المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتح الذرائع



شهاب الدين الإدريسي
08-10-08 ||, 12:13 AM
هو مقال أكتبه على مهل، أحاول فيه نفض الغبار عن قاعدة من القواعد الأصولية، ربما أصبحت منسية، لقلة أو نذرة ذكرها فلا نسمع إلا بسد الذرائع هنا وهناك وهنالك، فتوسع البعض في فهمها واستعمالها وتطبيقها على نحو يتناقض مع الأصل (الإباحة) فتوسعت دائرة التحريم وضيقت أختها، بالرغم من وجود خلاف حول صحة هذا الأصل، وليس هنا مقام بسط ذلك، إنما نتركه لإخواننا الشافعية والظاهرية.

اعلم -أكرمك الله- أن الذرائع كما تسد تفتح، ولما كان سدها هو الأكثر كان هو المقصود عند إطلاق الذرائع.
أما فتح الذرائع، فنظرا لقلة مواطنه، لا نجد العلماء يفصلون القول فيه، كما بالنسبة لقاعدة السد، وإنما تكون لهم إشارة خفيفة إليه.
وفتح الذرائع هو عكس سد الذرائع، ومعناه الأخذ بالوسائل الممنوعة إذا كانت تفضي إلى مآل مطلوب شرعا، نظرا لما فيه من مصلحة. فالوسيلة الممنوعة المؤدية إلى مآل جائز، كان من المفروض أن يكون حكمها المنع تغليبا لجانبه على جانب الجواز، ولأن الإسلام يرفض مبدأ الغاية تجوز الوسيلة، أو مبدأ الغاية تبرر الوسيلة كما قال "ميكيافيل" المأفون، فلا يقبل -الإسلام- من الوسائل إلى الجائز أو المطلوب إلا الشريف الطيب المشروع، ولكن الإسلام لم يغفل عن ضرورات الحياة وضعف الإنسان أمامها، فقدّر الضرورة القاهرة وأباح للمسلم أن يفعل من المحرمات ما يدفع عنه الضرورة ويقيه الهلاك.
إذاً فقد جوز الإسلام للمكلف الوسيلة الممنوعة المؤدية إلى مآل جائز، ولكن بشرط أن يرافقها حال ضرورة ملجئة إن لم يكن هناك طريق آخر لتحقيق المقصود الجائز أو المطلوب، ويقدر الجواز بمقدار الضرورة الملجئة، وهذا ما قصده الله القرآن حين قال : { فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (البقرة 172)، فالآية قيدت المضطر أن يكون "غير باغ ولا عاد" وفسر هذا بأن يكون غير باغ للذة طالب لها، ولا عاد حد الضرورة، من هذا القيد أخذ الفقهاء مبدأ آخر هو : الضرورة تقدر بقدرها.
فالإنسان وإن خضع لداعي الضرورة، لا ينبغي أن يستسلم لها، ويلقي إليها بزمام نفسه، بل يجب أن يظل مشدودا إلى أصل الحلال باحثا عنه، حتى لا يتمرئ الحرام أو يستسهله بدافع الضرورة.
والإسلام بإباحته المحظورات عند الضرورات، إنما يساير في ذلك روحه العامة، وقواعده الكلية، تلك هي روح اليسر الذي لا يشوبه عسر، والتخفيف الذي وضع به عن الأمة الآصار والأغلال التي كانت من قبلها الأمم، وصدق الله القائل : { يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ }(البقرة 184).
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين3/3: [ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها...]
وإذا رجعنا إلى شريعتنا الغراء نجد أن الشارع أوجب أمورا لا لعينها، بل لكونها وسائل وذرائع لأمور أخرى ثبت طلبه لها، مثل قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } (الجمعة9)، فأمر سبحانه بالسعي إلى صلاة الجمعة، وهو وسيلة غير مقصودة لذاتها، وإنما كان الأمر بها لأنها ذريعة إلى إقامة الصلاة المفروضة بمثل قوله: { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ } (البقرة 110)، وكذلك يأمر بترك البيع عند النداء لصلاة الجمعة، والنهي عنه ليس مقصودا لذات البيع، وقد ثبت جوازه ومشروعيته بقوله تعالى: {ْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْع } (البقرة 274)، بل لتحصيل فريضة السعي إلى الصلاة.
كما نجد الشارع يثيب على فعل الوسيلة ومباشرة مقدمات الخير في قوله تعالى: { مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } (التوبة121)
وهو نص في أن الله سبحانه يثيب المجاهد في سبيل الله على ما يناله من جوع، أو عطش، او تعب، ولو لم تكن من صنعه، لأن حصولها إنما كان بسبب توسله إلى الجهاد بالكر والفر والخروج من الوطن والتعرض للمخاطر في الكيد للعدو.

قال القرافي في الفروق 2/32 : [ وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى -وذكر الآية- ثم قال: فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم، لأنهما حصلا بسبب التوسل إلى الجهاد، الذي هو وسيلة لاعتزاز الدين وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة إلى الوسيلة ].

يتبع

شهاب الدين الإدريسي
08-10-08 ||, 02:09 PM
كما نجد الشارع يبيح الاحتيال لطلب المطلوب بالمحظور، ويدفع الضرر الأكبر بالأصغر، وذلك اعتبارا منه لفتح الذرائع.
من ذلك: { أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } (الكهف 78).
وفي صحيح البخاري: " أن موسى والخضر عليهما السلام لما ركبا في السفينة، فاجأ الخضر موسى بأن عمد إلى قدوم فخرق السفينة، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول (أجر) عمدت إلى سفينتهم فخرقتها، لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ".

فاعلم رحمك الله أن هناك قاعدتان في القصة:

* التوصل إلى مطلوب بالمحظور: فقد توصل الخضر عليه السلام إلى حفظ السفينة وسلامتها من غصب الملك لها، بتعييبها بالخرق، بعد أن تعين طريقا ضروريا لنجاتها، وسلامتها لأصحابها.

* دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر: وقد دفع ضرر اغتصاب السفينة وذهابها جملة بضرر أصغر وهو الحرق، لأن مصلحة بقائها مع العيب، إلى أجل، أفضل من ذهابها بالكلية.
وفي السنة نجد فيها نهيا لذكر ما يقع بين الرجل والمرأة، لما فيه من احتمال الإفضاء إلى محظور، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله في معرض بيان الشريعة والأحكام، لأن ترك البيان أخطر من احتمال الإفضاء إلى المحظور.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يقبل ويباشر، وهو صائم، وكان أملككم لإربه ".
فيتبين من الأمثلة السابقة مدى إعمال الشارع لفتح الذرائع، وأن الشريعة الإسلامية عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها، وفي ذلك يقول ابن القيم: ( ..وسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود.. ) (إعلام الموقعين: 3/135).
فالأمر المحظور -لما فيه من المضرة- صار كطلوبا لأنه دفع لمضرة أكبر، أو جلب لمصلحة أكثر، وأنه في هذه الحال يلغى جانب المضرة فيه بجواز ما يجلبه من نفع أو يدفع من ضر، فيصير المعتبر جانب المنفعة أو دفع الضرر الأكبر. وهذا ما قصده ابن القيم بقوله : (.. وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما، ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما) (إعلام الموقعين 3/279).
هكذا يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية لم تراع الذرائع من جهة سدها فقط، بل راعتها من جهة الفتح، فأعطت لكل وسيلة حكم مقصدها في الغالب.
يقول العز بن عبد السلام: ( وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد أرذل الوسائل) (قواعد العز بن عبد السلام 1/46).
ويقول ابن القيم: ( إن وسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه هو مقصود صد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل) (إعلام الموقعين 3/135 .
فالأفعال والتصرفات تأخذ أحكامها بحسب غاياتها وأهدافها، فإن كانت مجردة عن الغايات كانت عبثا وبعثرة للجهود، وإن كانت تؤدي إلى منفعة فهي مصلحة وخير، وإن كانت تؤدي إلى ضرر فهي مفسدة وشر، وإن كان الأول عبثا ولغوا، فاستحباب الثاني من باب فتح الذرائع، وكراهية الثالث من باب سد الذرائع، وهذا أكر عقلي بحت يدركه الكل ولا يخالف فيه عاقل.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
08-10-09 ||, 02:18 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل الكريم شهاب الدين على الطرح المميز ....
ولي عودة لموضوعك ايها الفاضل ( سأبحث لنتكلم بعلم أو نصمت بحلم) ( ابتسامة)

شهاب الدين الإدريسي
08-10-13 ||, 10:41 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل الكريم شهاب الدين على الطرح المميز ....

وفيكم بارك، ومنتظر إفاداتكم، فالموضوع مجرد بداية ينتظر من الإخوة الإتمام والتمام.

حمد بوجمعة
08-11-03 ||, 12:35 AM
جزاك الله خيرا أخي الادريسي
هذا الموضوع يحتاج إلى بسط وترتيب ذهني أولا للموضوع من حيث علاقتُه بالقواعد المشهورة الضرورات تبيح المحظورات والضرر الأكبر يزال بالضرر الأصغر ...والتي أرى مبدئيا أن فتح الذرائع -الذي قال به القرافي المالكي-انما يدخل تحت القواعد المذكورة آنفا، فأرجو تدبر المسألة من هذه الحيثية أولا ، ثم بسط الموضوع بسطا علميا قائما على المنهج العلمي في العلوم الشرعية كما هو معروف

فاتن حداد
11-11-30 ||, 01:47 PM
للرفع

عارف محمد المرادي
13-02-15 ||, 12:34 AM
موضوع قيم ... وهناك بحث للدكتور علي المحمادي بعنوان :" فتح الذرائع . حدوده وقواعده " .
لكن هل توجد رسالة علمية بهذا العنوان ؟
ارجوا الافادة ممن لديه معلومة

أم عبد الله السرطاوي
13-02-16 ||, 11:56 AM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد