المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخروج من ثنائية التحليل والتحريم



د. نعمان مبارك جغيم
12-11-27 ||, 04:34 AM
الخروج من ثنائية التحليل والتحريم


توجد مسائل ليس فيها نصوص صريحة بالجواز أو المنع، وهي أمور مترددة بين النفع والضرر قد تختلف فيها التقديرات بين الناس ويحدث فيها استقطاب بين وجهات النظر المتباينة، ومثال ذلك مسائل دخول الانتخابات والاشتراك في المجالس المنتَخَبة والحكومات، والمنتجات المعدَّلة وراثيا، وزيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما يشبهها، وهي مسائل اعتقد أن المستحسن فيها الخروج من ثنائية التحليل والتحريم. فليس من اللازم أن نحكم على الشيء دائما بالحلّ أو الحرمة، وبدلا من ذلك يمكن أن يكون الحكم في صورة توصية باجتناب ما نرى أن ضرره واضح، والحثّ على منع تداول ما فيه ضرر فردي أو جماعي دون لجوء إلى إصدار الفتاوى الجازمة بالتحريم. وفي المقابل نعبر بإمكانية فعل ما نرى منفعته ظاهرة على مضاره، وفي كل الأحوال لا نجزم بالتحريم أو التحليل، ولكن نعبِّر بعبارات تدل على أن هذا اجتهاد منّا في تقدير المصالح والمفاسد نوصي بناء عليه باجتناب الشيء أو بإمكانية إتيانه.
إن المسارعة إلى إصدار الفتاوى الحاسمة في القضايا التي ليس فيها نصوص صريحة له محذوران:
أحدهما: التضارب الحاصل في الفتاوى، فكثيرا ما تجد في نوازل العصر فتاوى متضاربة: البعض يحلّل والآخر يحرم، ويسعى كل طرف إلى الاستظهار بما يظنه دليلا على رأيه، وقد رأينا في بعض النوازل مؤتمرا يُعقد في مكان يُصدر فتوى بالحرمة ويشدِّد فيها، وفي المقابل يُعقد مؤتمر آخر في مكان آخر ليصدر فتوى مناقضة للفتوى التي أصدرها المؤتمر الأول. وقد رأينا مجمع الفقه يصدر فتوى وبعد سنوات ينقضها بفتوى أخرى. وهذا يوقع الناس في حيرة من أمرهم، ويؤدي في نهاية المطاف إلى أن تفقد الفتوى مصداقيتها. وكيف لا؟ والشيء الواحد يفعله شخص مستظهرا بفتوى الإباحة، ويشدِّد آخر في النكير عليه مستظهرا بفتوى التحريم.
إن الأحكام الحدية بالتحريم والإباحة وصدور الفتاوى المتناقضة في ذلك يؤدي إلى تجرؤ الناس على ما يُوصف بالحُرمة؛ لاعتقادهم أن هذا التحريم مجرد رأي لذلك الشخص وليس حكما شرعيا قطعيا، وقد يقول مشايخ آخرون بإباحته.
والمحذور الثاني: التجرؤ على تحريم ما لم يثبت تحريمه، أو إباحة ما فيه ضرر بالناس وتشـجيعهم بفتاوى الإباحة على فعل ما فيه ضرر لهم، بل ما قد يكون فيه هلاك لهم، تحت شعار "الأصل في الأشياء الإباحة".
ولنا في السلف قدوة عندما كانوا يحتاطون في إطلاق لفظ التحريم، ومن ذلك ما ذكره ابن وهب قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل: أكره هذا ولا أحبه، ولا يقول حلال وحرام."[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)
وقد يقول قائل إن التورع عن إطلاق لفظ التحريم كان مناسبا عندما كانت سمة الناس الورع، فلما تجرأ الناس على الشبهات، كان المناسب إشهار سيف التحريم في وجوههم. والواقع أن هذا ليس هو الحلّ الأمثل، فربما كان سلوك المفتين في إصدار الفتاوى الحدية والاضطراب في ذلك هو الذي ولّد ذلك السلوك لدى الناس. وواجب علماء الشرع ليس مجرد إصدار الفتاوى، فهذا قدر بسيط من مهمتهم، والمهمة الكبرى هي توعية الناس وتربيتهم، وإرشادهم إلى أحسن السبل في الحياة، وأن يرسخوا في أنفسهم أن الإسلام دين يدعو أصحابه إلى تحقيق المعالي والمسابقة في الخيرات، وأن يعلموهم أن من مقتضيات الإسلام السعي إلى المعالي والمسابقة في تحقيق الفضائل، حيث يسعى المسلم جهده إلى تحقيق ما فيه نفع خاص أو عام سواء حُكِم عليه بالوجوب أم لا، واجتناب ما فيه ضرر خاص أو عام سواء حُكِم عليه بالتحريم أم لا.
هذا، والله أعلم.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر، ط2، 1424هـ) ص822-823.

عبد الله فهيم بن محمود حسين
12-11-27 ||, 02:45 PM
جزاكم الله. مقترحات قيمة جداً. بارك الله فيكم و وفقكم الله للمزيد




الخروج من ثنائية التحليل والتحريم



توجد مسائل ليس فيها نصوص صريحة بالجواز أو المنع، وهي أمور مترددة بين النفع والضرر قد تختلف فيها التقديرات بين الناس ويحدث فيها استقطاب بين وجهات النظر المتباينة، ومثال ذلك مسائل دخول الانتخابات والاشتراك في المجالس المنتَخَبة والحكومات، والمنتجات المعدَّلة وراثيا، وزيارة القدس في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وما يشبهها، وهي مسائل اعتقد أن المستحسن فيها الخروج من ثنائية التحليل والتحريم. فليس من اللازم أن نحكم على الشيء دائما بالحلّ أو الحرمة، وبدلا من ذلك يمكن أن يكون الحكم في صورة توصية باجتناب ما نرى أن ضرره واضح، والحثّ على منع تداول ما فيه ضرر فردي أو جماعي دون لجوء إلى إصدار الفتاوى الجازمة بالتحريم. وفي المقابل نعبر بإمكانية فعل ما نرى منفعته ظاهرة على مضاره، وفي كل الأحوال لا نجزم بالتحريم أو التحليل، ولكن نعبِّر بعبارات تدل على أن هذا اجتهاد منّا في تقدير المصالح والمفاسد نوصي بناء عليه باجتناب الشيء أو بإمكانية إتيانه.
إن المسارعة إلى إصدار الفتاوى الحاسمة في القضايا التي ليس فيها نصوص صريحة له محذوران:
أحدهما: التضارب الحاصل في الفتاوى، فكثيرا ما تجد في نوازل العصر فتاوى متضاربة: البعض يحلّل والآخر يحرم، ويسعى كل طرف إلى الاستظهار بما يظنه دليلا على رأيه، وقد رأينا في بعض النوازل مؤتمرا يُعقد في مكان يُصدر فتوى بالحرمة ويشدِّد فيها، وفي المقابل يُعقد مؤتمر آخر في مكان آخر ليصدر فتوى مناقضة للفتوى التي أصدرها المؤتمر الأول. وقد رأينا مجمع الفقه يصدر فتوى وبعد سنوات ينقضها بفتوى أخرى. وهذا يوقع الناس في حيرة من أمرهم، ويؤدي في نهاية المطاف إلى أن تفقد الفتوى مصداقيتها. وكيف لا؟ والشيء الواحد يفعله شخص مستظهرا بفتوى الإباحة، ويشدِّد آخر في النكير عليه مستظهرا بفتوى التحريم.
إن الأحكام الحدية بالتحريم والإباحة وصدور الفتاوى المتناقضة في ذلك يؤدي إلى تجرؤ الناس على ما يُوصف بالحُرمة؛ لاعتقادهم أن هذا التحريم مجرد رأي لذلك الشخص وليس حكما شرعيا قطعيا، وقد يقول مشايخ آخرون بإباحته.
والمحذور الثاني: التجرؤ على تحريم ما لم يثبت تحريمه، أو إباحة ما فيه ضرر بالناس وتشـجيعهم بفتاوى الإباحة على فعل ما فيه ضرر لهم، بل ما قد يكون فيه هلاك لهم، تحت شعار "الأصل في الأشياء الإباحة".
ولنا في السلف قدوة عندما كانوا يحتاطون في إطلاق لفظ التحريم، ومن ذلك ما ذكره ابن وهب قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل: أكره هذا ولا أحبه، ولا يقول حلال وحرام."[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)
وقد يقول قائل إن التورع عن إطلاق لفظ التحريم كان مناسبا عندما كانت سمة الناس الورع، فلما تجرأ الناس على الشبهات، كان المناسب إشهار سيف التحريم في وجوههم. والواقع أن هذا ليس هو الحلّ الأمثل، فربما كان سلوك المفتين في إصدار الفتاوى الحدية والاضطراب في ذلك هو الذي ولّد ذلك السلوك لدى الناس. وواجب علماء الشرع ليس مجرد إصدار الفتاوى، فهذا قدر بسيط من مهمتهم، والمهمة الكبرى هي توعية الناس وتربيتهم، وإرشادهم إلى أحسن السبل في الحياة، وأن يرسخوا في أنفسهم أن الإسلام دين يدعو أصحابه إلى تحقيق المعالي والمسابقة في الخيرات، وأن يعلموهم أن من مقتضيات الإسلام السعي إلى المعالي والمسابقة في تحقيق الفضائل، حيث يسعى المسلم جهده إلى تحقيق ما فيه نفع خاص أو عام سواء حُكِم عليه بالوجوب أم لا، واجتناب ما فيه ضرر خاص أو عام سواء حُكِم عليه بالتحريم أم لا.
هذا، والله أعلم.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر، ط2، 1424هـ) ص822-823.

رافع ليث سعود القيسي
13-02-25 ||, 02:43 PM
جزاك الله خيراً دكتور.. بالفعل هو إشكال يكمن أكثره في الإستعجال والتسرع في إطلاق حكم جازم في النوازل والحوادث ... والأمثلة على هذا كثيرة جداً .. (تصوير، تلفاز، إنتخابات، تقنين، ومسائل طبية كثيرة و و و) وهي أكثرها أمور نالها التحريم الجازم لفترة ومن ثم تحول هذا الحكم إلى نقيضه من حل أو وجوب ... خصوصاً حينما يكون الجزم بالتحريم بناء على مفاسد لم تزول، دون الإلتفات إلى ما قد يوازيها من مصالح .. من المهم إعادة النظر في طرق المعاصرين في تنزيل الأحكام على النوازل المستحدثة وتوسيع نطاقها لتشمل كل أنواع الأحكام الشرعية الخمس (أو الست أو...) ...

خالد شمهودي سمان
13-02-26 ||, 05:45 AM
شكرا لكم

زايد بن عيدروس الخليفي
13-03-01 ||, 09:19 AM
المشكلة أن بعض طلبة العلم إذا سئل عن رأيه في شيء ما، فهم أن السائل يستفتيه -باعتباره متحدثا باسم الدين وأهله- فبدأ بالتحليل أو التحريم ووو .... ببساطة: سأل عن رأيك أجبه بما تراه، سأل عن حكم شرعي، أفته بما تعلم !

رشيد لزهاري حفوظة
13-03-02 ||, 12:15 AM
أعتقد أنه لا مناص من هاته الثنائية (حلال و حرام) و حتى لو نزَّلنا الحرمة إلى الكراهة..
و الأصل في الأشياء الإباحة ...فما لم يرد نص يحرمه فهو مباح و يُلحق به ما كان طريقه الإجماع أو القياس أو المصالح المرسلة....(المصادر التبعية) فليس ثَمَّ مرتبة ثالثة أو منزلة بين منزلتين فما لم يكن حراماً فهو مباح ربما المشتبهات عند عامة الناس ...
و ليس لمن استفتي أن يكتم الحق الذي اقتنع به و لو كان هناك من يخالفه و لو كانت الآراء متضاربة ...
لأن عدم الجزم يفضي بنا إلى تمييع القضايا و تفويت مقصد الشرع و مصالح الناس ...
و الواجب هو تعليل الفتوى و بيان دليلها و لو كانت المصالح المرسلة...و عندئذ لا إشكال عندما تتغير الحيثيات فتتغير الفتوى ...فمثلاً :
فمرة نقول:لا تجوز المشاركة في الانتخابات لأن الحاكم سيزورها و يستغل مشاركتنا لتمرير ما يريد و هذا يعتبر إعانة له على الظلم..
و مرة أخرى نقول:تجب المشاركة في الانتخابات لأن ثَمَّ ضمانات و دلائل على نزاهة العملية الانتخابية و لا يجوز أن نفوت هاته الفرصة لنغير ما يمكن تغييره...
فهاتان الفتويان معللتان و لا تناقض بينهما و قد تصدران عن جهتين في وقت واحد لأن كل مفتٍ يفتي بما يعلم من حيثيات محيطة بالعملية ة الانتخابية ...
و لا يجوز أن نحجر على العلماء و المفكرين أو نفرض توحيد الفتاوى و المواقف...و الله الموفق.

علي بن منصور بن عطية
16-05-03 ||, 03:31 AM
لكن الملاحظ تسرع كثير من طلبة العلم في الحكم بالتحريم والله تعالى جعل تحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله ( ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام)

كريم بن محمد بن لحسن
16-08-17 ||, 05:46 PM
إن الحلال بينٌ وإن الحرام بينٌ، وبينهما أمور مشتبهاتٌ..، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدِينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام،.. فاسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ. ولا ينكر تغيّر الفتوى واختلافِها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنّيّات والعوائد. فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله.