المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في كتاب: " عَلَم الجذل في علم الجدل" لنجم الدين الطوفي



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
07-12-23 ||, 01:38 PM
قراءة في كتاب: " عَلَم الجذل في علم الجدل"
بما أن المنتدى الجديد الذي أسأل الله عز وجل أن يبارك فيه قائم على ضبط النقاشات العلمية في إطار قوانين الجدل والمناظرة التي دونها أهل العلم قديما
ومن كلفه به بهذا المعنى خصه بقسم خاص في هذا المنتدى
والمقصود أننا سنبدأ إن شاء الله في قراءة هذا الكتاب بشكل مجزء،
أسأل الله عز وجل أن يعينني على ذلك.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
07-12-23 ||, 01:39 PM
وأهيب بالإخوة المتخصصين في هذا الباب أن يحذوا حذو هذا الموضوع من قراءة كتب متخصصة في هذا الباب.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
07-12-23 ||, 01:42 PM
كتاب: " عَلَم الجذل في علم الجدل" لنجم الدين الطوفي
طبع قديما في عام 1408 بتحقيق المستشرق "فولفهارت هاينريشس"
إصدار: جمعية المستشرقين الألمانية.
والكتاب حسب علمي مفقود من السوق، والنسخة التي أملكها هي نسخة مصورة من النسخة الموجودة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
ويقع الكتاب من غير مقدمة المحقق في 245 صفحة

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-16 ||, 10:13 PM
في غاية الشوق إلى ما أنتم بصدده ..سددكم الله تعالى .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-01-17 ||, 12:36 PM
في غاية الشوق إلى ما أنتم بصدده ..سددكم الله تعالى .
نفع الله بك شيخنا الفاضل فؤاد
وجعل ما تقدم في موازين حسناتك

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 12:50 PM
ترجمة مختصرة للطوفي:
نجم الدين سليمانُ بن عبد القوي الطُّوفي الصَّرْصَري، ثم البغدادي، الحنبلي، الفقيه، الأصولي المَتَفَنِّن، قرأ على أبي حيان النحْوي، وسافر إلى بغداد، وجاور الحرمين، وسَمِعَ بها، اتّهم بالتشيّع، وصَنَّفَ تصانيف كثيرة، منها: مختصر الروضة وشرحها، وعَلَم الجَذَل في عِلْم الجدل، ودرء القول القبيح. توفي سنة 716هـ.
الذيل على طبقات الحنابلة (4/404).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 01:01 PM
بسم الله نبدأ وعليه نستعين:

أقام الطوفي كتابه على مقدمة وخمسة أبواب وخاتمة:
المقدمة: في اشتقاق الجدل ورسمه ومادته وموضوعه وغايته ومسائله.
الباب الأول: في بيان حكم الجدل شرعا.
الباب الثاني: في آداب الجدل.
الباب الثالث: في أركان الجدل.
الباب الرابع: في أقسام الاستدلال وحصرها بحسب الإمكان.
الباب الخامس: في استقراء أكثر ما في الكتاب العزيز من الوقائع الجدلية وتخرجها على القواعد الاستدلالية على ترتيب السور والآيات.
خاتمة الكتاب في ذكر جملة من الماجريات الجدلية الواقعة في ماضي الزمان بين الناس.

وقد استغرق الباب الرابع في استقراء أكثر ما في القرآن من الوقائع الجدلية مائة وست عشرة صفحة حيث سار مِن أوَّل القرآن إلى آخره يجمع آي المباحث العقلية، ويُقَرِّرُها.
ولهذا اعتبر السيوطي في الإتقان هذا المؤلف خاص بجدل القرآن فقال وهو يتحدث عن هذا المعنى:
وقد " أفرده بالتصنيف نجمُ الدين الطوفي في كتابه عَلَم الجَذَل في عِلْم الجدل"

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-18 ||, 04:13 PM
معكم فضيلة الشيخ متابعون ..جزاكم الله عنا خيرا ..وبارك فيكم وفي علمكم ..ولا حرمنا أجركم ..

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 04:34 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رأفت المصري لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد t1268)
في غاية الشوق إلى ما أنتم بصدده ..سددكم الله تعالى .
نفع الله بك شيخنا الفاضل فؤاد
وجعل ما تقدم في موازين حسناتك

معكم فضيلة الشيخ متابعون ..جزاكم الله عنا خيرا ..وبارك فيكم وفي علمكم ..ولا حرمنا أجركم ..

نعم، ولن آلو، وكأني أرى عون الله في تشجيعكم، ومدده في مؤازرتكم، فإياكم قصدت، ولكم تكلفت، فبالله هب المشتاق كرىً فيا زينة الدنيا بهؤلاء وما خرابها إلا بالرحيل عنهم
وما تحسر معاذ حينما حل فراقه إلا على أمثالكم، فاليوم اليوم ما دمت بينكم
فاللهم اغفر لي ولهم

عمار محمد مدني
08-01-18 ||, 06:35 PM
بارك الله فيك أخي فؤاد
ونفع بك
واصل ونحن معك بإذن الله

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 09:28 PM
ذكر المحقق مصادر ترجمة الطوفي: فعدّ عشرين مصدرا ثم اعتبر الذيل على طبقات الحنابلة والدرر لابن حجر أوفى مصادر ترجمته
طوفى من أعمال صرصر وهي على فرسخين من بغداد

ذكر المحقق أن الطوفي أنهى تأليف كتابه هذا "علم الجذل" في سنة 709هـ. بين جمادى الآخرة وشعبان وذلك في المدرسة الصالحية في القاهرة.

يقول المحقق: إذا أخذنا عدد المخطوطات المحفوظة معيارا لنجاح كتاب من الكتب وشهرته فالإشارات هي أشهر كتب الطوفي وأنفسها عند العلماء وهي أيضا آخر مصنفاته

ذكر من مصنفاته:
الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية ( مخطوط حسب المحقق )
الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية
شرح الأربعين النووية ( طبع باسم التعيين شرح الأربعين )
الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية
مختصر الروضة ( البلبل ) وهو أول مصنفاته
درأ القبيح بالتحسين والتقبيح
التعليق على الأناجيل الأربعة
الرياض النواضر في الأشباه والنظائر

قال المحقق:
أهمية الكتاب:
اخترت كتاب الطوفي في الجدل للتحقيق والنشر لسببين:
أحدهما: قلة ما طبع من الكتب الجدلية...بالرغم من أنه لا يمكن فهم منهج أصول الفقه...إلا من مثل هذه الكتب...
السبب الثاني: هو أن هذا الكتاب مثل واضح لغرض من أهم أغراض مؤلفه وهو النزعة إلى استئناف البحث في مقالات الدين وعلومه على أساس القرآن فإن القسم الرئيسي من هذا الكتاب وهو الباب الخامس يشمل على إثبات جميع المناظرات الموجودة في القرآن وشرحها بالمصطلحات الجدلية ومعنى ذلك على ما يظهر لي: هو الاستدلال من المثال القرآني على جواز علم الجدل وتحليله وقد خفي هذا الغرض على بعض المطلعين على الكتاب فقد شكا أحد المطالعين لمخطوط شهيد علي في حاشية معلقة على هامش عنوان المخطوط أن عنوان الكتاب ومضمونه لا يتفقان.
ثم جاء السيوطي فظن أن مؤلفنا لم يكن إلا مخترع علم جديد وهو جدل القرآن.

مثال نقله المحقق في معرض نقله من بعض كتب الطوفي المخطوطة:
"وأي طلاق للنساء الطوالق"

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 09:31 PM
يقول الطوفي في مقدمة كتابه:
ومن شاء فليسمه "عَلَم الجذل في علم الجدل" إذ كان لغرابة وضعه وطريقته يصلح أن يكون علما على انشراح صدر الناظر فيه وسعته...

أما اشتقاق الجدل: فيتجه من أصول بناء على ما عرف في علم الاشتقاق أنه متى اتفق اللفظان في المعنى والحروف الأصول جاز الاشتقاق على ما حققناه غير هاهنا.
فيمكن اشتقاق الجدل من الجدْل وهو الشد والإحكام...ومنه جارية مجدولة أي محكمة البنية
والأجدل الصقر لاشتداد خلقته وقوته في نفسه
ولا شك في أن الجدل معنى الشد والإحكام لأن كلا من الخصمين يشتد على خصمه ويضايقه بالحجة التي اشتد في إحكامها
ويمكن اشتقاقه من الجدالة وهي الأرض كأن كل واحد من المتجادلين يقصد غلبة صاحبه وصرعه في مقام النطق يقال: طعنه فجدّله وانجدل هو إذا سقط.
ويمكن اشتقاقه....
ويمكن اشتقاقه.....
وكأن مادة ( ج د ل ) ترجع في جميع تصاريفها إلى معنى القوة والامتناع والشدة والإحكام فيكون الجدل مشتقا من هذا المعنى الجامع الكلي ومن كل واحد من جزئياته باعتبار ما يشتركان فيه من ذلك المعنى.

وأما رسم الجدل في الاصطلاح:
فقيل: هو قانون صناعي يعرف أحوال المباحث من الخطأ والصواب على وجه يدفع عن نفس الناظر والمناظر الشك والارتياب.
ولك أن تقول فيه: إنه رد الخصم عن رأيه إلى غيره بالحجة.
أو يقال: علم أو آلة يتوصل بها إلى فتل الخصم عن رأيه إلى غيره بالدليل.
وإنما قلنا: عن رأيه إلى غيره ولم نقل: إلى رأي خصمه المناظر له لأن الخصم قد يناظر عن مذهب غيره إعانة لذلك الغير كالحنبلي ينصر مذهب بعض الطوائف الثلاثة وقد يكون مقصوده إفساد مذهب الخصم لا تصحيح مذهبه هو ، فلا جرم يرجح أي مذهب كان ويقابل به مذهب خصمه وبه حصل مقصوده.

ثم قال الطوفي:
واعلم أن مادة الجدل: أصول الفقه من حيث هي إذ نسبته إليها نسبة معرفة نظم الشعر إلى معرفة أصل اللغة فالجدل إذن أصول فقه خاص، فهي تلزم الجدل وهو لا يلزمها لأنها أعم منه وهو أخص منها
وموضوعه: أعني الجدل هو الأدلة من جهة ما يبحث فيه عن كيفية نظمها وترتيبها على وجه يوصل إلى إظهار الدعوى وانقطاع الخصم.
وغايته: رد الخصم عن رأيه ببطلانه.
ومسائله: مطالبة الخاصة الجزئية نحو هل يشترط أن يكون أصل القياس مجمعا عليه؟ وهل ينقطع المستدل بمنع الأصل؟ وهل يجوز الفرض في صورة خاصة؟ وهل يلزم بناء بقية الصور عليها؟

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 09:34 PM
الباب الأول
في بيان حكم الجدل شرعا
المقصود من المناظرة:
إما أن يكون قطع الخصم فقط وإظهار الغلبة كيف كان
أو إظهار الحق فقط كيف كان
أو هما جميعا أعني قطع الخصم وإظهار الحق.
فإن كان المقصود به الأول فهو حرام ولا يتجه في تحريمه خلاف إذ يقع فيه الغش والخداع والمغالطة والممانعة في الأمور الظاهرة وكل ذلك حرام وهو الغالب على الناس اليوم، ولا يقدر أحد على تقرير الأسئلة والجواب عنها في مسألة على قواعد الجدل واصطلاح أهله ولم أر ذلك إلا في الكتب الجدلية والطرائق الخلافية وسبب ذلك ضعف مواد الأكثر عن تحقيقه وحرصهم على ترجيح قولهم بغير طريقة.
وإن كان المقصود بالجدل القسمين الآخرين....ففعله مشروع بالجملة.
أما تعلم علم الجدل لإظهار الحق فهو فرض كفاية لأن فيه مصلحة عامة هي المقصود منه لا غير وكل ما كان كذلك فهو فرض كفاية.

ثم قال الطوفي:
وقولنا: هي المقصود منه لا غير احتراز من فرض العين فإن المقصود من فرض العين ليس حصول مصلحته لا غير بل حصول مصلحته وتعبد أعيان المكلفين به، فكل فعل أوجبه الشرع فيه مصلحة ثم إن تعبد الشرع أعيان المكلفين على انفراد كل واحد منهم بتحصيل تلك المصلحة فهو فرض الأعيان كالصلوات وسائر الأركان وإن لم يتعبدهم به كذلك بل كان قصده مجرد حصول تلك المصلحة فهو فرض الكفاية كالجهاد ونحوه، وهذا فرق ما بينهما.
وقال بعضهم: ما تكررت مصلحته في نظر الشارع فهو فرض العين كالصلاة يتكرر بها الخضوع والتعبد لله عز وجل، وما لم تتكرر مصلحته فهو فرض كفاية كإنقاذ الغريق وإنكار المنكر.
يقول الطوفي:
فإن تعمق متعمق جامد وقال: حسبنا كتاب ربنا وسنة نبينا فلا حاجة لنا معهما إلى غيرهما في إصابة الحق وظهوره قال الله عز وجل: "اليوم أكملت لكم دينكم"، وقال عليه السلام: "تركتم على بيضاء نقية ليلها كنهارها" وقد ذم الله عز وجل الجدل والخصومات فقال سبحانه: "بل هم قوم خصمون" "وهو ألد الخصام" "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم" ، وقال عليه السلام: "إن أبغض الناس إلى الله الألد الخصم"
وما كان مذموما شرعا استحال وجوبه شرعا لأن الذم يدل على القبح والإيجاب يدل على الحسن واجتماعهما في موضع واحد من وجه واحد محال."
قلنا: أما قول القائل: "حسبنا كتاب ربنا وسنة نبينا" فمما لا ريب فيه لكن متى ذلك؟ بعد ظهور الحق منهما أو قبله؟
الأول مسلم والثاني ممنوع فإن الكتاب والسنة منهما المجمل والمتشابه ونحوهما مما هو مظنة إيقاع الخلف بين الناس وإنما يتوصل إلى كشف ذلك اللبس بتقرير الحجج المستعمل بقوانين الجدل خصوصا في زمننا هذا وما قاربه مما قبله حيث كثر أهل الشغب والاستهتار واللعب.
وأما إكمال الله عز وجل لنا ديننا...فالمراد به تأصيل الأصول وتقرير القواعد المرجوع إليها وذلك لا ينفي وقوع المشتبه في الدين المحوج إلى استعمال الحجج والبراهين
هذه المذاهب الأربعة متمسكون بالكتاب والسنة وبينهم في أصول الفقه وفروعه خلاف كثير لا بد في التخلص منه من استعمال النظر.
وأما ذم الشرع للجدل حيث ذمه فإنما ذم منه ما كان عنادا لا يقصد به إظهار الحق أو سفسطة تنكر فيه القواطع أو مستعملا فيما لا مجال للعقل فيه كالأحكام الإلهية التي لم يجعل للبشر طريق إلى الوقوف عليها.
أما ما قصد به إظهار الحق وإعلاء كلمته فقد أمر الشرع به ..والقول بجميع الأدلة واجب ما أمكن فطريقته ما ذكرنا.
قوله: "ما كان مذموما شرعا استحال وجوبه شرعا"
قلنا: ما كان مذموما شرعا من جهة أوجهتين وباعتبار أو باعتبارين:
الأول مسلّم ليس كلامنا فيه إذ ذم الجدل وإيجابه باعتبارين ومن جهتين كما ذكرنا
والثاني مسلم وقد قلنا به والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وقد حكى عبد الجبار في "طبقات المعتزلة" أن ملك الهند بعث إلى هارون الرشيد أن أرسل إلي من يناظر في الملك لنصير إليكم أو تصيروا إلينا.
فأرسل إليه بالحسن بن زياد اللؤلؤي فلما حصل في مجلس النظر سألوه فأجابهم بالأحاديث المسندة وفقه أبي حنيفة وأصحابه فسخروا منه
فلما وصل الخبر إلى الرشيد قامت عليه القيامة ثم أرسل إليهم بثمامة بن أشرس متكلما نحريرا صاحب نظر وجدل وربما جاءت هذه الحكاية في خاتمة الكتاب إن شاء الله سبحانه وتعالى.
قال أبو فراس:
وبالرجوع إلى خاتمة الكتاب وجدت القصة بتمامها وهي مطولة وفيها فوائد وتعليق من الطوفي آثرت عدم الاستعجال في إيرادها حتى نأتيها في محلها والله المستعان وعليه التكلان

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 09:36 PM
الحمد لله على توفيقه
انتهينا الآن من ذكر المقدمة والباب الأول، وبقيت أربعة أبواب والخاتمة

د. رأفت محمد رائف المصري
08-01-18 ||, 10:09 PM
أحسنتم ..وجزاكم الله خيرا ..

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-18 ||, 10:52 PM
الباب الثاني: في آداب الجدل
وهو ما ينبغي للخصمين أن يستعملاه في مناظراتهما ومنه ما يشتركان فيه جميعا ومنه ما يختص بكل واحد منهما.
أما الأول: وهو ما يشتركان فيه فيلزم كل واحد منهما قصد إظهار الحق في مناظرته لا قصد إظهار فضيلته.
وأن لا يبالي قامت الحجة له أو عليه كما قال الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ما ناظرت أحدا فباليت مع من كانت الحجة إن كانت معه اتبعته.
وليلن كل منهما لخصمه الكلام ولا يغلط عليه وليتق ما يصدر عنه بقبول ولطف وتحسين
مثل أن يقول: ما ذكرته حسن متجه لكن يرد عليه كذا أو يعارضه كذا.
وليتناوبا الكلام مناوبة لا مناهبة بحيث ينصت المعترض للمستدل حتى يفرغ وتقريره للدليل ثم المستدل للمعترض حتى يقرر اعتراضه ولا يقطع أحد منهما على الآخر كلامه في إثباته وإن فهم مقصوده من بعضه وبعض الناس يفعل هذا تنبيها للحاضرين على فطنته وذكائه وليس في ذلك فضيلة إذ المعاني بعضها مرتبط ببعض وبعضها دليل على بعض...
وفي مثل هذا يقول الفقهاء:
الكلام بآخره
لكنهم في وقتنا هذا لا يلتفتون إليه بل هم فيه كما قيل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله....عار عليك إذا فعلت عظيم
فإن أحدهم يقطع كلام صاحبه فإذا قطع صاحبه كلامه قال له:
الكلام بآخره
فيبقى كما قيل في المثل: لمَ باؤك تجر وباؤنا لا تجر.
وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة فإنه أنبل لقدره وأعون على إدراك الحق وسلوك سبيل الصدق.
قال الشافعي: ما ناظرت أحدا فقبل مني الحجة إلا عظم في عيني ولا ردها علي إلا سقط في عيني.
وليلزم كل واحد منهما مقالته ولا ينكرها خوف الانقطاع فإن الانقطاع خير من المكابرة والكذب.
ولا يناظر أحدهما الآخر في علم لا يفهمه أو هو فيه ضعيف إذ المتعرض لذلك مهين لنفسه والداعي إليه مع علمه بقصور خصمه جائر عليه وقد اجتمع موسى بالخضر فسلم كل واحد منهما للآخر حاله واعترف له بما خصه الله عز وجل به من العلم.
وإن أفحم أحدهما فليسكت الآخر ولا يضحك منه فيزيده خجلا إذ في انقطاعه غنية عن تخجيله كما قال القائل:
ونحن سكوت والهوى يتكلمُ
لا يورد أحدهما على الآخر شبهة يعلم أنها لا ترد عليه أو لا تلزمه لأن الزمان أقصر من أن يضيع في الأغلوطات والتغليطات وفي تحقيق الحق ما يستغرق الوقت.
وليجتنبا في مناظراتهما الألفاظ العامية السخيفة:
كقوله في المنع "لا" ويطولها
أو في قلب الدليل أو فساد الوضع "ذا عليك" كما يستعمله بعض أخشان الزمان....
واعلم أن كثير من الأغمار ينقبض من "لا نسلم" ويزعم أنها رد وتكذيب يضع من الرتبة ويغض من المنصب وذلك غفلة عن معاني الألفاظ وموضوعاتها
وذلك لأن موضوع "لا نسلم" لغة واصطلاحا: إني لا أنقاد لما تقول لأنه لم تثبت عندي صحته.
ولا يلزم من عدم ثبوت صحته عند الخصم أن لا يكون ثابتا في نفس الأمر لجواز أن يكون القائل "لا نسلم" مخطئا في المنع وعدم التسليم في نفس الأمر"
ثم قال الطوفي:
نعم، أحسب أن نفور النافر من "لا نسلم" إنما هو استعظاما لمحل نفسه عن أن يرد عليه لكن ذلك مشير إلى الكبر ورؤية النفس وقصد إظهار المكانة لا إظهار الحق والإبانة وفي ذلك من الذم ما يكفي وللقلم عن استيعابه تجفّي.
وإن عرض أحدهما بصاحبه من جهة البلادة أو قلة العلم ونحوه مما يصعب على العلماء كقوله في أثناء المناظرة: هذا شيء إنما يفهمه الفضلاء ويدرك معناه الأذكياء
أو هذا نقل يعرفه من وقف على على المقالات واطلع على الكتب المطولات وأشباه ذلك
فليرض نفسه على مسامحته والإغضاء عنه حتى إن أمكنه أن يوهمه أنه لم يفهم ذلك عنه أو لم يلق له بالا فليفعل فهو أصون لهما جميعا وأحرى أن لا يكون بينهما شر كما قال القائل:
ليس الغبي بسيد في قومه..........لكن سيد قومه المتغابي
وقال المتنبي:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله........ويجهل علمي أنه بي جاهل
وقال الآخر:
إذا لم تستطع للضيم حملا...........حملت الضيم حتى تستطيعا
ولا شك أنه بإغضائه عن صاحبه يحمل عنه خطر شر عساه يقع بينهما
فإن لم تجبه نفسه على التغاضي بالكلية فليتسامح له المرتين والثلاث ثم ليعاتبه عتابا وليعظه وعظا مثل أن يقول: اتق الله ولا تعرض بي وصن نفسك عن سماع الجواب.
وليجتنبا الكلام في المناظرة في كل وقت يمنع فيه الحاكم من الحكم لمظنة المخاطرة.
هذا ما حضر من الآداب المشتركة

أما المختصة:
فينبغي للمستدل أن يشرع في تقرير الحجة عقيب الدعوى من غير فصل
مثلا أن يقول: بيع الفضولي موقوفا على الإجازة صحيح لأنه تصرف خال عن مفسدة وكل تصرف خلا عن مفسدة فهو صحيح، ويقرر مقدمات الدليل بما ينبغي.
وإن ذكر الدعوى ثم أنظر السائل أن يقول له: لمَ قلت، فلا بأس والخطب في هذا يسير فليتبع فيه اصطلاح البلد أو قرائن الأحوال إذ قد تدل قرينة حال السائل على استدعائه الدليل بغير سؤال عنه إذ تصدّيه للاعتراض استدعاء للدليل
فإن أخر المستدل الدليل عن ذكر الدعوى أو عن قول السائل "لم قلت"
فإن كان التأخير يسير لم يؤثر...وإن طال الفصل طولا خارجا عن العادة بحيث يشعر بتعذر الدليل عليه فهل يكون منقطعا؟
هو محل تردد ونظر فيحتمل أن يعد منقطعا لتقصيره عن نصرة ما تصدى لنصرته كالمحارب يقف في ناحية الميدان كافا عن الضرب والطعان مع استدعاء الأقران
ويحتمل أن لا يعد منقطعا كالساكت عن جواب الدعوى في مجلس الحكم ولا يجعل ناكلا حتى يقول له الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك فيقال لهذا كذلك: إن ذكرت دليل دعواك وإلا جعلتك منقطعا,
ويحتمل أن يفصل فيقال: إن تقدم المناظرة تروّ وإرهاص بها وتأهب لها بزمن يتسع لتقرير الدليل عد منقطعا بالسكوت عنه، وإن وقعت بغتة لم يعد منقطعا إذ ليس في قوة كل واحد المبادهة بالحجة كما ليس في قوة كل شاعر ارتجال الشعر بديهة ولا يعد بالتروي في نظمه عيبا، وقد سبق أن نسبة الجدل إلى مطلق الأصول نسبة النظر إلى النثر.
وأما المعترض فينبغي أن يشرع في الاعتراض على الدليل عقيب فراغ المستدل من تقريره فإن أخره عن ذلك فحكمه نحو من حكم تأخير المستدل ذكر الدليل عن الدعوى.
وفي آدابه كثرة لمن تتبعها وفكر فيها لكن الذي اتفق منها هاهنا على سبيل العجالة هذا.

قال أبو فراس: الحمد لله على توفيقه انتهى الباب الثاني.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-01-19 ||, 03:28 AM
لأنت أسعدنا بما تقرأ وتلخص ...
زادك الله توفيقاً ... وحرصاً على إفادة إخوانك ...
وأعانك وسددك ...
محبك في الله
أبو أسامة

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-01-19 ||, 03:34 AM
لأنت أسعدنا بما تقرأ وتلخص ...
زادك الله توفيقاً ... وحرصاً على إفادة إخوانك ...
وأعانك وسددك ...
محبك في الله
أبو أسامة

جزاكم الله خيرا على تشجيعكم الدائم
وكثر الله من أمثالكم
وجعلني عند حسن ظنكم
وذكرتني حفظك الله من كل مكروه تشجيع ابن تيمية لتلميذه الصفدي بألطف عبارة وأحسن أسلوب ( راجع ترجمة ابن تيمية المختصرة لأستاذنا رأفت المصري )
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

فؤاد الزبيدي
08-01-20 ||, 11:48 AM
كلام نفيس يعض عليه بالنواجذ ونحن في انتظار البقية...

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-03 ||, 03:14 PM
الباب الثالث: في أركان الجدل

واعلم أن ركن الشيء:
يستعمل تارة: في جزئه الداخل في حقيقته كالركوع والسجود من الصلاة.
وتارة يستعمل: فيما يوقف تحقق ذلك الشيء عليه وهو أعم من الأول.

فأركان الجدل بالاعتبار الأول هي:
1- السؤال.
2- والجواب.
3- والاستدلال.
4- والاعتراضات.
5- ووجه التخلص منها.
كذا زعم بعضهم، وفيه تداخل:
إذ الاستدلال يدخل في الجواب والاعتراض إذا كان بالمعارضة حيث ينقلب المعترض مستدلا والمستدل معترضا، إذ جواب المستدل ومعارضة السائل إنما يتقرران بالاستدلال والاستدلال هناك خارج عنهما.
وأركانه بالاعتبار الثاني:
1- الدال.
2- والدليل.
3- والمستدل.
4- والمستدل عليه.
5- والمستدل له.

فالدال يطلق بالأصالة: على الله عز وجل لأنه الأصل في نصب الأدلة العقلية والسمعية وما تركب منهما.

ويطلق بطريق الفرعية عليه: على الرسول المبين المحقق لأدلة الله عز وجل.

وعلى: كل من ذكر دليلا ليدل به على أمر.

والدليل: هو المعنى المرشد إلى المطلوب، وهو فعيل بمعنى فاعل أي دال.

وفاعليته بالمجاز: إذ هو بالحقيقة مدلول به لا دال إذ الدال بالحقيقة هوالشارع.

ورسم الدليل اصطلاحا: بما توصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري علما أوظنا.

وقيل: ما توصل به لذلك إلى علم.

وهو قول من فرق بين الدليل والأمارة:

بأن الدليل: ما أوصل إلى علم.
والأَمارة: ما أوصل إلى ظن.
والمستدل: هو ذاكر الدليل يطلب به الوصول إلى مطلوبه.

وقد يستعمل المستدل: في طالب الدلالة من المتصدي للاستدلال.
فإذن يطلق المستدل على كل من الخصمين
وهو من باب الاستفعال وهو طلب الفعل كما يقال: استعطى واستعفى إذا طلب العطاء أو العفو

فذاكر الدليل: يطلب به الاهتداء إلى الحكم أو قطع الخصم.
والمعترض: يطلب دليل الحكم من المستدل.
والمشهور الظاهر في المستدل: أنه ذاكر الدليل.

والمستدَل عليه: هو الحكم المطلوب بالدليل.

والمستدَل له:
يصح إطلاقها على السائل المعترض:
لأن الاستدلال لإظهار الحكم له إن كان مسترشدا أو لإفحامه إن كان معاندا.

ويصح إطلاقه على علة الاستدلال:
التي هي مبدؤه: كالمنازعة في أصح الرأيين فيقطع النزاع بالاستدلال.
أو التي هي غايته: كإظهار الحق ليعمل به البطال ويهتدي إليه الضال.

وثَم عبارة أخرى يذكرها غير واحد من الأصوليين والجدليين وهي قولهم:
أصول الشرع أربعة: دال ودليل ومبين ومستدل:
فالدال: هو الله عز وجل
والدليل: القرآن
والمبين: الرسول عليه السلام لقوله سبحانه : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}
والمستدل: هم أهل العلم الذين أجمع المسلمين على هدايتهم ودرايتهم.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-04-03 ||, 04:06 PM
جزاك الله خيراً على المواصلة ...
لعلك تلخص هذا الموضوع إن أمكن ولو بأسلوبك؛ وليكن على حلقات؛ وليس بالضرورة أن يكون التلخيص بعد اكتماله ...
جزاك الله خيراً ... وسددك ...

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-24 ||, 11:16 PM
أحسن الله إليك يا شيخنا فؤاد على تعريفنا بالكتاب ...

وهذا رابطه لمن أراد أن يطلع على محاسنه :

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

سما
11-04-29 ||, 07:20 AM
جزاك الله خيرا
( وما أنفقتم من خير تجدوه عند الله )

علي بن محمد بن بوزيَّان
18-08-30 ||, 02:50 PM
بارك [الله] فيكم