المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قضاء الصوم عن الشخص المتوفي



فايز هادي سالم
12-08-24 ||, 05:12 PM
ارجوا من الاخوان ان يفيدونا في موضوع القضاء في الصيام عن الام حسب الحديث المذكور ادناه
حدثنا عبدالله، حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها قال: " أرأيت لو كان على أمك دين أما كنت تقضينه". قالت: بلى. قال: "فدين الله عز وجل أحق".

مسند الامام احمد بن حنبل

صلاح الدين
12-08-24 ||, 11:48 PM
ذهب الحنفية إلى أنه لا يصوم أحد عن أحد، فمن مات وعليه صوم فرض أطعم عنه لكل يوم مسكينًا[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).

وقال المالكية: لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي به[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)،
أما مذهب الشافعية فيقرره الماوردي فيقول:" إذا وجب عليه صيام أيام من نذر أو كفارة أو قضاء فلم يصمها حتى مات، فله حالان:
أحدهما: أن يموت بعد إمكان القضاء.
والثاني: أن يموت قبل إمكان القضاء، فإن مات قبل إمكان القضاء سقط عنه الصوم ولا كفارة في ماله، وإن مات بعد إمكان القضاء، سقط عنه الصوم أيضا ووجب في ماله الكفارة عن كل يوم مد من طعام، ولا يجوز لوليه أن يصوم عنه بعد موته، هذا مذهب الشافعي في القديم والجديد، وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو إجماع الصحابة.
وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور: يصوم عنه وليه إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه، وقد حكى بعض أصحابنا هذا القول عن الشافعي في القديم، قال: لأنه قال وقد روي في ذلك خبر فإن صح قلت به، فخرجه قولا ثانيا، وأنكره سائر أصحابنا أن يكون للشافعي مذهبا[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3) "
والحنفية خرجوا تركهم العمل بالأحاديث المبيحة لمخالفة الراوي لمرويه. فابن عباس وعائشة قد عملوا بخلاف ما أخبروا عن النبي- صلى الله عليه وسلم.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) المبسوط (3/89).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) بداية المجتهد(2/62)،

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) الحاوي الكبير (3/452).

سما الأزهر
12-08-25 ||, 04:30 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من منطوق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور أعلاه في عجز السؤال يتضح أن شهر الصوم المذكور فيه إما شهر رمضان ، أو نذر ، أو بقية كفارة ، وهذا يعني أنه صوم واجب ، وعليه إذا كان على الأم قضاء صوم واجب فاتها فإما أن تكون على قيد الحياة أو متوفاه ، فإن كانت على قيد الحياة وعجزت عن القضاء سواء أمكنها القضاء فيما مضى أم لا فيلزمها لكل يوم أفطرت فيه كفارة ، وهو ترجع في قدرها إلى مايفتى به في بلدها .
أما إن كانت متوفاة ويعلم أهلها أن عليها دين صوم ، حتى ولو لم توصي بذلك ؛ فقد يكون فاجئها الموت ولم تتمكن من الوصية ، أو ليس عندها علم بجواز الوصية بهذا ، أو أوصت ونسي الموصى له ، وعليه فهم مخيرون بين أمرين :
الأول : الإطعام
الثاني : الصيام عنها ، وهذا هو الواضح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
والله تعالى أعلى وأعلم

عمرو بن الحسن المصري
12-12-03 ||, 11:26 PM
السلام عليكم

مَسْأَلَةُ ’’قَضَاءِ النَّذْرِ عَنِ المُتَوفَّى‘‘..
هي من المسائل المنتقدة على الحنفية من كتاب الصوم، قد تعرض لشئ من التفصيل والتحرير فيها الدكتور كيلاني مُحمد خليفة في كتابه "منهج الحنفية في نقد الحديث" ص(413- 418) فليُراجعه من شاء.
تنبيه: قد جمع صاحب كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث الدكتور كيلاني في آخر باب بالكتاب المسائل المنتقدة على أبي حنيفة مُختارة ومرتبة على الكتب وفق منهجية ابن أبي شيبة -رحمه الله- في كتابه "الرد على أبي حنيفة مما خالف فيه الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ضمن مصنفه.

(1) حّدَّثَنَا ابنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهري عن عُبيدِاللهِ عن ابنِ عبَّاسٍ: أن سعدَ بن عُبادةَ استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نّذرٍ كان على أُمِّهِ وتُوُفِّيَتْ قبلَ أنْ تَقْضِيَهُ فقال: (اقْضِهِ عَنْهَا). أخرجه البخاري (2761)، ومُسلم (1638).
(2) حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ عن عبداللهِ بن عطاءْ عن ابن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءته امرأةٌ فقالت: إنه كان على أُمي صوم شهرين، أفأَصُومُ عنها؟ قال: (صُومي عنها)، قال: (أَرَأيت إن كان على أُمكِ دَيْنٌ أكان يُجزئُ عنها؟) قالت: بَلَى. قال: (فصُومي عنها). أخرجه مُسلم (1149).
(3) حدثنا عبدُالرحمِ عن مُحمدِ بنِ كُرَيْبٍ عن ابن عبَّاسٍ عن سِنَانِ بنِ عبداللهِ الجُهَنِيِّ أنَّهُ حَدَّثَتْهُ عَمَّتُهُ: أنها أتتِ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أُمِّي تُوُفِّيَتْ وعليها مَشْيٌ إلى الكعبة نَذْرًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتستَطيعينَ تَمْشِينَ عَنهَا؟) قالت: نعم. قال: (فَامْشِي عَن أُمِّكِ). قالت: أَوَيُجْزِئُ ذلك عَنها؟ قال: (نعم)- قال: (أَرَاَيتِ لو كان عليها دَيْنٌ قَضَيْتِه هل كان يُقبل منك؟) قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فدّيْنُ اللهِ أَحَقُّ). أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (6/ 82) رقم(3295)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 191) وعزاه للطبراني في الكبير، ثم قال: ومُحمد بن كُريب ضعيف. اهـ. ولم أجحده في مطبوعه الطبراني.
وذُكِرَ أن أَبَا حنيفة قال: لا يُجِزِئُ ذلك.

***
ذكرت هذه الأحاديث قضاء النذر عن الميت في عبادتين: الحج والصوم، وأبو حنيفة يُجيز النيابة في قضاء الحج ولا يُجيزه في الصوم، فمقصود ابن أبي شيبة الرد على أبي حنيفة في مسألة قضاء الصوم عن الميت -راجع التنبيه أعلاه-.
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على أنه: من مات وعليه صوم فاته بمرض أو سفر أو غيرهما من الأعذار، ولم يتمكن من قضائه حتى مات لا شئ عليه، ولا يُصام عنه ولا يُطعم عنه. وأما من مات بعد تمكنه من القضاء فلم يصمه، فذهب الحنفية والمالكية، وهو أشهر القولين عند الشافعية، وهو قول الثوري والأوزاعي وابن علية إلى أنه يُطعم عنه لكل يوم مسكين. وذهب الشافعية في أصح القولين في الدليل عندهم، والظاهرية وطاوس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبو ثور إلى أنه يُصام عنه. وقال أحمد وإسحاق والليث وأبو عُبيد: يُصام عنه صوم النذر ويُطعم عنه صوم رمضان. راجع: الموسوعة الفقهية (32/ 68)، والمجموع (6/ 414)، والمغني (3/ 39).
قال صاحب الهداية: ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يوم مسكينًا نصف صاع من بُرٍّ أو صاعًا من تمر أو شعير؛ لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره، فصار كالشيخ الفاني، ثم لابد من الإيصاء عندنا، خلافًا للشافعي رحمه الله، وعلى هذا الزكاة، وهو يعتبره بديون العباد؛ إذ كل ذلك حق مالي تُجرى فيه النيابة. ولنا أنه عبادة، ولا بد فيه من الاختيار، وذلك في الإيصاء دون الوراثة؛ لأنه جبرية، ثم هو تبرع ابتداءً حتى يعتبر منا لثلث، والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ، وكل صلاة تعتير بصوم يوم، هو الصحيح ولا يصوم عنه الولي ولا يُصلي لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد). اهـ. انظر: الهداية وشروحها: فتح القدير (2/ 357)، والعناية (2/ 357)، ونصب الراية (3/ 29)، وقال الزيلعلي في تخريج الحديث المذكور في آخر الكلام: غريب مرفوع، وروي موقوفًا على ابن عباس وابن عمر. فحديث ابن عباس: رواه النسائي في السنن الكبرى (2/ 175) عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة. وحديث ابن عمر: رواه عبدالرزاق في مصنفه (9/ 61)، ومالك بلاغًا (673) عن ابن عمر قال: لا يُصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن إن كنت فاعلًا تصدقت عنه أو أهديت. اهـ.
وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (2/ 62): العبادات على ثلاثة أضرب: ضرب عنها: عبادات المال لا تعلق له بالبدن كالزكاة فهذا يصح فيه النيابة. والضرب الثاني: له تعلق بالمال وله تعلق بالبدن كالحج والغزو، وقد اختلف أهل العلم في صحة النيابة فيه. والضرب الثالث: له اختصاص بالبدن ولا تعلق له بالمال كالصوم والصلاة، وهذا لا يدخله النيابة بوجه، وبه قال جمهور الفقهاء وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. اهـ.
قال النووي في المجموع شرح المهذب (6/ 414): من مات وعليه قضاء رمضان ففيه قولان مشهوران: أشهرهما: وهو المنصوص في الجديد أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام، ولا يصح صيام وليه عنه. والثاني: وهو القديم وهو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا، وهو المُختار أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، ويصح ذلك ويُجزئه عن الإطعام وتبرأ به ذمة الميت، ولكن لا يلزم الولي الصوم؛ بل هو إلى خيرته. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وكان الشافعي قال في القديم: قد روى في الصوم عن الميت شئٌ فإذا كان ثابتًا صيم عنه كما يُحج عنه.
قُلت -النووي-: الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب، للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا معارض لها ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي واتركوا قولي المُخالف له. وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق، والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بُريدة وحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخالف ذلك، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها. اهـ. وراجع: الأم (2/ 89)، وروضة الطالبين (2/ 381)، وشرح مُسلم للنووي (8/ 25)، والمنهاج وشروحه: تحفة المُحتاج (3/ 189)، ونهاية المُحتاج (3/ 189)، ومغني المُحتاج (2/ 172)، ومقدمة تحقيق كتاب "معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي" للإمام تقي الدين السُّبكي، للدكتور كيلاني، طبعة مؤسسة قُرطبة ص(40).
وقال ابن قدامة في المُغني (3/ 39): من مات وعليه صيام من رمضان بعد إمكان القضاء فالواجب أن يُطعم عنه لكل يوم مسكين، فأما صوم النذر فيفعله الولي عنه، وهذا قول ابن عباس والليث وأبي عُبيد وأبي ثور، والفرق بين النذر وغيره أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكمًا، لكونه لم يُجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه. اهـ. وراجع: الفروع (3/ 96).
قال أبو مُحمد بن حزم في المُحلى بالآثار (4/ 420): ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أو يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا -أوصى به أو لم يوص به- فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بد -أوصى بكل ذلك أو لم يوص- وهو مقدم على ديون الناس. اهـ.

-أدلة الجمهور:
استدل الجمهور بما رواه الترمذي (722)، وابن ماجه (1757) من طريق محمد بن عبدالرحمن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام شهر فليُطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا). قال أبو عيسى الترمذي: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله.
فابن أبي ليلى سيئ الحفظ -مُحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال عنه أحمد بن حنبل: كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال شُعبة: ما رأيت أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى. وقال أبو حاتم: محله الصدق كان سيئ الحفظ، شُغل بالقضاء فساء حفظه، لا يُتهم بشئ من الكذب إنما يُنكر عليه كثرة الخطأ، يُكتب حديثهولا يُحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وراجع: تهذيب الكمال (25/ 322)، وميزان الاعتدال (3/ 613)-، وقد خالفه الثقات فرَوَوْهُ عن نافع عن ابن عمر موقوفًا فقد رواه البيهقي من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وجويرية بن أسماء عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سُئِلَ عن الرجل يموت وعليه صوم من رمضان أو نذر يقول: لا يصوم أحد عن أحد ولكن تصدقوا عنه من ماله للصوم لكل يوم مسكينًا.
قال البيهقي في السنن الكبرى (4/ 254): هذا هو الصحيح موقوف على ابن عمر، وقد رواه مُحمد بن عبدالرحمن ابن أبي ليلى عن نافع فأخطأ فيه. اهـ. ومن المُقرر في القواعد لدى الحنفية أن الاختلاف في الحديث بالرفع والوقف لا يقدح في صحة الحديث عندهم؛ فالحديث عندهم مرفوع يُحتج به.
وقد استدلَّ الحنفية والمالكية بهذا الحدث على أن الإطعام يُجزئ عن صيام رمضان وصيام النذر، واستدلَّ به الحنابلة على صيام رمضان وحده.

-أدلة الشافعية والظاهرية:
1- روى البُخاري (1952) عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).
2- وروى أيضًا (1953)، ومُسلم (2749) من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: (نعم فدين الله أحق أن يُقضى).
3- وروى مُسلم (2753) عن بُريدة بن الحُصَيْب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. قال: فقال: (وجب أجرك وردها عليك الميراث). قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: (صومي عنها). قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: (حجي عنها).
وقد سبق حديث ابن عباس وبُريده من رواية ابن أبي شيبة بألفاظ مُختلفة فأحببت أن أوردها بألفاظ الصحيحين.

وقد أجاب الجمهور عن هذه الأحاديث بعدة أجوبة، كل جواب يُمثل المدرسة الفقهية التي ينتمي إليها ويتفق مع قواعدها.
فأجاب الحنفية بأن هذه الأحاديث منسوخة، دلَّ على ذلك قول رواتها بخلافها، فقد رُوي عن ابن عباس قال: لا يُصلي أحدٌ عن أحد، ولكن يُطعم عنه مكان كل يوم مدًّا من حنطة. رواه النسائي في الكبرى (2/ 157)، والطحاوي في مُشكل الآثار (3/ 173).
ورُوي عن عمرة بنت عبدالرحمن فقالت: سألت عائشة فقُلت لها: إن أمي توفيت وعليها رمضان أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: لا، ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك عنها. رواه الطحاوي في مُشكل الآثار (3/ 173).
قال الطحاوي في مُشكل الآثار (3/ 173): ولا يجوز أن يكون ذلك من ابن عباس وعائشة إلا بعد ثبوت نسخ ما سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولولا ذلك سقط عدلهما، وكان في سقوط عدلهما سقوط روايتهما، وحاشا لله عز وجل أن يكونا كذلك، وكلنهما على عدلهما، وعلى أنهما لم يتركا ما سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا إلى ما سمعاه منه مما قالا، والله نسأله التوفيق. اهـ. وراجع: المبسوط (3/ 89).
فأجاب الطحاوي عن حديث ابن عباس وعائشة ولم يتعرض لحديث بُريدة ابن الحصيب.
وأجاب المالكية عن هذه الأحاديث بمُخالفتها لعمل أهل المدينة، قال الإمام مالك في الموطأ رواية القعنبي ص(342) عقب حديث(524): لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحدًا منهم أمر أحدًا أن يصوم عن أحد ولا أن يُصلي عن أحد. اهـ.
وأجاب الحنالية عنها بأنها وردت في صيام النذر؛ لأنه قد جاء مُصرحًا به في بعض ألفاظه، فحملوا حديث ابن عمر على صوم رمضان، وحديث عائشة وابن عباس وبُريدة على صوم النذر، وأيّدوا ذلك بما روي عن ابن عباس: في امرأة توفيت أو رجل وعليه رمضان ونذر شهر فقال: يُطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا ويصوم عنه وليه لنذره. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 254).

ويتضح مما سبق أن الحنفية لم يأخذوا بهذه الأحاديث لاعتقادهم نسخها، ويرون أن ذلك هو اللائق بمقام الصحابة رضوان الله عليهم، فحُسن الظن بهم يقتضي أنهم لم يُخالفوا ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لثبوت نسخه عندهم، والقول بنسخ الحديث لا يُعد مُخالفة له، كما ادعى ابن أبي شيبة ذلك على الحنفية في هذه المسألة -راجع التنبيه أعلاه-.

والله أعلم.

فايز هادي سالم
13-08-02 ||, 11:06 AM
بارك الله فيكم جميعا

عمرو بن الحسن المصري
13-10-22 ||, 12:02 AM
السلام عليكم


بارك الله فيكم جميعا
وفيك بارك الله.

وضاح أحمد الحمادي
13-10-22 ||, 03:54 AM
كتب في الموضوع الأخ الفاضل محمود بن نعمان البركاني في ملتقى دار الحديث بمأرب في الموضوع وعقبنا عليه وأنقلهما هنا للفائدة



قضاء الصوم عن الميت

إعداد الأخ الفاضل أبي صهيب محمود بن نعمان البركاني

راجعه شيخنا أبي الحسن السليماني حفظه الله


صورة المسألة:
شخص أفطر في رمضان لعذر ثم مات قبل أن يقضي ما أفطره ؛ فله حالتان:
1- أن يستمر به العذر حتى يموت.
2- أن يزول عذره فيفرط في القضاء فيدانيه الأجل.
بحث المسألة :
أولاً: من استمر به العذر حتى مات.
نقل البغوي في شرح السنة (6/327) والعمراني في البيان (3/545) الإجماع على أنه ليس عليه شيء ، قلت: وهذا الإجماع فيه نظر، فقد صح عن طاووس كما عند عبد الرزاق رقم (7627) وقتادة كما عند عبد الرزاق أيضاً (7637) أنها قالا بالإطعام عنه , وحكي هذا القول عن ابن عباس.
قلت: أما ابن عباس فقد رواه عنه أبو داود أنه قال: (( إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه , ولم يكن عليه قضاء ... )) انظر سنن أبي داود (4/26) مع عون المعبود.
وجملة: (لم يصح) ليست في كل النسخ التي رويت عن أبي داود , ولم أدر من تفرد بها من تلامذته والذي في بقية النسخ: (ولم يصم).
وهذا القول رواية للحنابلة , قال في الفروع (3/93): وإن أخر القضاء حتى مات , فإن كان لعذر ؛ فلا شيء عليه , نص عليه , ولعدم الدليل، و[في] التلخيص رواية يطعم عنه كالشيخ الهم([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn1)). والفرق أنه يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت , وقال في الانتصار: يحتمل أن يجب الصوم عنه أو التكفير كمن نذر صوماً , وانظر المبدع شرح المقنع (3/44)، والإنصاف (3/302).
قلت: فهذا مذهب , والمذهب الثاني وهو القول بأن لا شيء عليه , ذهب إليه الجمهور، وبعضهم نقل الإجماع عليه كما مر معنا ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn2)).
أدلة الفريقين:
أ- استدل القائلون بالإطعام عنه بالقياس، وذلك أنه صوم واجب , سقط بالعجز عنه , فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه. انظر المغني (3/82).
ب- واستدل القائلون بعدم الصوم أو الإطعام بالآتي:
1- أنه حق لله تعالى , وجب بالشرع , فسقط بموت من يجب عليه قبل إمكان فعله إلى غير بدل كالحج. معونة أولى النهى (3/83)، والمبدع شرح المقنع (3/44)، والمجموع شرح المهذب (6/368).
2- لأن وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيام أخر بالنص , ولم يدركه . الشرح الممتع (6/452-453).
3- ولأن المرض لما كان عذراً في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج ؛ فلأن يكون عذراً في إسقاط القضاء أولى. المبسوط للسرخسي (3/89).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (( لأنه لم يجب عليه الصوم قضاء ولا أداء , فلم تجب عليه الكفارة كالمجنون والصبي , فإن قيل: فالمريض الذي لا يُرْجَى برؤه قد أوجبتم عليه الكفارة، وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنـزلته.
ثم الوجوب في الذمة لا يشترط فيه التمكن من الفعل كالصلاة والزكاة , فإذا استقر وجوب الصلاة والزكاة أيضاً في الذمة قبل التمكن ؛ فكذلك الصوم أولى، وإذا استقر في ذمته ؛ فلا بد من الكفارة بدلاً عن ذلك الواجب.
قلنا: المريض الميؤوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل ؛ ولهذا لم يجب الصوم في ذمته، ولا يجب عليه القضاء البتة، ولا بد من البدل وهو الفدية.
أما المريض المرجو والمسافر فهما عازمان على القضاء بشرط القدرة , فلا يجمع عليهما واجبان على سبيل البدل([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn3)) ...
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن , فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته، لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن، فأما إذا لم يتمكن من القضاء فإنه يموت غير آثم بلا تردد، كما لو حاضت في أثناء الوقت , وماتت قبل الطهر، أو تلف النصاب قبل التمكن من الإخراج وليس له ما يخرج غيره، ومات قبل اليسار، ونحو ذلك؛ وذلك لأن تكليف ما لا يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في الشرائع , فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل، وأما مع انتفائهما فمحال. ا.هـ كتاب الصيام من شرح العمدة (1/452-453).
قلت: الذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يلزمه شيء من قضاء ولا إطعام.
وأما ما جاء عن ابن عباس في ذلك فقد سبق القول أن جملة (لا يصح) ليست في كل نسخ أبي داود , ولا ندري رواية من هي عن أبي داود , ولم يروها غير أبي داود، ولو سلمنا أنها صحيحة فإنها معارضة بما رواه عبد الرزاق في مصنفه (7630) عن ابن عباس أنه في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضاً حتى يموت، قال: (( ليس عليه شيء، فإن صح فلم يصم حتى مات , أطعم عنه ... )) والأثر صحيح .
ثانياً: من زال عذره [برأ من مرضه أو عاد من سفره أو نحو ذلك] ثم فرط في القضاء حتى مات.
فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، وهناك من قد يوصلها إلى أكثر من ذلك باعتبار ما بين أصحاب المذهب الواحد من خلاف. وفي هذا البحث المختصر سأقتصر على ذكر الثلاثة المذاهب المشهورة حسب تقسيم أكثر أهل العلم , مع التنبيه على بعض الخلاف الذي يحدث بين أهل المذهب الواحد بحسب الحاجة. والمذاهب الثلاثة هي:
المذهب الأول:
يصام عنه ما أفطره من الصيام مطلقاً سواء كان صوم رمضان أو نذر أو كفارة أو فدية قضاء. وهذا مذهب طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبي ثور وداود وسعيد بن المسيب والليث والأوزاعي , ونسبه الخطابي في معالم السنن (3/279) مع مختصر المنذري إلى أحمد وإسحاق , وهو قول الشافعي في القديم , وبه قالت الظاهرية وهو قول جماعة من الحنابلة كما في الإنصاف (3/302) قال النووي في شرح صحيح مسلم (8/24) وهو القول الصحيح المختار الذي نعتقده , وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث.
وقال البيهقي في الخلافيات: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها. نقله عنه النووي في المجموع (6/415-416) والحافظ في الفتح (4/193) , وهو قول لشيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (25/269) فيمن تطوع بصوم أو صلاة وأهداه للميت, وهو مذهب الصنعاني في سبل السلام، والشوكاني في النيل، وإليه ذهب الشيخ عبد الرحمن السعدي والبسام والعثيمين رحمهم الله جميعاً.
أدلة هذا المذهب: استدل أهل هذا المذهب بأدلة كثيرة منها:
1- قوله تعالى: (( من بعد وصية يوصى بها أودين ))[النساء:11] ذكر ابن حزم - رحمه الله - هذا الجزء من الآية دليلاً للقول بالصوم عن الميت , ولم يذكر وجه الدلالة , وعلى لسان حاله يقول: إن الآية عامة فتشمل كل دين , والصوم الواجب على الميت دين في ذمته، فلا بد من قضائه عنه، والذي يقضي عنه الولي , فعلى الولي أن يصوم عن قريبه الميت. انظر المحلى (7/2) وكتاب النيابة في العبادات للدكتور صالح الهليل ص (197).
2- حديث عائشة ر ضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من مات وعليه صيام يصوم عنه وليه )). رواه البخاري في صحيحه رقم (1952)، ومسلم (1147) وغيرهما .ورواه البزار كما في كشف الأستار (1/481) بزيادة ( إن شاء ) , وقال: لا نعلمه عن عائشة إلا من حديث عبيدالله بن أبي جعفر , ورواه عنه يحيى بن أيوب وابن لهيعة, وقال الحافظ في التلخيص الحبير (2/399): وهي ضعيفة ؛ لأنها من طريق ابن لهيعة.
قال الألباني رحمه الله: (( هذه الزيادة ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة والمؤلف [صاحب فقه السنة] كأنه تبع في تحسينها صديق خان في الروضة , وهو تبع الهيثمي في المجمع وهو خطأ وتساهل منهم جميعاً. ا.هـ تمام المنة ص (427-428) قلت: وقد تابع ابن لهيعة يحيى بن أيوب الغافقي وهو ضعيف أيضاً , وخالفهما عمرو بن الحارث ؛ فرواه عن عبيد الله بن أبي جعفر بدون الزيادة فتكون روايته هي المحفوظة. والله أعلم.
ووجه الدلالة: أن كلمة صيام نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم , يعني : أي صيام كان سواء كان رمضان أو نذر أو غيرها.
3- حديث ابن عباس أن أمرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، قال: فقال: " أرأيت لو كان عليها دين أما كنت تقضينه؟ " قالت: بلى، قال : " فدين الله عز وجل أحق " .
رواه البخاري معلقاً (1953)، ومسلم (2/804)(748) وغيرهما . وفي رواية أن السائل رجل , وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : " فدين الله أحق أن يقضى " رواه البخاري (1210)، ومسلم (2/804) وغيرهما .
4- حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه - قال: بينا أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية , وإنها ماتت، فقال: " وجب أجرك , وردها عليك الميراث " فقالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: " صومي عنها " ، قالت: إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: " حجي عنها " .
رواه مسلم (1194)، وأبو داود (2877)، (3309)، والترمذي (667)، وغيرهم . وفي رواية: (( إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. قال: صومي مكانها )) رواه مسلم (2/805)، وعبد الرزاق في المصنف (7645)، وفي رواية صوم شهرين. رواه مسلم (2/805)، وابن أبي شيبة (2/387).
ووجه الدلالة من الحديثين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر السائله بالصوم عن أمها الميتة. وفيه دلالة ظاهرة على أن الميت يصام عنه على الإطلاق ؛ وذلك للإطلاق في قول السائل: إنه كان عليها صوم شهر , فهذا يشمل رمضان وغيره ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل من السائل ؛ وترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال منـزل منـزلة العموم في المقال.
5- من المعقول: القياس على الحج، وبيانه: أن الصوم عبادة تجب الكفارة على من أفسدها , فجاز أن يقضى عنه بعد الموت قياساً على الحج.
وردوا على مخالفيهم بردود نرجئها إلى أن نذكر أدلتهم.
انظر المحلى مسألة رقم (775)، والمجموع (6/367)، والاستذكار (10/167)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/292)، وفتح الباري للحافظ ابن حجر (4/192)، وسبل السلام (2/335)، ونيل الأوطار (4/250)، والشرح الممتع (6/453) وغيرها .
المذهب الثاني:
لا يصام عنه لا رمضان ولا غيره , وإنما يطعم عن ذلك كله.
وهو مذهب جمهور العلماء , وروي عن عائشة وابن عباس وابن عمر , وهو قول عطاء , ورواية عن الحسن والزهري وإبراهيم , وهو مذهب أبي حنيفة وأصحاب مالك والليث والأوزاعي والثوري، وهو مذهب الشافعي في الجديد والمشهور عند أصحابه، ونقل القاضي عبد الوهاب المالكي والماوردي من الشافعية إجماع الصحابة على ذلك.
أدلة هذا المذهب: استدل أهل هذا المذهب بالآتي:
1- قوله تعالى: (( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ))[البقرة:184] قال الشافعي - رحمه الله - فقيل: (يطيقونه) كانوا يطيقونه , ثم عجزوا , فعليهم في كل يوم طعام مسكين. انظر مختصر المزني (1/115) مطبوع بحاشية الأم. أي: فكذلك الميت كان يطيقه ، فعجز ، فما على وليه إلا الإطعام.
2- قوله تعالى: (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر )) [البقرة:185] استدل به المالكية , قالوا: فتقديره: فليصم عدة، فأوجب على المكلف أن يصومه , وأن يصوم قضاءه بنفسه , فانتقى بذلك أن يصوم عنه غيره. الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب (1/446).
3- قوله تعالى: (( ولا تزر وازرة وزر أخرى ))[الأنعام:164] وقوله تعالى: (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ))[النجم:39].
ووجه الدلالة: أن الإنسان لا يتحمل جريرة غيره، ولا ينتفع بعمل غيره، ومن ثم لا يصوم أحد عن أحد لهذا المعنى.
4- حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من مات وعليه صيام شهر ؛ فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين )) ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn4)) ورواه الترمذي (6441)، وابن ماجة (1757) وغيرهما .
5- سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رجل مات وعليه صيام شهر رمضان , وعليه نذر صيام شهر آخر قال: (( يطعم عنه ستون مسكيناً )) كذا رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (6/178) ت. شعيب الأرناؤط. والأثر صحيح.
وممن صحح إسناده شعيب الأرناؤط في تحقيقه على شرح المشكل .
6- حديث الحجاج بن أرطأة عن عبادة بن نسِّي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى مات ؛ لم يطعم عنه , وإن صح فلم يقضه حتى مات ؛ أطعم عنه )). رواه عبد الرزاق في المصنف (7625).
قلت: وفيه ثلاث علل:
الأولى: في سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي متروك.
الثانية: الحجاج بن أرطأة: صدوق كثير الخطأ والتدليس.
الثالثة: الإرسال , فإن عبادة تابعي.
وقد ذكر السرخسي في المبسوط (3/89) مثله عن أبي مالك الأشجعي , ولم يذكر من أخرجه , ولم أقف عليه.
7- ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (7630) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضاً حتى يموت , قال: (( ليس عليه شيء , فإن صح فلم يصم حتى مات ؛ أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة )) وسنده صحيح وانظر المحلى (7/3).
8- عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً: (( لا يصوم أحد عن أحد , ولا يصلى أحد عن أحد , ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنظة )) رواه النسائي في المجتبى (3/175)، والبيهقي (4/257)، والطحاوي في شرح المشكل (6/177) وغيرهم .
قال ابن التركماني: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين خلا ابن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم. ا.هـ الجوهر النقي (4/257) بحاشية السنن الكبرى.
وصححه شعيب الأرناؤط في تحقيقه على المشكل.
9- عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت لعائشة: إن أمي توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: لا , ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم مسكين خير من صيامك.
رواه الطحاوي في شرح المشكل (6/178) وهو في إعلاء السنن (19/159)، ورواه ابن عبد البر في الاستذكار (10/172) من طريق يوسف بن عدي الكوفي عن عبده بن حميد عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة. ونقله ابن التركماني في الجوهر النقي (4/257) عن الطحاوي وصحح إسناده، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار ( 6/179) من طريق نعيم بن حماد عن جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن عمرة وفيه أن عائشة قالت لها: (( بل تصدقي مكان كل يوم على مسكين نصف صاع )) ونعيم بن حماد سيء الحفظ. لكن الأثر صحيح بما قبله وبدون زيادة: (نصف صاع).
وروى الطحاوي في المشكل (6/178-179)، والبيهقي في الكبرى (4/257) عن عمارة بن عمير قال: (( ماتت مولاة لابن أبي عصيفر، عليها صوم شهر فقالت عائشة رضي الله عنها: (( أطعموا عنها )) وسنده صحيح.
10- ما أخرجه مالك في الموطأ رقم (674) أنه بلغه عن ابن عمر أنه قال: (( لا يصوم أحد عن أحد , ولا يصلي أحد عن أحد )).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16346) عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد: (( ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه أو أهديت )).
وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (3/141)، والبيهقي (4/254)، وانظر نصب الراية (1/449).
11- حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له )) أخرجه مسلم في صحيحه (1631)، وأحمد (2/372) وغيرهما.
ووجه الدلالة فيه: أن الأمور التي ينتفع بها الميت قد حصرت فلا ينتفع بغيرها.
12- إجماع الصحابة نقله القاضي عبد الوهاب المالكي في عيون المجالس (2/65)، والماوردي في الحاوي (3/452) .
13- القياس على الشيخ الفاني وقد مر في الدليل الأول .
14- أن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة حال الحياة , فلا تدخلها النيابة بعد الموت كالصلاة. قال السرخسي في المبسوط (3/89): (( ثم الصوم عبادة لا تجزئ النيابة في أدائها في حال الحياة , فكذلك بعد الموت كالصلاة ؛ وهذا لأن المعنى في العبادة كونه شاقاً على بدنه ولا يحصل ذلك بأداء نائبه , ولكن يطعم عنه لكل يوم مسكيناً ؛ لأنه وقع اليأس عن أداء الصوم في حقه , فتقوم الفدية مقامه , كما في حق الشيخ الفاني. وانظر الإشراف للقاضي عبد الوهاب (1/446)، والاستذكار (10/173).
هذا جملة ما استدل به أهل هذا المذهب، وردوا على أهل المذهب الأول بعدة ردود هي:
أولاً: وجهوا حديث عائشة: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )) عدة توجيهات كالتالي:
1- تأول بعضهم ذلك على الإطعام، قالوا: معناه: ( إن أطعم عنه وليه فكأنه قد صام عنه ) سمي الإطعام صياماً على طريق المجاز والاتساع ؛ لأنه ينوب عنه. قاله البغوي في شرح السنة (6/326)، وانظر البيان للعمراني (3/547)، وقال الماوردي: (( وهو نظير قوله: (( التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء )) قال: فسمي البدل باسم المبدل فكذلك هنا [أي: سمي التراب وضوءًا] نقله عنه الحافظ في الفتح (4/194).
2- قال ابن الهمام في فتح القدير ما نصه: وفتوى الراوي وهو ابن عباس - رضي الله عنهما - وعائشة هناك على خلاف مرويه بمنـزلة روايته للناسخ , ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار. وكذا قال صاحب إعلاء السنن في شرحه (9/161)، وقال الطحاوي - رحمه الله – في شرح المشكل (6/180): ولا يجوز أن يكون ذلك منهما إلا بعد ثبوت نسخ ما سمعاه من النبي - صلى الله عليه وسلم – فيه ولو لا ذلك سقط عدلهما , وكان في سقوط عدلهما سقوط روايتهما. ا.هـ.
3- أما المالكية فقالوا: إن الأصول تعارضه، وذلك أنه كما أنه لا يصلي أحد عن أحد , ولا يتوضأ أحد عن أحد , كذلك لا يصوم أحد عن أحد. انظر بداية المجتهد (2/175).
4- قالوا: كذلك يصرف عن ظاهره بقوله تعالى: (( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى )) [الأنعام:164] وقوله تعالى: (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ))[النجم: 39] فيحمل على أنه يفعل ما ينوب مناب الصوم من الصدقة والدعاء اهـ المفهم للقرطبي (3/209)، والذخيرة للقرافي (2/524).
5- أن الحديثين فيهما اضطرب وبيان ذلك: أن الرواة بعضهم ذكر أن السؤال وقع عن نذر , فمنهم من فسره بالصوم , ومنهم من فسره بالحج , ومنهم من ذكر أن السائل رجل , ومنهم من ذكر أن السائل امرأة ..... الخ.
ثانياً: أما حديث ابن عباس الذي فيه أن المرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن أمي ماتت أو أختي ماتت ... الحديث فقال النبي - صلى الله عليه وسلم – للولي: (( صم عنها )) فهو الصوم الذي يمكن النيابة فيه وهو الصدقة عن التفريط في الصيام. قاله في اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (1/403) للإمام المنبجي من الحنفية.
ثالثا: من قال: إن الصيام كالحج يجاب عليه بأن الحج تدخله النيابة في الحياة , ولا تدخل الصوم النيابة في الحياة بلا خلاف. هكذا قال النووي في المجموع (6/369) وابن عبد البر في الاستذكار (10/167).
رابعاً: قالت المالكية: لم يعمل بهذا الحديث أهل المدينة. المفهم للقرطبي (3/209) وغيره. وهذا مبني على أن تركهم الحديث حجة عند المالكية.
انظر المدونة الكبرى (1/87) والحجة على أهل المدينة (1/401) لمحمد بن الحسن ومختصر المزني (1/115-116)، مطبوع بحاشية الأم، والإشراف للقاضي عبد الوهاب المالكي (1/445) الاستذكار (10/167)، والسنن الكبرى للبيهقي (4/256)، والبيان شرح المهذب للعمراني (3/546)، الحاوي للماوردي (3/452)، والمجموع شرح المهذب للنووي (6/370)، وفتح الباري للحافظ ابن حجر (4/194)، وبداية المجتهد (2/247)، اسداء المنن شرح إعلاء السنن (9/160-161) وغيرها.
تنبيه: هناك اختلافات في هذا المذهب وفروع ضربت عنها صفحاً ؛ لأن دراستها فرع عن ترجيح هذا المذهب , ومن ذلك اختلافهم في الإطعام هل يكون بوصية من الميت أم لا، وقد ذكر ابن رشد في بداية المجتهد (2/175)، فوارق بين المذاهب الثلاثة فالشافعي يقول بالإطعام أوصى أم لم يوص , ومالك قال: لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي , وأبو حنيفة قال: يصام عنه فإن لم يستطع أطعم. ا.هـ
المذهب الثالث:
من مات وعليه صيام من فرض أو كفارة أو نحوها يطعم عنه وليه، وأما من كان عليه صوم نذر فليصم عنه وليه، وهذا مذهب أحمد , وتبعه جماعة من أصحابه , وهو المشهور في مذهبهم، وقول لأبي عبيدة والليث والزهري وطاووس والحسن وشيخ الإسلام ابن تيمية واختاره ابن القيم.
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قال: لا يصام عن الميت إلا في النذر، قلت لأحمد فشهر رمضان؟ قال: يطعم. ا.هـ
مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص (137).
أدلة هذا المذهب:
استدل أهل هذا المذهب بأدلة هي:
1- حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - :أن امرأة ركبت البحر , فنذرت أن تصوم شهراً , فماتت قبل أن تصوم , فأتت أختها [وفي رواية: قرابة لها. اختها أو بنتها، وفي رواية: أخوها] النبي - صلى الله عليه وسلم – فسألته , فأمرها أن تصوم عنها. رواه أحمد (1/216)، وأبو داود (3308)، والنسائي (3816) وغيرهم , والحديث صحيح .
2- عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقالت: (( إن أمي ماتت وعليها صوم من نذر [وفي رواية: إن أمي نذرت أن تصوم شهراً] فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أكنت قاضية على إمك لو كان عليها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك )) رواه البخاري تعليقاً (1953)، ومسلم في صحيحه (2/804)، والبيهقي (4/255)، والطبراني في الكبير (2364).
3- عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن سعد بن عبادة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم – عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه , فقال: (( اقضه عنها )) رواه البخاري (2761)، ومسلم (2638)، وغيرهما .
4- ما رواه عبد الرزاق في المصنف (7651) عن ابن التيمي عن أبيه أنه بلغه عن ابن عباس أنه قال: (( يطعم عنه مكان رمضان عن كل يوم مسكين , ويصوم عنه بعض أوليائه النذر )) , وابن التيمي هو معتمر بن سلميان , هو وأبوه ثقتان , إلا أن سليمان التيمي لم يسمع من ابن عباس كما يظهر , قال عبد الرزاق وذكره عثمان بن مطر عن سعيد بن أبي عروبة عن علي بن الحكم عن ابن عباس. قلت: ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (12598) وعنه البيهقي (4/254) من طريق روح بن القاسم عن علي بن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس.
وروى أبو داود في السنن (2401) بسند صحيح عن ابن عباس: (( إذا مرض الرجل في رمضان , ثم مات ولم يصم أطعم عنه , ولم يكن عليه قضاء , وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه )).
5- أثر عمرة عن عائشة وقد تقدم برقم (9) من أدلة المذهب الثاني.
قالوا: فعائشة وابن عباس رضي الله عنهما رويا حديث الصوم عن الميت , وأمرت عائشة عمرة بالإطعام عن أمها في صوم الفرض , وكذا ابن عباس , وإنما قال يقضي صوم النذر , وراوي الحديث أعلم بتأويله.
6- أن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة , فكذلك بعد الوفاة كالصلاة.
وفرقوا بين النذر وغيره بأن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها والنذر أخف حكماً ؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه فلا يقاس الأثقل على الأخف. انظر الشرح الممتع (6/455).
قال ابن القيم - رحمه الله - : سر الفرق أن النذر التزمه المكلف لما شغل به ذمته , لا أن الشارع ألزمه به ابتداء , فهو أخف حكماً مما جعله الشارع حقاً له عليه ..... تهذيب السنن (3/279).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: الفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محله الذمة , وقد وجب بإيجابه , وهو لم يوجب على نفسه إلا الصوم فقط، فإذا فعل عنه، فقد أدي عن نفسه ما أوجبه، ولو أطعم عنه، لم يكن قد أدي عنه الواجب ؛ ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه , فإذا عجز عنه فهو في عهدته , والصوم إنما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإذا عجز، ففي ماله، فإذا عجز عن الأصل انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه. ولهذا لم يوجب الله عليه الصوم إلا ما يطيقه , وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنه بدله الإطعام، وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة؛ بخلاف النذر. ا.هـ
كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الإسلام (1/373-374).
هذا جملة ما استدل به القائلون بقضاء صوم النذر دون غيره , وردوا على مخالفيهم بعدة ردود هي:
أولاً: حملوا حديث عائشة وابن عباس على صوم النذر، قالوا: لأنه قد جاء مصرحاً به في بعض ألفاظه , وهما راويان للحديث فدل على ما ذكرناه ؛ لأن الراوي أعلم بما روى. انظر المغني (3/82-83)، والفروع (3/94).
وقالوا : بأن حديث عائشة مطلق , وحديث ابن عباس مقيد ؛ فيحمل عليه , ويكون المراد بالصيام صيام النذر. وانظر الفتح (4/193)، ونيل الأوطار (4/252).
ثانياً: ردوا على من قاس الصيام على الحج في جواز القضاء بردود منها:
1- لا يقاس الصوم بالحج في القضاء , لأن الصوم له بدل وهو الإطعام. قال شيخ الإسلام: فإن معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت، ولهذا لما كان البدل في الحج عن المعضوب أن يحج عنه غيره كان البدل في الميت أن يحج عنه غيره. كتاب الصيام من شرح العمدة (1/366).
2- يمكن أن يقال: إنه قياس على مسألة خلافية , والقياس على المسائل الخلافية لا يستقيم ؛ لأن من حق الخصم رده بقوله: هذا مذهبكم، ولست ملزماً به. اهـ النيابة في العبادات ص (202).
انظر مسائل أحمد برواية أبي داود السجستاني ص (137)، والمغني (3/82)، والفروع لابن مفلح (3/93-94)، والإنصاف (3/302) ، وشرح الزركشي على متن الخرقي (2/41-42) كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الإسلام (1/361)، وتهذيب السنن مع العون (4/25)، والشرح الممتع (6/452) وغيرها .
الترجيح:
وبعد هذا العرض للمذاهب وأدلتها يظهر لي - والله أعلم - أن الراجح في المسألة جواز قضاء الصوم عن الميت مطلقاً، سواء كان صوم رمضان , أو نذر , أو كفارة , أو فدية , أو نحو ذلك.
أسباب الترجيح لهذا القول:
1- العموم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( من مات وعليه صيام )) فإن صيام نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم في الصيام.
2- قول المرأة: (( إن أمي ماتت وعليها صوم شهر )) , ولم يستفصل منها النبي - صلى الله عليه وسلم – مع أن المقام يحتمل أن يكون صوم رمضان , أو صوم نذر , أو نحو ذلك، وترك الاستفصال في مقام الأحتمال ينـزل منـزلة العموم في المقال.
3- أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: (( فدين الله أحق أن يقضى )) , ودين الله كلمة عامة تطلق على كل ما كان من حق لله سواء افترض ابتداء من الشرع أو أفترضه الإنسان على نفسه كالنذر.
4- قد ثبت عن ابن عباس - بسند صحيح - أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقالت: إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين , قال: (( أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فحق الله أحق )).
رواه ابن ماجة (1750)، والترمذي (716) وغيرهما. وصحح الحديث العلامة الألباني - رحمه الله – كما في صحيح سنن الترمذي وابن ماجه([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn5)). وموضع الاستدلال قولها "شهرين متتابعين"، وجه الاستدلال: أن صيام الشهرين المتتابعين غالبًا ما يكون في الكفارات، فيحمل هذا الدليل على الغالب كما هو الأصل في التشريع.
وقد فهم بعض من أخرج الحديث هذا الفهم، فقد بوب عليه الإمام ابن خزيمة: باب: الدليل على أن المجامع إذا وجب عليه صيام شهرين متتابعين ففرط في الصيام حتى تنـزل به المنية؛ قضي الصوم عنه كالدين. وبوب ابن حبان في صحيحه: ذكر الخبر الدال أن المواقع أهله في رمضان إذا وجب عليه صيام شهرين متتابعين ففرط فيه إلى أن نزلت المنية به؛ قضي الصوم عنه بعد الموت.
فهذا فقه زائد على من فقه من الحديث أنه صوم نذر، وهذا الفقه من هذين الإمامين أنسب؛ لأنه على الأغلب.
5- وأما ما استدل أهل المذهب الثاني والثالث وكذا ما ردوا به على أهل هذا المذهب فالجواب عليه كما يلي.
أولاً: الجواب على ما استدل به أهل المذهب الثاني –وهم القائلون بالإطعام مطلقًا عمن مات وعليه صيام-:
1) استدلال الشافعي - رحمه الله – بالآية: (( وعلى الذين يطيقونه... )) الآية، وقياسه للميت بالشيخ الفاني بعلة العجز. يجاب عليه بأن هذا قياس في مقابلة نص فلا يؤخذ به، ورحم الله الشافعي، لو بلغه الدليل أو ظهر له لتبعه، قال البيهقي - رحمه الله -: ولو وقف الشافعي - رحمه الله – على جميع طرقها [الأحاديث الآمرة بالصوم عن الميت] وتظاهرها، لم يخالفها -إن شاء الله-. السنن الكبرى (4/257). وقال النووي - رحمه الله -: ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي [القول بقضاء الصوم عن الميت]؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ا.هـ. المجموع (6/370).
2) من استدل بقوله تعالى: (( ولا تزر وازرة وزر أخرى)). قلنا له: لا نخالفك في قولك، فنحن لا نقول بتحمل الولي للوزر إن لم يقض الصوم عن الميت لأننا لا نرى وجوب القضاء عليه كما سيأتي، لكن هذه الآية لا تمنع من استحباب الصوم عنه، أما من استدل بقوله تعالى: (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )). فيجاب عنه: بأن هذه الآية عامة، وقد خصصت بالسنة أن الإنسان ينتفع من صوم غيره عنه حينما تشتغل ذمته به ا.هـ. النيابة في العبادات ص (203).
3- أما استدلال المالكية بقوله تعالى: (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه .... الآية )) بأن المكلف يصومه ويقضيه بنفسه فتنتفي نيابة غيره عنه. فيجاب عنه بقولنا: نعم قد يستدل بهذه الآية على انتفاء النيابة حال الحياة على -خلاف في المسألة- أما أن نقيس عليها امتناع النيابة بعد الموت فهذا قياس في مواجهة نص، فلا يستقيم القول به.
4- أما استدلالهم بحديث ابن عمر مرفوعاً في الإطعام على من مات وعليه صيام.
فالجواب عليه من ناحيتين:
الأولى: من الناحية الحديثية فقد مر معنا ضعف الحديث وسبب ذلك.
الثانية: لو سلمنا بصحته ورفعه؛ فإننا لا نسلم بأنه يمنع الصوم عن الميت، كل ما فيه هو الأمر بالإطعام عنه، ولم يتعرض للصوم عن الميت لا بنفي ولا بإثبات. انظر شرح مسلم للنووي (8/24-25).
5- أما أثر ابن عباس في الإطعام فسيأتي الكلام عليه عند الرد على المذهب الثالث، وكذا أثر عمرة عن عائشة وأثر ابن عمر.
6- أما حديث عبادة بن نسِّي فضعيف، وقد سبق بيان ضعفه.
7- أما استدلالهم بحديث أبي هريرة مرفوعاً: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله ..... )) فالجواب:
إنما فيه إخبار عن انقطاع عمل الميت وليس فيه دليل على انقطاع عمل غيره عنه أصلا، ولا المنع من ذلك. انظر المحلى (6/193).
8- أما ما نقله القاضي عبد الوهاب والماوردي من إجماع الصحابة على الإطعام مطلقاً. فالجواب:
أنه لم يقم إجماع الصحابة على ذلك، كيف وحبر الأمة ابن عباس قد قال بقضاء الصوم عمن مات وعليه نذر، وهذا يخالف لما ادعوه.
ثانياً: الجواب على ما ردوا به على أهل المذهب الأول:
1- ما تأوله بعضهم في حديث عائشة أن الصيام المقصود به الإطعام وسمي الإطعام صياماً على طريق المجاز .....
الجواب: إن نقل اللفظ من حقيقة إلى مجاز يحتاج إلى علاقة وقرينة، فإن قلتم: العلاقة أن كلاهما ينوب عن صيام الفرض والقرينة ما ثبت عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، قلت: سلمت لكم في العلاقة، ولا أسلم لكم في القرنية من حيث الاستدلال. وسيأتي بيان ذلك في حينه، وعند انتفاء القرينه ينتفي حمل اللفظ على المجاز.
2- قول الطحاوي وغيره: بأن فتوى ابن عباس وعائشة بمنـزلة روايتهما للناسخ. أقول: هذه مسألة مشهورة عند الحنفية، خالفوا بها الجمهور، وهي: أن من أصولهم: أن عمل الراوي بخلاف ما روى، ولم يعرف من الحال إسناده في المخالفة لدليل، فإن ذلك يوجب الحكم بنسخ ما روي فلا يعتبر، وأما إذا استند إلى دليل فإن ظهر للمجتهد غلطه في استدلاله [أي: غلط الصاحب] بذلك الدليل، لا شك أنه لا يكون مما يحكم فيه بنسخ مرويه.
فتح القدير (3/7) [مسألة: رضاع الكبير هل تثبت به الحرمة؟] وعندهم عدم القول بهذا الأصل يعني: مخالفة الصاحب للدليل ومخالفته تستلزم فسقه.
قلت: نحن لا نسلم لهم بهذا الأصل، إذ أن ترك الراوي لما روي لا يعني تعمده المخالفة، وبالتالي لا يستلزم فسقه كما يقولون. فقد يتركه لاجتهاد، أو نسيان أو نحو ذلك مما سيأتي.
ولو سلمنا لهم بصحة أصلهم هذا قلنا لهم فالراوي وهو ابن عباس قد ثبت عنه القول بقضاء صيام النذر، وأنتم لا تقولون به. فإما أن تتركوا مذهبكم وتقولوا بقول الحنابلة، وإما أن تسقطوا القول بالنسخ هنا.
3- وأما قول المالكية بأن الأصول تعارضه، وذلك أنه لا يصلي أحد عن أحد ..... الخ.
فالجواب: نعم، هذا الأصل قائم في حالة عدم وجود عوارض وأعذار، أما في حالة وجود العوارض والأعذار، فلا دليل يمنع منه خاصة وقد وجدت نصوص آمره بالنيابة في مثل هذا الحال، وأما ما ثبت من آثار عن ابن عباس وابن عمر بمنع ذلك.
فالجواب عنه: أنه قد ثبت عنهما خلاف ذلك. أما ابن عباس فقد مر معنا قوله بقضاء صوم النذر، وأما ابن عمر فقد روى البخاري معلقاً عنه وعن ابن عباس أيضاً جواز قضاء الصلاة عن الميت. انظر البخاري مع الفتح (11/592) كتاب الأيمان والنذور باب: من مات وعليه نذر. قال الحافظ في التلخيص (2/399) فاختلف قولهما والحديث الصحيح أولى بالاتباع.
4- وأما استدلال القرافي بالآية: (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )) فقد مر الجواب عليه برقم (2) من الجواب على استدلالاهم.
5- وأما قولهم: إن الحديثين فيهما اضطراب، فالجواب: أن لا اضطراب فيهما، فكون السائل رجلاً أو امرأة، والمسئول عنه أختاً أو أماً، لا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن الميت ولا اضطراب في ذلك. قاله الحافظ في الفتح (4/195).
وأما تفسيرهم للنذر بانه صوم أو حج ...... الخ قال الحافظ: والذي يظهر أنهما قصتان، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية كما في رواية أبي حريز المعلقة، والسائلة عن نذر الحج جهنية ... الفتح (4/159) قال الإمام النووي - رحمه الله - : وأما قول ابن عباس: ( أن السائل رجل ) وفي رواية: (امرأة) وفي رواية: (صوم شهر) وفي رواية: (صوم شهرين) فلا تعارض بينهما، فسأل تارة رجل، وتارة امرأة، وتارة عن شهر وتارة عن شهرين ... ا.هـ شرح النووي (8/26).
ثم لو سلمنا أن تم لهم هذا الاضطراب في حديث ابن عباس، فلم يتم في حديث عائشة فإنه لا اضطراب فيه بلا ريب. نيل الأوطار (4/252).
6- أما قولهم: بأن الصوم في حديث المرأة التي توفت أختها هو الصوم الذي يمكن النيابة فيه وهو الإطعام. فالجواب: ما قاله الشوكاني في النيل (4/252): بأنه عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة. ا.هـ قلت: وقد مر معنا أن هذا صرف للفظ عن حقيقته بلا قرينة.
7- أما ما ادعاه النووي من إجماع في عدم الصيام عن الحي فينظر فيه، فقد جاء عن القاضي أبي يعلى القول بصيام النذر عن الناذر في حياته. نقله عنه شيخ الإسلام وقال به وبجواز الصيام عن الحي العاجز مطلقاً. انظر الاختيارات الفقهية ص (109).
8- وأما قول المالكية: (( لم يعمل بهذا الحديث أهل المدينة، وترك أهل المدينة العمل بالحديث حجة )). فالأمر ليس كذلك كما هو معروف في علم الأصول. ولو سلمنا لهم بهذا الأصل فلعله لم يبلغهم من عمل به، وقد بلغ غيرهم، فقد روى البخاري في صحيحه أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي - صلى الله عليه وسلم – في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها فكانت سُنَّة بعد.
وموضع الاستدال لفظه: (( فكانت سنة بعد )) قال الحافظ: أي: صار قضاء الوارث ما على المُورِّث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوباً أو ندباً ... وأظنها من كلام الزهري، ويحتمل من شيخه، وفيها تعقب على ما نقل عن مالك: لا يحج أحد عن أحد، واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه حج عن أحد، ولا أمر به، ولا أذن فيه، فيقال لمن قلد: قد بلغ ذلك غيره؛ وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة، وكان شيخه في هذا الحديث، ... الفتح (11/593).
ثالثاً: الجواب على ما استدل به أهل المذهب الثالث -وهم القائلون بقضاء صوم النذر فقط:
1- حديث ابن عباس مرفوعاً وكذا حديث سعد بن عبادة في أمره - صلى الله عليه وسلم – بقضاء النذر عن الميت. نحن نقول به، غير أننا لا نخصص به عموم حديث عائشة، ولا نقيد به الإطلاق في حديث ابن عباس.
قال الحافظ في الفتح (4/193-194): ليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره: (( فدين الله أحق أن يقضى )) ا.هـ.
قال الشوكاني - رحمه الله - : (( وإنما قال: إن حديث ابن عباس صورة مستقلة، يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام؛ فلا يصح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول. ا.هـ النيل (4/252).
2- وأما بالنسبة لاستدلالهم بأقوال ابن عباس وابن عمر وعائشة.
فالجواب عنه من عدة وجوه:
الأول: أن ابن عباس وابن عمر قد ثبت عنهما خلاف قولهما: (( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد )) فيما أخرجه البخاري عنهما معلقاً، القول بجواز الصلاة عن الميت وقد مر معنا ذلك.
الثاني: أن ابن عباس قد ثبت عنه القول بالإطعام في صوم النذر، وقد مر معنا فإن يكن قوله بالإطعام عن صوم النذر ليس بـحجه، فقوله بالقضاء عن صوم النذر ليس بحجة. أو أنه قد نسي أو اجتهد أو غير ذلك مما الله تعالى أعلم به.
الثالث: أن أثر عائشة الذي فيه الإطعام لعله فيمن كان عليها صيام ولم تصح من مرضها حتى ماتت فلا صوم عليها.
رابعاً: لو سلمنا أن هؤلاء الصحابة قالوا بهذا القول، فالله عز وجل إنما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبي -صلى الله عليه وسلم–، ولم يفترض علينا قط اتباع رأي أحدهم.
خامساً: قولهم: ( راوي الحديث أدرى بمرويه ) هذه القاعدة ليست على إطلاقها فإنه يعمل بها إذا احتمل اللفظ أمرين احتمالاً واحداً فيصرفه إلى أحدهما مثل ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه – أنه حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء )) على القبض في المجلس فقد قيل: (( إنه يقبل ذلك؛ لأنه أعرف بمعنى الخطاب )).
قال الإمام الشافعي: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله. ا.هـ الأم (7/209-210).
أما أن تستخدم هذه القاعدة في تخصيص العموم كما هو الحال في مسألتنا فلا. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي الحسن الكرخي من الحنفية وابن عبد البر، ونسبه الأنصاري في فواتح الرحموت إلى أكثر الشافعية، واختاره أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وفي التبصرة وإمام الحرمين في التلخيص وابن برهان في الوصول والبيضاوي في المنهاج وابن السمعاني في قواطع الأدلة والغزالي في المستصفى وغيرهم، ونسبه أبو الحسين البصري في المعتمد إلى بعض الحنفية، ونسبه ابن الحاجب في مختصره إلى الجمهور.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن الصحابي أدرى بمرويه، وأطلقت الحنفية القول في الراوي سواء كان صحابياً أو من دونه فهو عندهم أدرى بمرويه.
والراجح والله أعلم: ما ذهب إليه الأولون؛ لأدلة كثيرة لا يتسع المقام لبسطها؛ ولضعف أدلة الفريق الثاني، إذ أن أدلتهم تدور حول احتمالات لا دليل عليها. أما أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم – فإن العموم فيه ظاهر فيجب أن يعمل به؛ لأنه لا يوجد ما يعارضها وفعل الصحابي أو قوله أو فتواه لا يصلح أن يكون معارضاً له.
فإن قالوا: على قولك هذا فإن الصحابي قد خالف النص وهذا يلزم منه القدح فيه.
قلت: هذا إن خالفه عن تعمد وحاشاهم أن يفعلوا ذلك. لكن قد يترك الصاحب اتباع ما روى لوجوه غير تعمد المعصية، وهي أن يتأول فيما روى تأويلاً ما اجتهد فيه فأخطأ فأجره مرة، أو أن يكون نسي ما روى فأفتى بخلافه، أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وهماً ممن روى ذلك عن الصاحب، فإن كل ذلك ممكن، فلا يحل ترك ما افترض علينا اتباعه من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم – لما لم يأمرنا باتباعه، لو لم يكن فيه هذه العلل فكيف وكلها ممكن فيه؟ انظر المحلى (6/193).
وقد يكون الصاحب ترك مرويه مستنداً إلى ما يظنه دليلاً أقوى منه، فيحتمل أن يكون أقوى منه، ويحتمل ألا يكون، فلا يترك الدليل الثابت الخالي عن الاحتمالات وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم – من أجل شيء قد تطرقت إليه عدة احتمالات والذين يقولون بقضاء صوم النذر يعتذرون بمثل هذا الاعتذار على ما ثبت عن ابن عباس في الإطعام عن صوم الفرض والنذر. قال ابن القيم - رحمه الله - : أما قولكم: ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله، أو اعتقد له معارضاً للحديث، فإنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أن يصام عنه وليس هذا بمخالف لروايته على حمل الحديث على النذر. ا.هـ من كتاب الروح ص (193).
قلت: ما أحسن هذا الكلام من هذا الإمام، غير أننا لا نسلم له عدم المخالفة بين رواية الرواي ورأيه؛ لأن مطلق الصوم غير محمول على النذر كما مر معنا، ولو سلمنا له هذا في رواية ابن عباس وفتواه على قوله أن مطلق الصوم في حديث ابن عباس مقيد بالنذر، فيبقى حديث عائشة -رضي الله عنها- عام ليس له مخصص، وهنا نقول: لعل عائشة نسيت، أو تأولت، أو اعتقدت له معارضاً فأفتت بخلافه فلا يلزمنا أن نأخذ بفتواها الغير معصومة، وندع روايتها المعصومة.
3- وأما قولهم: إن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة كالصلاة فهذا قياس لا يقوى على مقابلة النصوص، مع أن ممن يقولون بذلك -وهو شيخ الإسلام ابن تيمية- يرى جواز النيابة في حال الحياة، قال - رحمه الله تعالى: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران، توجه جوازه. ونقل مثل ذلك عن القاضي أبي يعلى في صوم النذر. انظر الاختيارات الفقهية ص (109).
ثم إن مسألة النيابة في العبادات البدنية مسألة خلافية، ومن الحنابلة من يقول بذلك، قال المرداوي في الإنصاف (3/302): وقال أبو الخطاب في الانتصار في جواب من قال: العبادة لا تدخلها النيابة. فقال: لا نسلم بل النيابة تدخل الصلاة والصيام، إذا وجبت وعجز عنها بعد الموت. وقال أيضاً فيه: فأما سائر العبادات فلنا رواية: أن الوارث ينوب عنه في جميعها في الصوم والصلاة. ا.هـ
4- وأما قولهم: إن النذر عبادة خفيفة .... الخ فإن هذه علة لا يرد بها نص ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
5- وأما قول شيخ الإسلام بعدم القياس على الحج بحجة أن الحج قد يفعل عن الحي العاجز.
فالجواب: والصوم قد يفعل عن الحي العاجز كما ذكر ذلك هو، ونقله عن القاضي أبي يعلى، وقد مر معنا.
وبهذا تطمئن النفس وينشرح الصدر إلى القول بقضاء الصيام مطلقاً عن الميت دون تخصيص القضاء بالنذر، قال الشيخ العثيمين - رحمه الله - : وكيف يقال: إن المراد به صوم النذر وصوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل، يعني: ربما يموت الإنسان وما نذر صوم يوم واحد، لكن كونه يموت وعليه صيام رمضان هذا كثير، فكيف ترفع دلالة الحديث على ما هو أغلب ونحملها على ما هو نادر؟
والأدلة إنما تحمل على الغالب الأكثر، والغالب الأكثر في الذين يموتون وعليهم صيام أن يكون صيام رمضان، أو كفارة، أو ما أشبه ذلك. ا.هـ الشرح الممتع (6/456).
تنبيه:
بعض من ذهب هذا المذهب يرى التخيير بين الصوم والإطعام. قال البيهقي - رحمه الله -: فمن يُجَوِّز الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه. ا.هـ السنن الكبرى (4/257).
وقال النووي - رحمه الله -: بعد أن ذكر حديث ابن عمر في الإطعام: (( من مات وعليه صيام أطعم عنه ))، فليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث، بأن يحمل على جواز الأمرين، فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام، والولي مخير بينهما. ا.هـ شرح صحيح مسلم (8/24-25) وقال ابن الملقن: وعلى تقدير ثبوت الإطعام عنه فلا تنافي بينه وبين الأمر بالصوم؛ لأن من يقول به يجوز الآخر. فالولي مخير بينهما. انظر الإعلام (5/30).
قلت: هذا لو صح حديث في الإطعام ولم يصح كما مر معنا، فمن بقي في نفسه شيء للآثار المنوقلة عن الصحابة فلا مانع من أن يقول بالتخيير بين الصيام والإطعام؛ لاحتمال أن الصحابي أعتمد على مستند لم ينقل إلينا، أو نحو ذلك، لكن كما سبق لا نترك أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالكلية لمثل هذه الاحتمالات، والله أعلم.
هل يجب على الولي قضاء الصوم عن الميت، أو لا؟
قال ابن الملقن: قال القرطبي: وقد نقل البغوي والجويني من أصحابنا الاتفاق على عدم الوجوب، وإنما الخلاف في الجواز. الإعلام (5/297).
وقال الحافظ في الفتح (4/193): وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته. ا.هـ
قلت: الأمر كما قال الحافظ - رحمه الله - فقد خالف أهل الظاهر في ذلك وقالوا بالوجوب وهم ممن يعتد بخلافهم على الصحيح. فالمسألة إذاً على مذهبين بين أهل العلم هما:
الأول: وجوب قضاء الصوم عن الميت وبه قالت الظاهرية كما أسلفنا. قال ابن حزم - رحمه الله -: ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلاً -أوصى به أو لم يوص به-، فإن لم يكن ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه ولا بد أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مقدم على ديون الناس. ا.هـ المحلى مسألة رقم (775).
وانظر الاستذكار (10/172).
المذهب الثاني: استحباب قضاء الصوم عن الميت وبه قال الجمهور كما مر من كلام الحافظ.
أدلة الفريقين:
أ- أدلة الفريق الأول:
1- قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( صام عنه وليه )) أي: فليصم، والأصل فيه الوجوب.
2- قد يستدل لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم – للمرأة السائلة: (( فصومي عنها ))، (( صومي عن أمك ))، فأمرها أن تصوم عنها، ووجه الدلالة من ذلك كله: أن هذه أوامر، والأصل في الأمر أنه للوجوب.
ب- أدلة الفريق الثاني:
1- أن النبي - صلى الله عليه وسلم – شبهه بالدين، والدين لا يجب قضاؤه على الولي بالاتفاق. قال القرطبي في المفهم (3/210) قوله: (( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ )) مشعر بأن ذلك على الندب لمن طاعت به نفسه؛ لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدي من ماله عن الميت ديناً بالاتفاق. ا.هـ
وقال ابن قدامة - رحمه الله -: إذا ثبت هذا فإن الصوم ليس بواجب على الولي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – شبهه بالدين، ولا يجب على الولي قضاء دين الميت، وإنما يتعلق بتركته إن كانت له تركة، فإن لم يكن له تركة فلا شيء على وارثه لكن يستحب أن يقضى عنه؛ لتفريغ ذمته، وفك رهانه، كذلك ههنا. ا.هـ المغني (3/83)، وانظر الشرح الكبير (2/49).
2- ما نقل من إجماع على استحبابه. قال الصنعاني - رحمه الله – في سبل السلام (2/335) عن قوله: (( صام عنه وليه )): والإخبار في معنى الأمر أي: (فليصم) عنه وليه، والأصل فيه الوجوب، إلا أنه قد ادُّعى الإجماع على أنه للندب. ا.هـ
3- زيادة: (( إن شاء)) في حديث عائشة وهي عند البزار.
وردوا على ما استدل به أهل المذهب الأول بالآتي:
أ- قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: وفي هذا بحث، وهو أن الصيغة صيغة خبر أعني: (( صام )) فيمتنع الحمل على ظاهره فينصرف إلى الأمر ويبقى النظر في أن الوجوب متوقف على صيغة الأمر المعينة وهي (أفعل) مثلاً، أو يعمها مع ما يقوم مقامها؟ ا.هـ أحكام الأحكام (2/229).
قال الصنعاني - رحمه الله – في العدة (3/381): قوله: (( وما يقوم مقامها )) أقول: يظهر من تصرفاتهم في إلحاق اسم الفعل بفعل الأمر في أحكامه (كرويداً زيداً) أي: أرْوِدْ به أنه ليس المراد من الأمر صيغة (أفعل) فقط، بل والفعل المضارع إذا دخلته لام الأمر نحو: ليقم زيد، وبالجملة الملاحظة للمعاني بأي عبارة أوردت إذا أفادت طلب الفعل. ا.هـ
قلت: والأمر كما قال الصنعاني في أن الخبر الذي في معنى الأمر يفيد الوجوب كصيغة (أفعل) ولكن الصارف له من الوجوب إلى الندب هو ما ذكره الشيخ العيثيمين - رحمه الله – كما في الشرح الممتع (6/454-455) قال: (( فلو قال قائل: حديث عائشة: (( صام عنه وليه )) أمر، فما الذي صرفه عن الوجوب؟
الجواب: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: (( ولا تزر وازرة وزر أخرى ))[الأنعام:164]، ولو قلنا بوجوب قضاء الصوم عن الميت؛ لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف القرآن.
إذاً يستحب لوليه أن يقضيه، فإن لم يفعل، قلنا: أطعم عن كل يوم مسكيناً قياساً على صومه الفريضة. ا.هـ
قلت: وهو ما ظهر لي رجحانه والله أعلم.([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=30#_ftn6))
وأما ما استدل به الفريق الثاني من زيادة: (إن شاء) في حديث عائشة. فالجواب: أنها ضعيفة وقد مر معنا كلام أهل العلم فيها.

(1) الهم بالكسر الشيخ الفاني والمرأة همة. الصحاح مادة همم.

(2) ولو قيل بقضاء الصوم عنه لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم – عندما قالت له المرأة : إن أمي ماتت وعليها صوم لم يستفصل منها هل صحت وفرطت ، أم أنها ماتت ولم تصح ، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينـزل منـزلة العموم في المقال ، ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم – : " ودين الله أحق أن يقضى " لكان هو المذهب الراجح , إن وجد من قال به ، والله أعلم . أبو الحسن


(3) أي القضاء : وهو بدل عن الأداء ، والإطعام : وهو بدل عن القضاء . أبو الحسن

(4) قال الترمذي - رحمه الله- : حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر موقوفاً قوله اهـ السنن (3/96)
قلت : وهو كما قال - رحمه الله – , فالمرفوع ضعيف ؛ لأن في سنده محمد بن أبي ليلى . والمحفوظ ما رواه عبد الوهاب بخت عن نافع عن ابن عمر موقوفًا . انظر السنن الكبرى للبيهقي (4/ ) ونصب الراية (2/264) والمجموع (6/371) .
وقد صحح ابن التركماني سند ابن ماجه إذ وقع فيه أشعث عن محمد بن سيرين عن نافع , قال المزي : وهو وهم ، وإنما هو محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى كذا نص عليه الترمذي وابن عدي والبيهقي والمزي . انظر التحفة (2/227) والتلخيص الحبير (2/209) .
(5) ثم رأيت أن رواية ( شهرين متتابعين) شاذة خالف فيها أبو خالد الأحمر تلامذة الأعمش الذين رووها (شهر)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: رواية من روى "شهر ين متتابعين" كأنها وهم. انظر كتاب الصيام من شرح العمدة (1/370). قلت: لكن رواية (شهرين) بدون متتابعين قد جاءت عند مسلم (2/805) من حديث بريدة.

(6) قلت: بل الظاهر الوجوب، لأننا لو لم نقل بوجوب ذلك عليه، ولا الإطعام عنه، وترك الولي الصيام، لآل ذلك إلى ترك الصيام من الميت قبل موته، وترك الصيام من الولي، وترك الإطعام عن الميت، فيضيع البدل والمبدل منه.
لذا أقول: يجب على الابن أن يفك رهان أبيه، لكن إطلاق ذلك في جميع الأولياء والورثة فيه نظر. ويتجه ما قاله الشيخ ابن العثيمين إذا لم يترك الميت تركة، ولم يكن مع ابنه شيء، وإلا فلو كان قادرًا على أداء دين أبيه يلزمه الأداء من ماله، "فأنت ومالك لأبيك"، وحاجته في قبره أكثر من حاجته وهو حي، ولا يكون ذلك من باب تحمل الوزر، لو سلمنا بذلك، فتخصصه به الآية، والله أعلم. أبو الحسن.


منتديات دار الحديث بمأرب (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

وضاح أحمد الحمادي
13-10-22 ||, 04:01 AM
وهذا تعقيبنا عليه هناك :

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
على الأخ بعض الملاحظات نضعها بحسب ترتيبه هو للموضوع.
الأول : ذكر عن البغوي والعمراني أنهما نقلا الإجماع على أن من استمر به العذر حتى مات فليس عليه شيء.
أما البغوي فلم أطلع على نص كلامه الآن، أما العمراني فلم يدعي الإجماع، وعبارته : "... وبه قال عامة الفقهاء، وقال قتادة وطاووس: يُطعم عنه لكل يوم مسكين" وهذه العبارة "عامة الفقهاء" لا تعني الإجماع، كيف وقد أتبعه ذكر الخلاف عن طاوس وقتادة وبهما اعترض الأخ على الإجماع! وإنما تعنى جل العلماء أي أكثرهم حتى يكون مخالفهم شاذاً، وليس هذا كقولهم "جمهور الفقهاء" لأن هذه العبارة تعطي أنه قول الأكثرين ولو كان مخالفهم كثير. نبهت عليه حتى لا يُعْتَرضُ به.
ثانياً : قوله : " قلت: أما ابن عباس فقد رواه عنه أبو داود أنه قال: (( إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصح أطعم عنه ، ولم يكن عليه قضاء ... )) انظر سنن أبي داود (4/26) مع عون المعبود.
وجملة: (لم يصح) ليست في كل النسخ التي رويت عن أبي داود ، ولم أدر من تفرد بها من تلامذته والذي في بقية النسخ: (ولم يصم)"
أقول : إن ثبتت (لم يصح) فلا إشكال، وإن لم تثبت، فكلامه محتمل، وطاووس وقتادة كلاهما من تلاميذه، فهو مشعر بأنهما أخذا مذهبهما عنه، ولعل هذا مما يُرَجِّح عبارة (لم يصح) والله أعلم. وهذا وإن كان محتملاً ممكن الاعتراض عليه بما ذكره الأخ عن (المصنف) لعبد الرزاق، فإنه شأن المسائل الخلافية، ويكفي في ذلك الظن وهو أمر وجداني، فمن وجده في نفسه كفاه. ولله أعلم. وعبد الرزاق كان اختلط والمرادي راوي (المصنف) عنه سمع منه حال اختلاطه، وقد حاول بعضهم تصحيح روايته معتمداً على أن سماعه منه كتاب، وهذا يصح لو كان سمع منه حال شبابه بحيث يعقل التلقين والتصحيف، أما المرادي فسمع منه قبل أن يبلغ الخامسة، فلا ندري أكان يلقن عبدالرزاق في حضوره أم لا، وهل كان يدس له أم لا، وأيُّ ذلك حصل، فلا يُعْقل إدراك المرادي لشيء من ذلك حينئذٍ، فإن قيل، إنه سمع من أصل موثوق. قلنا : أصل من؟ وما الدليل؟ وحتى لو فرضنا أن الصواب "لم يصم" فيحتمل فيه أن المراد لم يصم لاستمرار عذره أو أنه لم يصم لغير عذر أو أنه أراد الإطلاق، ولا يجوز القطع بأحدها لما عُلِمَ من أن العموم من الأدلة الظنية، وهو وإن كان راجحاً مع عدم المعارض، فليس راجحاً في مسألتنا لما قدمت أن اثنين من أشهر من تتلمذ على يدي ابن عباس أفتى بالإطعام لمن أفطر لاستمرار عذره، ويغلب على الظن، على الأقل ظني، أنهما إنما أخذا ذلك منه. والله أعلم.
ثالثاً : نقل عن شيخ الإسلام قوله : "لأنه لم يجب عليه الصوم قضاء ولا أداء ، فلم تجب عليه الكفارة كالمجنون والصبي.
فإن قيل: فالمريض الذي لا يُرْجَى برؤه قد أوجبتم عليه الكفارة، وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنـزلته.
ثم الوجوب في الذمة لا يشترط فيه التمكن من الفعل كالصلاة والزكاة ، فإذا استقر وجوب الصلاة والزكاة أيضاً في الذمة قبل التمكن ؛ فكذلك الصوم أولى، وإذا استقر في ذمته ؛ فلا بد من الكفارة بدلاً عن ذلك الواجب.
قلنا: المريض الميؤوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل ؛ ولهذا لم يجب الصوم في ذمته، ولا يجب عليه القضاء البتة، ولا بد من البدل وهو الفدية
أما المريض المرجو والمسافر فهما عازمان على القضاء بشرط القدرة ، فلا يجمع عليهما واجبان على سبيل البدل ..
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن ، فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته، لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن، فأما إذا لم يتمكن من القضاء فإنه يموت غير آثم بلا تردد، كما لو حاضت في أثناء الوقت ، وماتت قبل الطهر، أو تلف النصاب قبل التمكن من الإخراج وليس له ما يخرج غيره، ومات قبل اليسار، ونحو ذلك؛ وذلك لأن تكليف ما لا يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في الشرائع ، فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل، وأما مع انتفائهما فمحال. ا.هـ كتاب الصيام من شرح العمدة (1/452-453)."
أقول : عليه رحمه الله اعتراضات أما قوله "لم يجب عليه الصوم قضاء ولا أداء" غير مسلم لتعلق الوجوب بمجرد رؤيا الهلال، وعدم الأداء كان لمانع لا لعدم الوجوب، وقد سلم هو بذلك حين قال : " وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن ، فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته" فإذا سلم استقرار الوجوب في الذمة سقط قوله سابقاً :"لم يجب عليه الصوم قضاء ولا أداء" لأن معنى استقرار الوجوب هو حصوله لا غير. فإذا استقر الوجوب في الذمة وجب الفعل عند الاستطاعة أو عدمها عند عدم الاستطاعة.
أما اعتذاره رحمه الله بقوله : "لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن"
أقول : ليس كما قال : بل الواجب عند التمكن هو الفعل لا وجوب الفعل لحصوله في ذمته بمجرد شهود الشهر كما تقدم عن شيخ الإسلام نفسه، فإيجاب القضاء عند التمكن سابق للتمكن، فتحصيله حال التمكن تحصيل حاصل، وهو محال.
وتمثيله بالحائض لو ماتت في أثناء الوقت لا يصح، إذ لا يجب على الحائض أداء ولا قضاء أصلاً، وليس ثمة وجوب مستقر في الذمة لا للأداء ولا للقضاء، حتى لو لم تمت قبل الوقت وعاشت لم يجب عليها شيئ اتفاقاً، وليس كذلك المفطر لعذر مع رجاء شفائه في جميع ذلك.
أما تمثيله بمن تلف نصابه قبل تمكنه، ثم لم يملك ما يؤدي به الزكاة حتى مات، فهذا المثال محتاج إلى دليل فضلاً عن فرعه المقيس به.
وقوله أخيراً : "وذلك لأن تكليف ما لا يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في الشرائع ، فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل، وأما مع انتفائهما فمحال"
أقول : هو كما قال : لكن لا علاقة لهذا بما نحن فيه، لأنا لم نكلف المريض الصيام حال مرضه، لا أداءً ولا قضاءً، وإنما هو كالمقترض إلى أجل، يجب عليه القضاء عند حلوله، فلو فرضناه أعسر ومات قبل اليسار لم يسقط الدين من ذمته و وجب على ورثته القضاء. وهذا المثال أولى لتشبيهه صلى الله عليه وسلم الصيام بالدين، فهو قياس على أصل.
وهنا دليل لطاووس وقتادة، لعل أخانا لم يتنبه لدلالته لهما، مع استدلاله به في المسألة التي تليها فيمن زال عذره ففرط حتى مات. وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي استدل له "من مات وعليه صيام يصوم عنه وليه" فهذا الحديث عام ليس فيه ذكر للمعذور والمفرط.
وكذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن أمرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها، قال: فقال: " أرأيت لو كان عليها دين أما كنت تقضينه؟ " قالت: بلى، قال : " فدين الله عز وجل أحق "
وقد استخدم الأخ هنا قاعدة : "ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال منـزل منـزلة العموم في المقال" وهي تنبطق على هذه المسألة أكثر من انطباقها على المسألة الثانية كما سيأتي؛ إذ لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي ماتت أكان ذلك عن تفريط منها أو لعذر، وهل ماتت قبل التمكن أم بعد التمكن.
وقد يُعْتَرضُ هنا بأن حديث عائشة فيه الصيام فلماذا عدلتم عنه إلى الإطعام؟ ويجاب عن هذا أن لفظ الحديث صريح في أن من مات وعليه صيام فوليه يقضي عنه بالصوم خاصة، ونحن لا نسلم أن المريض إذا مات فعليه صوم حتى يدخل في حديث عائشة، بل الذي عليه إنما هو الإطعام فقط، فإن مات أدى عنه وليه، وإنما يكون الصيام على من مات بعد تمكنه من الصيام ولم يصم.
فإن قيل : فَلِمَ استدللتم بحديث عائشة إن كانت مسألتكم لا تدخل فيه لأنها في الإطعام وحديث عائشة في الصيام. قلنا : أردنا الاستدلال به على أن البدل سواءً كان القضاء أو الكفارة ينتقل من ذمة الميت إلى ذمة وليه من دون نظر إلى حصول التمكن قبل الموت أو عدم حصوله، وهذا المقدار داخل في حديث عائشة.
أما حديث ابن عباس فليس فيه أصلاً أن الأداء يكون بالصيام. والله أعلم.
إذا تبين لك هذا لم يبقَ للجمهور ما يرجح قولهم على قول قتادة وطاووس. والله أعلم.
وهنا اعتراض على الأخ كان ينبغي تقديمه ولكني ذهلت عنه، وهو أن القسمة التي ذكرها بقوله : " شخص أفطر في رمضان لعذر ثم مات قبل أن يقضي ما أفطره ؛ فله حالتان: 1. أن يستمر به العذر حتى يموت 2. أن يزول عذره فيفرط في القضاء فيدانيه الأجل" هذه القسمة ليست حاصرة لجواز أن يزول العذر ويدانيه الأجل من غير تفريط، وذلك بأن يعتقد أن وجوب القضاء على التراخي، فيموت مع عزمه على القضاء. فهذا لا يكون مفرطاً.
وهذا ومن مات مع بقاء عذره أولى بالقضاء من المتعمد للترك المفرط في القضاء حتى مات، لأن القضاء يُناط بالعذر، ولذلك اختلفوا هل على من ترك فرضاً من الصلاة حتى زال الوقت قضاء أم لا، ولم يختلفوا أن من تركه لعذر كالنوم والنسيان أنه يقضيه. واختلفوا هل على من أفطر في نهار رمضان عمداً أو جامع فيه عامداً عارفاً بالتحريم هل عليه أن يقضي يوماً مكانه أم لا، ولم يختلفوا أن المعذور إذا زال عذره قضاه.
وقد يعترض بما ذكره الأخ من أن الصلاة والصيام عبادات لا تقبل النيابة، فكما لا تُقضى الصلاة عمن تركها معذوراً ثم مات، فكذلك لا يُقضى الصيام عمن أفطر لعذر ثم مات.
والجواب : أن هذا القياس مقابل للنص الذي هو حديث عائشة وابن عباس. ثانياً : لو سلمنا أنه لا يقبل الصيام عمن مات وعليه صيام فلا نسلم أنه لا يكفر عنه، بيانه أن الكفارة يجوز فيها الوكالة، وأن جازت فيها الوكالة جازت النيابة كالدين.
والله أعلم.
ويأتي لاحقاً إن شاء الله الكلام على المسألة الثانية .