المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما مذهب الحنفية في التخصيص بالقياس؟



بسام عمر سيف
12-10-18 ||, 01:31 AM
نقل الغزالي وابن الحاجب وكذا الأسنوي جواز تخصيص العموم عند الحنفية بينما في مؤلفاتهم ككشف الأسرار نقل عدم الجواز فياحبذا من المشايخ الأفاضل زيادة تحقيق في المسألة

عمرو بن الحسن المصري
12-10-19 ||, 02:02 AM
السلام عليكم

اعلم -رحمك الله- أن عدم قبول خبر الواحد إذا خالف الكتاب: من القواعد المتفق عليها لدى الحنفية والمحدثين، والمُخالفة معناها مناقضة الحديث لدلالة القرآن القطعية؛ فقد ذكر المحدثون علامات يُستدل بها على وضع الحديث؛ منها: أن يكون الحديث مناقضًا دلالة القرآن القطعية أو السنة المتواتر أو الإجماع القطعي، مع عدم إمكان الجمع والتوفيق. انظر: تدريب الراوي (1/ 276)، ومنهج النقد في علوم الحديث ص(315)، والسنة قبل التدوين ص(144).
واختلف العلماء في دلالة العام والمطلق في القرآن؛ هل هي قطعية أم ظنية؟ فذهب الحنفية إلى أنها قطعية، فإذا خالف خبر الواحد عموم أو إطلاق القرآن لم يُقبل؛ لأنه يكون بذلك مُخالفًا لدلالة القرآن القطعية، ولم يجوزوا تخصيص العام وتقييد المطلق به، وذهب جمهور العلماء إلى أنها ظنية، وقبلوا خبر الواحد إذا تعارض معها، وجوزوا تخصيص العام وتقييد المطلق بع، ويتضح من ذلك أن خلاف الحنفية مع الجمهور يتمثل في مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
المسألة الثانية: تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، وهو ما يُسميه الحنفية بالزيادة على النص أو النسخ بالزيادة.
وسأكتفي بذكر التفصيل في المسألة الأولى اقتصارًا على ما ورد بالموضوع.
(تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد):
ذهب الحنفية إلى عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأن عمومات القرآن عندهم قطعية وخبر الواحد ظني، والظنيُّ لا يُعارض القطعيَّ، وأما الفقهاء الذين غلب عليهم الأثر؛ كالشافعي فيخصصون عام القرآن بخبر الواحد. انظر: نهاية السول للإسنوي (2/ 459).
ولتوضيح مبنى الخلاف في هذه المسألة نبدأ بتعريف العام والخاص وذكر دلالة العام.
تعريف العام: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد. انظر: أصول السرخسي (1/ 125)، ومسلم الثبوت (1/ 192).
وعرَّفه البزدوي بقوله: كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنًى. انظر: أصول البزدوي (1/ 30)، وكشف الأسرار (1/ 30)، وأصول السرخسي (1/ 24)، والتوضيح (1/ 33).
تعريف الخاص: كل لفظ وَضِع لمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المُشاركة، وكل اسم وُضِع لمسمى معلوم على الانفراد. انظر: كشف الأسرار (1/ 30)، وأصول السرخسي (1/ 24)، والتوضيح على التلويح (1/ 33).
تعريف التخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل. راجع: أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 254).
اتفق جمهور العلماء على جواز تخصيص العام بدليل بصرفه عن عمومه إلى إرادة بعض الأفراد التي يتناولها، ولكنهم اختلفوا في الدليل الصارف له عن العموم، هل يشترط أن يكون مقارنًا للعام ومستقلًا عن جملته أو لا؟
فذهب الجمهور إلى أن التخصيص يكون بالدليل المستقل عن العام وغير المستقل، وسواء اكان متصلًا به أم منفصلًا. راجع: إحكام الآمدي (2/ 407، 417)، ونهاية السول (2/ 374، 407).
والمُراد بالمستقل: الكلام التام الذي يستقل بنفسه ومعناه. والمتصل: المذكور مع النص العام الذي اشتمل عليه اللفظ بدون تراخٍ عنه في النزول. والمنفصل: ما لا يكون مذكورًا مع النص العام. راجع: أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 255).
وذهب الحنفية إلى أنه يُشترط في دليل التخصيص أن يكون مستقلًا مقترنًا.
يقول عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (1/ 306): التخصيص لغةً: تمييز بعض الجملة بحكم؛ ولهذا يُقال: خُصَّ فلان بكذا. وفي اصطلاع هذا العلم: اختلفت عبارات الأصوليين فيه، والحد الصحيح على مذهبنا أن يُقال: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن. واحترزنا بقولنا مستقل عن الصفة والاستثناء، وبقولنا مقترن عن الناسخ، فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون نسخًا لا تخصيصًا. اهـ. وراجع: مسلم الثبوت (1/ 233- 288)، والتلويح على التوضيح (1/ 42).
فالكلام غير المستقل وهو الاستثناء المتصل وبدل البعض والصفة والشرط والغاية لا يعتبر ضمن المخصصات عند الحنفية، وأما الكلام المستقل فيفرقون بين المتصل والمنفصل، فيعتبرون الأول تخصيصًا والثاني نسخًا، وهذا التفريق مبنيٌّ على قاعدة عندهم مؤداها: أن البيان يجب ألا يتأخر عن وقت الحاجة؛ فالشارع إذا أراد بالعام من أول الأمر بعض أفراده قرنه بما يدل على مُراده من المخصصات؛ حتى لا يقع التجهيل الذي يتنزه الشارع الحكيم عنه، فإذا ورد العام من غير مخصص دلَّ على أن الشارع يريد جميع أفراده ابتداء، فإذا جاء بعد ذلك نصٌّ يُخرج من العام بعض ما كان داخلًا فيه كان ناسخًا لا مخصصًا؛ فالخارج من العام بالتخصيص لم يدخل فيه ابتداءً، والخارج منه بالنسخ دخل فيه ابتداءً. انظر: أصول التشريع الإسلامي للأستاذ علي حسب الله ص(209- 212).
فالتخصيص عند الجمهور أشمل وأعم منه عند الحنفية، ودليل التخصيص غير المستقل كالشرط والاستثناء يُسمى عند الحنفية قصرًا لا تخصيصًا، وغير المقارن يُسمى نسخًا ضمنيًّا. انظر: أصول الفقه الزحيلي (1/ 263).
-دلالة العام: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن دلالة العام على جميع أفراده ظنية، والمذهب المختار لدى الحنفية: أن دلالة قطعية إذا لم يخص منه البعض، فإن خصَّ منه البعص فدلالته على الباقي ظنية. انظر: أصول الفقه للزحيلي (1/ 250).
قال البزدوي في أصوله (1/ 291، 296): العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعًا ويقينًا بمنزلة الخاص فيما يتناوله. وقال الشافعي: العام يوجب الحكم لا على اليقين وعلى هذا مسائله. اهـ.
ثم قال البزدوي في أصوله (1/ 308، 309): الصحيح من مذهبنا أن العام يبقى حجة بعد الخصوص معلومًا كان المخصوص أو مجهولًا إلا أن فيه ضرب شبهة، وذلك مثل قول الشافعي في العموم قبل الخصوص، ودلالة صحة هذا المذهب إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم الذي خصَّ، ودلالة أن فيه شبهة إجماعهم على جواز التخصيص بالقياس والآحاد، وذلك دون خبر الواحد حتى صحت معارضته بالقياس. اهـ.
وقد انبنى على دلالة العام الاختلاف في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فرأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص العام القطعي بالظني؛ لأن دلالة العام على أفراده قطعية، وقطعي الكتاب لا يصح تخصيصه بالظني كخبر الواحد؛ لأن التخصيص عندهم تغير، ومغير القطعي لا يكون ظنيًّا، وأجاز الجمهور هذا التخصيص؛ لأن دلالة العام على أفراده ظنية، فيجوز تخصيصه بالدليل الظني كخبر الواحد. انظر: أصول الفقه للزحيلي (1/ 250).
قال البزدوي في أصوله (1/ 294): وقد قال عامة مشايخنا: إن العام الذي لم يثبت خصوصه لا يحتمل الخصوص بخبر الواحد والقياس، هذا هو المشهور. اهـ.
وقال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (1/ 294): العام من الكتاب والسنة المتواترة الذي لم يثبت خصوصه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس؛ لأنهما ظنيان فلا يجوز تخصيص القطعي بهما؛ لأن التخصيص بطريق المعارضة والظني لا يعارض القطعي، وهذا المشهور من مذهب علمائنا ونُقل ذلك عن أبي بكر الجصاص وعيسى بن أبان، وهو قول أكثر أصحاب أبي حنيفة. اهـ.
ويقول البزدوي في أصوله (3/ 8) معلِّلًا الحكم بانقطاع الحديث إذا خالف الكتاب: الكتاب ثابت يقين فلا يترك بما فيه شبهة، ويستوي في ذلك الخاص والعام والنص والظاهر؛ حتى إن العام من الكتاب لا يُخص بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله، ولا يُزاد على الكتاب بخبر الواحد عندنا، ولا يُترك الظاهر من الكتاب ولا يُنسخ بخبر الواحد وإن كان نصًّا؛ لأن المتن أصل والمعنى فرع له، والمتن من الكتاب فوق المتن من السنة لثبوته ثبوتًا بلا شبهة فيه، فوجب الترجيح به قبل المصير إلى المعنى.
فلذلك نقول: إنه لا يقبل خبر الواحد في نسخ الكتاب، ويقبل فيما ليس من كتاب الله على وجه لا ينسخه، ومن رد أخبار الآحاد فقد أبطل الحجة فوقع في العمل بالشبهة وهو القياس، أو استصحاب الحال الذي ليس بحجة أصلًا، ومَن عَمِل بالآحاد على مُخالفة الكتاب ونسخه فقد أبطل اليقين، والأول فتح باب الجهل والإلحاد، والثاني فتح باب البدعة، وإنما سواء السبيل فيما قاله أصحابنا في تنزيل كل منزلته. اهـ.
وقال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 9): خبر الواحد إذا كان مخالفًا لنص الكتاب أو للسنة المتواترة أو للإجماع لم يُقبل؛ لأن هذه الأدلة قطعية وخبر الواحد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجهٍ؛ بل الظني يسقط بمقابله القطعي، فإن خالف خبر الواحد عموم الكتاب أو ظاهره فهو محل الخلاف، عندنا لا يجوز تخصيص العموم وترك الظاهر وحمله على المجاز بخبر الواحد، كما لا يجوز ترك الخاص والنص من الكتاب به، حتى إن العام من الكتاب مثل قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا) [آل عمران: 97] لا يُخص بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم) -أخرجه البخاري (1832)، ومُسلم (3370). وليس هذا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول لعمرو بن سعيد قاله عندما كان يُرسل البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، فأخبره أبو شريح العدوي بحديث يدل على حرمة القتال بمكة فرد عليه بهذا القول، قال الحافظ في الفتح (4/ 45): وقد وهم من عَدَّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتج بما تضمنه من كلامه-. ولا يُترك ظاهر قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالبَيْتِ العَتِيقِ) [الحج: 29] بقوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) -أخرجه الترمذي (975)-. ولا ظاهر قوله: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) [المائدة: 6] الآية بحديث التسمية. وعند الشافعي وعامة الأصوليين يجوز تخصيص العموم به ويثبت التعارض بينه وبين ظاهر لاكتاب، وعموماتُه لا توجب اليقين عندهم، وإنما تفيد غلبة الظن كخبر الواحد، فيجوز تخصيصها ومعارضتها به عندهم. اهـ.
وقال السرخسي في أصوله (1/ 364): إذا كان الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى فإنه لا يكون مقبولًا، ولا حجة للعمل به عامًّا كانت الآية أو خاصًّا نصًّا أو ظاهرًا عندنا، على ما بينا أن تخصيص العام بخبر الواحد لا يجوز ابتداءً، وكذلك ترك الظاهر فيه والحمل على نوع من المجاز لا يجوز بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي؛ لأن الكتاب متيقن به وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله صلى الله عليه وسلم شبهة فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة، والعام والخاص في هذا سواء لما بينا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعًا كالخاص، وكذلك النص والظاهر سواء؛ لأن المتن من الكتاب متيقن به، ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة لاحتمال النقل بالمعنى، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما بالترجيح من حيث المتن أولًا إلى أن يجئ إلى المعنى، ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد، فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلًا ظاهرًا على الزيافة فيه. اهـ.
وقال أبو بكر الجصاص في الفصول في الأصول (1/ 155): وأما تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد والقياس، فإن ما كان من ذلك ظاهر المعنى بَيِّن المراد غير مفتقر إلى البيان مما لم يثبت خصوصه بالاتفاق، فإنه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس، وما كان من ظاهر القرآن أو السنة قد ثبت خصوصه بالاتفاق، أو كان في اللفظ احتمال للمعاني، أو اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد، أو كان اللفظ في نفسه مجملًا مفتقرًا إلى البيان، فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به، وكذلك يجوز تخصيص ما كان هذا وصفه بالقياس، وهذا عندي مذهب أصحابنا وعليه تدل أصولهم ومسائلهم.
وقد قال عيسى بن أبا رحمه الله في كتابه الحجج الصغير: لا يُقبل خبر خاص في رد شئ من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصًّا أو منسوخًا، حتى يجئ ذلك مجيئًا ظاهرًا يعرفه الناس ويعلمون به؛ مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة على عمتها؛ فإذا جاء هذا المجئ فهو مقبول؛ لأنه مثله لا يكون وهمًا. وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص، وكان ظاهر معناه بيان السنن والأحكام، أو كان ينقض سنة مُجمعًا عليها، أو يُخالف شيئًا من ظاهر القرآن، فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك، حُمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ، وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة من اهل العلم فالأخبار مقبولة فيمن عُني بها، ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما يأتيهم في ذلك من الأخبار وأشبهها بالسنن.
قال الجصاص: فنص عيسى بن أبان على أن ظاهر القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق لا يخص بخبر الواحد، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الصدر الأول عندنا. اهـ.
وقال صاحب فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (1/ 349): لا يجوز عند الحنفية تخصيص الكتاب بخبر الواحد ما لم يخص بقطعي الدلالة وثبوتًا، وأجاز الباقون من علماء الأصول مطلقًا سواء خُص بقطعي قبله أم لا. لنا أن الكتاب قطعي من كل وجه؛ لأن المتن متواتر والعام قطعي الدلالة، والخبر ظني متنًا لأنه خبر الواحد فلا يخصه، وبعد التخصيص يتساويان في الظنية؛ لأن العام المخصوص ظني؛ بل الخبر أقوى منه؛ لأن الظن فيه في الثبوت فقط دون الدلالة، بخلاف عام الكتاب فإنه صار ضعيفًا لأجل معارضة القياس على المخصص، الذي هو أضعف من الخبر، ثم الخبر إن كان مقارنًا فالتخصيص ظاهر، وإن كان متأخرًا فينبغي أن يكون ناسخًا؛ لأن المخصص وإن كان ثابتًا يجب مقارنته على ما هو التحقيق، وإن كان غير معلوم التاريخ فينبغي أن يعمل بالخبر ويؤول العام بالتخصيص بقوته من العام فتدبر؛ ولذا خصصوا البيوع الفاسدة الثابت فسادها بأخبار الآحاد من عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ) [البقرة: 275]. اهـ.
وقال صدر الشريعة في التوضيح على التنقيح (1/ 67): يجوز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد والقياس عند الشافعي؛ لأن كل عام يحتمل التخصيص وهو شائع فيه، وعندنا هو قطعي مساوٍ للخاص فلا يجوز تخصيصه بواحد منهما ما لم يخص بقطعي؛ لأن اللفظ متى وضع لمعنى كان ذلك المعنى لازمًا له إلا أن تدل قرينة على خلافه، ولو جاز إرادة البعض بلا قرينة يرتفع الأمان عن اللغة والشرع بالكلية؛ لأن خطابات الشرع عامة والاحتمال الغير ناشئ عن الدليل لا يعتبر، فاحتمال الخصوص هنا كاحتمال المجاز في الخاص فالتأكيد يجعله محكمًا، فإنْ تعارض الخاص والعام فإنْ لم يُعلم التاريخ حمل على المقارنة، فعند الشافعي يخص به، وعندنا يثبت حكم التعارض في قدر ما تناولاه، وإن كان العام متأخرًا ينسخ الخاص عندنا، وإن كان الخاص متأخرًا فإن كان موصولًا يخصصه، وإن كان متراخيًا ينسخه في ذلك القدر عندنا حتى لا يكون العام عامًّا مخصصًا. اهـ.
قال الشافعي في اختلاف الحديث بهامش الأم (8/ 596): قول من قال تُعرض السنة على القرآن فإن وافقت ظاهره وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث جَهْلٌ. اهـ. وراجع: نهاية السول (3/ 173).
وقال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (2/ 472): يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة، أما كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه خلافًا، وأما إذا كانت من أخبار الىحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، ومن الناس من منع ذلك مطلقًا، ومنهم من فضَّل وهؤلاء اختلفوا: فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا فلا. وذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خُصَّ بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا فلا. والمختار مذهب الأئمة. اهـ.
وقال الزركشي في البحر المحيط (3/ 364): يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، فإن الخبر يتسلط على فحواه، وفحواه غير مقطوع به. والقول الثاني: المنع مطلقًا وبه قال بعض الحنابلة كما حكاه أبو الخطا ونقله الغزالي في المنخول -1/ 174- عن المعتزلة؛ لأن الخبر لا يقطع بأصله بخلاف القرآن، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء. والقول الثالث: التفصيل بين ما دخله التخصيص وما لم يدخله، فإن لم يدخله يبقى على حقيقته، وما دخله بقي مجازًا وضعفت دلالته. وحكى إمام الحرمين عن عيسى بن أبان أنه إن خص بقطعي جاز تخصيص باقيه بخبر الواحد وإلا فلا يجوز تخصيصه به. وقال الكرخي: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن كان بمتصل فلا. اهـ. بتصرف.
قال في المحصول -للرازي (3/ 147)-: فأما قول عيسى بن أبان والكرخي فمبنيان على حرف واحد، وهو أن العام المخصوص عند عيسى مجاز، والمخصوص بالدليل المنفصل عن الكرخي مجاز، وإذا صار مجازًا صارت دلالته مظنونة ومتنه مقطوع، وخبر الواحد متنه مظنون ودلالته مقطوعة فيحصل التعادل، فأما قبل ذلك فإنه حقيقة في العموم فيكون قاطعًا في متنه ودلالته فلا يُرجَّح عليه المظنون. اهـ.
وقال بعض المحققين من الحنفية: لا خلاف بين أصحابنا في أن العام إذا خص منه شئ بدليل مقارن جاز تخصيصه بعد ذلك متراخيًا، وأما العام الذي لم يخص منه شئ فلا يجوز تخصيصه ابتداءً بدليل متأخر عنه عند الكرخي وعامة المتأخرين من أصحابنا، وعند بعض أصحابنا وأكثر الشافعية يجوِّز تخصيصه متراخيًا ابتداء كما يجوز متصلًا. انظر: البحر المحيط (3/ 365).
وقال الشاطبي في الموافقات (3/ 18): فإذا تقرر هذا فقد فرضوا في كتاب الأخبار مسألة مختلفًا فيها، ترجع إلى الوفاق في هذا المعنى فقالوا: خبر الواحد إذا أكملت شروط إلا وهو غير مخالف للكتاب. وعند عيسى بن أبان يجب. فهذا الخلاف -كما ترى- راجع إلى الوفاق -وعلق الشيخ عبدالله دارز موضحًا كيفية الوفاق فقال: من حيث إنه لا يقبل إلا ما كان موافقًا ويرد ما كان مخالفًا، والخلاف بينهما في الطريق لمعرفة ذلك-.
وللمسألة أصل في السلف الصالح؛ فقد ردت عائشة حديث: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) بهذا الأصل نفسه لقوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [ النجم: 38، 39] وردت حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء لقوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام: 103] وإن كان عند غيرها غير مردود لاستناده إلى أصل آخر لا يناقض الآية، وهو ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة بأدلة قرآنية وسنة تبلغ القطع، ولا فرق بين صحة الرؤية في الدنيا والآخرة.
وفي الشريعة من هذا كثير جدًّا، وفي اعتبار السلف له نقل كثير، ولقد اعتمده مالك بن أنس في مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار، ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. قال: جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته. وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه. يشير إلى معارضة الحديث لقوله تعالى: (فَكُلُو مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 4]. اهـ.

راجع: كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث، لكيلاني محمد خليفة الصفحات (155- 164).

والله أعلم.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
12-10-19 ||, 07:11 PM
أخي الكريم بسام بارك الله فيكم
كثيراً ما يقع الخطأ في نسبة الأقوال لا سيما الأقوال الأصولية لكون الاختيارات الشخصية فيها أكثر من غيرها وللخطأ في هذا أسباب كثيرة منها :
- أن يكون المذهب أطلق في موضع وقيد في موضع فيحكي كل ما رأى .
- أو يكون في المذاهب مدارس متعددة فينقل كل عن مدرسة وكذا النقل عن الأئمة المشهورين والمتقدمين والمتأخرين .
- أو يقع ذلك على سبيل الخطأ والوهم إما خطأ في النقل أو خطأ في الفهم .
- أو يكون ذلك على سبيل الاستنباط من فرع أو على سبيل التخريج أو غير ذلك من الأسباب .

وعموما فالتخصيص بالقياس عند الحنفية فيه أقوال متعددة :
الأول :
جواز تخصيص العموم بالقياس مطلقاً وهو المنقول عن أبي حنيفة نفسه وبه قال بعض أتباعه ونقله بعضهم عن الكرخي .
وقد نقله عن أبي حنيفة الرازي في المحصول وابن الحاجب وابن الهمام في التحرير وغيرهم .
تيسير التحرير ( 1 / 321 ) الغنية في الأصول ( ص 70 ) مسائل الخلاف في أصول الفقه ص 134 ) المعتمد ( 2 / 811 ) الأقوال الأصولية للكرخي ( ص 60-61 ).

الثاني :
يجوز تخصيص العموم بالقياس إذا سبق تخصيص العام بمخصص آخر .وهذا قول أكثر الحنفية كما ذكر السرخسي والبزدوي .
ثم هم مختلفون في وصف المخصص السابق على أقوال :
1 - أنه يجوز مطلقا سواء كان المخصص السابق قطعيا أو ظنيا وهو قول بعضهم ونقله الجصاص عن الكرخي .
2 - أنه يجوز إذا كان المخصص السابق قطعيا فقط وهو اختيار الجصاص ونسبه لعيسى بن أبان .
3 - وبعضهم قال يجوز إذا كان المخصص السابق منفصلا وهو قول الكرخي وبعض الحنفية ولم يظهر لي نقل هذا القول منفرداً لأن الحنفية لا يخصصون إلا بمنفصل .
ينظر : أصول السرخسي ( 1 / 142 ) كشف الأسرار على أصول البزدوي ( 1 / 593 - 595 ) كشف الأسرار للنسفي ( 1 / 165 ) ميزان الأصول ( 1 / 469 - 471 ) الغنية في الأصول ( ص 69 ) تيسير التحرير ( 1 / 322 ) شرح ابن ملك على المنار ( ص 77-78 ) نهاية السول ( 5 / 123 ) الإحكام للآمدي ( 2 / 159 ) .

الثالث :
التوقف في القدر الذي تعارض فيه العام والقياس وهو قول البرذعي من الحنفية .
ينظر : كشف الأسرار للبخاري ( 1 / 605 ) كشف الأسرار للنسفي ( 1 / 166 )

بسام عمر سيف
12-10-20 ||, 02:20 AM
بارك الله في مشايخنا الكرام على ما اتحفتمونا به من كنز معرفتكم .
نفع الله بكم وزادكم بسطة في الجسم والعلم

عمرو بن الحسن المصري
13-09-22 ||, 04:24 PM
السلام عليكم



اعلم -رحمك الله- أن عدم قبول خبر الواحد إذا خالف الكتاب: من القواعد المتفق عليها لدى الحنفية والمحدثين، والمُخالفة معناها مناقضة الحديث لدلالة القرآن القطعية؛ فقد ذكر المحدثون علامات يُستدل بها على وضع الحديث؛ منها: أن يكون الحديث مناقضًا دلالة القرآن القطعية أو السنة المتواتر أو الإجماع القطعي، مع عدم إمكان الجمع والتوفيق. انظر: تدريب الراوي (1/ 276)، ومنهج النقد في علوم الحديث ص(315)، والسنة قبل التدوين ص(144).
واختلف العلماء في دلالة العام والمطلق في القرآن؛ هل هي قطعية أم ظنية؟ فذهب الحنفية إلى أنها قطعية، فإذا خالف خبر الواحد عموم أو إطلاق القرآن لم يُقبل؛ لأنه يكون بذلك مُخالفًا لدلالة القرآن القطعية، ولم يجوزوا تخصيص العام وتقييد المطلق به، وذهب جمهور العلماء إلى أنها ظنية، وقبلوا خبر الواحد إذا تعارض معها، وجوزوا تخصيص العام وتقييد المطلق بع، ويتضح من ذلك أن خلاف الحنفية مع الجمهور يتمثل في مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
المسألة الثانية: تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، وهو ما يُسميه الحنفية بالزيادة على النص أو النسخ بالزيادة.
وسأكتفي بذكر التفصيل في المسألة الأولى اقتصارًا على ما ورد بالموضوع.
(تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد):
ذهب الحنفية إلى عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأن عمومات القرآن عندهم قطعية وخبر الواحد ظني، والظنيُّ لا يُعارض القطعيَّ، وأما الفقهاء الذين غلب عليهم الأثر؛ كالشافعي فيخصصون عام القرآن بخبر الواحد. انظر: نهاية السول للإسنوي (2/ 459).
ولتوضيح مبنى الخلاف في هذه المسألة نبدأ بتعريف العام والخاص وذكر دلالة العام.
تعريف العام: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد. انظر: أصول السرخسي (1/ 125)، ومسلم الثبوت (1/ 192).
وعرَّفه البزدوي بقوله: كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنًى. انظر: أصول البزدوي (1/ 30)، وكشف الأسرار (1/ 30)، وأصول السرخسي (1/ 24)، والتوضيح (1/ 33).
تعريف الخاص: كل لفظ وَضِع لمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المُشاركة، وكل اسم وُضِع لمسمى معلوم على الانفراد. انظر: كشف الأسرار (1/ 30)، وأصول السرخسي (1/ 24)، والتوضيح على التلويح (1/ 33).
تعريف التخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل. راجع: أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 254).
اتفق جمهور العلماء على جواز تخصيص العام بدليل بصرفه عن عمومه إلى إرادة بعض الأفراد التي يتناولها، ولكنهم اختلفوا في الدليل الصارف له عن العموم، هل يشترط أن يكون مقارنًا للعام ومستقلًا عن جملته أو لا؟
فذهب الجمهور إلى أن التخصيص يكون بالدليل المستقل عن العام وغير المستقل، وسواء اكان متصلًا به أم منفصلًا. راجع: إحكام الآمدي (2/ 407، 417)، ونهاية السول (2/ 374، 407).
والمُراد بالمستقل: الكلام التام الذي يستقل بنفسه ومعناه. والمتصل: المذكور مع النص العام الذي اشتمل عليه اللفظ بدون تراخٍ عنه في النزول. والمنفصل: ما لا يكون مذكورًا مع النص العام. راجع: أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 255).
وذهب الحنفية إلى أنه يُشترط في دليل التخصيص أن يكون مستقلًا مقترنًا.
يقول عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (1/ 306): التخصيص لغةً: تمييز بعض الجملة بحكم؛ ولهذا يُقال: خُصَّ فلان بكذا. وفي اصطلاع هذا العلم: اختلفت عبارات الأصوليين فيه، والحد الصحيح على مذهبنا أن يُقال: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن. واحترزنا بقولنا مستقل عن الصفة والاستثناء، وبقولنا مقترن عن الناسخ، فإنه إذا تراخى دليل التخصيص يكون نسخًا لا تخصيصًا. اهـ. وراجع: مسلم الثبوت (1/ 233- 288)، والتلويح على التوضيح (1/ 42).
فالكلام غير المستقل وهو الاستثناء المتصل وبدل البعض والصفة والشرط والغاية لا يعتبر ضمن المخصصات عند الحنفية، وأما الكلام المستقل فيفرقون بين المتصل والمنفصل، فيعتبرون الأول تخصيصًا والثاني نسخًا، وهذا التفريق مبنيٌّ على قاعدة عندهم مؤداها: أن البيان يجب ألا يتأخر عن وقت الحاجة؛ فالشارع إذا أراد بالعام من أول الأمر بعض أفراده قرنه بما يدل على مُراده من المخصصات؛ حتى لا يقع التجهيل الذي يتنزه الشارع الحكيم عنه، فإذا ورد العام من غير مخصص دلَّ على أن الشارع يريد جميع أفراده ابتداء، فإذا جاء بعد ذلك نصٌّ يُخرج من العام بعض ما كان داخلًا فيه كان ناسخًا لا مخصصًا؛ فالخارج من العام بالتخصيص لم يدخل فيه ابتداءً، والخارج منه بالنسخ دخل فيه ابتداءً. انظر: أصول التشريع الإسلامي للأستاذ علي حسب الله ص(209- 212).
فالتخصيص عند الجمهور أشمل وأعم منه عند الحنفية، ودليل التخصيص غير المستقل كالشرط والاستثناء يُسمى عند الحنفية قصرًا لا تخصيصًا، وغير المقارن يُسمى نسخًا ضمنيًّا. انظر: أصول الفقه الزحيلي (1/ 263).
-دلالة العام: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن دلالة العام على جميع أفراده ظنية، والمذهب المختار لدى الحنفية: أن دلالة قطعية إذا لم يخص منه البعض، فإن خصَّ منه البعص فدلالته على الباقي ظنية. انظر: أصول الفقه للزحيلي (1/ 250).
قال البزدوي في أصوله (1/ 291، 296): العام عندنا يوجب الحكم فيما تناوله قطعًا ويقينًا بمنزلة الخاص فيما يتناوله. وقال الشافعي: العام يوجب الحكم لا على اليقين وعلى هذا مسائله. اهـ.
ثم قال البزدوي في أصوله (1/ 308، 309): الصحيح من مذهبنا أن العام يبقى حجة بعد الخصوص معلومًا كان المخصوص أو مجهولًا إلا أن فيه ضرب شبهة، وذلك مثل قول الشافعي في العموم قبل الخصوص، ودلالة صحة هذا المذهب إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم الذي خصَّ، ودلالة أن فيه شبهة إجماعهم على جواز التخصيص بالقياس والآحاد، وذلك دون خبر الواحد حتى صحت معارضته بالقياس. اهـ.
وقد انبنى على دلالة العام الاختلاف في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فرأى الحنفية أنه لا يجوز تخصيص العام القطعي بالظني؛ لأن دلالة العام على أفراده قطعية، وقطعي الكتاب لا يصح تخصيصه بالظني كخبر الواحد؛ لأن التخصيص عندهم تغير، ومغير القطعي لا يكون ظنيًّا، وأجاز الجمهور هذا التخصيص؛ لأن دلالة العام على أفراده ظنية، فيجوز تخصيصه بالدليل الظني كخبر الواحد. انظر: أصول الفقه للزحيلي (1/ 250).
قال البزدوي في أصوله (1/ 294): وقد قال عامة مشايخنا: إن العام الذي لم يثبت خصوصه لا يحتمل الخصوص بخبر الواحد والقياس، هذا هو المشهور. اهـ.
وقال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (1/ 294): العام من الكتاب والسنة المتواترة الذي لم يثبت خصوصه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس؛ لأنهما ظنيان فلا يجوز تخصيص القطعي بهما؛ لأن التخصيص بطريق المعارضة والظني لا يعارض القطعي، وهذا المشهور من مذهب علمائنا ونُقل ذلك عن أبي بكر الجصاص وعيسى بن أبان، وهو قول أكثر أصحاب أبي حنيفة. اهـ.
ويقول البزدوي في أصوله (3/ 8) معلِّلًا الحكم بانقطاع الحديث إذا خالف الكتاب: الكتاب ثابت يقين فلا يترك بما فيه شبهة، ويستوي في ذلك الخاص والعام والنص والظاهر؛ حتى إن العام من الكتاب لا يُخص بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله، ولا يُزاد على الكتاب بخبر الواحد عندنا، ولا يُترك الظاهر من الكتاب ولا يُنسخ بخبر الواحد وإن كان نصًّا؛ لأن المتن أصل والمعنى فرع له، والمتن من الكتاب فوق المتن من السنة لثبوته ثبوتًا بلا شبهة فيه، فوجب الترجيح به قبل المصير إلى المعنى.
فلذلك نقول: إنه لا يقبل خبر الواحد في نسخ الكتاب، ويقبل فيما ليس من كتاب الله على وجه لا ينسخه، ومن رد أخبار الآحاد فقد أبطل الحجة فوقع في العمل بالشبهة وهو القياس، أو استصحاب الحال الذي ليس بحجة أصلًا، ومَن عَمِل بالآحاد على مُخالفة الكتاب ونسخه فقد أبطل اليقين، والأول فتح باب الجهل والإلحاد، والثاني فتح باب البدعة، وإنما سواء السبيل فيما قاله أصحابنا في تنزيل كل منزلته. اهـ.
وقال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 9): خبر الواحد إذا كان مخالفًا لنص الكتاب أو للسنة المتواترة أو للإجماع لم يُقبل؛ لأن هذه الأدلة قطعية وخبر الواحد ظني، ولا تعارض بين القطعي والظني بوجهٍ؛ بل الظني يسقط بمقابله القطعي، فإن خالف خبر الواحد عموم الكتاب أو ظاهره فهو محل الخلاف، عندنا لا يجوز تخصيص العموم وترك الظاهر وحمله على المجاز بخبر الواحد، كما لا يجوز ترك الخاص والنص من الكتاب به، حتى إن العام من الكتاب مثل قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا) [آل عمران: 97] لا يُخص بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم) -أخرجه البخاري (1832)، ومُسلم (3370). وليس هذا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول لعمرو بن سعيد قاله عندما كان يُرسل البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، فأخبره أبو شريح العدوي بحديث يدل على حرمة القتال بمكة فرد عليه بهذا القول، قال الحافظ في الفتح (4/ 45): وقد وهم من عَدَّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتج بما تضمنه من كلامه-. ولا يُترك ظاهر قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالبَيْتِ العَتِيقِ) [الحج: 29] بقوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) -أخرجه الترمذي (975)-. ولا ظاهر قوله: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) [المائدة: 6] الآية بحديث التسمية. وعند الشافعي وعامة الأصوليين يجوز تخصيص العموم به ويثبت التعارض بينه وبين ظاهر لاكتاب، وعموماتُه لا توجب اليقين عندهم، وإنما تفيد غلبة الظن كخبر الواحد، فيجوز تخصيصها ومعارضتها به عندهم. اهـ.
وقال السرخسي في أصوله (1/ 364): إذا كان الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى فإنه لا يكون مقبولًا، ولا حجة للعمل به عامًّا كانت الآية أو خاصًّا نصًّا أو ظاهرًا عندنا، على ما بينا أن تخصيص العام بخبر الواحد لا يجوز ابتداءً، وكذلك ترك الظاهر فيه والحمل على نوع من المجاز لا يجوز بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي؛ لأن الكتاب متيقن به وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله صلى الله عليه وسلم شبهة فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة، والعام والخاص في هذا سواء لما بينا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعًا كالخاص، وكذلك النص والظاهر سواء؛ لأن المتن من الكتاب متيقن به، ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة لاحتمال النقل بالمعنى، ثم قوام المعنى بالمتن فإنما بالترجيح من حيث المتن أولًا إلى أن يجئ إلى المعنى، ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد، فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلًا ظاهرًا على الزيافة فيه. اهـ.
وقال أبو بكر الجصاص في الفصول في الأصول (1/ 155): وأما تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد والقياس، فإن ما كان من ذلك ظاهر المعنى بَيِّن المراد غير مفتقر إلى البيان مما لم يثبت خصوصه بالاتفاق، فإنه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس، وما كان من ظاهر القرآن أو السنة قد ثبت خصوصه بالاتفاق، أو كان في اللفظ احتمال للمعاني، أو اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد، أو كان اللفظ في نفسه مجملًا مفتقرًا إلى البيان، فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به، وكذلك يجوز تخصيص ما كان هذا وصفه بالقياس، وهذا عندي مذهب أصحابنا وعليه تدل أصولهم ومسائلهم.
وقد قال عيسى بن أبا رحمه الله في كتابه الحجج الصغير: لا يُقبل خبر خاص في رد شئ من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصًّا أو منسوخًا، حتى يجئ ذلك مجيئًا ظاهرًا يعرفه الناس ويعلمون به؛ مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة على عمتها؛ فإذا جاء هذا المجئ فهو مقبول؛ لأنه مثله لا يكون وهمًا. وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص، وكان ظاهر معناه بيان السنن والأحكام، أو كان ينقض سنة مُجمعًا عليها، أو يُخالف شيئًا من ظاهر القرآن، فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك، حُمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ، وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة من اهل العلم فالأخبار مقبولة فيمن عُني بها، ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما يأتيهم في ذلك من الأخبار وأشبهها بالسنن.
قال الجصاص: فنص عيسى بن أبان على أن ظاهر القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق لا يخص بخبر الواحد، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الصدر الأول عندنا. اهـ.
وقال صاحب فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (1/ 349): لا يجوز عند الحنفية تخصيص الكتاب بخبر الواحد ما لم يخص بقطعي الدلالة وثبوتًا، وأجاز الباقون من علماء الأصول مطلقًا سواء خُص بقطعي قبله أم لا. لنا أن الكتاب قطعي من كل وجه؛ لأن المتن متواتر والعام قطعي الدلالة، والخبر ظني متنًا لأنه خبر الواحد فلا يخصه، وبعد التخصيص يتساويان في الظنية؛ لأن العام المخصوص ظني؛ بل الخبر أقوى منه؛ لأن الظن فيه في الثبوت فقط دون الدلالة، بخلاف عام الكتاب فإنه صار ضعيفًا لأجل معارضة القياس على المخصص، الذي هو أضعف من الخبر، ثم الخبر إن كان مقارنًا فالتخصيص ظاهر، وإن كان متأخرًا فينبغي أن يكون ناسخًا؛ لأن المخصص وإن كان ثابتًا يجب مقارنته على ما هو التحقيق، وإن كان غير معلوم التاريخ فينبغي أن يعمل بالخبر ويؤول العام بالتخصيص بقوته من العام فتدبر؛ ولذا خصصوا البيوع الفاسدة الثابت فسادها بأخبار الآحاد من عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ) [البقرة: 275]. اهـ.
وقال صدر الشريعة في التوضيح على التنقيح (1/ 67): يجوز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد والقياس عند الشافعي؛ لأن كل عام يحتمل التخصيص وهو شائع فيه، وعندنا هو قطعي مساوٍ للخاص فلا يجوز تخصيصه بواحد منهما ما لم يخص بقطعي؛ لأن اللفظ متى وضع لمعنى كان ذلك المعنى لازمًا له إلا أن تدل قرينة على خلافه، ولو جاز إرادة البعض بلا قرينة يرتفع الأمان عن اللغة والشرع بالكلية؛ لأن خطابات الشرع عامة والاحتمال الغير ناشئ عن الدليل لا يعتبر، فاحتمال الخصوص هنا كاحتمال المجاز في الخاص فالتأكيد يجعله محكمًا، فإنْ تعارض الخاص والعام فإنْ لم يُعلم التاريخ حمل على المقارنة، فعند الشافعي يخص به، وعندنا يثبت حكم التعارض في قدر ما تناولاه، وإن كان العام متأخرًا ينسخ الخاص عندنا، وإن كان الخاص متأخرًا فإن كان موصولًا يخصصه، وإن كان متراخيًا ينسخه في ذلك القدر عندنا حتى لا يكون العام عامًّا مخصصًا. اهـ.
قال الشافعي في اختلاف الحديث بهامش الأم (8/ 596): قول من قال تُعرض السنة على القرآن فإن وافقت ظاهره وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث جَهْلٌ. اهـ. وراجع: نهاية السول (3/ 173).
وقال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (2/ 472): يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة، أما كانت السنة متواترة فلم أعرف فيه خلافًا، وأما إذا كانت من أخبار الىحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، ومن الناس من منع ذلك مطلقًا، ومنهم من فضَّل وهؤلاء اختلفوا: فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا فلا. وذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خُصَّ بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا فلا. والمختار مذهب الأئمة. اهـ.
وقال الزركشي في البحر المحيط (3/ 364): يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور، وهو المنقول عن الأئمة الأربعة، فإن الخبر يتسلط على فحواه، وفحواه غير مقطوع به. والقول الثاني: المنع مطلقًا وبه قال بعض الحنابلة كما حكاه أبو الخطا ونقله الغزالي في المنخول -1/ 174- عن المعتزلة؛ لأن الخبر لا يقطع بأصله بخلاف القرآن، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء. والقول الثالث: التفصيل بين ما دخله التخصيص وما لم يدخله، فإن لم يدخله يبقى على حقيقته، وما دخله بقي مجازًا وضعفت دلالته. وحكى إمام الحرمين عن عيسى بن أبان أنه إن خص بقطعي جاز تخصيص باقيه بخبر الواحد وإلا فلا يجوز تخصيصه به. وقال الكرخي: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن كان بمتصل فلا. اهـ. بتصرف.
قال في المحصول -للرازي (3/ 147)-: فأما قول عيسى بن أبان والكرخي فمبنيان على حرف واحد، وهو أن العام المخصوص عند عيسى مجاز، والمخصوص بالدليل المنفصل عن الكرخي مجاز، وإذا صار مجازًا صارت دلالته مظنونة ومتنه مقطوع، وخبر الواحد متنه مظنون ودلالته مقطوعة فيحصل التعادل، فأما قبل ذلك فإنه حقيقة في العموم فيكون قاطعًا في متنه ودلالته فلا يُرجَّح عليه المظنون. اهـ.
وقال بعض المحققين من الحنفية: لا خلاف بين أصحابنا في أن العام إذا خص منه شئ بدليل مقارن جاز تخصيصه بعد ذلك متراخيًا، وأما العام الذي لم يخص منه شئ فلا يجوز تخصيصه ابتداءً بدليل متأخر عنه عند الكرخي وعامة المتأخرين من أصحابنا، وعند بعض أصحابنا وأكثر الشافعية يجوِّز تخصيصه متراخيًا ابتداء كما يجوز متصلًا. انظر: البحر المحيط (3/ 365).
وقال الشاطبي في الموافقات (3/ 18): فإذا تقرر هذا فقد فرضوا في كتاب الأخبار مسألة مختلفًا فيها، ترجع إلى الوفاق في هذا المعنى فقالوا: خبر الواحد إذا أكملت شروط إلا وهو غير مخالف للكتاب. وعند عيسى بن أبان يجب. فهذا الخلاف -كما ترى- راجع إلى الوفاق -وعلق الشيخ عبدالله دارز موضحًا كيفية الوفاق فقال: من حيث إنه لا يقبل إلا ما كان موافقًا ويرد ما كان مخالفًا، والخلاف بينهما في الطريق لمعرفة ذلك-.
وللمسألة أصل في السلف الصالح؛ فقد ردت عائشة حديث: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) بهذا الأصل نفسه لقوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [ النجم: 38، 39] وردت حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء لقوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام: 103] وإن كان عند غيرها غير مردود لاستناده إلى أصل آخر لا يناقض الآية، وهو ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة بأدلة قرآنية وسنة تبلغ القطع، ولا فرق بين صحة الرؤية في الدنيا والآخرة.
وفي الشريعة من هذا كثير جدًّا، وفي اعتبار السلف له نقل كثير، ولقد اعتمده مالك بن أنس في مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار، ألا ترى إلى قوله في حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. قال: جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته. وكان يضعفه ويقول: يؤكل صيده فكيف يكره لعابه. يشير إلى معارضة الحديث لقوله تعالى: (فَكُلُو مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 4]. اهـ.

راجع: كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث، لكيلاني محمد خليفة الصفحات (155- 164).

(تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد):
لمعرفة حُكم تقييد مُطلق الكتاب بخبر الواحد لا بُدَّ أولًا من التمهيد بذكر تعريف الخاص وحكمه، ومعنى المطلق والمقيد وحكم كل منهما.
تعريف الخاص: هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنى واحد على سبيل الانفراد.
أي أنه اللفظ الذي يدل على معنى واحد لا يقبل الشركة في ذات المعنى المقصود، سواء أكان ذلك المعنى جنسًا كحيوان، أم نوعًا كإنسان وكرجل، أم شخصًا كزيد، فما دام المُسمى المراد واحدًا غير متعدد مقطوع الشركة فهو الخاص.
حكم الخاص: يدل الخاص على معناه الذي وضع له على سبيل القطع واليقين، ولا يحتاج إلى بيان، فخاص القرآن قطعي في دِلالته لا يحتاج إلى بيان، وكل تغيير في حكمه بنصٍّ آخر هو نسخٌ له، فلا بد أن يكون الناسخ في قوَّة المنسوخ من حيث قوة الثبوت، فإذا لم يكن كذلك لم يُقبل على وجه يُنسخ القرآن - راجع كشف الأسرار (1/ 30)، والتوضيح على التلويح (1/ 33)، وأصول السرخسي (1/ 24)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 205)، أبو حنيفة لأبي زهرة ص(217).
معنى المطلق: هو اللفظ الخاص الذي يدل على فرد شائع أو أفراد على سبيل الشيوع ولم يتقيّد بصفة من الصفات.
حكم المطلق: والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل يدلّ على التقييد، وذلك إذا ورد مطلقًا في موضع، دون أن يتقيَّد في موضع آخر؛ مثل قوله تعالى في كفارة اليمين: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [المائدة: 89] فإن الرقبة بإطلاقها تدلُّ على إجزاء المؤمنة والكافرة.
فإن دلَّ الدليل على تقييد المطلق عُمِلَ بالقيد كما في قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: 21] فإن الوصية وردت مطلقة عن التقييد بمقدار معين، ولكن قام الدليل على تقييدها بالثُلث في الحديث المشهور: أن سعد بن أبي وقاص سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصية فقال: (الثُلث والثلث كثير) -أخرجه البخاري (2744)، ومُسلم (4296)-.
معنى المقيد: لفظ خاص يدل على فرد شائع مقيد بصفة من الصفات؛ فالخاص قُيِّدَ بما قلَّلَ شيوعه، والواقع أن المقيد هو مطلق لحقه قيد أخرجه من الإطلاق إلى التقييد.
حكم المقيد: المقيد يُعمل به على تقييده ما لم يدل دليل على إلغاء القيد، فيُلغى حينئذٍ القيد اللاحق به، مثاله في كفارة الظهار: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) [المجادلة: 4] ورد الصيام مقيدًا بتتابع الشهرين، وبكونه قبل العودة إلى التَّماس والاستمتاع بالزوجة التي ظاهر منها، فلا يُجزئ في كفارة الظهار تفريق الصيام، كما لا يجزئ كونه بعد الاستمتاع بالزوجة وإن كان متتابعًا - أصول الفقه الإسلامي (1/ 208)، وراجع: مسلم الثبوت (1/ 360)، والبحر المحيط (3/ 413).
وقد
اختلف الأصوليّون في تقييد مُطلق الكتاب بخبر الواحد، فذهب الجمهور إلى جوازه، وذهب الحنفية إلى المنع من ذلك، وهذا الخلاف مبنيٌّ على مسألة أخرى؛ وهي: هل الزيادة الطارئة على النص نسخ له أولا؟ فقال الجمهور: الزيادة تقييد أو تخصيص لا نسخ. وقال الحنفية: هي نسخ. ومحلُّ الخلاف فيما إذا تعلّقت الزيادة غير المُستقلة بحُكم المزيد عليه ووردت متأخرة عن المزيد عليه بحيث يُمكن النسخ.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف في إثبات تلك الزيادة بما لا يجوز النسخ به كخبر الواحد، فعند الحنفية الذي يَرَون أن تلك الزيادة نسخ لا تثبت الزيادة بخبر الواحد؛ لأن خبر الواحد لا ينسخ المتواتر وهو القرآن، وعند الجمهور الذين لا يرون أن تلك الزيادة نسخ يقولون: تثبت الزيادة بخبر الواحد - ويُراجع: أصول الفقه الإسلامي (2/ 1009)، والبحر المحيط (4/ 143)، وأصول السرخسي (2/ 82)، وكشف الأسرار (3/ 192)، والتقرير والتحبير (3/ 75).
وهذه الزيادة قد تكون بزيادة جزء في الواجب، كزيادة النفي في حدّ الزنا، عملًا بحديث: (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة) -أخرجه مسلم (4509)- زيادة على قوله تعالى في حدّ الزنا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2] فعند الحنفية النفي ليس من الحدّ، بل عقوبة تعزيرية موكولة للإمام، وجعله الجمهور جُزءًا من الحدّ - وفي تلك المسألة تفصيل يطول.
وقد تكون بزيادة شرط في الواجب كاشتراط النيَّة في الوضوء عملًا بحديث: (إنما الأعمال بالنيَّات) -أخرجه البخاري في فاتحة الجامع الصحيح، ومسلم (5036)- زيادة على مضمون قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: 6]؛ فعند الحنفية النية ليست شرطًا في الوضوء ولكنها مستحبة، وجعلها الجمهور شرطًا - وفي تلك المسألة تفصيل يطول أيضًا.
يقول صاحب فواتح الرحموت (2/ 91): وأما زيادة جزء في الواجب كالتغريب في حد الزنا أو زيادة شرط بعد إطلاق الواجب عنه، كاشتراط الإيمان في رقبة اليمين فهل هو نسخ لحكم المزيد عليه؟ فالحنفية قالوا: نعم نسخ. وهو المسمى عندهم بالنسخ بالزيادة، والشافعية والحنابلة وأكثر المعتزلة قالوا: لا نسخ.
ثم قال: لنا أن المطلق عن تلك الزيادة دلَّ على الإجزاء مطلقًا، سواء مع الزيادة أو مجردًا عنها بدلًا وليس هناك صارف عنه؛ لأن الكلام فيما لا صارف غير هذه الزيادة، وهي مفروضة الانتقاء زمان وجود المطلق فيحمل على الإطلاق ويدل عليه، والتقييد بجزء أو شرط يُنافيه فإنه يقتضي عدم الإجزاء بدونه، فيرفع هذا التقييد حكمًا شرعيًّا، وهو إجزاء الأفراد التي هي مجردة عن هذا التقييد، وهذا ظاهر جدًّا، ولأجل أن زيادة جزء أو شرط نسخ امتنع عندنا الزيادة بخبر الواحد على القاطع كالكتاب، وإلا لزم انتساخ القاطع بالمظنون. اهـ.
وقال صدر الشريعة -كما في شرح التلويح على التوضيح (2/ 75)-: أما زيادة الجزء فإنما تكون بثلاثة أمور: الأول: بالتخيير في اثنين بعدما كان الواجب واحدًا؛ فالزيادة هُنا ترفع حرمة ترك ذلك الواجب الواحد. والثاني: بالتخيير في الثلاثة بعدما كان الواجب أحد اثنين؛ فالزيادة هنا ترفع حرمة ترك أحد هذين الاثنين. والثالث: بإيجاب شئ زائد فالزيادة هنا ترفع إجزاء الأصل. وأما زيادة الشرط فإنها ترفع إجزاء الأصل. وحُرمة ترك الواجب الواحد وحرمة ترك أحد اثنين وإجزاء الأصل أحكام شرعية فرفعها عند الحنفية يُعَدُّ نسخًا. اهـ.
وأخبار الآحاد الواردة بزيادة على ما في القرآن تُعتبر كلها مردودة أو مُهملة عند الحنفية؛ لأنهم يمنعون أن تفيد هذه الأحاديث الإلزام بالفعل أو الترك على وجه الفرضية؛ لأن القول بالفرضية يقتضي نسخ إطلاق القرآن وهو لا يجوز عندهم، وهذا لا يمنع أن يُعمل بها في بعض الأحيان على جهة أخرى غير الفرضية، أي على وجه لا ينسخ القرآن، فإذا لم يكن هناك وجه لذلك لم يعملوا بها - راجع: التقرير والتحبير (2/ 218)، وفواتح الرحموت (2/ 92)، والتلويح على التوضيح (2/ 77).
فمثلًا جاء النص القرآني بالأمر بالطواف مطلقًا عن أي في قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29] وجاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم مشترطًا الطهارة لصحة الطواف وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) -أخرجه الترمذي (975)-. وهذا الشرط زيادة على ما ورد في النص القرآني، فلم يقولوا بفرضيّة الطهارة للطواف؛ لأن ذلك يُعتبر نسخًا لإطلاق القرآن، وقالوا بوجوبه بحيث لو أخلَّ به جبر بدم.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) [المزمل: 20] أفاد بإطلاقه فرضية قراءة أي جزء من القرآن في الصلاة فاتحة أو غيرها، وجاء حديث: (لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب) -أخرجه البخاري (756)، ومسلم (900)-، فأفاد أن الصلاة لا تصح بدون قراءة الفاتحة؛ وهذا نسخٌ لإطلاق الآية، فأثبتوا بالقرآن فرض قراءة ما تيسر، وبالخبر وجوب قراءة الفاتحة؛ لأن الزيادة بطريق الوجوب لا ترفع إجزاء الأصل فلا تكون نسخًا فلا تمتنع، بخلاف الزيادة بطريق الفرضية بمعنى عدم الصحة بدونها فإنها ترفع حكم الكتاب.
قال ابن أمير الحاج في التقرير والتحرير (2/ 219): (وعن لزوم الزيادة بالآحاد منعوا إلحاق الفاتحة والتعديل والطهارة بنصوص القراءة والأركان والطواف فرائض، بل ألحقوها وجابات للمذكورات) فلو قالوا: لا تجوز الصلاة بدون الفاتحة والتعديل والطواف بلا طهارة بهذه الأخبار الآحاد كان نسخًا لهذه الإطلاقات بها، وهو لا يجوز فرتبوا عليها موجبها من وجوبها فيأثم بالترك ويلزم الجابر فيما شرع فيه ولا تفسد. اهـ. وراجع: كشف الأسرار (3/ 196).
وقال الزركشي في البحر المحيط (4/ 147): واعلم أن فائدة هذه المسألة: أن ما ثبت أنه من باب النسخ وكان مقطوعًا به فلا يُنسخ إلا بقاطع كالتغريب، فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخًا نفاه؛ لأنه نسخٌ للقرآن بخبر الواحد، ولما لم يكن عند الجمهور نسخًا قبلوه؛ إذ لا معارضة، وقد ردوا بذلك أخبارًا صحيحةً لما اقتضت زيادة على القرآن، والزيادة نسخ ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الآحاد، فردوا أحاديث تعيين الفاتحة في الصلاة ، والشاهد واليمين، وإيمان الرقبة، واشتراط النية في الوضوء. اهـ.
وقال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 192- 193): اتَّفق العلماء على أن الزيادة على النص إن كانت عبادة مستقلّة بنفسها كزيادة وجوب الصوم أو الزكاة بعد وجوب الصلوات لا يكون نسخًا لحكم المزيد عليه؛ لأنها زيادة حكم في الشرع من غير تغيير للأول.
واختلفوا في غير هذه الزيادة إذا ورد متأخرًا عن المزيد عليه تأخرًا يجوز القول بالنسخ في ذلك القدر من الزمان؛ كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني، بعد اتِّفاقهم على أن مثل هذه الزيادة لو وردت مقارنة للمزيد عليه لا تكون نسخًا؛ كورود رد الشهادة في حدِّ القذف مقارنًا للجَلد فإنه لا يكون نسخًا له للقرآن -يُشير إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 4]-، فقال عامة العراقيين من مشايخنا وأكثر المتأخرين من مشايخ ديارنا: إنها تكون نسخًا معنًى وإن كان بيانًا صورةً، وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنها لا تكون نسخًا.
ثم قال: تمسك من قال بأن الزيادة ليست بنسخ أصلًا بوجوهٍ من الكلام:
أحدها/ أنهم بنوا على أصلهم أن المطلق من أنواع العام عندهم وأن العام لا يوجب العلم قطعًا؛ بل يجوز أن يُراد به البعض وبالمطلق المقيد، وإذا كان كذلك ظهر بورود الزيادة المقيدة للمطلق أن المراد من العام البعض ومن المطلق المقيد، فيكون تخصيصًا وبيانًا لا نسخًا؛ وذلك مثل الرقبة المذكورة في كفارة اليمين والظِهار، فإنها اسمٌ عام يتناول المؤمنة والكافرة والزمنة وغيرها، فإخراج الكافرة منها بزيادة قيد الإيمان يكون تخصيصًا لا نسخًا، كإخراج الزمنة والعمياء منها وكإخراج أصل الذمة من لفظ المشركين.
والثاني/ أن حقيقة النسخ لم توجد في الزيادة؛ لأن حقيقة تبديل ورفع للحكم المشروع والزيادة تقرير للحكم المشروع وضم حكم آخر إليه، والتقرير ضد الرفع فلا يكون نسخًا، ألا ترى أن إلحاق صفة الإيمان بالرقبة لا يُخرجها من أن تكون مستحقة للإعتاق في الكفارة وإلحاق النفي بالجلد لا يخرج الجلد من أن يكون واجبًا؛ بل هو واجب بعده كما كان قبله فيكون وجوب التغريب ضم حكم إلى حكم وذلك ليس بنسخ كوجوب عبادة بعد عبادة.
والثالث/ أن الزيادة على النص لو كان نسخًا لكان القياس باطلًا؛ لأن القياس إلحاق غير امنصوص وزيادة حكم لم يوجبه بصيغته وحين كان القياس جائزًا ودليلًا شرعيًّا علم أن الزيادة ليست بنسخ.
والرابع/ أن النسخ أمر ضروري؛ لأن الأصل في أحكام الشرع هو البقاء، والقول بالتخصيص والتقييد يوجب تغير الكلام من الحقيقة إلى المجاز ومن الظاهر إلى خلافه، لكنه متعارف في اللغة فكان الحمل عليه أَوْلَى من الحمل على النسخ.
واحتجَّ من قال بأن الزيادة نسخ معنًى بأن النسخ بيان انتهاء حكم بابتداء حكم آخر. وهذا عند من شرط البدل في النسخ، فأما عند من لم يشترط ذلك فلا حاجة إلى قوله بابتداء حكم آخر، وهذا المعنى موجود في الزيادة على النص فيكون نسخًا، وبيانه أن الإطلاق معنى مقصود من الكلام وله حكم معلوم، وهو الخروج عن العُهدة بالإتيان بما يُطلق عليه الاسم من غير نظر إلى قيد، والتقييد معنى آخر مقصود على مضادة المعنى الأول؛ لأن التقييد إثبات القيد والإطلاق رفعه وله حكم معلوم، وهو الخروج عن العهدة بمباشرة ما وجد فيه القيد دون ما لم يوجد فيه ذلك، فإذا صار المطلق مُقيَّدًا لا بد من انتهاء حكم الإطلاق بثبوت حكم التقييد، لعدم إمكان الجمع بينهما للتنافي؛ فإن الأول يستلزم الجواز بدون القيد، والثاني يستلزم عدم الجواز بدونه. وإذا انتهى الحكم الأول بالثاني كان الثاني ناسخًا له ضرورة. اهـ.

وقد استدل الحنفية لصحة عرض الحديث على القرآن بأدلة نقلية، وسوف أعرض لتلك الأدلة مع ذكر ما اعتُرض به عليها:
الدليل الأول: حديث: (تكثر لكم الأحاديث من بعدي، فإذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردوه). راجع: أصول البزدوي (3/ 10)، وأصول السرخسي (1/ 364)، وفواتح الرحموت (1/ 350).
وهذا الحديث رُوي بألفاظ مختلفة من طرق لا تخلو من مقال، وسوف أذكر بعض طرقه مع بيان عللها، وذكر ما قاله أهل العلم فيه:
1- روى أبو يوسف عن خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا اليهود فسألهم فحدَّثوه حتى كذبوا على عيسى عليه السلام، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب الناس فقال: (إن الحديث سيفشو عني، فما آتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما آتاكم عني يُخالف القرآن فليس عني). الرد على سير الأوزاعي ص(25).
قال الإمام الشافعي في الرسالة ص(225) فقرة (618، 619): ما رَوَى هذا أحدٌ يَثْبُتُ حديثُه صَغُرَ ولا كَبُرَ، وإنما هي روايةٌ منقطعةٌ عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شئ. اهـ.
قال البيهقي في المدخل إلى السنن: خالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابيٍّ فالحديث منقطع، وقد رُوي الحديث من أوجهٍ أُخر كلها ضعيفة. اهـ. مفتاح الجنة ص(21) نقلًا عن المدخل إلى السنن، ولم أجده في القطعة المطبوعة منه.
فقد بيَّن البيهقي أن الشافعيَّ يُضَعِّفُ هذه الرواية بأمرين: جهالة خالد، وإرسال أبي جعفر. فأما جهالة خالد فلا يُوافَق عليها، فقد رَوَى عنه جماعة من الرواة، وتكلَّم عنه الأئمة جرحًا وتعديلًا -خالد بن أبي كريمة روى عنه إسرائيل والسفيانان وشريك وشُعبة ووكيع وغيرهم، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النسائي: ليس به بأس. راجع: تهذيب الكمال (8/ 156)، والجرح والتعديل (3/ 349)-، فانتفت عنه جهالة العين والحال، وثبتت عدالته بتوثيق أحمد وابن معين وأبي داود، وأما الإرسال فإن المُرسل مما يحتج به عند الحنفية كما هو معلوم (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد).
2- رَوَى الطبراني في المعجم الكبير من طريق يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أن رحا الإسلام دائة). قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله، قال: (اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو منه وأنا قلته) -المعجم الكبير (2/ 97)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 170): رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن ربيعة وهو متروك منكر الحديث. انتهى-.
وهذا الإسناد له علِّتَان: يزيد بن ربيعة ضعيف -يزيد بن ربيعة قال عنه البخاري: أحاديثه مناكير. وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف. وقال النسائي: متروك. وقال الجوزجاني: أخاف أن تكون أحاديث موضوعة. وقال ابن عدي: أرجوا أنه لا بأس به. راجع ترجمته في ميزان الاعتدال (4/ 422) والكامل (7/ 259)-، ولا يُعرف له سماع من أبي الأشعث، وشرحبيل بن آدَهْ أبو الأشعث الصنعاني عامة أحاديثه عن ثوبان بواسطه أبي أسماء الرحبي؛ ولذلك قال ابن الجوزي: روايته عن ثوبان منقطعة. راجع: معالم السنن (4/ 276)، وتهذيب التهذيب (4/ 280)، وتهذيب الكمال (12/ 408).
3- وروى الطبراني أيضًا -في معجمه الكبير (12/ 316)- من طريق أبي حاضر عن الوضين عن سالم بن عبدالله عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سُئِلتْ اليهود عن موسى فأكثروا وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وسُئلتْ النصارى عن عيسى فأكثروا وزادوا ونقصوا حتى كفروا، وإنه سيفشو عني أحاديث فما آتاكم من حديثي فاقرؤوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله) -قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 170): رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو حاضر عبدالملك بن عبدربه منكر الحديث. وراجع : الجرح والتعديل (5/ 359)، والتاريخ الكبير (5/ 424)-.
4- وَرَوَى الدارقطني من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر بن حُبيش عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون بعدي روة يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن. فما وافق القرآن فخذوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به).
قال الدارقطني في سننه (4/ 208): هذا وهمٌ والصواب عن عاصم عن زيد ن علي بن الحسين مُرسلًا. اهـ.
5- وروى الدارقطني أيضًا من طريق صالح بن موسى عن عبدالعزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيأتيكم عني أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقًا لكتاب الله ولسنتي فهو مني، وما جاءكم مخالفًا لكتاب الله ولسنتي فليس مني).
قال الدارقطني في سننه (4/ 208): صالح بن موسى ضعيف لا يُحتجُّ به. اهـ. وصالح بن موسى قال عنه ابن معين: ليس بشئ. وفي رواية: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا. وقال النسائي: لا يُكتب حديثه ضعيف. وفي موضع آخر: متروك الحديث. راجع ترجمته في تهذيب الكمال (13/ 95).
ورواه الدارقطني أيضًا -في سننه (4/ 208)- من طريق يحيى بن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال البخاري في التاريخ الكبير (3/ 474): وهو وهم ليس فيه أبو هريرة. اهـ.
6- وأخرج البيهقي في المدخل إلى السنن -كما في مفتاح الجنة ص(25)- من طريق أبي الحويرث عن محمد ابن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حدثتم عني مما تعرفون فصدقوا، وما حدثتم عني مما تنكرون فلا تصدقوا، فإني لا أقول المنكر).
قال عبدالعزيز البخاري في كشف الأسرار (3/ 10): وإنما يُعرف ذلك بالعرض على الكتاب. اهـ.
وأبو الحويرث هو عبدالرحمن بن معاوية مُتكلَّمٌ فيه -أبو الحويرث قال عنه مالك: ليس بثقة. وقال أحمد: رَوى عنه سفيان وشعبة وأنكر قول مالك. وقال ابن معين: ليس يُحتجّ بحديثه. وقال النسائي: ليس بذاك. راجع: تهذيب الكمال (17/ 414)-، والحديث مرسل أيضًا.
هذه بعض طرق الحديث، وقد جمع طرقه البيهقي في كتابه المدخل إلى السنن، ولخّصها عنه السيوطي في مفتاح الجنة ص(21- 27)، كما استوعب طرقه شيخنا المحدث عبدالله ابن الصديق الغمّاري في كتابه الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي.
وَسُئِلَ الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث فقال: جاء من طرق لا تخلو من مقال. اهـ. المقاصد الحسنة ص(37).
وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على الرسالة ص(224): هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن؛ بل وردت فيه ألفاظ كثيرة كلها موضوع أو بالغ الغاية في الضعف حتى لا يصلح شئ منها للاحتجاج أو الاستشهاد. اهـ.
وقد عارض الإمام الشافعي في رسالته ص(225، 226) فقرة (622) هذا الحديث بما رُوي عن المقدام ابن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسمل أنه قال: (ألا إني أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فَأَحِلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرا فَحَرِّمُوُه) -سُنن أبي داود (4604)-.
وقال الخطابي في شرحه -معالم السنن (4/ 276)-: وفي هذا الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يُعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ كان حجة بنفسه، وأما ما رواه بعضهم أنه قال: (إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فخذوه، وإن خالفه فدعوه). فإنه حديث باطل لا أصل له، وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعه الزنادقة. اهـ.
وقال العجلوني في كشف الخفاء (2/ 569): وباب (إذا سمعتم عني حديثصا فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه) لم يثبت فيه شئ، وهذا الحديث من أوضع الموضوعات؛ بل صحّ خلافه: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). اهـ.
وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 233): وقد أمر الله عز وجل بطاعته وأتباعه أمرًا مطلقًا مجملًا لم يقيد بشئ كما أمرنا باتباع كتاب الله، ولم يقل وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ. قال عبدالرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث. يعني ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله، وإنما أن موافق كتاب الله وبه هداني الله).
وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شئ ونعتمد على ذلك. قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفًا لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما وافقه؛ بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويُحِّر من المخالفة عن أمره جملة على كل حال. اهـ.
وقال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (2/ 474): وما ذكروه من الخبر فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر أن لو كان الخبر المخصص مخالفًا للقرآن وهو غير مُسلَّم؛ بل هو مبين للمراد منه فكان مقررًا لا مخالفًا، ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يُفضي إلى تخصيص ما ذكروه من الخبر بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف. اهـ.
وقد وَهِمَ عبدالعزيز البخاري في عزوه هذا الحديث للإمام البخاري وهو في معرض الرد على من ضَعَّفَ الحديث فقال -كما في كشف الأسرار (3/ 10)-: والجواب أن الإمام أبا عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري أورد هذا الحديث في كتابه، وهو الطود المنيع في هذا الفن، وإمام أهل هذه الصنعة، فكفى بإيراده دليلًا على صحّته، ولم يُلتفت إلى طعن غيره بعد. اهـ.
الدليل الثاني: ما رواه البخاري (2563)، ومسلم (3852) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيُّما شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل).
قال السرخسي في أصوله (1/ 364): والمراد كل شرط هو مُخالف لكتاب الله تعالى، لا أن يكون المراد ما لا يوجد عينه في كتاب الله تعالى، فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى، وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابت بخبر الواحد والقياس وإن كان لا يوجد ذلك في كتاب الله تعالى، فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفًا لكتاب الله تعالى، وذلك تنصيص على أن كل حديث هو مُخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود. اهـ.
الدليل الثالث: ما رواه مسلم في صحيحه (37833) من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الاعظم ومعنا الشعبي، فحدَّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سُكنى ولا نفقة. ثم أخذ الأَسود كفًّا من حصى فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت، لها السُّكنى والنفقة، قال الله عز وجل: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) [الطلاق: 1].
وَرَوَى مسلم أيضًا (3790) عن عروة: أنه أخبر عائشة بحديث فاطمة فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
وفي البخاري (5323، 5324): ما لفاطمة ألا تتقي الله يعني في قولها لا سُكنى ولا نفقة.
وأخرج الطحاوي -في شرح معاني الآثار (3/ 68) عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: كانت فاطمة بنت قيس تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم). وكان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئًا رماها بما كان في يده.
وَرَوَى أبو داود في سننه (2296) عن ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة فدُفعت إلى سعيد بن المسيب فقلت: فاطمة بين قيس طلقت فخرجت من بيتها. فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لَسِنَةً فوُضعت على يدي بن أم مكتوم.
وقد أيَّد الحنفية مذهبهم بهذا الحديث فقالوا: إن عمر وعائشة وأسامة وسعيد ابن المسيب لم يخصّوا قوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ) [الطلاق: 6] بحديث فاطمة؛ لأنهم كانوا يَرَوْنَ عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
وقد أجاب صاحب فواتح الرحموت على ذلك فقال -(1/ 350)-: وهذا الخبر كان مشكوك الصحة عند أمير المؤمنين، والخبر المشكوك الصحة للريبة في صدق الراوي غير حجة فضلًا عن التخصيص به، ولا يلزم منه انتفاء التخصيص بالخبر الصحيح. اهـ.
يقول الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام: وأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك؛ لأن خبر الواحد في تخصيص العموم مردود عنده؛ بل لتردده في صدقها؛ ولهذا قال: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت -أخرجه بهذا اللفظ محمد بن الحسن في كتاب الآثار (1/ 132)-. ولو كان خبر الواحد في ذلك مردودًا مطلقًا لما احتاج إلى هذا التعليل. اهـ.

وقد تقرر بما سبق أن الحنفية لا يقبلون الأخبار المخالفة للكتاب، وقد ذكروا أمثلة عملية لذلك، وسأسرد بعض الأمثلة سردًا من غير الوقوف عليها من ناحية التفصيل فيها بذكر الخلاف الفقهي في كل مسألة منها مع الأدلة خشية الإطالة، وإنما نعرج على بعض الأمثلة سريعًا لإظاهر كيفية التطبيق العملي لهذه القواعد عند الحنفية بشئ من الوضوح.
-المثال الأول: متروك التسمية عمدًا.
-المثال الثاني: النفقة والسُكنى للمطلقة ثلاثًا.
-المثال الثالث: القضاء باليمين مع الشاهد.
-المثال الرابع: الطهارة للطواف بالبيت. ( (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)مَس ْأَلَةُ الطَّهَارَةِ لِلطّوَافِ بِالْبَيتِ) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
-المثال الخامس: اشتراط النية في الوضوء. (اشْتِرَاطُ النِيَّةِ فِي الوُضُوءِ) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

ويُراجع: كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث ص(164- 175 [الأمثلة175- 192]).

والله أعلم.

عمرو بن الحسن المصري
14-01-24 ||, 03:02 PM
بارك الله في مشايخنا الكرام على ما اتحفتمونا به من كنز معرفتكم .
نفع الله بكم وزادكم بسطة في الجسم والعلم
اللهم آمين، وفيك بارك الله ونفع بك.