المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس في علم مصطلح الحديث



وضاح أحمد الحمادي
13-01-04 ||, 01:05 PM
المقصود الأول بهذا العلم هو تمييز المقبول من المردود من الحديث ، ومع ذلك فإن لي مقصوداً آخر من هذه الدروس ، وهو توضيح مصطلحات المحدثين ، لما رأيته من استفهام بعض الأخوة والأخوات عن معاني بعض الإصطلاحات كالوقف والرفع.
وقد أخليت هذه الدروس من كل ما لا يرتبط بالمقصودَين فلم أهتم بمقدمات العلم ولا النقاش في أحسن العبارات واقتصرت على المشهور ما لم يكن خطأًً مؤثراً.
فأقول : المراد بالحديث مجموع السند والمتن.
ومثاله : مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"
فالسند سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن. وهو في المثال المذكور : (مالك عن نافع عن ابن عمر)
والمتن : ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
وهو في المثال السابق : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه"
فإذا اتضح معنى الحديث ، فاعلم أنه ينقسم من حيث قبوله ورده إلى صحيح وحسن وضعيف ـ على المشهور ـ .
والصحيح : هو الحديث المسند الذي يتصل إسناد بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللا.
قوله : هو الحديث : قد تقدم معناه.
المسند : المراد به هنا المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخرج بذلك ما روي عن الصحابة من قول أو فعل أو تقرير ، فيسمى موقوفاً ، وما روي عن التابعين من ذلك ويسمى مقطوعاً.
الذي يتصل إسناده : السند تقدم معناه ، ومعنى اتصاله أن يكون كل راوٍ سمعه ممن فوقه من أول السند إلى آخره.
فيخرج بذلك المنقطع ، وهو ما سقط من إسناده راوياً فأكثر ، وهو أقسام عدة كالمرسل والمعضل والمعلق وتأتي لاحقاً.
ومثال المتصل ما أخرج ابن الجارود في (المنتقى) قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حدثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حدثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حدثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهُ الْمَنِيُّ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْبُقَعِ فِي ثَوْبِهِ مِنْ أَثَرِ الْغَسْلِ)
هذا سند رجاله ثقات.
وكل راوٍ في السند صرح بأن من فوقه حدثه ، فعلمنا أنه حديث متصل ليس فيه سقط .
بنقل العدل : أي يشترط في الراوي الذي ينقل الخبر إلى من دونه أن يكون عدلاً ، والعدالة هي ملكة تحمل الراوي على ملازمة التقوى بأن لا يرتكب كبيرة ولا يصر على صغيرة ، والمراد أن يكون ذلك غالب حاله.
ضابط : أي أن يؤدي الخبر كما سمعه ، وذلك بأن يكون متقناً لحديثه بحيث يؤديه كما سمعه من غير أن يزيد فيه أو ينقص أو يغير عبارة تغييرا تحيل معناه.
وإنما يستطيع الراوي أن يؤدي الحديث كذلك إذا كان ذو حافظة قوية ، وهو المعروف بضبط الصدر ، أو أن يكتب الحديث في كتابه ويحافظ عليه من التلف أو التغيير منذ أن كتبه وحتى يؤدي منه ، وهو المعروف بضبط الكتاب.
والمراد هنا أيضا أن يكون هذا غالب حال الراوي.
عن مثله إلى منتهاه: أي أن الراوي المتصف بما تقدم يروي الحديث عمن يتصف بذلك أيضاً ، هكذا من أول السند إلى آخره.
ولا يكون شاذاً : أي أن يخالف فيه الراوي من هم أولى منه بالقبول ، إما لكثرة عدد أو مزيد ثقة.
مثال ذلك ما رواه زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عن عبد الله بن عياش القتباني عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من وجد سعةً فلم يضح ، فلا يقربن مصلانا"
هكذا رواه عبد الله بن عياش عن الأعرج.
وخالفه عبد الله بن وهب فرواه عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَرْوَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قال : قال أبو هريرة : (مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا)
وهذه مخالفة في السند من جهتين :
1. من جهة رواه ابن الحباب عن ابن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة ، وخالفه ابن وهب فرواه عن ابن عياش عن عيسى بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة.
2. ومن جهة رواه ابن الحباب مرفوعاً ، أي جعله من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما رواه ابن وهب موقوفاً ، أي جعله من كلام أبي هريرة.
وابن وهب أوثق فحديثه أصح.
ولا معللا : الحديث المعلل هو الحديث الذي ظاهره الصحة ، لكن يظهر بعد البحث يظهر فيه سبب خفي مانع من الحكم عليه بالصحة.
ومثال ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىَ آلِهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ غَنَمًا يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَصْحَابِهِ وَقَالَ اذْبَحُوهَا لِعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْكُمْ فَأَصَابَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ تَيْسٌ.
هذا السند ظاهره أنه صحيح على شرط البخاري ، لكن قال علي بن المديني : "لم يلقَ بن جريج علقمة" ولفظة (أخبرني) وهم من حجاج بن محمد. (أحاديث معلة ظاهرها الصحة) للشيخ مقبل بن هادي.
فعاد الحديث منقطعاً ، بعد أن كان يظن فيه الإتصال والصحة.
وهنا تنبيه مهم : وهو أن العلة الخفية هي من جنس العلل الظاهرة ، ولا فرق غير الظهور وعدمه.
والله سبحانه أعلم
يتبع

وضاح أحمد الحمادي
13-01-05 ||, 12:17 PM
والمستفاد من الحديث الصحيح ـ ما لم يتواتر ـ الظن الراجح ، أي يغلب على ظن السامع له ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل يفيد العلم ، والأول أقوى ، لأن الثقة ربما أخطأ أو نسي. إلا أنه ربما احتفت به قرائن تفيده العلم وعادة ما يمثلون لذلك بما لو أخبر مخبر بموت زيد ، ثم سمع صوت صراخ وبكاء في بيت زيد ، ثم رؤي أبوه خارجاً يلطم وجهه أو يصيح.

ومن القرائن أن تجمع الأمة على صحة الحديث .

وقد أجمعت الأمة على صحة الصحيحين ، إلا أحاديث يسيرة منتقدة ، فأحاديثهما تفيد العلم في الجملة، سوى ذلك المقدار الخارج عن الإجماع.


وتتفاوت مراتب الصحيح تبعاً لتفاوت شروطه قوة وضعفاً.

فمثلاً ما رواه العدل الضابط المتفق على ثقته أعلى رتبة مما رواه الثقة الضابط المتكلم فيه.

وما وافق الثقة فيه غيره ، أعلى رتبة مما انفرد به أو خالف فيه من هو مثله أو دونه.

وهكذا.

ولما كان الرواة يختلفون في العدالة والضبط اختلفت مراتب الأسانيد تبعاً لذلك ، وظهر ما يعرف بأصح الأسانيد.

وأشهرها مطلقاً : مالك عن نافع عن ابن عمر. رضي الله عنهم جميعاً ، وقد سميت هذه السلسة بسلسة الذهب.

وفي هذا القدر كفاية.

والحسن كالصحيح في سائر شروطه، إلا أنه إن خف ضبط الراوي ولو في طبقة واحدة فهو الحسن.

ومعنى خف ضبطه : أي نقصوقل عن ضبط راوي الحديث الصحيح، لكن بشرط أن لا يخف جداً فيعد حديثه ضعيفاً. وليس لمقدار هذا النقص حد مصطلح عليه ، بل هو متروك لاجتهاد المحدث ، لذا تراهم يختلفون كثيراً.

فمثلاً بعضهم يرى رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس حسنة ، وبعضهم يضعفها.

وبعضهم يرى رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حسنة وبعضهم يضعفها وبعضهم يجعلها من أصح الأسانيد.

ومعنى ولو في طبقة : أي رجل من رجال السند. ولا يشترط في كل راوٍ من رواته أن يكون أقل ضبطاً من رواة الصحيح ، بل لو كان جميع رجاله تامي الضبط إلا واحد نقص ضبطه عنهم قليلاً فهو حديث حسن.

فتحصل أن شروط الحسن هي نفس شروط الصحيح إلا في الضبط.

وقد اصطلحوا على تسمية الصحيح والحسن المتقدمين بالصحيح لذاته والحسن لذاته ، وليس هذا في كلام المتقدمين أصلاً ، بل هو اصطلاح حادث للتوضيح. وسيأتي معنا ما هو المراد توضيحه بهذا الاصطلاح عند الكلام على الصحيح لغيره والحسن لغيره.


هذا والله أعلم


... يتبع ...

وضاح أحمد الحمادي
13-01-10 ||, 03:14 PM
والمستفاد من الحديث الحسن لذاته هو ظن ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه دون الظن الحاصل بالحديث الصحيح ، لكن لو فرضنا أن الحديث له إسنادين حسنين فإن الظن يقوى حتى يساوي الظن الحاصل بالصحيح ، أو يزيد ، وهذا هو المعروف بالصحيح لغيره.

فالصحيح لغيره : هو الحديث المروي بأسانيد كل واحدٍ منها مفرداً دون الصحيح في القوة ، لكن اجتماعها يجعله في قوة الصحيح.

والحسن لغيره : هو الحديث المروي بأسانيد كل واحدٍ منها منفرداً دون الحسن لذاته في القوة ، لكن اجتماعها يجعله في قوة الحسن لذاته.

ومثاله ما رواه سليمان بن عبيد الله الأنصاري ، عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم بن عتبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين ، فبتعتمهما ففرقت بينهما ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : "أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعاً"


وهذا إسناد حسن سليمان بن عبيد الله صدوق .

وله طريق آخر عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ.


وهذا منقطع بين ابن أبي عروبة والحكم.

وهذا يقوي الطريق السابقة ، فإن كانت حسنة بمفردها فهي صحيحة بضميمة الطريق الثانية.

وبضميمة إسناد ثالث وهو عَن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني، عَن الحكم، عَن مَيْمُون، عَن عَليّ.


يتقوى في النفس ثبوته عن رسول الله وتمطئن إلى صحته، وإن كانت هذه الطريق هي أيضاً منقطعة.




والضعيف : ما فقد شرطاً من شروط الحسن ، أو يقال ما فقد شرطاً من شروط الإحتجاج. أو وجدت الشروط ووجد مانع من الحكم بمقتضاها.

أما شروط الاحتجاج فقد تقدمت ، فإن فقد شرط الإتصال فهو منقطع ، والإنقطاع أنواع . أو فقد شرط العدالة فيتفاوت الحكم عليه بحسب تفاوت الأسباب القادحة في العدالة ، فإن كان السبب الكذب مثلاً فالحديث موضوع ، وهكذا.

ولما كانت أسباب الضعف مختلفة شدة وضعفاً اختلف الحديث الضعيف أيضاً فكان منه ما هو شديد الضعف ، ومنه ما لم يشتد ضعفه ، ولكل منهما أحكامه كما سيأتي في باب الشواهد.

وضاح أحمد الحمادي
13-04-13 ||, 08:17 PM
إذا حققت شروط الصحيح والحسن ، عرفت الضعيف ، لأنه الفاقد لأحد شروط الحسن لذاته المذكورة.
وأول هذه الشروط هو الإتصال ، ويعرف فاقد شرط الإتصال بـ :
المنقطع :
وهو أن يسقط من سلسلة الرجال واحد أو أكثر سواءً كان في بداية السند أو آخره أو وسطه ، ويجمع جميعها إسم المنقطع ، وربما سماه بعضهم المقطوع ، وهو الشافعي رحمه الله.
ولبيان أنواع المنقطع وأسماء كل نوع منها سنستعمل الإسناد التالي من أسانيد مسلم بن الحجاج رحمه الله :
يحيى بن يحيى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
فأول السند هو يحيى بن يحيى لأن من يروي الحديث أول من يذكرهم من الرجال هو يحيى بن يحيى وآخره هو الصحابي لأنه آخر من يذكر قبل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن بينهما هم وسط السند.
ولا يعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءً من السند لأنه المقصود بالرواية والسند هو الطريق إلى ذلك المقصود.
إذا عرفت ما تقدم فإن أهل الحديث سمو كل نوع من أنواع السقط باسم يخصه. وسنعبر عن الرواة الساقطين من السند بخط فارغ ولا يقرأ عن قراءة السند، فنقول :
المرسل : هو من سقط من إسناده من بعد التابعي.
والمراد بالتابعي من رأى الصحابي ومات على الإيمان فإن كان عاصر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره فهو تابعي مخضرم.
ومثاله في الإسناد المتقدم أن يقول مسلم رحمه الله:
حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك عن الأعرج عن ــــــــ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا إسناد منقطع الآخر فإن الأعرج لم يرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المعلق : هو ما سقط منه أول رجال السند سواء كان الساقط واحد أو أكثر.
مثاله في الإسناد المتقدم مثلاً أن يقول الإمام مسلم :
عن ـــــــ مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن مسلم لم يسمع من مالك ، وإنما سمع حديثه من يحيى بن يحيى ، وسقوطه من أول السند يعني أن السند معلق.
وهكذا لو سقط أو رجال السند واستمر السقط حتى بلغ الصحابي.
ومثله لو قال مسلم :
عن ـــــ ـــــ أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو :
عن ـــــ ـــــ ـــــ الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أو
عن ـــــ ـــــ ـــــ ـــــ أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكل ذلك يسمى معلقاً.

المنقطع :
قدمنا أن المنقطع يشمل كل صور السقط في السند. لكنه أيضاً يختص بما سقط من وسط إسناده راوٍ أو أكثر لا على التوالي ، ومثاله في الإسناد السابق ما لو قال مسلم :
حدثني يحيى بن يحيى عن ــــــ أبي الزناد ــــــ عن أبي هريرة.
فإنه سقط من الإسناد مالك والأعرج.
فهذا يسمى منقطعاً.
وهذا الإختصاص إنما هو اصطلاح بعض المتأخرين ، وإلا فقد يسمى كل منقطع بالمرسل أيضاً.

المعضل :
هو من سقط من إسناده أكثر من راوٍ على التوالي.
والمراد بقولنا عن التوالي أن يسقط التلميذ وشيخه معاً ، وبعبارة أخرى الراوي ومن فوقه مباشرة أو ومن تحته مباشرة.
ومثاله في السند السابق أن يقول مسلم:
حدثني يحيى بن يحيى ــــ ــــ عن الأعرج عن أبي هريرة .
أو يقول :
حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك ــــ ــــ عن أبي هريرة.
فسقط في المثال الأول مالك وشيخه أبي الزناد.
وفي المثال الثاني أبي الزناد وشيخه الأعرج.
فهذا سقط متوالي كما تقدم ، ويسمى معضلاً.

تنبيه :
قد تشترك بعض الصور المتقدمة كما لو سقط من أول السند أكثر من راوٍ على التوالي كما لو قال مسلم :
عن ــــ ــــ أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
فهناك سقط من أول السند ، فهو معلق بهذا الاعتبار.
والساقط أكثر من راوٍ على سبيل التوالي. هو معضل بهذا الإعتبار.

هذه صور الإنقطاع الظاهرة ، ثم هناك صور خفية يأتي ذكرها لاحقاً
والله سبحانه أعلم
... يتبع ...

وضاح أحمد الحمادي
13-04-15 ||, 11:35 AM
ثم كان يلي شرط الإتصال شرط العدالة والضبط ، فإذا اختل فالحديث الضعيف وصور الضعف بفقدان هذين الشرطين هو البحث في الجرح والتعديل ، والكلام فيه يطول فنأخره على الشرطين الآتيين.

ويلي شرط العدالة والضبط نفي الشذوذ كما تقدم ، وقد فُسر بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه بقبول حديثه كما سيأتي ، والغرض هنا بيان أن الشاذ نوع مخالفة ، والمخالفات على ضروب ، كل ضرب هو نوع معروف في الحديث وهي كما يلي :

الشاذ : وهو مخالفة من يحتج بحديثه لمن هو أولى منه بالقبول.
والمقصود بـ(ـمن يحتج بحديثه) راوي الصحيح لذاته أو الحسن لذاته.
ومن هو (أولى بالقبول) هذه الأولوية تكون بأحد أمرين


إما لكونه أوثق كما لو روى الصدوق حديثاً فخالفه ثقة ثبت ورواه على وجه مخالف.
أو لكون المخالف أكثر عدداً ، بأن يروي الثقة حديثاً ويخالفه عشرة ثقات فيرونه على وجه آخر.

ومثال مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه ما رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (كنت أبيع الإبل بالبقيع ... إلى قوله ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء")
وقد رواه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً ليس فيه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الحديث رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم.
ورواه داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير ولم يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جعله من كلام ابن عمر فقط.
وسماك صدوق حسن الحديث.
وداواد ثقة متقن صحيح الحديث.
فرواية سماك شاذة ، لأنه خالف داود وداود أوثق منه فهو أولى بالقبول.

أما مثال مخالفة الراوي لمن هم أكثر منه عدداً وأولى بالقبول منه لكثرتهم ما رواه :
سفيان بن عيينة عن عبد الملك عن ربعي عن حذيفة قال أتى رجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: "إني رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب ..."
وهذا الحديث رواه :
أبو عوانة وحماد بن سلمة وشعبة وعبد الله بن إدريس وزيد بن أبي أنيسة وعبدالله بن عمرو الرقي كلهم عبد الملك عن الطفيل بن عبدالله بن سخبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعليه.
فرواه سفيان بن عيينة عن عبد الملك
وكذا رواه الستة المتقدم ذكرهم عن عبد الملك أيضاً
لكن اختلفوا بعد ذلك فجعله ابن عيينة عن ربعي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وجعله الستة عن الطفيل بن عبد الله بن سخبرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسفيان بن عيينة جبل لا يحتاج إلى الكشف عن حاله ، لكنه خالف ستة ، فهم أولى بالقبول منه. لذا حكموا على سفيان بأنه وَهِمَ ؛ فحديثه شاذ.

والله أعلم

... يتبع ...

وضاح أحمد الحمادي
13-04-16 ||, 07:02 PM
المحفوظ : هو مقابل الشاذ. أي أنه رواية الأولى بالقبول ، سواءً كانت تلك الأولية لزيادة في الثقة أو لكثرة في العدد.
وأمثلتها تقدمت في الشاذ.
المنكر : وهو مخالفة من لا يحتج بحديثه لمن يحتج بحديثه.
وقولنا : (من لا يحتج به) يدخل فيه المجهول ، فإنه ليس بضعيف ولكنه أيضاً ليس بحجة.
وقولنا : (يحتج به) يدخل فيه رواية الثقة بجميع مراتبه ورواية الضعفاء إذا عضد بعضها بعضاً.
ومثاله :
مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ» .
كذا رواه مسلم بن خالد الزنجي جعله مرفوعاً من قول رسول اله صلى الله عليه وسلم ، وباللفظ المذكور.
ورواه سُفْيَانُ قال حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يَخْطُبُ» .
كذا قال سفيان فجعله من حديث ابن عمر موقوفاً عليه غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخالد الزنجي ضعيف ، وسفيان أمير المؤمنين في الحديث فوق الثقة.
فحديث خالد منكر ، قال العقيلي : "هذا حديث منكر"

المحفوظ : هو مقابل منكر ، ومثاله حديث سفيان الثوري هذا.

ملاحظة مهمة : إعلم أن ما قدمناه من تعريف الشاذ والمنكر هو المشهور المعروف عند عامة المتأخرين ، وليس هو كذلك عند المتقدمين.
فالشاذ: عندهم ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده.
والمنكر: ما انفرد به الراوي غير المشهور ولو صدوق عن راوٍ مشهور له أصحاب مشهورون. فما ينفرد به الراوي عن أولئك الأصحاب المشهورين هو المنكر.
وليس هذا موضع البسط ، وقد بسطناه في موضع آخر.

والمضطرب : هو ما خالف فيه الراوي المحتج به من هو مثله ، ولم يمكن الجمع بين رواية المختلفين ولا الترجيح بينهما.
وهذا واضح إنشاء الله.

والله أعلم

... يتبع ...