اشتهرت في العصور التالية فيثبت بها عندهم الوجوب لاشتهارها دون الفرضية لظنية أخبار الآحاد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا أخي الكريم على هذا التوضيح.
ولكن ألم يشهد ألوف الصحابة مع النبي صلى الله عيله وسلم صلاة العيد وصلاة الوتر والعمرة وتناقلها الألوف عن الألوف، فكيف يمكن القول إنها كانت في البداية أخبار آحاد ثم اشتهرت، بل كانت متواترة في جميع الأجيال منذ جيل الصحابة رضي الله عنهم. أما كونها دوِّنت في كتب الحديث بما يدخل في نطاق اصطلاح الآحاد فلا ينفي عنها التواتر، فإذا قارنت بين عدد الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر (وهو موضوع مختلف أصلا في صحة وجوده) ربما وجدتها أكثر بكثير من الأحاديث الواردة في الصلاة والزكاة والصوم وهي أركان الإسلام، وليس معنى ذلك أن ثبوت المهدي المنتظر أقوى من ثبوت تلك الأركان.

اسماعيل تكاله عقه
12-07-05 ||, 08:44 PM
شكراً لـ د.نعمان مبارك

د. بدر بن إبراهيم المهوس
12-07-05 ||, 11:54 PM
أخي الكريم الدكتور الفاضل نعمان بارك الله فيكم
في نظري أن ها هنا عدة أمور ينبغي النظر فيها :
أولاً :
أنه إذا ثبت الإجماع في مثل هذه المسائل فهو إجماع ظني لاستناده إلى خبر آحاد وكما هو معلوم فثمة خلاف في صحة انعقاد الإجماع عن قياس أو خبر آحاد عند الأصوليين وإن كان الجمهور على صحته خلافا لابن جرير وداود وعليه فالإجماع عند ذلك يكون ظنيا لكونه مما اختلف في صحة انعقاده .
علما أن بعض الحنفية يرون أن لا إجماع أصلا إلا عن دليل ظني وأن ما ثبت بالكتاب والسنة المتواترة لا يحتاج فيه لإجماع لاستغنائهما عنه .

ثانياً :
الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب نعم لكن الواجب عندهم يطلق ثلاثة إطلاقات :
الأول : يطلقونه على ما كان فرضا علما وعملا كالصلوات المفروضة والزكاة والصوم فيقولون : الصلاة واجبة .
الثاني : ما كان فرضا عمليا فقط بمعنى أنه في قوة الفرض كالوتر ولذا يطلقون عليه أحيانا الفرض فيقولون : الوتر فرض ويريدون به في قوة الفرض لكنه فرض عملي لا علمي .
الثالث : الواجب الذي هو دون ذلك وهو ما ثبت وجوبه بدليل ظني كقراءة الفاتحة في الصلاة .

ثالثاً :
لننظر في المسائل المذكورة هنا وهي ( الوتر وصدقة الفطر والعمرة ) من حيث حصول الإجماع والقطعية في الثبوت والدلالة وموقف الحنفية منها :
أما الوتر فالجواب عنه - بالإضافة لما سبق من إطلاق الفرض عليه بمعنى الفرض العملي - :
أ - أن أبا حنيفة روي عنه رواية بالفرضية .
ب - أن الأصل أنه فرض لكنه صرف عن هذا بحديث معاذ " فأعلمهم أن الله افترض عليهم ..." وعليه فالوجوب هنا لظنية الدلالة وبه نزل من الفرض للوجوب عندهم .
وأما صدقة الفطر فنعم نقل بعضهم - كابن المنذر - فيها الإجماع لكن قال الحافظ ابن حجر : وفي نقل الإجماع مع ذلك نظر لأن إبراهيم بن عليه وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا : إن وجوبها نسخ ...
ثم ذكر الحافظ أن بعض المالكية نقل عن أشهب أنها سنة وبه قال بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية .
وعليه فلا إجماع في المسألة ولذا قال إسحاق : هي كالإجماع .
وقال المانعون من الفرضية : الفرض في الحديث التقدير أو أنه الأمر المتأكد .
قال الكاساني في صدقة الفطر : ( الدليل على وجوبها ما روى عن ثعلبة بن صعير العذري أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في خطبته أدوا عن كل حر وعبد صغير وكبير نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير "
أمر بالأداء ومطلق الأمر للوجوب وإنما سمينا هذا النوع واجبا لا فرضا لأن الفرض اسم لما ثبت لزومه بدليل مقطوع به ولزوم هذا النوع من الزكاة لم يثبت بدليل مقطوع به بل بدليل فيه شبهة العدم وهو خبر الواحد ) بدائع الصنائع ( 2 / 69 )

وأما العمرة فالحنفية لهم فيها قولان :
أحدهما أنها واجبة والثاني أنها سنة مؤكدة وهو المعتمد في المذهب واختار الكاساني الوجوب وأول المراد بالسنية .
والمشهور عند المالكية أيضا السنية لا الوجوب وبالتالي فلا إجماع في المسألة على الوجوب .
قال الكاساني : ( اختلف فيها قال أصحابنا إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب وقال الشافعي إنها فريضة وقال بعضهم هي تطوع ....
ولنا على الشافعي قوله تعالى : " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " ولم يذكر العمرة لأن مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة فمن قال إنها فريضة فقد زاد على النص فلا يجوز إلا بدليل
وكذا حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإيمان والشرائع فبين له الإيمان وبين له الشرائع ولم يذكر فيها العمرة فقال الأعرابي هل علي شيء غير هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع فظاهره يقتضي انتفاء فريضة العمرة
وأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على فرضية العمرة لأنها قرئت برفع العمرة والعمرةُ لله وأنه كلام تام بنفسه غير معطوف على الأمر بالحج أخبر الله تعالى أن العمرة لله ردا لزعم الكفرة لأنهم كانوا يجعلون العمرة للأصنام على ما كانت عبادتهم من الإشراك .
وأما على قراءة العامة فلا حجة له فيها أيضا لأن فيها أمرا بإتمام العمرة وإتمام الشيء يكون بعد الشروع فيه وبه نقول إنها بالشروع تصير فريضة مع ما أنه روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في تأويل الآية إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك على أن هذا إن كان أمرا بإنشاء العمرة فما الدليل على أن مطلق الأمر يفيد الفرضية بل الفرضية عندنا ثبتت بدليل زائد وراء نفس الأمر وإنما يحمل على الوجوب احتياطا وبه نقول أن العمرة واجبة ولكنها ليست بفريضة ....
وإطلاق اسم التطوع عليها في الحديث يصلح حجة على الشافعي لا علينا لأنه يقول بفرضية العمرة والتطوع لا يحتمل أن يكون فرضا ونحن نقول بوجوب العمرة والواجب ما يحتمل أن يكون فرضا ويحتمل أن يكون تطوعا فكان إطلاق اسم التطوع صحيحا على أحد الاحتمالين وليس للفرض هذا الاحتمال فلا يصح الإطلاق وقول السائل في الحديث السابق أهي واجبة محمول على الفرض إذ هو الواجب على الإطلاق عملا واعتقادا عينا فقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نفي له وبه نقول ) بدائع الصنائع ( 2 / 226 - 227 )

وأما ما ذكرتم - بارك الله فيكم - من كونه فعل ذلك بمحضر الصحابة فهذا لا يخرج الخبر من الآحاد للمتواتر لأن الوصف بالتواتر والآحاد لطريقة النقل التي وصلت إلينا لا احتمال النقل والذي وصلنا كان بطريق آحاد وحديث " إنما الإعمال بالنيات " قاله النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ولم يروه سوى عمر رضي الله عنه وعده العلماء غريبا وهو أحد أقسام الآحاد ، وما ذكرتم لو قيل به للزم أن تكون جل أخبار الآحاد متواترة لا سيما ما روي منها في المجامع كالحج والجمعة وفي الجهاد وعليه فستضطرب كل قواعد الأصول المتعلقة بأخبار الأحاد في دلالات الألفاظ والتعارض والترجيح والنسخ .
ثم مع هذا لو قيل بقطعيتها في الثبوت فثمة نزاع في الدلالة نعم الصحابة حضروا العيد والوتر والعمرة لكن لا يلزم من إثبات أصل المشروعية إثبات الوجوب كالتراويح مثلا وكالأضحية والاعتكاف وصلاة الكسوف والاستسقاء وغيرها .
وهذه الأمور عند الحنفية تنزل من الفرضية للوجوب لشبهة أو لصارف معين .
والله أعلم

فهد بن عبدالله القحطاني
12-07-07 ||, 12:48 AM
لكن الكلام في ثبوت مشروعيتها لا في وجوبها ..

د. نعمان مبارك جغيم
12-07-09 ||, 05:39 AM
جزاك الله خيرا أخي الفاضل الدكتور أبو حزم الكاتب على ما أفدت وأجدت.

الحقيقة الذي تحيرت فيه وأنا أقرأ تلك الأقوال هو القول بأن تلك الشعائر التعبدية العامة ثبتت بأخبار الآحاد، وتساءلت: هل لم يكن المسلمون يعرفون الوتر وصلاة العيدين وصدقة الفطر قبل أن تروى تلك الأخبار الأحادية؟ وهل جميع المسلمين عرفوا عن تلك الشعائر من خلال رواة تلك الأخبار الآحادية؟ لا شك أن الأمر غير ذلك.

أما ما تفضلتم به من الخلاف في حكم تلك الشعائر فالأمر كما أجدتم في تفصيله، ولا اعتراض على ذلك.

وقد تبين لي بعد وضع هذا الاستفسار من خلال مطالعاتي أن القول بأن تلك الشعائر ثابتة بأخبار الآحاد خطأ منهجي ينبغي التنبيه عليه، فتلك الشعائر ثبت وجودها (أو ما يعبر عن بالمشروعية) بالتواتر العملي الذي يفيد القطع أكثر من التواتر القولي، وأنها أصبحت من المعلومات من الدين بالضرورة، وعليها إجماع الأمة (وهذا الإجماع هو الإجماع على ما هو معلوم من الدين بالضرورة الذي هو في الواقع لا يدخل ضمن الإجماع المبحوث في كتب الأصول، لأن ذاك هو الإجماع القائم على الاجتهاد)،أما الخلاف في حكمها فهو مبني على قرائن ولا علاقة له بقطعية وظنية الثبوت.

كما تبين لي أن معيار قطعية وظنية الثبوت الذي حاول أصوليو الحنفية أن يبرروا به التفريق بين الفرض والواجب لا يطرد، وقد أدرك المـتأخرون منهم ذلك، وأدركوا أن فقهاءهم استخدموا الفرض فيما هو ظني الثبوت، والواجب فيما هو قطعي الثبوت، فحاولوا استدراك ذلك بتشقيقٍ في مصطلحي الفرض والواجب؛ فقالوا: بالفرض العلمي والعملي، والواجب العلمي والعملي، من باب محاولة ضبط ما لم ينضبط.

د. أيمن علي صالح
12-08-05 ||, 12:53 AM
أخي د. نعمان
لماذا لا نقول بأ الفرض عند الحنفية هو ما ثبت وجوبه بدليل قطعي؟ وعليه لا يرد عليهم الوتر وصدقة الفطر ونحو ذلك لأن وجوبها لم يثبت بالتواتر ولا بالإجماع، بل الثابت بالتواتر والإجماع هو مجرد مشروعيتها، وفرق كبير بين المشروعية والوجوب كما لا يخفى.

د. نعمان مبارك جغيم
12-08-06 ||, 03:47 AM
أخي د. نعمان
لماذا لا نقول بأ الفرض عند الحنفية هو ما ثبت وجوبه بدليل قطعي؟ وعليه لا يرد عليهم الوتر وصدقة الفطر ونحو ذلك لأن وجوبها لم يثبت بالتواتر ولا بالإجماع، بل الثابت بالتواتر والإجماع هو مجرد مشروعيتها، وفرق كبير بين المشروعية والوجوب كما لا يخفى.
أخي الدكتور أيمن حفظك الله
نعم، لو قالوا إن الفرض ما ثبت وجوبه قطعا، والواجب ما كان ثبوت وجوبه ظنيا، لكان المعيار معقولا ومنضبطا إلى حد كبير. ولكن ما شاع عند المتأخرين من الأصوليين من الحنفية كما هو في أصول الدبوسي والبزدوي والسرخسي ومن سار على نهجهم يشير إلى قطعية وظنية الثبوت، وهي نفسها ثبوت المشروعية.
ومعلوم أن كون الشيء واجبا أو مندوبا أو غيرهما يتحدد من صيغة الدليل لا من قوة ثبوته، والتواتر لا دخل له في تحديد حكم الفعل لأنه يتعلق بالثبوت وهو عينه المشروعية. نعم، في الإجماع مثلا يمكن القول إن ما أُجمع على وجوبه نسميه فرضا وما اختلف في وجوبه لا نسميه فرضا.

وقد وجدت أن معيار قطعية وظنية الثبوت الذي شاع عند المتأخرين يخالف ما كان عليه من تقدمهم من الأصوليين الحنفية.
فالشاشي في أصوله جعل معيار التفريق بين الفرض والواجب مزيجا من قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، حيث يقول: الفرض "ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه"، أما الواجب فهو "ما ثبت بدليل فيه شبهة كالآية المؤوَّلة، والصحيح من الآحاد" (أصول الشاشي مع عمدة الحواشي، ص239-240)
أما الجصاص فحدد المعيار بقوة اللزوم، حيث يقول: "فأما الفرض فهو ما كان في أعلا مراتب الإيجاب، والواجب دون الفرض"، ويقول: "إن الفرض هو ما كان في أعلا مراتب اللزوم والثبوت". (الفصول في الأصول، تحقيق عجيل النشمي، ج3، ص236)
ويبدو أن الجصاص أكثر ضبطا وأقرب إلى التعبير عن أصول المذهب من المتأخرين. والله أعلم

د. أيمن علي صالح
12-08-06 ||, 05:27 AM
ما شاع عند المتأخرين من الأصوليين من الحنفية كما هو في أصول الدبوسي والبزدوي والسرخسي ومن سار على نهجهم يشير إلى قطعية وظنية الثبوت، وهي نفسها ثبوت المشروعية.
القول بأنهم يعنون بقطعية الثبوت قطعية المشروعية دعوى تحتاج إلى دليل.
إذا أردنا أن نحمل كلامهم على محمل صحيح لا بد أن يكون مقصودهم هو قطية دليل الوجوب لا مطلق المشروعية، وهذا هو الأليق بهؤلاء الأعلام لأن قطعية مشروعية الوتر ونحوه لا تخفى على صبيان الكتاتيب.
وبالمناسبة فإن ما يسمى بأصول الشاشي هو كتاب لا تصح نسبته إلى الشاشي المتقدم بل هو كتاب لأحد المتأخرين لأن في الكتاب نقولا عن أبي زيد الدبوسي.

د. نعمان مبارك جغيم
12-08-07 ||, 06:35 AM
القول بأنهم يعنون بقطعية الثبوت قطعية المشروعية دعوى تحتاج إلى دليل. إذا أردنا أن نحمل كلامهم على محمل صحيح لا بد أن يكون مقصودهم هو قطية دليل الوجوب لا مطلق المشروعية، وهذا هو الأليق بهؤلاء الأعلام لأن قطعية مشروعية الوتر ونحوه لا تخفى على صبيان الكتاتيب.
لم يستخدم المتقدمون اصطلاح المشروعية وإنما استخدموا اصطلاح الثبوت، وظاهر كلامهم أنهم يتكلمون عن ثبوت الفعل، وثبوت الفعل هو ما يسميه المعاصرون بالمشروعية.
أما الدليل، فمنه قول عبد العزيز البخاري في شرحه على البزدوي: "والصحيح ما قيل: الفرض ما ثبت بدليل قطعي واستحق الذم على تركه مطلقا من غير عذر. فقوله: ما ثبت بدليل قطعي يتناول المندوب والمباح إذ قد يثبت كل واحد منهما بدليل قطعي أيضا..." (كشف الأسرار، ج2، ص439) والكلام في غاية الصراحة أن المراد قطعية ثبوت الدليل (المشروعية)، وليس قطعية الوجوب.
وكذلك قولهم في جعل مسح ربع الرأس فرضا مع ثبوته بحديث آحاد، والوارد في القرآن الكريم (برؤوسكم) وهي ليست قطعية في تحديد مقدار معين من الرأس، فقالوا إن الحديث مع كونه آحادا قد وقع بيانا لمجمل القرآن، والآحاد إذا وقع بيانا لمجمل القرآن كان الحكم مضافا للقرآن. والموجود في القرآن هنا هو قطعية الثبوت لا قطعية مسح الربع.
وعلى كل حال فهذا الضابط غير مطرد أصلا، وقد نقل ابن عابدين عن صاحب التلويح قوله: "استعمال الفرض فيما ثبت بظني، والواجب فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض". (حاشية ابن عابدين، ج1، ص207). وأفضل منه الضابط الذي ذكره الجصاص.
والواقع أن في كلامهم ما يحمل على التخريج الذي ذكرتم، وفيه ما يحمل على مجرد الثبوت وهو الغالب الظاهر من كلامهم، وربما استعملوا هذا أو ذاك حسب الحاجة لتبرير الفرع الذي يتحدثون عنه.


وبالمناسبة فإن ما يسمى بأصول الشاشي هو كتاب لا تصح نسبته إلى الشاشي المتقدم بل هو كتاب لأحد المتأخرين لأن في الكتاب نقولا عن أبي زيد الدبوسي.
هذه المسألة لا علم لي بها، والشائع عند الحنفية أن تلك الأصول منسوبة للشاشي وقد وضع كثير من علمائهم عليها حواشي. والقول بأنه ينقل عن الدبوسي لا ينهض لوحده دليلا وهو يحتاج إلى تحقيق؛ لأنه قد يكون العكس، أي الدبوسي هو الذي نقل عن الشاشي، أو كلاهما نقلا عن مصدر واحد ممن تقدمهم من علماء المذهب. والناظر في كتب أصول الحنفية يجد أن المتأخر ينقل عن المتقدم، وتوجد عبارات مكررة منذ الكرخي إلى السرخسي. وعلى كل حال فالمسألة تحتاج إلى تحقيق.

د. أيمن علي صالح
12-08-07 ||, 07:34 PM
لم يستخدم المتقدمون اصطلاح المشروعية وإنما استخدموا اصطلاح الثبوت، وظاهر كلامهم أنهم يتكلمون عن ثبوت الفعل، وثبوت الفعل هو ما يسميه المعاصرون بالمشروعية.
أخي الكريم د. نعمان بارك الله فيكم:
أخالفكم الرأي بأن الحنفية عنوا بالثبوت المشروعية، بل عنوا الوجوب لا غير.
وكلامهم واضحٌ بل صريح في الدلالة على ذلك. وكثير ممن نقلوا مذهب الحنفية صرحوا بذلك. وهذه بعض النقول التي تبين ذلك:
جاء في أصول البزدوي (2/ 301)
(الواجب ) وهو في الشرع اسم لما لزمنا بدليل فيه شبهة مثل تعيين الفاتحة وتعديل الأركان والطهارة في الطواف...
وقال صدر الشريعة في شرح التلويح على التوضيح (1/ 405)
الفرض اسم لما ألزمنا الله تعالى إياه، وثبت ذلك بطريق قطعي
وقال في ثنايا مسألة (2/ 78)
فإن الفرض عندكم ما ثبت لزومه بدليل قطعي والواجب ما ثبت لزومه بدليل ظني
وجاء في التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (2/ 80):
(فإن ثبت الطلب الجازم بقطعي) دلالة من كتاب أو وثبوتا أيضا من سنة أو إجماع (فالافتراض) إن كان المطلوب فعلا غير كف (والتحريم) إن كان المطلوب فعلا هو كف (أو) ثبت الطلب الجازم (بظني) دلالة من كتاب أو دلالة أو ثبوتا من سنة أو إجماع (فالإيجاب) إن كان المطلوب فعلا غير كف (وكراهة التحريم) إن كان المطلوب فعلا هو كف
وقال أبو الحسين في المعتمد (1/ 340):
وحكى الشيخ أبو عبد الله عن أهل العراق أن الفرض هو الواجب الذي طريق وجوبه مقطوع به وأن الواجب الذي ليس بفرض هو ما كان طريق وجوبه يدخله الأمارات والظنون
وقال الغزالي (=الجويني) في المنخول (ص: 138):
مسألة قال أبو حنيفة رحمه الله الفرض هو ما يقطع بوجوبه والواجب ما يتردد فيه وعندنا لا فرق
وقال السمعاني في قواطع الأدلة في الأصول (1/ 131):
مسألة: الفرض والواجب واحد عندنا
وزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت وجوبه بدليل مظنون
وقال الرازي في المحصول (1/ 97):
اعلم أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض والحنفية خصصوا اسم الفرض بما عُرف وجوبه بدليل قاطع والواجب بما عُرف وجوبه بدليل مظنون قال أبو زيد رحمه الله: الفرض عبارة عن التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط قال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها أي سقطت إذا ثبت هذا فنحن خصصنا اسم الفرض بما عُرف وجوبه بدليل قاطع لأنه هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قدره علينا
وقال الأصفهاني في بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (1/ 337):
وفي الشرع الفرض والواجب لفظان مترادفان عندنا.
وقالت الحنفية: الفرض: المقطوع به، وهو ما عرف وجوبه بدليل قاطع. والواجب: المظنون، وهو ما عرف وجوبه بدليل مظنون.
ومن المعاصرين قال الجديع في تيسير علم أصول الفقه (ص: 23)
(الفَرْضُ) هوَ (الواجبُ) عند جمهورِ الفُقهاءِ، فيقولونَ: (صومُ رمضانَ واجبٌ) كما يقولونَ: (فرضٌ) ، ويقولونَ: (زكاةُ الفِطرِ فرضٌ) كما يقولونَ: (واجبةٌ) .
وخالفهم في ذلكَ الحنفيَّةُ ـ وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمد ـ ففرَّقوا بينَ (الفرضِ) و (الواجبِ) لا من جهَّة التَّعريفِ المتقدِّم، وإنما من جهةِ طريقِ ورودِ الدَّليل الدَّال على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهم ما وردَ الدَّليل الدَّالِّ على الوجوبِ أو الفرضيَّةِ، فكان عندهُم ما وردَ بدليلٍ قطعيِّ الورودِ كالقرآن والحديثِ المتواترِ فهو فرضٌ، وما وردَ بدليلٍ ظنِّيِّ الوُرودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ فهو واجبٌ، وعليه فـ (الواجبُ) أدنَى في الحتميَّةِ عندهُم من (الفرضِ) بهذهِ الحيثيَّةِ.

أما الدليل، فمنه قول عبد العزيز البخاري في شرحه على البزدوي: "والصحيح ما قيل: الفرض ما ثبت بدليل قطعي واستحق الذم على تركه مطلقا من غير عذر. فقوله: ما ثبت بدليل قطعي يتناول المندوب والمباح إذ قد يثبت كل واحد منهما بدليل قطعي أيضا..." (كشف الأسرار، ج2، ص439) والكلام في غاية الصراحة أن المراد قطعية ثبوت الدليل (المشروعية)، وليس قطعية الوجوب.
بل هذا دال على عكس المدعى. وبذكر تمام كلام البخاري، يظهر أنه لم يعن ما تبادر إلى الذهن من أنه يُدخل المندوب والمباح في حد الواجب. فإنه قال: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (2/ 302):
((والصحيح ما قيل الفرض: ما ثبت بدليل قطعي واستحقق الذم على تركه مطلقا من غير عذر. فقوله "ما ثبت بدليل قطعي" يتناول المندوب والمباح إذ قد يثبت كل واحد منهما بدليل قطعي أيضا كقوله تعالى {وافعلوا الخير} [الحج: 77] {وكلوا واشربوا} [البقرة: 187] . واحترز بقوله "واستحق الذم على تركه" عنهما [أي المندوب والمباح]....))
فظهر بهذا أن البخاري لا يدخل المندوب والمباح الثابتين بدليل قطعي في حد الواجب بل على العكس احترز عنهما بعبارة "استحق الذم عى تركه" والمندوب والمباح لا ذم على تركهما. إذن هو لا يعني مجرد المشروعية كما تبادر إليكم. وكلامه ينسجم مع كلام بقية الحنفية. والله أعلم.
والحاصل من هذا أن قولكم:

نعم، لو قالوا إن الفرض ما ثبت وجوبه قطعا، والواجب ما كان ثبوت وجوبه ظنيا، لكان المعيار معقولا ومنضبطا إلى حد كبير
هو الصواب لا غير وأن الحنفية بريئون من تهمة الخلط الفاحش التي لزمت عن تفسير الثبوت بالمشروعية.


والقول بأنه ينقل عن الدبوسي لا ينهض لوحده دليلا وهو يحتاج إلى تحقيق؛ لأنه قد يكون العكس، أي الدبوسي هو الذي نقل عن الشاشي
جاء في أصول الشاشي (ص: 108)بحث كَون الْمُقْتَضى زِيَادَة على النَّص:
وعَلى اعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى قَلِيل يدارالحكم على تِلْكَ الْعلَّة قَالَ الإِمَام القَاضِي أَبُو زيد لَو أَن قوما يعدون التأفيف كَرَامَة لَا يحرم عَلَيْهِم تأفيف الْأَبَوَيْنِ
وجاء أيضا:
أصول الشاشي (ص: 373)
فصل: قَالَ القَاضِي الإِمَام أَبُو زيد الْمَوَانِع أَرْبَعَة أَقسَام
مَانع يمْنَع انْعِقَاد الْعلَّة
ومانع يمْنَع تَمامهَا
ومانع يمْنَع ابْتِدَاء الحكم
ومانع يمْنَع دَوَامه

أظنه الآن بات واضحا أن مؤلف هذا الكتاب متأخر عن أبي زيد الدبوسي. وليس هو الشاشي (نظام الدين أبو علي أحمد بن محمد بن إسحاق الشاشي (المتوفى: 344هـ). وأن محقق الكتاب غش الناس بدعوى نسبة هذا الكتاب إلى الشاشي المتقدم
وأدنى تأمل في الكتاب يظهر لك أن لغته الأصولية ليست لغة طبقة القرن الثالث وأوائل الرابع من الأصوليين.

د. نعمان مبارك جغيم
12-08-08 ||, 05:51 AM
جاء في أصول البزدوي (2/ 301)
(الواجب ) وهو في الشرع اسم لما لزمنا بدليل فيه شبهة مثل تعيين الفاتحة وتعديل الأركان والطهارة في الطواف....
أخي الكريم د. أيمن حفظك الله
كلام البزدوي هذا يشير إلى الشبهة في ثبوت تعيين الفاتحة وتعديل الأركان والطهارة في الطواف، والشبهة عنده هي كونها ثابتة بأخبار الآحاد، فثبوتها فيه شك، أو بتعبير المعاصرين ثبوت (مشروعيتها) فيه شبهة وليس قطعيا.


جاء في أصول البزدوي (2/ 301)
وقال صدر الشريعة في شرح التلويح على التوضيح (1/ 405)
الفرض اسم لما ألزمنا الله تعالى إياه، وثبت ذلك بطريق قطعي
وقال في ثنايا مسألة (2/ 78)
فإن الفرض عندكم ما ثبت لزومه بدليل قطعي والواجب ما ثبت لزومه بدليل ظني.
هذه النقول تتحدث عن قطعية طريق الثبوت (الرواية) وليس قطعية الدلالة، وقطعية الرواية هي ذاتها قطيعة ثبوت المشروعية



وجاء في التقرير والتحبير علي تحرير الكمال بن الهمام (2/ 80):
(فإن ثبت الطلب الجازم بقطعي) دلالة من كتاب أو وثبوتا أيضا من سنة أو إجماع (فالافتراض) إن كان المطلوب فعلا غير كف (والتحريم) إن كان المطلوب فعلا هو كف (أو) ثبت الطلب الجازم (بظني) دلالة من كتاب أو دلالة أو ثبوتا من سنة أو إجماع (فالإيجاب) إن كان المطلوب فعلا غير كف (وكراهة التحريم) إن كان المطلوب فعلا هو كف.
هذا النقل فيه تصريح باعتماد معيار قطعية الدلالة مع قطعية الثبوت

وقال أبو الحسين في المعتمد (1/ 340):
وحكى الشيخ أبو عبد الله عن أهل العراق أن الفرض هو الواجب الذي طريق وجوبه مقطوع به وأن الواجب الذي ليس بفرض هو ما كان طريق وجوبه يدخله الأمارات والظنون
وقال السمعاني في قواطع الأدلة في الأصول (1/ 131):
مسألة: الفرض والواجب واحد عندنا
وزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت وجوبه بدليل مظنون
وقال الرازي في المحصول (1/ 97):
اعلم أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض والحنفية خصصوا اسم الفرض بما عُرف وجوبه بدليل قاطع والواجب بما عُرف وجوبه بدليل مظنون قال أبو زيد رحمه الله: الفرض عبارة عن التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط قال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها أي سقطت إذا ثبت هذا فنحن خصصنا اسم الفرض بما عُرف وجوبه بدليل قاطع لأنه هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قدره علينا
وقال الأصفهاني في بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (1/ 337):
وفي الشرع الفرض والواجب لفظان مترادفان عندنا.
وقالت الحنفية: الفرض: المقطوع به، وهو ما عرف وجوبه بدليل قاطع. والواجب: المظنون، وهو ما عرف وجوبه بدليل مظنون.
.
هذه النقول تتحدث عن طريق ثبوت الوجوب، وهي الرواية، وليس كون الوجوب قاطعا، ويدلك على ذلك ما نقلتَه عن الرازي أن الدبوسي يقول: لأنه هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قدره علينا، والعلم الذي يتحدث عنه هو قطعية الثبوت، لأن خبر الآحاد عندهم لا يفيد العلم، وما فيه قد يكون غير صحيح النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما نقبله، كما يقولون في كتبهم، من باب تحسين الظن بالراوي، وقد صرح الدبوسي في أصوله بحصر الواجب في ما ثبت وجوبه بخبر الآحاد. فالمسألة في هذا مسألة قطعية الثبوت.


ومن المعاصرين قال الجديع في تيسير علم أصول الفقه (ص: 23)
فكان عندهُم ما وردَ بدليلٍ قطعيِّ الورودِ كالقرآن والحديثِ المتواترِ فهو فرضٌ، وما وردَ بدليلٍ ظنِّيِّ الوُرودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ فهو واجبٌ، وعليه فـ (الواجبُ) أدنَى في الحتميَّةِ عندهُم من (الفرضِ) بهذهِ الحيثيَّةِ..

كلام الجديع صريح في أن المراد قطعية الثبوت (الورود/ المشروعية) وليس قطعية الدلالة


كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (2/ 302):
((والصحيح ما قيل الفرض: ما ثبت بدليل قطعي واستحقق الذم على تركه مطلقا من غير عذر. فقوله "ما ثبت بدليل قطعي" يتناول المندوب والمباح إذ قد يثبت كل واحد منهما بدليل قطعي أيضا كقوله تعالى {وافعلوا الخير} [الحج: 77] {وكلوا واشربوا} [البقرة: 187] . واحترز بقوله "واستحق الذم على تركه" عنهما [أي المندوب والمباح]....))
فظهر بهذا أن البخاري لا يدخل المندوب والمباح الثابتين بدليل قطعي في حد الواجب بل على العكس احترز عنهما بعبارة "استحق الذم عى تركه" والمندوب والمباح لا ذم على تركهما. إذن هو لا يعني مجرد المشروعية كما تبادر إليكم. وكلامه ينسجم مع كلام بقية الحنفية. والله أعلم. .
كلام البخاري صريح في أنه يقول: "ما ثبت بدليل قطعي" يراد به قطعية الثبوت أي ما ورد في القرآن الكريم والسنة المتواترة، وهو جنس في التعريف يشمل الفرض والمندوب والمباح لأنهما قد يردا بطريق قطعي، أي في القرآن الكريم، ثم جاء قيد "واستحق الذم على تركه..." ليخرج المندوب والمباح الثابتان بدليل قطعي (الثبوت/ القرآن).
وهذا في غاية الصراحة أن عبارة "ما ثبت بدليل قطعي" عنى بها صاحب التعريف قطعية الثبوت والورود (المشروعية) فالفرض لا يثبت إلا بما كان قطعي الثبوت وهو القرآن والسنة المتواترة والإجماع.

والخلاصة، كما نص عليه ابن عابدين في حاشيته، أن المعيار الأساس في ثبوت الفرض هو قطعية الثبوت (ثبوت المشروعية بدليل ثبت بطريق القطع، وهو القرآن والسنة المتواترة والإجماع)، ثم يضاف إليه (بطبيعة الحال) المعيار المكمِّل وهو أن تكون دلالة النص على الإلزام قطعية. وهذا المعيار المكمِّل (قطعية الدلالة على الإلزام) يشترك فيه الفرض والواجب، وليس خاصا بالفرض.

د. أيمن علي صالح
12-08-08 ||, 07:13 AM
أخي د. نعمان بارك الله فيكم
ما أردته من تلك النقول ليس هو القول بأن الحنفية يعتمدون قطعية الدلالة مع قطعية الثبوت معيارين للتفريق بين الواجب والفرض. فهذا بعيد عن تصرفاتهم وتمثيلاتهم وإن احتملته ظواهر بعض تعريفاتهم. وإنما هم يعتمدون معيارا واحدا هو قطعية ثبوت الدليل الذي فُهم منه الإلزام. أما الدلالة على الإلزام فسواء أكانت ظنية أو قطعية فلا دخل لها في الفصل بين الواجب والفرض. المهم عندهم هو كون الدلالة تفيد الإلزام ظنا أو قطعا حتى يخرج المندوب والمباح الثابتين بالتواتر من التعريف. وأردت بهذا أن أدفع إيرادكم عليهم الوتر وصدقة الفطر ونحو ذلك كما هو في رأس الموضوع الذي تفضلتم به، لأن دليل وجوب الوتر لم يثبت بدليل قطعي بل بخبر آحاد، وهو الحديث الذي يذكره الحنفية: إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي الوتر. فقولكم بأن تواتر مشروعية الوتر وثبوته بالإجماع يرد نقضا عليهم، غير صحيح، لأن ثبوت المشروعية أعم من ثبوت دليل الوجوب. فالمشروعية تشمل المندوب والمباح. وأستغرب إصراركم، مع كل النقول السابقة، على القول بأن المقصود بقولهم في تعريف الفرض بأنه ما ثبت بدليل قطعي يعنون به ما ثبتت مشروعيته، بل المقصود: ما ثبت لزومه بدليل قطعي الثبوت، سواء أكانت دلالة الدليل على اللزوم ظنية أو قطعية.
وأوافقكم الرأي على أن هذا المعيار في التفريق لا يطرد عندهم، إذ يغفل بعضهم في مجاري الفقه عن هذا الضابط ويسير مع اصطلاح الجمهور. وهذا جار عندهم في اصطلاحات أخرى يقررونها ثم لا تجدهم يلتزمونها فقها ولا حتى أصولا، كمصطلحي الظاهر والنص.
ومع هذا فالبناء الفقهي الحنفي العام وأصول المذهب يدلان بوضوح على ملاحظة مؤسسي المذهب وجود مراتب في الإلزام والتحريم وقد انبنى على ذلك آثار فقهية مهمة ميزت الفقه الحنفي عن فقه الجمهور. من ذلك مثلا تفريقهم بين الفرض والواجب في الصلاة، بأن الفرض (وهو ما ثبت لزومه بدليل قطعي الثبوت) تبطل الصلاة بتركه، بخلاف الواجب الذي تصح الصلاة بتركه مع الإثم.
والمقصود هنا أن الحنفية (ويشاركهم في ذلك المالكية إلى حد ما) في بنائهم الفقهي لا يجعلون السنة (خبر الواحد) في مرتبة الكتاب بخلاف الشافعية وأهل الحديث. وقد أشار الشاطبي رحمه الله إلى أن التفريق بين الفرض والواجب ينبني على هذا الأصل عند الحنفية.
وبغض النظر عن مدى التزام الحنفية بهذا الأصل في مجال التطبيق، إلا أنه في نظري ينبني على أساس نظري متين يحسن اعتباره والبناء عليه في الفقه المعاصر.

د. نعمان مبارك جغيم
12-08-08 ||, 07:30 AM
أخي د. نعمان بارك الله فيكم
ما أردته من تلك النقول ليس هو القول بأن الحنفية يعتمدون قطعية الدلالة مع قطعية الثبوت معيارين للتفريق بين الواجب والفرض. فهذا بعيد عن تصرفاتهم وتمثيلاتهم وإن احتملته ظواهر بعض تعريفاتهم. وإنما هم يعتمدون معيارا واحدا هو قطعية ثبوت الدليل الذي فُهم منه الإلزام. أما الدلالة على الإلزام فسواء أكانت ظنية أو قطعية فلا دخل لها في الفصل بين الواجب والفرض.
يقول ابن عابدين: "بيان ذلك أن الأدلة السمعية أربعة: الأولى: قطعي الثبوت والدلالة كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي التي مفهومها قطعي. الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآية المؤولة. الثالث: عكسه كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. الرابع: ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني. بالأول يثبت الفرض والحرام، والثاني والثالث الواجب وكراهة التحريم، وبالرابع السنّة والمستحب." (حاشية ابن عابدين، ج1، ص207)

د. أيمن علي صالح
12-08-08 ||, 11:39 PM
يقول ابن عابدين: "بيان ذلك أن الأدلة السمعية أربعة: الأولى: قطعي الثبوت والدلالة كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي التي مفهومها قطعي. الثاني: قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآية المؤولة. الثالث: عكسه كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. الرابع: ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني. بالأول يثبت الفرض والحرام، والثاني والثالث الواجب وكراهة التحريم، وبالرابع السنّة والمستحب." (حاشية ابن عابدين، ج1، ص207)
لا يبدو لي دقيقا هذا الذي قاله ابن عابدين، لا سيما والحنفية يقولون بفرضية أشياء لا يكفرون المخالف فيها، ولو كانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة لكفروا المخالف فيها. ومما يظهر فيه عدم الدقة أبضا، قوله بأن أخبار الآحاد ظنية الدلالة يثبت بها السنة والمستحب فقط وهذا لا يقول به أحد لا الحنفية ولا سواهم, وكم من فعل أوجبه الحنفية بخبر آحاد ظني الدلالة بل وحتى بالقياس والاستحسان وهما أضعف من خبر الآحاد بكثير.

د. نعمان مبارك جغيم
12-08-09 ||, 05:15 AM
لا يبدو لي دقيقا هذا الذي قاله ابن عابدين، لا سيما والحنفية يقولون بفرضية أشياء لا يكفرون المخالف فيها، ولو كانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة لكفروا المخالف فيها. ومما يظهر فيه عدم الدقة أبضا، قوله بأن أخبار الآحاد ظنية الدلالة يثبت بها السنة والمستحب فقط وهذا لا يقول به أحد لا الحنفية ولا سواهم, وكم من فعل أوجبه الحنفية بخبر آحاد ظني الدلالة بل وحتى بالقياس والاستحسان وهما أضعف من خبر الآحاد بكثير.
الذي يبدو أن الأمر مضطرب عندهم، حيث تجد اختلافا في أقوالهم وحتى في أقوال العالم الواحد في المواضع المختلفة، والأمر شبيه بما تجده من حيرتهم في تعريف الاستحسان وبيان حقيقته. وسبب ذلك كله يعود إلى أن أئمة المذهب لم يصرحوا بضابط لذلك، ويبدو أنهم لم يكونوا يتحرون الانضباط في استعمال تلك الاصطلاحات، ولكن المتأخرين حاولوا في تخريجاتهم ضبط ما لا ينضبط، فوقع ذلك الاضطراب.
ونصوصهم تحتمل ما قلتَه أنت وما قلتُه أنا، ويبدو أنهم يستعملون هذا وذاك حسب ما يحتاجون إليه في تبرير الفرع الفقهي محل البحث. وقد أثبتوا فرائض بأخبار آحاد فلما اعترض عليهم قالوا إنها اشتهرت حتى صارت في قوة القطعي أو أنها التحقت ببيان ما جاء في القرآن فأخذت حكمه.

د. نعمان مبارك جغيم
16-02-15 ||, 04:46 AM
تم كتابة بحث مفصّل في الموضوع، وهو موجود على الرابط الآتي:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد