المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم المجتهد المطلق في مذهب الإمام مالك



شهاب الدين الإدريسي
08-10-17 ||, 06:12 PM
سئل عيسى بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن الإمام التلمساني أبو موسى عن ابن القاسم هل هو مجتهد في مذهب مالك مقلد له أم مجتهد مطلقا؟ فأجاب: بأنه مجتهد في المذهب فقط لا مطلقا، وأما اجتهاده في بعض المسائل فإما بناء على جواز تجزيء الاجتهاد وهو اختيارنا، كما أن المجتهد المطلق قد يقلد في بعضها لأمر ما فلا ينافي عروض اجتهاده في بعضها كونه مقلدا.

كما أن المجتهد المطلق عروض التقليد لا يخرجه عن اجتهاده، والدليل على كونه مقلدا لمالك أقواله وأقوال الأئمة.

وبيانه أن المجتهد إنما يتبع الدليل من حيث هو، والمقلد يقلد شخصا، واتباع ابن القاسم لقول مالك والتزامه مذهبه واضح لا يفتقر لبيان لمن له أدنى اطلاع.

وذلك أن المجتهد إنما يجيب عن المسائل باجتهاده في الأدلة، وابن القاسم إنما يجيب حيث سئل بقوله: قال مالك، وكذا في الأسمعة والروايات، وهذا عين التقليد، ليس في شيء من الاجتهاد.

فإن قلت: لعله إنما أجاب به قبل نظره لعجزه، قلت: لا يجوز تقليد قبل النظر على الصحيح لآية: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله﴾ [سورة النساء: الآية 59]، ومن أمكنه الرد إليه تعالى فتركه عصي، وإنما ينظر ذلك عند العجز، وأجوبته هو بقول مالك كثير، بل لا يضيف لنفسه إلا عند خروج مالك عن قواعده أو اختياره أحد أقوال مالك، وإن لم نقف نحن عليه كما يأتي.

فإن قلت: ولعل سائله إنما سأله عن مذهب مالك فقط، قلت: علمنا جوابه بذلك مطلقا سواء عين السائل ذلك أم لا، بدليل إطلاق الأسئلة عارية عن ذلك، ولئن سئل بسؤالهم إياه عن مذهب مالك يدل على اعتقادهم فيه أنه خزانة مذهب مالك وناشر أقواله، فهذا دليل على تقليده، إذ المجتهد إنما ينظر في الأدلة مطلقا، وأيضا سؤال المجتهد عن مذهب غيره نادر جدا، وأيضا فلم لا يسأل عن مذهب غير مالك وما وجه الخصوصية به، وأيضا فعادته في جوابه عن مسائل لا تحصى، ثم يقول: لأن مالكا قال كذا في كذا وقد قال مالك كذا فيحتج بصحة قوله قول مالك وأنه جار على مذهبه.

وإنما جواب المجتهد بالدليل لا بقول أحد، ويقول أيضا: لو لا ما قاله مالك لقلت كذا فيترك مقتضى الدليل لقول مالك وهذا غاية التقليد.

وقد نقل صاحب الاستيعاب عن ابن وهب وأحمد بن حنبل أنهما قالا: إذا لم نجد أثرا قلدنا قول مالك؛ لأن قوله أثر من الآثار.

ونقل عن ابن القاسم أنه قال: اخترت مالكا لنفسي وجعلته بيني وبين النار، ولا معنى لاختياره له إلا تقليده واعتقاده مذهبه، والمجتهد إنما يجعل بينه وبين النار الأدلة لا شخصا معينا.

فإن قلت: لعل ذلك لتعلمه منه أولا لا تقليده أخيرا حين يتبحر، قلت: لا يجعل المجتهد حالة ابتدائه حجة؛ لأنها انتسخت بأكمل منها، فصار متبعا للدليل مطلقا، مع أن ابتداءه لم يتمحض في مالك، وإن لازمه أكثر من غيره.

وقد أخذ الليث وعبد العزيز بن الماجشون وابن أبي حازم غيرهم، وأيضا فقد قال الشريف التلمساني أحد محققي الأئمة المتأخرين: لما مثل مجتهد المذهب الذي لا يخرج الوجوه على نصوص إمامه، قال: كابن شريح وأبي حامد في مذهب الشافعي، وابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة.

فهذا نص منه على تقليده، ويؤيده قول ابن وهب لابن ثابت: إن أردت هذا الشأن؛ فقه مالك فعليك بابن قاسم، فإنه انفرد به وشغلنا عنه بغيره.

ولهذا رجح القاضي أبو محمد مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم وانفراده بمالك وطول صحبته له، لم يخلط به غيره، فهذا دليل تقليده، وأنه خزانة علمه، ولا يوصف المجتهد بأنه لم يخلط به غيره.

وقد حكى الحارث بن أسد القفصي، وكان ثقة مجاب الدعوة، يختم كل ليلة في رمضان القرآن: أنه لما وادع هو وابن القاسم وابن وهب مالكا أنه قال لابن وهب: اتق الله وانظر عمن تنقل، ولابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت. فهذا مالك أصل إفادته يأمره بنسر ما سمع بمعزل عن الاجتهاد المطلق، وبعيد أن يجعل مالك من حاله ما يعلمه غيره، وقد علم هو بما أوصاه به ووثق الناس بروايته عنه واختياراته وقبلوا منه ما لم يرضوه من نظرائه.

قال النسائي: ابن القاسم رجل صالح ثقة ، ما أحسن حديثه وأصحّه عن مالك، لا يختلف في كلمة، ولم يرو أحدا الموطأ عنه أثبت من ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك مثله، لا أشهب ولا غيره، عجب من العجب، زهد وفضل، حسن الحديث. انتهى

ولهذا شرط أهل الأندلس في سجلات قرطبة قطب مدنها على ألا يخرج القاضي على قول ابن القاسم ما وجده احتياطا ورغبة في صحة الطريق الموصل إلى مذهب مالك الذي قلدوه لصحة روايته وطول صحبته له، لم يخلط بغيره، ولو كان مجتهدا مطلقا لكانوا إنما قلدوه دون مالك، وهو خلاف ما علم من أئمتهم حيث توغلوا في تقليده حتى شنع عليهم ابن حزم أحد حفاظها فقال: قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى يعرضون كلامه تعالى وكلام رسوله على مذهب مالك، فإن وافقه وإلا طرحوه وأخذوا بقول صاحبهم مع أنه غير معصوم، ولا نعلم بعد الكفر بالله تعالى معصية أعظم من هذا.

فهذا ما وصفهم به من تقليد مالك، وإن كان على كلامه حديث ليس هذا محله.

وهم حين فتح الأندلس التزموا مذهب الأوزاعي حتى قدم عليهم الطبقة الأولى ممن لقي مالكا كزياد بن عبد الرحمن والغازي بن قيس ونحوهم، فنشروا إمامته وفضله، فأخذ الأمير هشام الناس حينئذ بالتزام مذهبه من يومئذ، وحملوا عليه بالسف إلا من لا يؤبه به، حتى أن الأمير الحكم بن المنتصر؛ وكان ممن بحث عن أخبار الرجال بحثا يقصر عنه كثير من العلماء حتى إن خزانة كتبه في غاية الصحة بحيث إذا اطلع على ما قوبل بأصل منها ولو بوسائط اطلع في غاية الصحة.

كتب إلى الفقيه أبي إبراهيم رسالة فيها: وكل من زاغ عن مذهب مالك فهو ممن رين على قلبه وزين له سوء عمله، وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء إلى الآن فلم نر مذهبا أسلم منه، فإن في المذاهب الجهمية والرافضة والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك، فما سمعنا عن أحد قلده بشيء من البدعة، فالتمسك به نجاة إن شاء الله تعالى. انتهى.

فهل ترى مع هذا التصميم بهذا الاعتقاد خلفا عن سلف أن يمنعوا الخروج عن قول ابن القاسم لاجتهاده وترك قول مالك بل ذلك لتقليده إياه وطول ملازمته له واطلاعه على ما أخذه، وأيضا فلا ينكر أحد أنه مالكي المذهب وناشره، والمجتهد مطلقا لا ينسب لأحد سواه، ولا يقال إنما صدقت النسبة لأجل الاستفادة لأنّا نقول يبطل بالشافعي فهو من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك، وكان يقول: مالك معلمي ومنه تعلمنا العلم، وما أحد أمن عليّ من مالك وعنه أحذت العلم وسبه هذا، ولا يصدق عليه أنه مالكي لاجتهاده، وكون مسنده الدليل.

فإن قلت: يدل على اجتهاد ابن القاسم مطلقا مخالفته لمالك في مسائل كثيرة وحظ المقلد اتباعه مقلده.

قلت: إنما يتحقق مخالفته إن لم يكن لمالك في المسالة إلا الذي خالفه فيه ولعل له قولا آخر رجحه ابن القاسم.

فإن قلت: إن ترجيحه ما صار إليه أبو حنيفة فلا تأويل ويؤيده ما ذكره الباجي في فرق الفقهاء، قال: جمع أبو عمر الإشبيلي أقوال مالك في كتاب كبير يزيد على مائة جزء، قرأت بعضه، وكان شيوخنا يقولون لا تكاد توجد قولة لأصحابه إلا وهي لمالك في ذلك الكتاب، لأن الحكم بن عبد الرحمن أخرج الأسمعة من خزانته لأبي عمر وأمره بجمع أقواله حيث كان يقول: مقول الشيوخ لا يكاد يوجد...إلى آخره، دليل لما قلناه، وفيه بيان ما تقدم من صرفهم الهمة إلى أقوال مالك وتقليده واختيارهم لابن القاسم لصحة التوصل لمذهبه ونحو ذلك أيضا ما ذكره بعض الأئمة أن ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة مخلف كل نفي الآخر، فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكا قالهما معا فحجا قضاء ليمينها، فهما إمامان لازماه زمنا غاب عليهما قوله، فكيف بمن تأخر عنهما؟.

ولئن سلمنا عدم وجود مختاره لمالك فلا يدل على اجتهاده لجواز أنه رأى خروج مالك عن أصوله سهوا فقاسه هو عليها، فلا يخرج بذلك عن تقليده.

ذكر أبو إسحاق الشيرازي أن أسدا أتى إلى ابن وهب وسأله أن يجيبه في مسائل أبي حنيفة على مذهب مالك فتورع، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه عنها بما حفظ عن مالك وغيره.

وفي غيره يقول: سمعته يقول في مسألته كذا وكذا، ومسألتك مثله، ومنها ما أجابه على أصول مالك فهذا يحقق ما قلناه.

فهذه الأسدية أصل مدونة سحنون أصلح ابن القاسم منها أشياء على يد سحنون، وأيضا سلمنا اجتهاده في بعض المسائل لكن لا يخرجه عن التقليد، كما أن المجتهد في البعض لا يجعله مقلدا كما تقدم، وإنما رأيه اتباعه لقواعد إمامه أو أخذه بأحد أقواله.

وقد قال إسماعيل بن أبي أويس: قيل لمالك: قولك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا وببلدنا، وأدركت أهل العلم ، فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأي ولعمري ما هو برأيي، بل هو سماع من غير واحد من أهل العلم المقتدى فكثروا علي، فقلت: رأيي، وهو رأيهم ورأي الصحابة أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا عليه، وراثة توارثوها قرناً عن قرن إلى وقتنا، وما كان رأي فهو هكذا.

والأمر المجتمع ما اجتمعوا عليه بلا خلاف.

وقولي: الأمر عندنا، فما عمل به الناس عندنا وببلدنا، وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل والعالم.

وما قلت: بعض أهل العلم، فشيء استحسنه من قول العلماء، وما لم أسمع منهم اجتهدت على مذهب من لقيته حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة، وإن لم أسمع شيئا نسبته إلي بعد اجتهادي مع السنة، وما عليه أهل العلم المعمول به عندنا، من زمنه صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده فهو رأيهم ما تركته لغيره.

فإن قلت: يلزم من هذا إما تقليد مالك لغيره أو كون ابن القاسم مجتهدا لتفسيركم رأيه باتباعه قواعد ما لم وترجيحه عليها؛ لأن اتباع شخص إن أوجب تقليده لزم الأول وإلا لزم الثاني.

قلت: بل اتباع مالك ليس لمجرد قول غيره بل لدليل عنده مطلقا لعمل الصحابة أو إجماع أهل المدينة أو استحسان وافق رأيه أو غير ذلك، كما أشار إليه وهذا حال المجتهد المطلق اتباع الدليل، وابن القاسم إنما يرجح ويخرج على أصول مالك كما تقدم، فهو مقلد له إذ اتباع شخص من حيث هو غير اتباع الدليل المطلق والله أعلم. انتهى جوابه ملخصا.

قال أحمد بابا التنبكتي: والذي يظهر أن الاجتهاد المذهبي بل الاجتهاد من حيث هو درجةٌ مرتبته واسعة تتفاوت بقوة التمكن وضعفه، فالاتصاف بأدنى درجاته يدعيها مدعيها، ومع الاتساع في الحفظ والوقوف على الأدلة والأحاديث ربما يخيل لصاحبه وصول درجة الاجتهاد المطلق، مع كون من فوقه في دقة النظر وقوة التفقه ومعرفة قواعد المذهب ومداركه لا يدعيها؛ لعدم اتساعه في الحفظ ومعرفة الأحاديث فتأمله.

فهذان الإمامان قاسم العقباني وسليمان الحسناوي البجاوي من أهل المائة التاسعة يصرحان ببلوغ درجة الاجتهاد، والإمام الشاطبي والحفيد ابن مرزوق ينفيانها عن أنفسهما، ومعلوم أنهما أقوى علما وأوسع باعا وأدق تحقيقا من الذين ادعياها، والله تعالى أعلم.

المصدر:
كفاية المحتاج،طبعة دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1422هـ، ضبط وتعليق عبد الله الكندري. ص216-221و271. ونيل الابتهاج، درا الكاتب - طرابلس، تحقيق عبد الله الهرامة ص 291-296و352. والنص يوجد كاملا في المعيار: 6/350 فما فوق.