المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الصَّيد الثمين، في ملامح من سيرة ابن عثيمين، عليه رحمة رب العالمين



د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-01 ||, 11:51 PM
الصَّيد الثمين
في ملامح من سيرة ابن عثيمين
عليه رحمة رب العالمين

كتبه:
عبدالحميد بن صالح الكَرَّاني

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-01 ||, 11:57 PM
في مثل هذا اليوم الخامس عشر من شهر شوال في عام ألف وأربعمئة وواحد وعشرين للهجرة النبوية (الأربعاء 15-10-1421هـ) فجع العالم برحيل عالِمنا الفذ، الإمام القدوة العامل، الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
رفع الله درجته في المهديين، وجمعنا به في الفردوس الأعلى آمين ...
وقد كنت سطرت شيئاً من خواطر وفاءً من تلميذٍ صغيرٍ رتع في روضة عالمٍ كبيرٍ؛ وجعلتها تحت هذا العنوان قبل اثني عشر عاماً، ولا زالت حبيسة مستند الـ Word
ففكرت في نفسي!
أأجعلها كذلك؟
أم أخرجها إفادة لإخواني طلبة العلم، وتذكاراً لمشايخي العلماء!
فقلت أُنقِّحها يوماً!
فإذا الأيام تتوالى!
والعمر يتوارى!
فقلت ما من بدٍّ في إظهارها وعزمت على إخراجها كما بدت به أول مرة!
وسأجعلها على مشاركاتٍ إن شاء الله؛ ثم أضمها في مجلدها الذي جمعها أولاً.
فهي حاكمة لزمن صاحبها!
حاكية لوقته الذي سطرها!
فإن من نفعٍ فجازاني الله به خيراً ...
وإلا فعفا الله عني ورحمني ...
والحمد لله رب العالمين.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-02 ||, 02:45 PM
تنبيه: في هذه الملامح من سيرة شيخنا ابن عثيمين -رحمه الله- لم اتبع فيها طريقة التراجم المعهودة؛ بل هي كعنوانها ملامح استللتها من مواقف في زمن الطلب، أرجو أن يكون فيها الجديد والمفيد مما لم يكتب من قبل!
لأنها تجربة ذاتية، ورؤية شخصية، وقد يوجد في النهر والجدول والوادي ما لا تجده في عمق المحيطات والأبحر!
كان الدافع في تدوينها ما قرأته للمكرم فضيلة الشيخ: وليد بن أحمد الحسن رئيس تحرير مجلَّة الحكمة من إعلانٍ طلب فيه مراسلته من قبل طلبة الشيخ ومحبيه؛ لجمع سيرته بعد وفاته ولا أدري إلى أين انتهى به ما أراد.

ويكفيني ذكراه ومحبته وما تعلمته أن تشفع لي في تسطير هذه الكلمات ...

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-02 ||, 03:26 PM
مقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله _ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم _([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[ آل عمران:102]،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } [ النساء:1]،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }[ الأحزاب:70_71]([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).

أما بعـــد([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)):
فما أحسن قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه _ وأجمله، حيث قال: ( من كان منكـم مُستناً فليسنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة،) ثم مضى في مقولته البديعة الشهيرة التي سجَّلها التأريخ له في صحائفه مذ نطق بها إلى يومنا هذا إذ وصف إخوانه وأحبابه من أصحابه، ذلك الرعيل الذي نشأ مع التشريع، وشهد وقائع التنزيل، حيث وصفهم بأصدق وصف وأبلغه ( أولئك أصحاب محمد _صلى الله عليه وسلم _، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتَّبعوهم في آثارهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ) ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).

والشاهد من إيراد هذا الأثر عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود _ رضي الله عنه _ ، هو قوله: ( من كان منكـم مُستناً فليسنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة )، وهي كلمة صدق وحق، فسبحان من يلهم من شاء من عباده الصواب في الخطاب، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }[البقرة:269].
وابن مسعود _ رضي الله عنه _ بهذه الكلمة يؤسِّس لنا منهجاً قويماً، ويؤصِّل لنا مبدءاً عظيماً في الاتباع والسير على منهج من ارتضت الأمة سيرته، وأن ذلك يكتمل بالخاتمة الحسنة من غير تبديلٍ ولا تغييرٍ.

وفي هذا توجيه لطلبة العلم ومحبِّي العلماء بألا ينشغلوا إلا بالعلم في حال حياة علمائهم، والطلب عليهم، والاستفادة منهم؛ فإذا ختم لهم بخير فحينها السير على خطى من مات منهم ممن شهدت الأمة بفضله وسبقه، وعلمه وديانته، وأنتم شهود الله في أرضه!!.


([1]) " الطريقة الصحيحة في الصلاة على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلَّم _، هكذا: (صلى الله عليه وآله وسلَّم ) فكلمة (آله) لا بُدَّ منها؛ وإنما تركت فترة من الزمن عندما كان بنو أُميَّة يتتبعون العَلَويين ثم هجرها الكثير تقليداً "[ يُنظر: اختيارات ابن قدامة الفقهية، في أشهر المسائل الخلافية(1/5) ].
([2]) هذه الخطبة تُسمَّى عند العلماء بـ" خطبة الحاجة "، وتشرع بين يدي كل خطبة، سواءً كانت خطبة جمعة أو عيداً أو نكاح أو درس أو محاضرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _: ( ولهذا استحبَّت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية، وكان عليه شيوخ زماننا...)، [ يُنظر: فتاوى ابن تيمية(18/287)]. قال العلاَّمة الألباني _ غفر الله له ورحمه _: ( ولي رسالة خاصة جمعت فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها...، فنحثُّ المحبين لسنة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ والراغبين في إحيائها أن يلتزموا هذه الخطبة )، [السلسلة الصحيحة(1/28) هامش(1)].
([3]) أوَّل من قال: (أما بعد) داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب، قاله: أبو موسى الأشعري _ رضي الله عنه _ والشعبي، قال الحافظ ابن حجر _ رحمه الله _ في الفتح(6/556): (أخرجه ابن أبي حاتم، وذكر عن ابن جرير بإسنادٍ صحيح عن الشعبي مثله)، [يُنظر: تفسير ابن جرير الطبري(10/565)، وتفسير ابن كثير(7/59)، والجامع لأحكام القرآن(15/162)، وزاد المسير(7/111_112)].
([4])أخرجه بنحوه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله"، وأخرجه بلفظ مقارب أبو نعيم في "الحلية"(1/305) من قول ابن عمر.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-02 ||, 10:53 PM
وإن ممن شهدت له الأمة قاطبة بعلمه وفضله شيخنا الجليل العلاَّمة محمد بن صالح العثيمين _رحمه الله_، حيث فقدت الأمة بموته عالماً فقيهاً، ومرشداً وموجِّهاً ناصحاً أمينا، ترجع له عند النوازل، وتسترشد برأيه لحلِّ ما أشكل عليها، فرحمه الله رحمةً واسعةً.

وإن كان العلماء بحمد الله في الأمة كثير، إلاَّ أن الكّمَّ لا يغني عن الكيف!!، فنحن بحاجةٍ مُلحَّةٍ إلى علماءَ على نحو هذا الطِّراز الفريد؛ ولذا كان _رحمه الله_ من آحاد العلماء الربانيين النوادر في هذا العصر، سيراً على نهج السلف الصالح_رضي الله عنهم_، يجمع إلى ذلك حسن التربية، بعيداً عن التكلف، فقد كان قمة في التواضع، ومثالاً للقدوة الحية الصالحة في العلم والزهد والصدق والإخلاص والورع في الفتوى؛ ولذا أجمعت القلوب على قبوله ومحبته وفضله وعلو مرتبته. وسيرته_رحمه الله_لمن تتبعها تزخر بأمثلةٍ جليلة لما قدَّمنا؛ فهو بصدق، واحد من العلماء المخلصين الناصحين، السائرين على نهج سلف الأمة _رضي الله عنهم_؛ فسيرته تعتبر حافزاً إيمانياً للتأسي بهم واقتفاء آثارهم، وهو مدرسةٌ في هذا الباب، ومن حضر دروسه شاهد ذلك عياناً، وكأنما يستمع لإمام من الرعيل الأول من صدر هذه الأمة، ومن تأمل، وجد تأثره بأكابر العلماء واضحاً كتأثره بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم في طريقته ومنهجه وأسلوبه، إضافة لما امتاز به من طرائق العرض وتنوع الإلقاء.

ومن أعظم ما يَمُنُّ اللهُ به على العبد أن يضعَ له القبولَ في قلوبِ عبادِه، لتكون شهادةً في حياته تحضُّه على العمل([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))، كما روى ابن عباس _رضي الله عنهما_، قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:« أهلُ الجنَّةِ من ملأَ اللهُ أُذُنَيْهِ من ثناء الناس خيراً وهو يسمع، وأهلُ النَّار من ملأَ اللهُ أُذُنَيْهِ من ثناء الناس شرَّاً وهو يسمع »([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)). وشهادةً له بعد مماته تشير إلى رضوان الله تعالى ومحبته؛ التي بموجبها يدخل جنته،ففي ما أرويه مُسنداً عن شيخنا الجليل عبدالرحمن العيَّاف بسنده المتَّصل([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) إلى الإمام البخاري قال: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شُعبة، حدَّثنا عبد العزيز بن صُهيب، قال: سمعت أنس بن مالك _ رضي الله عنه _ يقول:« مرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي _ صلى الله عليه وسلم _:« وَجَبَتْ ». ثم مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: « وَجَبَتْ ». فقال عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _: ما وَجَبَتْ؟!، قال: « هذا أثنيتم عليه خيراً فوَجَبَتْ له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوَجَبَتْ له النار، أنتم شهداء الله في الأرض »([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).

قال الإمام النووي _رحمه الله_ في تعليقه على حديث مسلم([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)): ( وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، وأن كل مسلم مات فَأَلْهَمَ الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنَّة...، وبهذا تظهر فائدة الثَّناء ).

وصدق الله الحق _سبحانه_ إذ يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ }[البقرة: 143]؛ ولهذا قال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _:«يا أيها الناس، إنكم تُوشكون أن تعرفوا أهل الجنَّة من أهل النَّار » أو قال:« خياركم من شراركم » قال: فقال رجلٌ من الناس: بم يا رسول الله؟ قال:« بالثَّناء السيِّئ، والثَّناء الحَسَن، وأنتم شُهَدَاءُ الله بعضُكم على بعض »([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).


([1])ولذلك لم يركن أحدٌ من الصحابة ممن بُشِّر بالجنة إلى بشارة النبي _صلى الله عليه وسلم _ مع أنها حق، بل جدَّ في العمل واستزاد من الخير، والبشارة إنما هي عاجل بشرى المؤمن.
([2])أخرجه الإمام ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الثناء الحسن، حديث رقم(4224)، قال البوصيري في الزوائد(4/479): (هذا إسنادٌ صحيح رجاله ثقات).
([3])ينظر: إتحاف المريد بعالي الأسانيد، بما أسنده الشيخ عبدالرحمن العيَّاف عن شيخه المحدِّث سليمان الحمدان، ط(1423هـ).
([4])رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، حديث رقم(1301).
([5])رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خيراً أو شراً من الموتى، حديث رقم(2197). صحيح مسلم مع شرحه المنهاج(7/22_23).
([6])أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده(24/172)، حديث رقم(15439)، وأخرجه الإمام ابن ماجه بنحوه بلفظ:« يُوشك أن تعرفوا أهل الجنَّة من أهل النَّار »، كتاب الزهد، باب الثناء الحسن، حديث رقم(4221)، وفي مسند الإمام أحمد بلفظ(39/504)، حديث رقم(24009/64):« يُوشك أن تعلموا أهل الجنَّة من أهل النَّار»، وفي آخره:« أنتم شُهَدَاءُ بعضُكم على بعض». قال البوصيري في الزوائد(4/478): (وإسناد حديثه صحيح رجاله ثقات).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-03 ||, 01:56 PM
ونجد الخليفة المُلْهَم الراشد عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه _ يؤكِّد على هذه الحقيقة، يشهد له ما رواه أبو الأسود الديلي([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) قال: (قدمت المدينة _ وقد وقع بها مرض _ فجلست إلى عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _ فمرت بهم جنازة فأُثنيَ على صاحبها خيراً، فقال عمر _ رضي الله عنه _: وَجَبَتْ. ثم مُرَّ بأخرى فأُثنيَ على صاحبها خيراً، فقال عمر _ رضي الله عنه _: وَجَبَتْ. ثم مُرَّ بالثالثة فأُثنيَ على صاحبها شرَّاً، فقال: وَجَبَتْ. فقال أبو الأسود: فقلتُ: وما وَجَبَتْ يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:« أيُّما مسلمٍ شهد له أربعةٌ بخيرٍ أدخله الله الجنة ». فقلنا: وثلاثة؟ قال: « وثلاثة »، فقلنا: واثنان؟ قال: « واثنان »، ثم لم نسأله عن الواحد ) ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).

وعن أبي هريرة_ رضي الله عنه _ عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:« إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبَّه، فيحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يُحِبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيُحِبُّه أهل السماء، ثم يوضع له القَبولُ في الأرض »([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).

قال الإمام ابن حجر العسقلاني _رحمه الله_ في شرحه لهذا الحديث: ( والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه، ويؤخـذ منه أن محبة قلوب الناس علامـة محبة الله، ويؤيـده ما تقدم في الجنائز:« أنتم شهداء الله في الأرض »)([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).

وروى الطبراني في معجمه الأوسط، زيادة من حديث ثوبان_ رضي الله عنه _ عن النبي _صلى الله عليه وسلم_قال:« إن العبد يلتمس مرضاة الله _ عزَّ وجلَّ _ فلا يزال كذلك فيقول الله يا جبريل إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني فرضائي عليه قال فيقول جبريل _ عليه السلام _رحمة الله على فلان وتقول حملة العرش ويقول الذين يلونهم حتى يقوله أهل السماوات السبع ثم يهبط إلى الأرض فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_وهي الآية التي أنزل الله عليكم في كتابه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً }[مريم:96].»([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).

فنسأل الله _ بمنِّه وفضله وجوده وكرمه _ أن يجعل شيخنا ابن عثيمين ممن يعمّه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً }.

كما نسأله _ تعالى _ أن يكون من عباده الذين أحبَّهم فنادى جبريل إنه يحبه، فيحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يُحِبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيُحِبُّه أهل السماء، ثم يوضع له القَبولُ في الأرض.



اللهم آمين...،





([1]) أو الدؤلي، وهو أبو الأسود الدؤلي، مشهورٌ بكنيته، من كبار التابعين، مخضرمٌ أدرك الجاهلية والإسلام، كان ذا دينٍ وعقلٍ ولسانٍ وبيانٍ وفهمٍ وحزمٍ، وهو أوَّل من وضع العربية، ونقَّط المصاحف، وقد سئل أبو الأسود عمَّن نهج له الطريق فقال: تلقَّيته عن علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _. [الإصابة فى تمييز الصحابة لابن حجر، برقم(4333)،(القسم الثالث، الظاء بعدها الألف)]. قال أبو عيسى _ الترمذي _:( وأبو الأسود الديلي اسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان ). ذكره بعد تخريجه الحديث في سننه، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثناء الحسن على الميت، حديث رقم:(1065)، (جامع الترمذي4/142).
([2])رواه الإمام البخاري، في كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت،حديث رقم(1302).
([3]) رواه البخاري، في كتاب الأدب، باب المِقَةُ من الله تعالى، حديث رقم:(6040). [المِقَةُ:أي المحبة].
([4]) فتح الباري شرح صحيح البخاري(10/568).
([5]) رواه الطبراني في المعجم الأوسط، حديث رقم(1262). أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني،ت.الميلاد :(260)،ت.الوفاة :(360).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-04 ||, 06:34 PM
وحيث قد أهاب رئيس تحرير مجلة الحكمة بالمشاركة للموسوعة العلمية والعملية لحياة الشيخ ابن عثيمين؛ فقد كتبت هذه السيرة الموجزة باختصارٍ على ضوء ما عرفت به الشيخ دون إعادة لما جرت الكتابة به من اسمه ونسبه ونشأته وشيوخه ...إلخ، وإنما القصد إضافة ما قد يفوت مما لم يُطَّلع عليه أو كُتب فيه، مع خواطر تنبعث من داخلي ارتأيت ألاَّ أهملها؛ لأثرها في نفسي فأحببت بها مشاركة غيري، فكانت هذه الرسالة:

الأخ المكرم، فضيلة الشيخ: وليد بن أحمد الحسن
رئيس تحرير مجلَّة الحكمة سلَّمه الله
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته أمَّا بعـد:

فإسهاماً منِّي في إثراء سيرة إمامنا الجليل فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين _ رحمه الله وغفر له_، واستجابةً لرغبتكم في تزويدكم بكل ما من شأنه أن يخدم العمل الموسوعي الجامع لحياة الشيخ، فيسرني أن أتقدم بهذه المشاركة.

أسأل الله _ جلَّ في علاه _أن يبارك في جهودكم، ويشكر مسعاكم،،،
وصلى الله وسلم وبارك على نبيينا محمد وعلى آله وصحبه.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-06 ||, 02:43 PM
الأولى([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)):

(أ) أقام الشيخ محاضرة في حدود عام 1418هـ، بمسجد إسكان الطلاب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. وكان من الأسئلة التي طُرحت عليه([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)): إقامة درس شهري بمدينة الرياض خدمة لطلاب العلم. فكانت الإجابة على النحو التالي:(وما يصنع النهر أمام البحر!!)، كررها مرتين، وأظنه أول ما يعني بهذه العبارة سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز _ رحمه الله وغفر له _، ثم أردف قائلاً:( عندكم العلماء ...) ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).

ومما كان في هذه المحاضرة أيضاً: أنه راعى مشاعر طلبته الذين أحبُّوه من أعماق قلوبهم؛ حيث طلبوا منه الإطالة، فما تلبَّث بأسلوبٍ ماتعٍ مرحٍ أن أجاب المطلب، ومكث أكثر من ثلاث ساعات، أقرَّت أعين الطُّلاَّب.

(ب) والشيء بالشيء يذكر، وهنا أذكر طرفاً من إجلاله لشيخه ابن باز _ رحمه الله_ حيث خطب في إحدى خطبه في الشهر الثالث من عام 1420هـ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4))، وذكر في الخطبة كلاماً نقله عن سماحة الشيخ ابن باز _ رحمه الله _([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5))، فلما انتهى منه ترحَّم عليه قائلاً: اللهم ارحم واغفر لشيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز! ثم تذكر شيخه ابن سعدي فترحَّم عليه، ثم أعاد الترحُّم عليهما جميعا.
(فيا حبذا لو تُراجع ويعلن للناس ما خفي عليهم) وهذا يدل على تواضع الشيخ، وعرفانه لأهل الفضل فضلهم، وتقديره حقهم، وإجلاله لهم.


([1])وهي من أهمها.
([2])وبالمناسبة فثم سؤال طرحته عليه _ رحمه الله _ يأتي لاحقاً.
([3])والمحاضرة مسجلة في المكتبة السمعية بنادي الطلاب في شريطين، والتسجيل ليس بذاك!!.
([4])في الدورة الصيفية التي يعقدها كل سنة لطلاب العلم من كافة أنحاء العالم، وهي كانت أول دورة صيفية أحضرها قبيل مماته _ رحمه الله _، من مبتدأ شهر ربيع الأول حتى منتهاه من عام 1420هـ.
([5])وهذا يعني أن الخطبة كانت بعد وفاة الشيخ ابن باز بأسابيع قليلة؛ إذ كانت وفاته يوم الخميس 27/1/1420هـ، والسنة التي توفي فيها الشيخ ابن عثيمين، سنة 1421هـ، قبيل مغرب يوم الأربعاء 15/10/1421هـ._ رحمهما الله تعالى _.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-07 ||, 01:27 PM
الثانية:
وهي من السمات المهمة في تعليم الشيخ، وهذه من السمات التي _ في ظني _ أنها لم تطرق باهتمامٍ واسعٍ؛ لا سيَّما وأن دروس الشيخ لا تكاد تخلو منها، حرصه على طرح الإشكالات على الطلبة ومن ثم يقوم بحلِّها، وهي ميزة تندر في غيره، وفيها فوائد جمة؛ منها:

_ أنها تفتق ذهن طالب العلم في غرس التساؤل ومن ثم تدريبه على استظهار الجواب؛ كي تتشكَّل للطالب مَلَكَة الفَهْم، والقدرة على الاستنباط.

_ أنها تشوِّق الطالب وتوقفه على أسرار العلم، وروعته وجماله، وتحببه لاستخراج مكنون الفوائد ولطيف الفرائد.

_ أنها تنمِّي لدى الطالب الحرص على جمع الفائدة، وكسب المعرفة، وتولّد الخبرة لديه في تنظير المسائل، وتوسّع الدُّربة في تنظيمها.

؛ ولهذه الأسباب وغيرها كانت دروس الشيخ ماتعةً شيِّقة لا يملُّ من حضرها !!.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-08 ||, 06:18 AM
الثالثة:
وممَّا تتميَّز بها دروسه _ أيضاً _ أنه يسأل طلاَّبه ويناقشهم.

_ ففي الدورة الصيفية يراجع للطلاب قبلَ بدءِ كُلِّ درسٍ ما كان في الدرس السابق من مسائل العلم، بطرح الأسئلة عليهم؛ ولذا كان الطلاَّب يتهيَّبون فيراجعون الدرس جيداً؛ لئلا يقع على أحدٍ منهم الاختيار، ثم لا يُحِيْرُ جواباً، فيقع في حرجٍ من أمره، ولربَّما كنتُ أحدهم!!.

_ أمَّا دروسه السنوية في المسجد الحرام، فعلى فترتين، بعد صلاة الفجر وبعد صلاة التراويح وغالباً ما تكون في العشر الأواخر، وهي من أمتع الدروس وأجملها لتنوُّعها، فتجده مرَّةً يربط بين درس الأمس ويستكمله أو يستدرك أو يضيف عليه، وأخرى يفاجئنا بتعليقه على قراءة الإمام في الصلاة واستنباط الأحكام منها وذكر الفوائد، ولن تملَّ أُذُنٌ من سماع فتوحاتٍ يفتح الله بها عليه يتعجَّبُ المرءُ من سياقها واتِّساقها، ونظامها وانتظامها؛ من غير ترتيبٍ سابقٍ، أو تحضيرٍ مُعَدّ !!. ثمَّ ينقلنا بعدها في عالمٍ آخر من الإجابة على أسئلة الحاضرين، وترى التعامل مع الأسئلة بصنوفٍ شتَّى، كلٌّ بحسبه، دون رتابةٍ معتادةٍ، أو طريقةٍ موحَّدةٍ تجلب المَلَلَ، وتُدخِل على النَّفسِ السَّأَم، فكانت حلقاته حيَّةً حيويَّة>

وممَّا كان يحييها توجيهه أسئلةً للطلاَّب في ثنايا الدرس، وحين يختار الطالب للإجابة يأمره بالقيام وقوفاً للإجابة، فإن أصاب في الجواب شكره، أو شجَّعه، وربَّما دعا له،( أحسنت، بارك الله فيك، ونحوها ) ثم يأمره بالجلوس، وكم تقع من نفس الطالب موقعها!

ولا زلت أذكر أنه اختارني للجواب على سؤالٍ طرحه _ في المسجد الحرم _ عن الإتيان بآيةٍ من القرآن تدُلُّ على صفة العُلوِّ لله تعالى، فقمتُ واقفاً وأجبت بقول الله _ تعالى _: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } [ النساء: 158]، مع أن جوابي صحيحٌ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))؛ إلاَّ أنه كان يريد غيرها يرى أنها أدقُّ أو أوفق للجواب، فكانت الآية التي عناها الشيخ -رحمه الله- هي قول الحق _ تبارك وتعالى _ :{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }[فاطر:10].



([1]) والشيخ يقرِّر هذا في دروسه، كما قال في درسه لشرح العقيدة الواسطية في يوم الثلاثاء 15/3/1420هـ، عند شرحه لهذه الآية: (ففي الآية إثباتُ عُلُوِّ الله).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-09 ||, 01:37 PM
الرابعة:
أنه يعتني بتسوية الصفوف في الصلاة اعتناءً بالغاً، قد يُخيَّلُ لعامة الناس أنه مبالغٌ فيه، حتى إنه ليندب المؤذن أو غيره من طلبة العلم لينظر في الصفوف الخلفية الثاني والثالث وهكذا، حتى يرجع ويبلغه أنهم متراصون معتدلون، حينها يكبر للصلاة!

وما ذاك إلا لحرصه على تسوية الصفوف لإقامة الصلاة، لما جاء في الأدلة، وما أُثر عن سلف هذه الأمة.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-10 ||, 01:40 PM
الخامسة:
(أ) أنه ينهى بعد الصلاة المفروضة من يجلس متقدماً ولو بقليل على الصف _ كمن تربَّع مثلاً _، وهذه الصورة شائعة لا تكاد تخلو منها المساجد، ويرى أن ذلك من استدبار المؤمنين المنهي عنه في الحديث.

(ب) إطالته لصلاة الفجر، وقراءته من المطوَّل، ويظهر لمن صلى خلفه قوَّة حفظه وحافظته؛ إذ قلَّ أن يُخطئ في القراءة، وإن أخطأ فسريع المراجعة لنفسه قبل أن يفتح عليه أحدٌ من المأمومين.

أم طارق
12-09-10 ||, 02:45 PM
أنه ينهى بعد الصلاة المفروضة من يجلس متقدماً ولو بقليل على الصف _ كمن تربَّع مثلاً _
هلا وضحت أخي المقصود؟ كيف يجلس متقدما؟
وهل النهي كان عن التربع بالأخص أم عن التقدم فقط؟

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-13 ||, 09:38 PM
(أ) أنه ينهى بعد الصلاة المفروضة من يجلس متقدماً ولو بقليل على الصف _ كمن تربَّع مثلاً _،

هلا وضحت أخي المقصود؟ كيف يجلس متقدما؟
وهل النهي كان عن التربع بالأخص أم عن التقدم فقط؟
بارك الله فيكم أستاذة أم طارق على المتابعة والتعليق ...
مراده بالنهي -رحمه الله- مطلق التقدم.
وكأنه يرى المكوث في ذات الصف على ما كان الارتصاص في الصلاة؛ فلا يتقدم فيستدبر من معه في الصف، ولا يتأخر فيستدبر من خلفه في الصف.
وإنما البقاء على ذات المجاورة لمن على يمينه أو شماله، أو القيام من الصف!
وإنما مثلت بالجِلْسة أعلاه؛ لاشتهار فعلها عند الناس.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-15 ||, 04:51 PM
السادسة:
ممَّا جرت به عادته في نهاية الدورة العلمية في الصيف:
_ أن يبلغ الطلبة أن من أراد من أشرطته أو كتبه وكتب غيره شيئاً، فليكتب إليه، ثمَّ يمضي لمن شاء ما شاء من الكتب والأشرطة، وذلك على حسابه بالتنسيق مع مكتبة سكن الطلاب، أو المكتبة المجاورة للمسجد والتسجيلات التي تعنى بالتسجيل للشيخ ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

_ أنه يعطي مبلغاً من المال لكل طالب حضر الدورة وأقام بسكن الشيخ في حدود (50) أو (100) ريال إعانة منه لقضاء حوائجهم.

([1])وقد حصل لي شيء من هذا أبينه وأرفق صورته إن شاء الله من هذه الرسالة.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-17 ||, 02:51 PM
السابعة:
(أ) أنه يحضر في الدرس بمتنه الخاص معه، ويتابع من خلاله الدرس والقراءة، ويدهشك أنك ترى عليه أثر القِدم وتطاول الزمن، وهو لا يزال بمعية الشيخ وملازمته!!.

(ب) أنه قد يحاور أحد طلبته عند سؤاله أثناء الدرس، فيكون منه دون تكلف توجيه لهذا الطالب بكلامٍ نفيسٍ، فيصحّ أن يكون شطر بيتٍ لاستقامة وزنه، ثم يمازح الطالب ضاحكاً بقوله: وعليك الشطر الثاني([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

(ج) أنه يقرأ الأسئلة ويختارها وينتقيها بنفسه، ولا يقرأ إلا ما ختم باسم السائل أو كنيته، وإلاَّ فلا يقرأه، ويصرح بأنه لم يجد له اسماً. وقد يقرأ سؤالاً في نفسه فيجعله في جيبه، وذلك لاهتمامه به([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، أو لمزيد بحث أو لاحتياج تأمُّلٍ ونظرٍ أو نحو ذلك، وقد يصرح بمثل هذا.

([1])وقد حصل في الدورة العلمية صيف 1420هـ.
([2])وقد حصل لي شيء من هذا أبينه في النقطة _ التالية _ الثامنة.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-19 ||, 10:49 PM
الثامنة:
كان لي سؤال وجَّهته للشيخ في الدورة الصيفية نصُّه كالآتي:
في شِدَّةِ الصَّيفِ يعتري بشرة وجهي بين فترةٍ وأخرى إعياءٌ وتعبٌ مصحوبٌ بحرارةٍ ليس يفهمها إلا من عانى منها، فإذا توضَّأتُ لصلاة الظهر أغسل وجهي بالماء البارد ثلاثاً، وأزيد لا بنِيَّةِ الوضوءِ وإنَّما لإبرادِ الحرارةِ التي أجدها، فرآني زميلي _ وأنكر عليَّ بشدَّة _ وقال لي: هذا لا يجوز!، وذكر حديث ( فمن زاد فقد أساءَ وتعدَّى وظَلَم )، فقلت له: الشريعة أسمح من أن تمنعني من أن اطفئ حرارةً أجدها في بشرةِ الوجه.
والسؤال: ما صحَّة ما ذهب إليه؟، وهل يصحُّ الحديث الذي استدلَّ به، ثمَّ هل فعلي فيه محذور؟. (وجزاكم الله خيراً).

وأرسلت بورقة السؤال إليه وقد تماريت لونها وَصِفَتَها! فإذ به يرفعها بيده يقرؤها سراً، وأنا في انتظار إجابته، وتحرِّي إفادته.
فما أدهشني إلا أنه طواها وثناها ثم أدخلها في جيب الصدر من داخل فتحة الصدر في الثوب! لا الجيب الظاهر في الثوب.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-21 ||, 07:39 PM
التاسعة:

(أ) تنوُّع درسه، بحيث لا يملّ السامع منه، ولا يسأم الطالب له، ولو طال الدرس؛ وما ذاك إلا لتفنن الشيخ في سائر العلوم، وجميل عرضه، وحسن صياغته، يساعده في ذلك ما وهبه الله من جمال صوتٍ، وحسن بيان، وفصاحة لسان.

(ب) من هذا التنوع: إشعار الشيخ للطلاب اختياره في مسائل العلم، وسبب اختياره له، مدللاً ومعللاً، وفي هذا من إثراء فقه الطالب وفهمه ما لا يخفى.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-24 ||, 01:55 PM
العاشرة:
ابتسامته التي تبهج نفوس الطلبة، وتقربهم ولا تنفرهم، وتنشرح بها صدورهم، حين تصدر من عالم تضلع بالعلم، وامتلأ وجهه وضاءة بأنوار الإيمان، وترى محياه يتلألأ حسناً بآثار الطاعة، وعبادة الرحمن.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-09-27 ||, 06:50 PM
الحادية عشرة:
حرصه على التوجيه في الدروس سواءً ما كان اجتماعياً أو طبياً أو منهجياً أو سلوكياً ...إلخ.
وأذكر على سبيل المثال منها: التنبيه على كيفية شرب الماء حال العطش! لا سيما في وقت الصيف شديد الحر، وذلك بمزِّ الماء مزَّا، ورشفه وعدم شربه سكباً وعبّاً، ثم أخذ في تعليل ذلك؛ بأن المعدة تكون في حرارة ورطوبة فإذا صادفت الماء البارد دفعة واحدة فإن ذلك مما يضر بها.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-10-01 ||, 06:10 PM
الثانية عشرة:
حرصه على تطعيم دروسه بالموعظة، وما يوقظ الضمير، ويعلي الهمة، ويُشعر بالمسؤولية، وطالما يذكِّر بالله واليوم الآخر، وبالأنبياء، والصحابة، والسلف، ووجوب اتباعهم، كل ذلك يوظفه في موضعه، ويوجهه بحسب موقعه من النفس.
ولذلك يكثر ما يقول في حديثه: ( وأنا: أوصي إخواني، أحث، أنصح، أوجه، أؤكد، أنبه، أبين، أشير، أرشد ... إلخ )؛ مما يكون له الوقع الكبير على مسمع المتلقِّي.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-10-07 ||, 05:08 PM
الثالثة عشرة:
في حدود عام 1419هـ، أو أوائل عام 1420هـ، عقدت محاضرة بقاعة كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكان من ضمن الأسئلة سؤالٌ يتعلَّق بحكم جواز القنوت للمسلمين في الشيشان، فأجاب بما فتح الله عليه، ثم أعقب الجواب بذكر جراح أمة الإسلام؛ لأنه من طراز العلماء العاملين _نحسبه كذلك_ فهو يتفاعل مع أمته ألماً وأملاً، وذكر تكالب الأعداء على الأمة، ومن ضمن ما علق على استقلال تيمور الشرقية، بتعليق علا فيه صوته، واحمرَّ فيه وجهه، وكادت تخنقه العبرة التي لا إخالها إلا ذرفت من عينيه، وقال كلاماً مفاده: أَلأَنهم نصارى ينالون استقلالهم في بضعة أشهر! في حين أن كثيراً من بلاد المسلمين محرومة من إعطائها حرية الاستقلال...إلخ، حتى إنه جعل يضرب بيده مقبوضة على الطاولة عدة مرات ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).


([1]) وهذا فيه من استخدام أسلوب من أساليب التربية مالا يخفى على مُطَّلع.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-11-09 ||, 08:58 PM
الرابعة عشرة:
أتذكر جيداً مما وقر في قلبي، ووعته أذناي مما حدثنا به مشفقاً وملفتاً في العشر الأواخر من رمضان الأخير له في حياته، وشدد على ذلك: كراهته للخلاف، وتحذيره من تتبُّع الزَّلات، وذكر أنه وقف على عثراتٍ للعلماء خلال حياته ومسيرة بحثه واطلاعه! ومع ذلك رغب عنها! وعدل عن جمعها أو إبرازها! ذاكراً لحديث: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

وعلَّق عليه بتعليقٍ رقيقٍ يراجع في آخر دروسه لشهر رمضان في عامه الذي قبض فيه كما أسلفت آنفاً؛ ومفاده: أنه لولا خشيته من هذا؛ لجمع شيئاً كثيراً في هذا الباب! ولكن عفة لسانه تحجزه، وسلامة قلبه تمنعه، وخوف العاقبة تردعه!!

وهذا توجيه مُلحٌّ يحتاج إليه طلاَّب العلم اليوم، وخاصَّةً فئةً ممَّن عُنوا بالردود بطريقةٍ لا تخدم ما صبوا إليه من أنه الحق، بل تزيد الأمر سواءً، وتباعد الشُّقَّة بينهم وبين المردود عليهم، والعجب أن تجدها ظاهرةً اشتغل بها بعض صغار طلبة العلم، وصرفوا أوقاتهم فيما كان الأولى بهم التَّحصيل العلمي!، والأعجب أنك تجد عناوين ردودهم على طريقة الأشياخ القدماء سجعاً؛ غير أنها أقلُّ أدباً، وحين تتأملُّ في ثنايا ما كتبه تجد الشِّدَّة في الردّ، والحِدَّةَ في النَّقد، وكأنَّما سُلِّط على إخوانه المسلمين في حين غفلةٍ منهم، وتسائل نفسك حينها أين هو من قول _ الحقِّ تبارك وتعالى _ في وصفه لحال المؤمنين مع بعضهم، لا بغضهم!!:{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }[الفتح:29]، أضف على ذلك أنهم يؤصِّلون في أنفسهم _ شعروا أو لم يشعروا _ ضيقَ الأفق، ويجعلون أنفسهم في دائرة يدورون حولها، لا يخرجون منها إلا من رحم ربُّك منهم، وهم بذلك يشقُّون على أنفسهم، وربَّما أفسدوا أجواءَ حياتهم العلمية، فأثَّرت على تصرُّفاتهم العملية في شؤون الحياة كُلِّها؛ بل وأفقدتهم أعذب عيشٍ وأهنؤه، الخشوع في الصلاة، وسلامة الصدر في الحياة!!، ولكم كُتبت من سطورٍ أوغرت الصدور، وأثارت الفتنة والغرور!!.


([1])أخرجه الترمذي في جامعه (4/378)، في أَبْوَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْظِيمِ المُؤْمِنِ، ح(2032)، وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع وزياداته(2/1323).

أم طارق
12-11-09 ||, 10:01 PM
وهم بذلك يشقُّون على أنفسهم، وربَّما أفسدوا أجواءَ حياتهم العلمية، فأثَّرت على تصرُّفاتهم العملية في شؤون الحياة كُلِّها؛ بل وأفقدتهم أعذب عيشٍ وأهنؤه، الخشوع في الصلاة، وسلامة الصدر في الحياة!!، ولكم كُتبت من سطورٍ أوغرت الصدور، وأثارت الفتنة والغرور!!.
صدقت بارك الله فيك
ورحم الله شيخنا الجليل ورفع درجته في عليين

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-11-11 ||, 07:40 PM
صدقت بارك الله فيك
ورحم الله شيخنا الجليل ورفع درجته في عليين

اللهم آمين ...
وشكر الله لكم متابعتكم التي أتشرف بها ...، بل تحفز على المواصلة ...
كتب الله أجركم ...

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-12-01 ||, 08:09 AM
الخامسة عشرة:
وأذكر مما قاله -أيضاً- في العشر الأواخر من رمضان الأخير له في حياته، وشدد على ذلك: تعجُّبه من بعض الفقهاء في عدم العذر في مسائل الفقه للناسي والمخطئ؛ لقوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }[البقرة:286] ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

وقال كلاماً نفيساً بالإمكان مراجعته، والمتأمل لكلامه ونبرة صوته يستوحي باستشعار الشيخ _ لما ضمنه من نصيحة للعلماء في هذه المسألة _ لدنو الأجل وقرب الفراق، فما أجملها من نصيحة، وأصدقها وأبلغها، فلو روجعت ونشرت ودونت؛ لا سيما وأنها موجهة للخواص لكان ذلك حسناً، فقد كانت على هيئة وصية وجهها في آخر حياته للعلماء وطلبة العلم.





([1]) وقوله هذا، هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية _ رحمه الله _ في الفتاوى(25/226)، حيث قال: (( فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك، وحينئذٍ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكباً لما نهي عنه )).

عمر بن محمد أحمد
12-12-07 ||, 09:54 PM
رحم الله الشيخ ابن عثيمين .... وجزاك الله خيــراً

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
12-12-13 ||, 05:18 AM
رحم الله الشيخ ابن عثيمين .... وجزاك الله خيــراً
اللهم آمين ...
وإياكم أخي الكريم ...

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
13-01-10 ||, 11:16 AM
ولهذه الصفات وغيرها مما اجتمع في شخصيته الفذة كان له من التأثير البالغ في طلبته خاصة وفي المسلمين بعامة، حيث يرون منه هذه الصفات مع تجلُّده وصبره، وعزمه وحزمه؛ لا سيما وقد تقدَّمت به السن، ويتجلى ذلك في دروسه في الحرم المكي آخر حياته في رمضان من عام 1421هـ، تحت وطئة الألم، وشدَّة المرض، حيث تستمع لصوته المكلوم، وهو لا يكاد يبين الكلام، ولا يستطيع إخراج بعض الحروف مما به من الآلام، حتى إني قلت في نفسي شفقةً عليه مما أستشعر أنه يعانيه: ليته يسكت فإنا نعذره!!.

ولكني تذكرت قول الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا **** تعبت في مرادها الأجسام


فعرفت أن الذي يحمله على ذلك إنما هو قوَّة القلب، ورباطة الجأش، وصلابة الإيمان، وصدق اليقين.


نسأل الله تعالى أن يعلي درجة شيخنا في المهديين، ويرفع مقامه في العالمين، ويخلفه في عقبه في الغابرين، ويغفر لنا وله أجمعين ... آمين.
والحمد لله رب العالمين.

وكتبه أخوكم
عبدالحميد بن صالح بن عبدالكريم الكراني الغامدي([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
يوم التروية_(السبت)_ 8-12-1421هـ.


([1]) بكالوريوس كلية الشريعة قسم الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وملتحق ببرنامج الماجستير، قسم السياسة الشرعية، بالمعهد العالي للقضاء. (آنذاك).

أم طارق
13-01-10 ||, 11:44 AM
جزاك الله خيرا مشرفنا الفاضل على ما أتحفتنا به من قصص ووقفات أضاءت لنا جوانب من سيرة علم من أعلام الأمة
وهذا والله من البرّ وحسن العهد


نسأل الله تعالى أن يعلي درجة شيخنا في المهديين، ويرفع مقامه في العالمين، ويخلفه في عقبه في الغابرين، ويغفر لنا وله أجمعين ...


آمين

مركز نجيبويه
13-03-15 ||, 11:30 PM
جزاكم الله خيرا

الطيماوي
13-03-21 ||, 12:34 PM
شكرا بارك الله فيكم

بشرى عمر الغوراني
14-02-21 ||, 11:45 PM
جزاكم الله خيراً حضرة المشرف الفاضل.
أحياناً أستمع إلى دروسه التي تنقلها قناة ابن عثيمين الفضائية، فأغبط كل من كان حاضراً في تلك الدروس، وتتلمذ عليه..
رحم الله الشيخ العثمين رحمة واسعة وأعلى درجاته في عليين..

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
14-02-22 ||, 01:06 PM
جزاكم الله خيراً حضرة المشرف الفاضل.
أحياناً أستمع إلى دروسه التي تنقلها قناة ابن عثيمين الفضائية، فأغبط كل من كان حاضراً في تلك الدروس، وتتلمذ عليه..
رحم الله الشيخ العثمين رحمة واسعة وأعلى درجاته في عليين..
اللهم آمين، صدقت والله!
وإنه لشعور يملأ الجوانح حين أستمع لصوته أو صوت شيخنا ابن باز! عليهما الرحمة والرضوان.
ولو يعلم الإخوة فوق ما قلت أمراً آخر: أَنَّنا لمَّا انتقلنا بعد وفاة شيخنا ابن باز للحضور عند الشيخ ابن عثيمين في دروسه أصابتنا وحشة! على ما فيها من المتعة والفائدة!!
ولأول مرةٍ أبوح بهذا القول علناً؛ لمناسبته من جهتين:
الأولى: أَنَّ فيه معرفة لمقامات العظماء؛ وشيخنا ابن عثيمين رحمه الله هو القائل بعد وفاة ابن باز: أصبحنا بلا رأس!
الآخرى: أَنَّه أبعد عن سوء الظَّنِّ بي -إن شاء الله- في أن يفهم كلامي أنه لغرض النيل أو يحمل على التنقص من حقِّ شيخنا ابن عثيمين؛ معاذ الله؛ كلاهما عينان في رأس!

وقد كان لحلقة سماحة شيخنا ابن باز -رحمه الله- سكينة وجلالاً لم أجدها في حلقةٍ غيرها في حياتي!!
ولعل ذلك بعد ذكر الله بسبب كثرة الآثار التي تروى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ بالإضافة لأثرها الظاهر على الشيخ؛ ولعلي أفرغ لتسجيل خاطرة مماثلة عن شيخنا ابن باز بعد فراغي من رسالة الدكتوراه؛ أذكر المشاهد التي حضرتها من السنين الأربع الأخيرة في حياته ...

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
14-11-28 ||, 11:27 PM
الثلاثاء 09 شوال 1435 العدد (15286)
Tuesday 05/08/2014 Issue
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد id=8893&stc=1

في مثل هذا اليوم من عام 1421 للهجرة كان والدي رحمه الله تعالى، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، على فراش المرض المزمن في حجرته في الحرم المكي الشريف، وفي فجر ذلك اليوم أصابه تعب شديد فقرر الطبيب الدكتور عبدالرحمن النعيم نقله فوراً إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة، وبالفعل نقلناه رحمه الله بسيارة الإسعاف إلى المستشفى، وأدخل العناية الفائقة لمدة ست أو سبع ساعات تقريبا ثم بعدها بدأت حالته بالاستقرار شيئا فشيئا، أصبح الوقت الآن في آخر العصر تقريباً، طلب رحمه الله الرجوع إلى مكة وكنت أقول له: اليوم التاسع والعشرون، وقد يكون غداً العيد وبقاؤك في المستشفى أفضل صحيا، ومن هذا القبيل في محاولة لإقناعة بالبقاء في المستشفى بجدة، ولكن كل المحاولات لم تنجح في إقناعه، وكنت أحاول كسب الوقت معه إلى أن قال لي (يبي يودوننا ولا خذ لنا تكسي) وقتها عرفت أن لا مفر من الذهاب إلى مكة، وبالفعل، جهزنا سيارة الإسعاف وانطلقنا إلى الحرم بمكة، وكان في تلك المرحلة من المرض طوال الوقت يتنفس بمساعدة جهاز الأكسجين، وعند وصولنا إلى الحرم قمنا بإنزاله إلى مكان إقامته في الحرم وسط الزحام الشديد محمولا على الأكتاف بنقالة الإخلاء الخاصة بالإسعاف ووضعنا أسطوانة الأوكسجين بين قدميه، وكان قد تم الإعلان بأن الثلاثين هو المكمل لرمضان وبدأ الإمام بصلاة التراويح، وبعد أن استقر وأدى صلاة المغرب والعشاء وانتهت صلاة التراويح من ليلة الثلاثين بدأ رحمه الله بإلقاء آخر دروس في حياته، وكان في أدائه وهدوئه من أفضل الدروس التي ألقاها في رمضان ذلك العام، وبعد انتهاء الدرس التفت إليَّ وقال (شفت لوننا قعدنا بجدة فاتنا هالأجر العظيم..)

رحمك الله يا والدي، لقد ضربت أروع الأمثلة في الصبر والتضحية والاجتهاد في طلب ما عند الله.
- إبراهيم بن محمد العثيمين

ام معتز
14-12-12 ||, 11:33 PM
السلام عليكم أهل الملتقى المبارك إشتقت إليكم جميعا وإلى مواضيعكم الهادفة الشيقة وبارك الله في الأستاذ الكريم الكراني على هذه الجلسات مع شيخنا رحمه الله ورفع منزلته في عليين ..آمين..
والله لا يزال صدى صوته في أذني مذ بداية التسعينات في أيام زواجي الأولى لما كان زوجي يسافر ويترك لي مجموعة من الأشرطة السمعية =للشيخ =ويطلب مني أن أكتب كامل الشريط ...ليستعين بدروسه في إثراء رسالته للماجستير في أصول الفقه...وقد كنت في الأول أضجر من ذلك لصعوبة الأمر لكن لغة الشيخ وبساطته في الشرح جعلتني أستمتع بذلك خاصة وأن في دروسه كل ما تتوق له النفس من إستفسارات تحدث لكل مسلم ولا يجد لها جواب ..اللهم اجعل هذا العمل في ميزان حسناتكم ..ورحم الله شيخنا وكل علماء الأمة الإسلامية ..