المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرية الفقهية



محمد الفقيه الغامدي
13-02-05 ||, 01:54 PM
لم تُعْرَف النظريةُ كمصطلح مُتداول في التُّراث الفقهي، وإن وجد المضمون، وما عرف من كتب تُراثية تحمل اسمَ نظرية مثل "نظرية العقد" لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهي من تصرُّف الناشر من باب التسويق غالبًا، لكنَّها لم تُعْرَف وتتداول إلاَّ في هذا العصر، عصر النظريات عمومًا، والقانونية على وجه الخصوص.

وقد تزامنتْ مع حِرْصِ عَدَدٍ مِنَ الفُقَهاء المعاصرين على تجديد الفقه وتطْويرِه، وتحريك الدِّماء في شرايينه؛ لينبعثَ من جديد قائمًا بِمُهمته في نَهضة الأُمَّة ووحدتها وتفرُّدها؛ حيث رأوا أنَّ الفقه قد تَخلى عن دَوْرِه في مواطِنَ كثيرة حل محله القانون الوضعي فيها، ولعلَّ أهَمَّ الأسباب في نظرهم عدم مجاراة الفقه للواقع، فلا بد مِن تجديد الدِّراسة، والبحث الفقهي، ومن ذلك إيجاد أو إنشاء أو استخراج النظَريات الفقهيَّة.

وكان مُنطلقهم دافعَ الغَيْرة على الفقه الإسلامي، والتصدِّي للشُّبَه التي أثارها خصومُه من عدم قُدرته على مُواكبة العصر، وأنَّ قَضاياه صالحة لأزمانٍ مَضَت فقط، وأنَّ القانونَ الغربي متفوقٌ عليه من وجوه كثيرة.

وأنه نِتاج قرون الانْحِطاط، وأنه في جوانبه المتميزة إنَّما نقلها من القانون الرُّوماني، وليست هذه الجوانبُ أصيلة في الفقه، كما اتُّهم بخُلُوِّه من المعاني والحِكَم التي تُخاطب العقول؛ مما اضطر نفر من المعتنين بالفقه للدِّفاع عنه، وإظهار أصالته، وتفرده وتميزه، ومن ذلك اهتمامهم بالنظرية الفقهية، ورأوا أنَّها استجابة لمطلب العصر، وأنَّ الفقه - على فرض خلوه منها - لا بد أن يكملَ مسيرته وتطوره؛ ليقدم للعالَم أروعَ النظريات.

ويُعَدُّ هذا تتْميمًا لجهود العلماء السابقين؛ حيث كانوا مُتفاعلين مع ثقافات عصورهم، مستجيبين لقضاياها؛ مما أسْهَم في ازدهار الحضارة الإسلامية، وقد أثروا الفقهَ بدراسات دقيقة واسعة، مِن الممكن حصرها في ثلاثة حقول رئيسية:
الأول:أصول الفقه، وهو يبين المصادرَ الأصلية والتبعية، التي يرجع إليها الفقيه بصورة إجمالية، كما يرسم المنهاج الذي يسلكه الفقيه لاستنباط الأحكامِ من أدلتها، كذلك يذكر الصفات المؤهلة لذلك، وهو ما يسمى بالاجتهاد، وعكسه التقليد.

ويندرج ضمن إطار أصول الفقه مقاصدُ الشريعة والجدَل، وإنْ كانتْ قد أفردتْ بمؤلفات، وحاول بعضُهم إخراجَها، لكنَّها تبقى ضمنَ نطاق أصول الفِقه.

والثاني: الفقه - وهو الثمرة - وهو جُزْئياتُ المسائل وفرعيات الأحكام الشاملة لحياة الإنسان مِن جميعِ جوانبها، سواء في عَلاقته مع رَبِّه، وهي العادات، أم علاقته مع الناس، وتَتَمَثَّل في المعامَلات، والأنكِحة، والجنايات، وما يتعلَّق بذلك، وكل ما له صِلَة بحياة الإنْسان.

والثالث: القواعِد الفقهيَّة، وهي "أصول فقهيَّة كلية في نصوص مُوجزة دستورية تتضمن أحكامًا تشريعية عامَّة في الحوادث، التي تدخل تحت موضوعاتها"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).

ويندرج في إطار القواعِد الفقهية عِلْم الفروق، والأشْباه والنظائر، والألغاز والمطارَحات.

فإكمالاً لمسيرتهم لا بُدَّ مِن إضافة ما يَحتاج إليه الفقه من تطوير أو إعادةِ صياغة، ومن ذلك النظريَّة.

وقبل أن ندخلَ في صميم الموضوع لا بد من تصور النظرية؛ حتى يكونَ التناوُل للموضوع عن بَيِّنَة.

لقد عَرَّفَ الفُقهاءُ المعاصِرون النظريةَ الفقهية بعدة تعريفات:
1- عرفها الدكتور مصطفى الزرقا بقوله: "نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى، التي يؤلف كلٌّ منها على حِدَة نظامًا حقوقيًّا موضوعيًّا منبثًّا في الفقه الإسلامي، كانبثاثِ الجملة العصبيَّة في نواحي الجسم الإنساني، وتَحكُّم عناصر ذلك النظام في كل ما يتصل بموضوعه من شُعَبِ الأحكام، وذلك كفكرة الملكيَّة وأسبابِها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلِيَّة وأنواعها، ومراحلها وعوارضها، وفكرة النِّيابة وأقْسامها، وفكرة البُطلان والفساد والتوقُّف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف وسلطانه على تحديد الالتزامات، إلى غير ذلك من النظريات الكبرى، التي يقوم على أساسها صرحُ الفقه بكامله، ويصادف أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهيَّة"[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).

2- وعرفها الدكتور وهبة الزحيلي بأنها: "المفهوم العام الذي يؤلف نظامًا حقوقيًّا موضوعيًّا تنطوي تحته جُزْئِيَّات مُوزعة على أبوابِ الفقه المختلفة"[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).

3- وعَرَّفَها الدكتور محمد فوزي فيض الله بأنَّها: "مفهوم حقوقي عام، يُؤلف نظامًا مَوْضوعيًّا، تندرج تَحته جزئيات في فُروع القانون المختَلفة"[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).

4- وقيل: هي المفهوم الكلي الذي يدخل تحته الموضوعات المتشابِهة في الأركان والشروط والأحكام العامة[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).

5- وقيل: بناء عام لقضايا ذات مفهوم واسع[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).

فأنت تجد هنا ألفاظًا مُشتركة أو متقاربة في دلالتها على مفهوم النظرية، ومفهوم عام، ومفاهيم كبرى، ومفهوم كلي، وبناء عام.

فهذه التعاريفُ تَشترك في وَصْفِ النظرية بالعُموم والشُّمول والكلية، وكونها مفهومًا أو رُؤية شاملة، وليستْ مسائل جُزئية.

وهذا مِن خصائص النظَرية، فهي: "تصوُّر يقوم بالذِّهن، سواء استُنبط بالتسلسُل الفكري المنطقي، أم استُمِدَّ مِن استقراء الأحكام الفرعيَّة الجزئيَّة، ويتَّصف هذا التصوُّر بالتجريد؛ إذ يُحاول أن يتخلصَ من الواقع التطبيقي؛ لينفذَ إلى ما وَراءه مِن فكرة تحكُّم هذا الواقِع، وهو تصوُّر يُحاول أن يُحيطَ جميعَ جوانب الموضوع، ويبحث مُستوياته وأبعاده كافَّة"[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).

فهي تتناول القضية مِن منظور عام شامل، وتَحتويه احتواءً مِن مَجموعه الكلي دونَ الغوص في الجزئيات، ولا تلتفت للجزيئات إلاَّ من حيث توضيحُ البناء وضربُ المثال، مع ما نلاحِظُه من أنَّ كثيرًا مما ألف تحت اسم "النظرية" عن مسائل مجموعة أطلق عليها اسم "النظرية".

وكأَنَّك أمامَ كتابٍ فِقْهِيٍّ أُعيدتْ فَهْرسة مسائله، فلا تختلف عن الأطروحات الجامعية، التي تَختص ببابٍ مُعين، أو مسائل معينة، وتجمعها في باب واحد.

والأصح أنْ يقال: أحكام كذا، لا نظرية كذا؛ لأَنَّها مجموع مسائِل جزئية لم يَجمع بينها سوى العنوان، ولم يُوضِّح المؤلِّفون فيها المفهومَ والبناء الكلي، الذي يَجمع هذه المسائل بالتعريف والأحْكام، بل يكتفون بالعنوان، ثم يدلفون بعد ذلك في تَعداد المسائل بالتعريف والأحكام والأقوال والنقاشات والردود والتعْليلات.

وكأنَّنا أمام كتاب فقهي بَحْت، فالأولى كما ذكرنا تسمية: أحكام كذا، لا نظرية كذا، مع أنا لا ننكر الجهودَ الرائعة في ذلك، وندعو للمراجعة وإكمال النقص لا الإلغاء التام؛ أي: إتمام البناء لا البناء على أنقاضِ السابق.

وترى كذلك في أدلةِ الأصول التابعة مَن يُعْنَوْنَ بنظريةٍ كنظرية الاستحسان أو نظرية المصلحة، أو نظرية القياس، ولا تعدو أن تكون ذكرًا للباب، كما هو في كتب الأصول بأسلوب عصري، ولا أعمم على الجميع، لكن رأيتُ عددًا من الدِّراسات التي تحملُ هذا الاسم في أبواب الأصول، وليس لها من النظرية إلاَّ اسمها، وانظر إلى كتب القواعد الفقهية حينما صاغها الفقهاء بطريقة تختلف عن كتب الفقه، وما زالوا يطورون صياغتها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من وجازة العبارة، واتِّساع المعنى، ككتاب "الأشباه والنظائر" للسيوطي الشافعي، و"الأشباه والنظائر" لابن نُجَيْم الحنفي.

ثم إذا أردنا صناعةَ نظرية فقهية، أو اكتشاف نظرية فقهية، من أين نستقي النظريات وأمامنا هذه الحقول الواسعة من إنجاز علماء الإسلام من أصول فقه، وقواعد فقهيَّة، وكتب فقه مرتبة على الأبواب مذهبيَّة أو مقارنة، وعلم الفروق، والأشباه والنظائر، والألغاز الفقهية، والمطارحات، والحيل والمخارج، والفتاوى والأقضية والنوازل، إضافةً لكتب التفسير، وشروح السنة، وكتب السيرة، وتطبيقات الفقه على مدار التاريخ الإسلامي؟ فمن أين نستقي النظرية من هذه الثروة الهائلة؟ "إنَّ البحث عن النظريات الفقهية ليس منَ السهولة بالصورة التي نبحث بها عن الأحكام للمسائل الفقهية، فكتب الفقه زاخِرة بأحكام الفروع، وقلما تجد فيها بحوثًا عن نظرية فقهية؛ إذ إنَّ هذه النظريات مُتناثِرة بين العديد من المصنفات، وهي بحاجة إلى اكتشاف وتجميع وترتيب"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).

فهل نستقي النظرية من مجموع هذه العلوم المتعلِّقة بالفقه، بحكم كونها فنًّا جديدًا لم يعرف، أو أنَّها أقرب شبهًا ببعض الحقول؛ لذلك تُعدُّ امتدادًا لها؟

وعند المقارَنة بين النظريات الفقهية في صيغتها المعاصرة والحقول السابقة، نجد أقربَها شبهًا هو علم القواعد الفقهية، فهذا العلم يتضمَّن صياغةً مُختَصرة كلية شاملة لعدد مِن مسائل الفقه تنتظمها في سِلك واحدٍ؛ مما حدا بالبعض إلى اعتبار النظرية الفقهية مُرادِفة للقاعدة الفقهيَّة، أو صيغة عصرية مُطوَّرة لها كقاعدة: (الضررُ يُزال)، مع بعض التَّعْديلات تتحول إلى نظريةٍ عامَّة متكامِلة في الضرر، ومِن هؤلاء الشيخ محمد أبو زهرة[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)، فقد اعتبر النظرية مُرادفة للقاعدة.

بينما رأى البعضُ أنَّ النظرية تختلف عن القاعدة، وفرق بينهما من عدة زوايا[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10):
1- أنَّ النظرية الفقهية أكثر شمولية من القاعدة، وأوسَع نطاقًا منها، حتى إنَّ القاعدة تنزل إلى مراتب الضابط الفقهي بجانب النظرية.

2- أنَّ القاعدة الفقهية تتضمن حكمًا فقهيًّا في ذاتها ينتقل بعد ذلك إلى الفروع التي تندرج تحتها وتدخل في نطاقها، بخلاف النظرية، فهي مفهوم عام، لا تَتَضَمَّن حُكمًا.

3- أنَّ النظرية تشتمل على أركان وشروط، بخلاف القاعدة، فلا تشتمل على ذلك؛ "فنظرية العقد مثلاً تتناول التعريف بالعقد، وبيان الفرق بينه وبين التصرُّف والإلزام، والكلام عنْ تكوين العقد ببيان أركانه، وشروط انعقاده، وصيغته، واقتران الصيغة بالشروط، وأثر ذلك في العقد، كما تتناول الكلامَ عن محل العقد، وعن أهليَّة العاقدين، وعوارضها، وعن ولايته الأصلية والنيابية، وعن حكم العقد، وأحكام العقود، وعنْ عيوب العقد، وعن الخيارات وأثرها في العقود"[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).

كذلك نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي، تتألَّف مِن عِدة عناصِر:
حقيقة الإثبات، والشهادة، وشروط الشهادة، والرجوع عن الشهادة، ومسؤولية الشاهد، والإقرار، والقرائن، والخبرة، ومعلومات القاضي، والكتابة، واليمين، والقسامة، واللعان.

"فهذا مثالٌ للمنهج الجديد الذي يسلُكُه المؤلِّفون في النظريَّات العامَّة في تكوينها؛ إذ كل موضوع عنصرٌ مِن عناصر هذه النظريَّة، وتندرج تحته فصول، والرابط بينها علاقةٌ فقهيَّة خاصَّة"[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).

والتعميم خاطِئ، فليست النظرياتُ الفقهية مُرادفةً تمامًا للقواعد الفقهيَّة، وليستْ مُخالفة لها من جميع الوُجوه، وبعض القَواعد الفقهيَّة لا تختلف عن النظرية إلاَّ في اسمها، وبعض الصِّياغة، وإعادة تنسيق وربط مسائلها الفقهية؛ كقاعدة: "الضررُ يُزال"، أو "الأصل براءة الذِّمة"، أو "المشقة تجلب التيسير".

وبعض القواعد فعلاً قد تكون مُجرد ضابط فقهي تندرج ضمن النظرية العامَّة، وبعضها قد لا يكون له عَلاقة بالنظرية.

أمَّا بقية العلوم من أصولِ الفقه وفروعه وغيرها مما ذكرنا، فلا مانعَ من استقاء النظرية الفقهية من أحدها أو من مجموعها، وإن كان الأقرب كما ذكرنا هو علم القواعد الفقهية.

ولكن هل اتَّفق الفقهاء المعاصرون على استعمال هذا الاصطلاح: "النظرية الفقهية"؟
لقد أبْدى البعضُ رَفْضَه لهذا الاصطلاح؛ بحُجةِ أنَّ النظريةَ وليدةُ تأمُّل ونظر إنساني صِرْف، أمَّا الفقه فهو مُستمَد من نصوصِ الوَحْيَيْنِ، وتحريك النظر فيه يدور حول النُّصوص الشرعية؛ لذلك سُمِّيَت الأدلةُ التي ليستْ بنصوص بالأدلة التبعِيَّة، وهي أخذت مكانَها كأدلة مِن كونها تابعة للنصوص، فكيف نأتي ونعترف أو نُنشئ علمًا يتعلَّق بالفقه قائمًا على النظر الإنساني البحت؟!

ومِن هؤلاء الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر؛ حيث يقول: "وهذه التسمية "النظريات الفقهية" تحتاج إلى إعادة نظر؛ فالنظريةُ وليدة الفكر الإنساني، والأحكام الشرعية كثيرٌ منها منصوص عليه، وليس نتاجًا للفكر الإنساني؛ لذلك كان الفقهاء أدقَّ عندما سموها أحكامًا، وكل مجموعة متجانِسة من الأحكام عقدوا لها بابًا"[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).

وكانت حجة بعض الرافضين أنَّها تقليد للقانون الغربي، بينما الفقه الإسلامي مُتميز في مصادره ومسائله، وكل أنواع تشكلاته، وهل الفقهُ في حاجة لأَنْ يصاغ بصياغة نظريَّة؟!

ثم ما يسمى "نظريةً" الآن إنَّما هو مجموعة من المسائل الفقهية المندرجة تحت قاعدة من القواعد الفقهية[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)، فلِمَ لا نُبقي على التسمية الأصلية؟، وهي القواعد الفقهية، فهي الأَوْلَى، وهي الأكثر خصوصية بالفقه الإسلامي.

بينما ذهَب عددٌ منَ الفُقهاء والباحثين المعاصِرين إلى قَبول هذا المصطلح والتعامُل معه، وقد خرج خلال السنوات الماضية عددٌ لا يستهان به من الكتب التي تحمل اسم النظرية، أو تتضمن داخِلَها الكلام على النظرية، ومنها على سبيل المثال: "نظرية العقد في الفقه الإسلامي"، للشيخ شوكت العدوي، و"الملكية ونظرية العقد"، للشيخ محمد أبو زهرة، و"نظرية العقد"، و"نظرية الحق"، كلاهما للشيخ محمد سلام مدكور، و"النظريات الفقهية"، ليوسف المرصفي، و"المدخل إلى الفقه الإسلامي العام"، للشيخ مصطفى الزرقا، وقد تكَلَّم فيه عن نظريات: الملكية، والعقد، والعُرف، والمؤيدات الشرعية، ونظرية الالتِزام العامَّة، و"نظرية التقْعيد الفقهي"، للدكتور محمد الروكي، و"نظرية الضمان في الفقه الإسلامي العام"؛ للدكتور محمد فوزي فيض الله.

والقائمةُ طويلةٌ في هذا، وقد أصبح المُصطلحُ مُستَساغًا ومُتداوَلاً في الأكاديمِيَّات، والمجامع الفقهية، ولدى أكثر الفقهاء المعاصِرين.

ولا أظنُّ هناك ما يَمنع استعمال هذا المصطلح، طالما عرف الإطار الذي تُقَوْلَب فيه النظرية الفقهية، والألفاظ، والمصطلحات، التي لا تتضمن محظورًا شرعيًّا، ولا تؤدي إلى مَحظور، ينظر ماذا يقصد بها؟ وماذا تتضمن؟ فإن كان حقًّا قُبِلَ، وإن كان باطلاً رفض، وأمَّا الاستِعمالُ السيئ، فقد يحصل حتى مع الألفاظ والمصطلحات الشرعِيَّة، وانظر إلى العبث الحاصل تحت اسم الاجتهاد، أو المصلحة، أو المقاصد، مع أنَّها ألفاظ اصطلح عليها الفقهاءُ مِن قديم وقَبلوها.

ثم إنَّ الفِقْه يتمَيَّز بأنَّه يَجمع بين الأثَر والنظر، بين المنقول والمعقول، فجانب المعقول فيه المنضبط بنصوص الشرع مَقبول، وكثيرٌ من المسائل الفقهية كانت بنظرٍ وتأمُّل في نصوص الشرع ومقاصده، وفي المسائل الحادثة حتى يُخرج لها الفقيه حكمًا يُلائِمها فيما يرى؛ ولذلك اجتهادُ المجتهد ينسب إليه لا للشرع، فيقال: هذا رأيُ فلان، فربَّما أخطأ فينسب خطؤه إليه لا للشرع، فالفقه فيه جانب نظر وتأمُّل وإعمال فكر، ولكنَّه يدور في فلَك النصوص، حتى قيل: إنَّ الفقه مِن باب الظنون، وإن كان هناك تَحفُّظ على إطلاقِ هذه المقولة، إلاَّ أنَّها تثبت أن الظنيَّات لها مساحة واسعة في الفقه، ولو أتى أحَدٌ بنظرية فقهيةٍ بعد تأمُّل صِرف بعيد عن مصادر الفقه وتُراثه، لَما قبلت فيه.

ثُمَّ إنَّ الفُقهاء القُدامى قدِ اصْطلحوا على تسميات عديدة؛ كالفروق، والقواعد، والأشباه والنظائر، وغيرها، فلا مانعَ مِن إحداث مُصطلح، بشرط معرفة مضمونه، والإطار الذي يحكمه.

وقد يتساءل البعضُ عن خلوِّ التراث الفقهي عن النظريات، مع عدم إغفال الحقول الرائعة التي تخدم الفقه.

وهذا التساؤل يتطابق مع مَن يرى أنَّ النظريات مُغايرةٌ للقواعد، أمَّا مَن يقول بترادفهما، فلا يرد عليه التساؤل.

فهناك نفر من المستشرقين الذين يذهبون إلى أنَّ العقل الإسلامي بطبيعته بسيطٌ وغير مركب، فهو شديد العناية بالجزئِيَّات مع إغفال الاهتمام بالبناء العام، يهتم بالفكرة التفصيلية دون اهتمامه بالقضيَّة الكبرى الشموليَّة.

وهذا القول نتاج عنْ حِقْدٍ أو جهل أو عنهما مجتمعين، فالإسلامُ الذي خرجتْ منه هذه العقلية اهتم بالقضايا الكبرى والصُّغرى على السواء، ولم يهملْ قضيةً لحساب أخرى، وهل هناك قضية أكبر وأهم من قضية التوحيد في شُموليتها واستيعابها لجميع القضايا؟!

ثم إذا أتينا للفقه بخصوصه، وجدنا من طبيعته التفصيل، وتتبُّع الجزئيَّات، فهو وُجِد لمعالجتها، ولكنَّه في الوقت ذاته لا يغفل العُموميات والقضايا الكبرى؛ ولذلك نجد كلَّ ما يتعلَّق بالإنسان مِن علاقة بربِّه، وعلاقة مع نفسه، ثم علاقته بالناس مبسوطة مفصلة في ثنايا كتب الفقه صغيرها وكبيرها.

إِنَّ الاهتِمامَ بالجُزئيات منْقَبة ومزية، وليس عَيبًا في حَدِّ ذاته؛ حيث إنه من النادر أن تخلو قضية عاصَرَها الفقهاء مِن حُكم فقهي، حتى إنَّك لتعجب من الدقَّة الشديدة في عرض المسألة مع وضع الشروط والقيود؛ حتى لا تَختلط بغيرها مما كوَّن تراثًا فقهيًّا عَزَّ نظيره.

وليس الاهتمام بالجزئيَّات مقصورًا على الفقه الإسلامي وَحْدَه، فهناك مدارس قانونية تستنبط القوانين بناءً على القضايا التي سبق أنْ حكم فيها، فلِمَ كانت ميزة في تلك المدرسة وعَيْبًا في الفقه الإسلامي؟!

إنَّ بدايات الفقه كانتْ مع بدايات نُزول القرآن، وكان القرآنُ ينزل منجمًا - أي: مفرقًا - بحسب الحوادث؛ تيسيرًا لحِفْظه وفَهْمه، وكانت السنة مِن قول أو فعل أو تقرير تَرِد حسب الحوادث والقضايا، التي تُعْرَض على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثُم بعد وفاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولُحوقه بالرفيق الأعلى كان أبو بكر - رضي الله عنه - كما هو معروف من سيرته - إذا حدثتْ قضيةٌ سأل: هل فيها من كتاب الله أو من سنة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فإن لم يَجد جمع الصحابة واستشارهم في القضية للخروج بفتوى جماعِيَّة، وليس اجتهادًا جماعيًّا كما يُسميه البعض، ثم تبعه على المنهج عمر - رضي الله عنه - وهكذا وَرَّثَ الصحابةُ - رضي الله عنهم - فتاوى كثيرة عظيمة في جزئيَّات كثيرة، اعتمد عليها الفقهاء الذين أتوا من بعدهم، وهكذا الفقهاء جيلاً بعد جيل، حتى جاء زمنُ التأليف، فكان التأليف في الفقه في بداياته يَعتمد على جَمع فتاوى العلماء وتَحريرها، وتنقيحها، وترتيبها، واقتصر طلاب كل عالِم على علمه، ومن هنا نشأتِ المذاهبُ الفقهيَّة.

وبعد تكوُّن هذه الثروة رأى الفقهاء وجود مسائل متناظرة، ينبغي أن تضمَّ تَحت عنوان واحد، ومسائل متشابهة ينبغي أن تضم في عقد واحد، ومسائل متشابهة بينهما فروق ينبغي أن توضَّح، فمن هنا نشأ علم القواعد الفقهيَّة؛ حتى يسهل على الفقيه الإلمام بالمسائل الكثيرة التي يعجز العقل البشري عن استيعابها بهذه الصورة المختصرة المبتكرة، وهذه النصوص الموجزة.

مع أن هذا العلم - علم القواعد الفقهيَّة - لَم يأخذْ حَقَّه مِن الدِّراسات المعاصرة، التي تدعم قيمتَه ومزاياه ودَوْرَه في تطوُّر الدِّراسات الفقهية.

والسؤال الوارد هنا حول النظريات: هل حقَّقت النظرِيَّات الفقهية بوضعها الحالي إضافةً ملموسة للفقه الإسلامي؛ بحيثُ سَهَّلت الوصول للمسائل المتناثِرة، وأعانتْه على الاستنباط؟

أمَّا ما يدعيه البعض مِن توقف العقل الإسلامي عن الإبداع؛ بسبب إقفال باب الاجتهاد، فهو كلامٌ خالٍ عن الصِّحَّة، فالإبداع والتجديد في مَجال التأليف الفقهي وما يتعلق به من حقول مُستمر إلى يومنا هذا.








[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) الزرقا، "المدخل الفقهي العام"، (2/947).


[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) السابق، (1/329).


[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) "الفقه الإسلامي وأدلته"، (4/7).


[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) "نظرية الضمان في الفقه الإسلامي العام"، ص (43).


[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) انظر: "نظرية الشكل في الفقه الإسلامي".


[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) السابق ص (43).


[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) جمال الدين عطية، "التنظير الفقهي"، ص (9).


[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) جمال الدين عطية، "التنظير الفقهي"، ص (10).


[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) "أصول الفقه"، ص (8).

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) انظر: "القواعد الفقهية"، يعقوب الباحسين، ص (149، 150)، و"المدخل" لعبدالكريم زيدان، ص (288)، و"القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه"، لمحمد بكر إسماعيل، ص (12).

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) يعقوب الباحسين، "القواعد الفقهية"، ص ( 149، 150).


[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) محمد بكر إسماعيل، "القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه"، ص (12).


[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) "تاريخ الفقه الإسلامي"، ص (208).


[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) ملتقى أهل الحديث.




رابط الموضوع: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

محمد إبراهيم صبري
13-02-06 ||, 07:30 AM
بارك الله فيك ، وجزاك الله خيرا ، ونفع بك المسلمين.
موضوع ثريّ وقيّم ، وصياغة شيقة وماتعة.
وأنا أؤيدك الرأي ، خاصة ونحن نعيش اليوم ثورة من المصطلحات الجديدة في شتى مجالات العلوم ، فإذا كان إطلاق مصطلح جديد ، مع تطوير وتسهيل إيصال علم الأصول إلى طلبة العلم وأهله المختصين ، لتمكينهم من إنزاله على المستجدات والحوادث والنوازل بشكل أيسر وأوسع ، فلا حرج بل هو المقصود والمطلوب ، والله أعلم.

محمد جلال المجتبى محمد جلال
13-03-14 ||, 08:05 PM
والأولى هو الإبقاء على مصطلحات القوم لأنها مألوفة وولأن الغالب فيها أن تراعي الوضع اللغوي والوضع الشرعي
وفيما ذا تكون الفائدة من استيراد المصطلحات الجديدة وهناك ما يغني عنها
ولماذا لكل أهل فن مصطلحاتهم فهل يقبلون استبدالها بغيرها
إذا بقي الدارس يدرس بالمصطلحات المستوردة الجديدة ومراجع فنه وعلمه لها مصطلحاتها القديمة فهذا فيه ما هو ظاهر

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
13-03-14 ||, 11:49 PM
فتح الله عليك يا دكتور محمد، مقالة عميقة، واستهلال جيد من الإخوة موافقة ونقدا، أتمنى أن يكون هذا الموضوع له ما بعده.

محمد الفقيه الغامدي
13-04-20 ||, 02:25 PM
جزاكم الله خيرا