المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اجتهاد مقاصدي ... واجتهاد غير مقاصدي!



د. نعمان مبارك جغيم
13-03-16 ||, 04:39 AM
اجتهاد مقاصدي ...واجتهاد غير مقاصدي!


ظهر في الفترة الأخيرة إطلاق اصطلاح "الاجتهاد المقاصدي"، وكتب فيه البعض وحاول التنظير له، وسعى البعض إلى إعادة النظر الاجتهادي في بعض أبواب الفقه في ضوء المقاصد. ولست بصدد نقد تلك الكتابات، ولكني أودّ الإعراب عن خشيةٍ من أن يصير هذا التوجُّه عَرَضًا من أعراض (التّورُّم المعرفي!) الذي أصاب الكتابة في مقاصد الشريعة.

ومع التسليم بأنه "لا مشاحة في الاصطلاح"، إلا أني أشعر بارتيابٍ من مآل استعمال اصطلاح "الاجتهاد المقاصدي"؛ إذ قد يصير ذريعة لصدور الاجتهادات القاصرة باسم مقاصد الشريعة، ومَسْلَكًا إلى لَمْزِ اجتهاد المتقدمين بعدم مجاراته للمقاصد، فيُصبح اجتهاد المتقدمين "اجتهادا مجردا"، أما اجتهاد المعاصرين فهو "اجتهاد مقاصدي" (وما أدراك ما موضة المقاصد!) مع أن الأمر قد يكون مجرد مزايدة بشعار المقاصد.

إن الجنوح المفرط إلى تركيز الحديث عن مقاصد الشريعة في المصلحة، حتى صار يُخيَّل إلينا أن المقاصد محصورة في المصلحة، قد يجعل البعض يتوهّم أن الاجتهاد القائم على النصوص الشرعية لا يدخل في الاجتهاد المقاصدي، أو أنه اجتهاد لا يلتزم بمقاصد الشريعة، وهو مزلق خطير.

وأتمنى أن لا يطلع علينا من يرتقي بالكلام "المرسَل" حول "الاجتهاد المقاصدي" إلى "نظرية الاجتهاد المقاصدي" (على غرار نظرية الاستحسان ونظرية المصلحة...إلخ). كما أتمنى أن لا يؤدي ذلك الكلام "المرسَل" حول الاجتهاد المقاصدي إلى ظهور جدلية جديدة بين "الاجتهاد المقاصدي" و"الاجتهاد غير المقاصدي!" تشغل الأجيال قرونا من الزمن، على شاكلة الجدلية التي افتعلها الفلاسفة حول "العقل" و"النقل"، والجدلية التي نتجت عن استدلال سفسطائي وقع للطوفي في حديثه عن المصلحة حول "المصلحة" و"النص".

الواقع أن الاجتهاد إما أن يكون اجتهادا مستوفيا لشروطه، وإما أن يكون اجتهادا غير مستوف لشروطه. والاجتهاد المستوفي لشروطه هو الذي يُحسن صاحبه اختيار النصوص أو القواعد العامة التي يحكم بها على الحادثة محلّ الاجتهاد، ويُحسن فهم مقاصد الشارع من النصوص، ويُحسن الترجيح بين القواعد التي تتجاذب الواقعة، والترجيح بين ما قد يكتنف الحادثة من مصالح ومفاسد إذا كانت محلا لذلك. ولا خلاف عند المتقدمين والمتأخرين من العلماء أن الاجتهاد الذي يغفل عن مقاصد الشرع (المقاصد بمعناها العام الذي يشمل معنى النصوص ما يشمل الحِكَم المرادة من الأحكام، وليس المعنى المختزل في المصلحة) هو اجتهاد غير مستوف لشروطه، ولذلك فهو اجتهاد لا يُعتدُّ به.

وكما أنه لا داعي لتسمية هذا الاجتهاد "اجتهادا غير مقاصدي"، بل يكفي ما يطلق عليه من كونه اجتهادا فاسدا أو قاصرا أو غير صحيح، فإن لا داعي لتسمية الاجتهاد الذي يراعي مقاصد الشريعة "اجتهادا مقاصديا"، بل يكفي تسميته "اجتهادا"؛ لأن ذاك هو المراد بالاجتهاد أصلا، وإضافة وصف "المقاصدي" من باب تحصيل الحاصل، وقد يصير مدخلا للمزايدة بشعار المقاصد.

د. يوسف بن عبد الله حميتو
13-03-16 ||, 11:40 AM
أحسن الله إليك دكتور أصبت المفصل، والمفجع في كل هذا أن الناس لا يفهمون حقيقة الاجتهاد المقاصدي وما قصد به عند إطلاقه أول مرة، وأستأذنك يا دكتور في بعض التعديل على المقابلة بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد غير المقاصدي، لأن الذين يلمزون السلف صار أمرهم أهون من بيت العنكبوت، بينما استنسر البغاث واستنوق الجمل، فصارت المقاصد للبعض ترسا ورمحا، لهذا يمكن أن نقابل بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد المقاصدي، وأنا أقصد ما أقول، لأن الناس الآن فريقان كل واحد منهم له منطلقاته وغاياته ووسائله والقاسم المشترك بينهما المقاصد، غير أن أحدهما عقل منضبط لمنهج مطرد ثابت يسعى إلى إقامة مقاصد الشريعة تحصيلا وإبقاء، يرى أنه لا يكفي العالِمَ التصورُ التجريدي لمقاصد الشريعة حتى يكون قادرا على تنزيلها على الواقع، بل إن ذلك يتطلب تبصرا حقيقيا بمناشئ الأحكام ومواطن التنزيل وشروط ذلك، بينما الثاني يمثله أصحاب التوجه النقضي عموما يوظفون المقاصد في سعيهم هذا من خلال استخدام نظريات حديثة جديدة في قراءة النص الشرعي على أساس أن ينبغي أن يكون في كل عصر قراءة جديدة للنص الشرعي تعتمد المقاصد من خلال تأويل النص الديني بهدف الوصول لقصد صاحب الخطاب، وذلك على اعتبار أن الأحكام لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في المقاصد التي تحققها ولا ضير أن تلغي المقاصد الأحكام وتسقطها، لأنه إذا كان النص مقدسا فإن التأويل حر، وقد حاولت أن أعالج ذلك في كتاب "تكوين ملكة المقاصد" فلعلي أكون قد أصبت.
وليس وصف الفريقين بوصف واحد وأعني الوصف المقاصدي بموهم أن كلا الاتجاهين على سواء، فعدم التفريق مقصود لأنه وصف لواقع نعاني منه لا تقرير للمشروعية التامة.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
13-03-16 ||, 02:01 PM
الشيخان الكريمان الفاضلان :
فضيلة الدكتور نعمان
وفضيلة الدكتور يوسف
بورك فيكما شفيتما وكفيتما ولعلكما تأذنان لي بإضافة مختصرة أجملها في أمرين :
الأول :
لعل في منهج الإمام الشاطبي في باب الأدلة وباب الاجتهاد ما يبين هذا الأمر ففي باب الأدلة لم يجعل المقاصد دليلاً من أدلة الشرع ولم يتكلم عن حجية المقاصد باعتبارها دليلاً مستقلاً مع كثرة اهتمامه بها وربطها بكل مسائل الكتاب ، وأما في باب الاجتهاد فجعل شرط بلوغ درجة الاجتهاد ينبني على أمرين :
1 - فهم مقاصد الشريعة .
2 - التمكن من علم اللغة العربية .
ولم يتكلم عن قضية العلم بالكتاب والسنة ومواطن الإجماع والخلاف وغيرها من شروط المجتهد وهذا يوحي بأمرين :
الأول : أن قضية الاجتهاد عنده قضية آلية في التعامل مع الأدلة المحتج بها وقد ذكر منها الكتاب والسنة ، وتعني الوقوف على الحكم الشرعي استنباطا من الأدلة ، فالمقاصد عندئذ آلية في استنباط الحكم من النص كما أن دلالات الألفاظ كذلك .
الثاني : أن التمكن من بقية الشروط والذي من أهمها العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من تفاصيل هو أمر بدهي مسلم به ومرحلة متقدمة على التطبيق العملي للاجتهاد والذي يعتمد على المقاصد واللغة العربية .

الثاني :
لمحاولة الجمع بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد المقاصدي بتعبير شيخنا أبي حاتم نقف على المحك وهو مقاصد مَنْ نريد ؟ مقاصد الشارع أم مقاصد غيره ؟
حينما يكون الاحتكام في المقاصد إلى النص فالمقاصد عندئذ هي مقاصد الشارع أما حينما نسلخ الأمر من النصوص وتكون المصلحة هي المعتمد دون النص ، ونؤول النص بقراءة تاريخية معاصرة - زعموا - فنحن عندئذ نقول مقاصد فلان وفلان وليس مقاصد الشارع ونسبتها للشارع بعد سلخها من النص ظلم وبهتان .
وعندئذ فما قرره فضيلة الدكتور نعمان حق لا شك فيه فالاجتهاد المقاصدي إن أريد به نفي الاجتهاد المقاصدي عما سواه فلا يسلم به ، وإن أريد أن آلية النظر في الدليل الشرعي استند إلى المقاصد الشرعية المعتبرة مسبقاً وإنما تحقيق المناط فيها في النوازل والوقائع الحادثة أبرز الجانب المقاصدي فهذا مسلم وهو بهذا المعنى موجود في اجتهادات الأئمة منذ العصور المتقدمة سواء باسم المصلحة أو الاستحسان أو سد الذرائع أو التعليل بالحكمة أو التعليل بالمقصد الشرعي قبل هذا التقسيم والتشقيق كالتعليل بالضرورة والحاجة والضرر ونحوها .

د. أيمن علي صالح
13-03-16 ||, 05:19 PM
شئنا أم أبينا هناك اتجاهان في الاجتهاد على مدار التاريخ حتى الساعة: أهل الألفاظ وأهل المعاني.
وفي كل اتجاه متطرفون إما إلى الغاية في تحكيم ظاهر اللفظ حتى لو كان المقصد المضاد جليا، وإما إلى الغاية في تحكيم المقصد، حتى لو كان موهوما، أو لائحا ولكن ينبو اللفظ عن قبوله إلا بتكلف.
كما تحذرون يا فضيلة الدكتور من الاجتهاد المقاصدي من باب سد الذرائع، فستجد هناك من يحذر من الاجتهاد الظاهري من باب سد الذرائع أيضا.
في نظري وجود هذين النوعين من الاتجاهات الاجتهادية ظاهرة طبيعية، وصحية في الوقت نفسه. المهم أن لا يطغى أحدهما على الآخر، وأن لا تنحل بينهما بسبب الخلاف روابط الإخوة الإسلامية، وتنتفي آداب الحوار.
إن من شأن التفاعل العلمي الأخوي المستمر بين هذين الطرفين، تنقيح المسائل، وإثراء النظر الفقهي، والحد من الجنوح والتطرف.
والله أعلم.

وضاح أحمد الحمادي
13-03-16 ||, 07:49 PM
أضم صوتي إلى صوت الدكتور جغيم.
فمع وجود تيارين قديما أحدهما يعمد إلى محض ظاهر النص وآخر إلى معانيه ، فإن كثيرين من الذين يحملون راية الفقه المقاصدي اليوم يصعب عدهم من أحد التيارين السابقين ، بل بعض منهم هم يصرح بالتقسيم ففقه السلف الأول الفقه القديم ، وفقه المقاصد كما هو معروف اليوم الفقه الجديد ، وهذا تراه حتى في بعض المشاركات في هذا المنتدى. والبعض يصرح بأن فقه السلف الأول فقه مقيد بزمانه ومكانه ، وفقه اليوم لا يلزم أن يكون كذلك من أجل أن الفقه اليوم مربوط بمقاصد وحكم تكفل للأحكام الإستمرارية !!
ولا علاقة بين ما يجعلونه اليوم مقصد وحكمة وبين ما يعرف عند الأوائل بالمعاني أو معاني النصوص ، وليس هذا موضع تفصيله ، ولكني أكتفي بأن عامة من يتكلم في المقاصد اليوم ـ ولاتأجرأ كعادتي وأقول : بل كلهم ـ ليس لهم منهج يحدد كيفية استفادة الحكم من المقصد كما ينادي به بعضهم.
بينما المعاني التي تكلم عنها الأوائل لها ضوابطها المعروفة في كتب أصول الفقه ، وربما كانت تلك المعاني الملحوظةأمارات وعلامات لا مقاصد وحكم.
أحسن الله إليكم دكتورنا .
وبما أن ما ذكرتموه هنا موضوع حساس جداً ومن الأهمية بمكان ، فإني أتساءل كيف يمكن الإستفادة منه وترجمته إلى واقع عملي يوجه إلى المتفقهة والفقهاء ؟
وجزاكم الله خيرا

د. أيمن علي صالح
13-03-16 ||, 09:49 PM
حتى لا نغرق في التنظير هل لدى الإخوة أمثلة على اجتهادات مقاصدية معاصرة متعسفة (تصتدم بالنصوص)؟
أرى في ملتقانا وغيره نقودا لاذعة لأرباب النظر المقاصدي، ولكن دون ضرب أمثلة واضحة وأسماء.
طبعا دعك في هذا المقام من العلمانين وفلول الاشتراكيين كالجابري وأبي زيد وحنفي وأضرابهم، فهؤلاء لا ينبغي زجهم في أي فريق من أهل النظر الفقهي المعاصر.

أم طارق
13-03-16 ||, 10:14 PM
حتى لا نغرق في التنظير هل لدى الإخوة أمثلة على اجتهادات مقاصدية معاصرة متعسفة (تصتدم بالنصوص)؟
بوركتم
هذا ما كنت أتساءل عنه عند طرح الموضوع

وضاح أحمد الحمادي
13-03-17 ||, 03:28 PM
أتقصد من نحو عدم اشتراط القرشية في الإمام الأعظم وإجازة تولية المرأة الإمامة العظمى وإسقاط حدي الرجم والردة ، بل وبعضهم إسقاط تطبيع الحدود جملة ، والتسوية بين دية الرجل والمرأة وإباحة فوائد البنك الربوية وعدم إيقاع الطلاق بغير شهود عليه وما شاكل؟!
بل وفي بعضها تنفنن مثل إباحة صناعة التماثيل مع عمل ثقب في الرأس حتى لا يكون على صورة الحي ، واستعاضة المرأة بالباروكة عن تغطية الرأس بالخمار وجواز استيراد الخمور من أجل الكفار في البلد.
وكل ما تقدم عن علماء إما مشهورين أو من نقل علماء مشهورين عن بعض المفتين.
وعلى كل لماذا قصرتم النقد على الفتاوى المخالفة للنصوص ؟
فإن الذي يُنتقد على حاملي لواء الفقه المقاصدي ـ مع التنبيه المتكرر أننا لا ننكر النظر في مقاصد الشارع ـ منه ما يعود على النصوص بالمخالفة كما هو في مطالبتكم هنا ومنها ما قد لا يخالف نصاً لكن لا مستند له سوى استحسان المقاصدي الذي يظن أن استحسانه مصلحة أو حكمة ، وتكون مع ذلك مخالفة لقول من تقدم من أهل العلم سواء كانوا مجمعين على خلافه أو مختلفين على أقوال ليس هذا الوجه المبتدع منها ، مع خلوه عن المتستند الشرعي كما قدمناه.
بل قد يكون قول المستحسن المتستر باسم العمل بالمقاصد والحِكَم هو قولاً معروفاً مشهوراً عن بعض أهل العلم قديماً ، لكن مستند من تقدم الجهل بالنص، أو محاولة للتوفيق بين النصوص أو النصوص والقواعد المبنية على النصوص والمتأخر يعلم بالنص ولكنه يتذرع بالمصلحة والحكمة المدعاة في رده النص كقول بعضهم ـ لعله أشهر فقهاء زماننا مطلقاً ـ في محاولته لرد حديث (لا تبع ما ليس عندك) ، فقد يظهر له ـ أي الفقيه ـ والله أعلم ، أن المقصود منه سد الذرائع إلى التنازع. فقد يتورط في الإرتباط والإتفاق على بيع ما ليس عنده ، ثم لا يجده في السوق ، ويعجز عن تسليمه لمن باعه. وهنا يحدث النزاع الذي يحرص الإسلام على منعه. ولا سيما أن سوق المدينة في ذلك الوقت كانت جد محدودة. فإن تصورنا الآن أن الوضع مختلف ، وأن التاجر يستطيع بواسطة الهاتف والتلكس، الإتصار بأسواق العالم في برهة يسيرة ، وشراء ما يريد شراءه أو حجز ما يريد حجزه من سلع في الوقت الذي يحدده ، فقد نجد أن مقصود النهي هنا غير متحقق ، وأن الشيء المحذور هنا ـ وهو العجز عن التسليم أو النزاع ـ مأمون"
ولا يخفى أن نتيجة هذا البحث هنا جواز بيع ما ليس عندك لفقدان العلة ـ التي استنبطها وسبّقها بقوله "والله أعلم" إيذاناً منه بأن لا مستند له سوى أنه يظن ذلك ـ فرد الحديث لأمر غير معتبر عند الفقهاء ، مع صراخ المدافعين عن الإستحسان أثناء ردهم على الشافعي ، بأن أحداً لا يقول بالاستحسان بحسب تفسير الشافعي له ، وهذا مثاله أمام عينيك.
كما ينتقد عليهم أنهم قد يأصلون ـ إن صح تسميته تأصيلاً ـ قواعد لاستنباط الأحكام تجتمع من خلاله الشذوذات التي كانت متفرقة عند من قبلهم ، فواحد منهم فقط تراه يبيح الغناء وحلق اللحية ولبس ثياب الكفار وإسبال الثوب وأكل ذبائح الوثنيين ومصافحة الأجنبية بغير حائل وسفر المرأة وحدها إن وجد من يوصلها إلى الطائرة وآخر يستلمها منها والمرابحة البنكية وغيره كثير ، فترى ما تفرق في الناس مجتمع فيه من أجلكِ يا مصلحة، وسواء افتقنا على صحة بعضه هذه الفتاوى أم لم نتفق فإن إجتماعها على هذا النحو في الشخص الواحد ينبيك على أن هناك ثم خلل.
لا حاجة إلى التسميات فبعض هذه الفتاوى مشهور أصحابها ، وبعضها نقله المشهورون عن المتخصصي في الفتوى.
ومع ذلك فقد يمكنكم الرجوع إلى كتاب (الفتوى بين الإنضباط والتسيب) للشيخ القرضاوي فترون أمثلته.
واعلم أنني استحييت من التمثيل ببعض الأمثلة لأنها قد تغضب بعض الحاضرين.
يا دكتور أيمن ما أظنه يخفى عليك حضور مثل هذه الفتاوى وأضعافها في الساحة ، وأقبح من هذا استهجان بعض ما وردت به النصوص واتفق عليه السلف الأول ، كاستهجان بعضهم حد الرجم وزعمهم بأنه يخالف الرحمة ، مع اعترافهم بأن الله شرعه لبني إسرائيل ، فكأن الله قصر رحمته على هذه الأمة خاصة ، وكأن وصفه بعدم الرحمة لا يقدح إلا إذا كان مختصاً بهذه الأمة.
والله ما أدري لمَ سالتم هذا السؤال ، وقد قيل : "من المعضلات توضيح الواضحات"
وقلب أنت صفحات هذا الملتقى المبارك ترى أقوالاً لم يخلق الله من قال بها قبل قائلها هنا.
والله المستعان

د. نعمان مبارك جغيم
13-03-18 ||, 05:51 AM
شئنا أم أبينا هناك اتجاهان في الاجتهاد على مدار التاريخ حتى الساعة: أهل الألفاظ وأهل المعاني.
وفي كل اتجاه متطرفون إما إلى الغاية في تحكيم ظاهر اللفظ حتى لو كان المقصد المضاد جليا، وإما إلى الغاية في تحكيم المقصد، حتى لو كان موهوما، أو لائحا ولكن ينبو اللفظ عن قبوله إلا بتكلف.
كما تحذرون يا فضيلة الدكتور من الاجتهاد المقاصدي من باب سد الذرائع، فستجد هناك من يحذر من الاجتهاد الظاهري من باب سد الذرائع أيضا.
في نظري وجود هذين النوعين من الاتجاهات الاجتهادية ظاهرة طبيعية، وصحية في الوقت نفسه. المهم أن لا يطغى أحدهما على الآخر، وأن لا تنحل بينهما بسبب الخلاف روابط الإخوة الإسلامية، وتنتفي آداب الحوار.
إن من شأن التفاعل العلمي الأخوي المستمر بين هذين الطرفين، تنقيح المسائل، وإثراء النظر الفقهي، والحد من الجنوح والتطرف.
والله أعلم.

أخي العزيز الدكتور أيمن حفظك الله
كما تفضلتم، عبر تاريخ الإسلام توجد اجتهادات متعددة ومتنوعة منها ما يُغلِّبُ الظاهر، ومنها ما يُغلِّبُ المعنى، ومنها ما يكون غاليا في ذلك، ومنها ما يكون معتدلا، ولكن ذلك كله كان في إطار الاجتهاد، ولك أن تنظر في أدلته وتميِّز ما تراه أقرب إلى الصواب أو تراه قاصرا.

وأنا لأ أنكر مراعاة مقاصد الشريعة في الاجتهاد، بل ذلك أساس الاجتهاد كما بيَّنه الشاطبي، وإنما الذي أنكره هو "المزايدة" بشعار المقاصد، وأن ينشأ تقسيم للاجتهاد على أساس وهمي قوَامُه الدعوى. خاصة وأن ممن كتب في التنظير لـ "الاجتهاد المقاصدي" من هو من الشيوخ الأفاضل للتيار الملتزم، وليس من "فلول" العلمانيين.

والذي أحذّر منه إنما هو الكلام المرسل القائم على دعاوى غير مُحقَّقة في القضايا المنهجية، حيث تكون له بعد ذلك آثار في إحداث الفوضى الفكرية بين المسلمين.

د. نعمان مبارك جغيم
13-03-18 ||, 10:36 AM
أحسن الله إليك دكتور أصبت المفصل، والمفجع في كل هذا أن الناس لا يفهمون حقيقة الاجتهاد المقاصدي وما قصد به عند إطلاقه أول مرة، وأستأذنك يا دكتور في بعض التعديل على المقابلة بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد غير المقاصدي، لأن الذين يلمزون السلف صار أمرهم أهون من بيت العنكبوت، بينما استنسر البغاث واستنوق الجمل، فصارت المقاصد للبعض ترسا ورمحا، لهذا يمكن أن نقابل بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد المقاصدي، وأنا أقصد ما أقول، لأن الناس الآن فريقان كل واحد منهم له منطلقاته وغاياته ووسائله والقاسم المشترك بينهما المقاصد، غير أن أحدهما عقل منضبط لمنهج مطرد ثابت يسعى إلى إقامة مقاصد الشريعة تحصيلا وإبقاء، يرى أنه لا يكفي العالِمَ التصورُ التجريدي لمقاصد الشريعة حتى يكون قادرا على تنزيلها على الواقع، بل إن ذلك يتطلب تبصرا حقيقيا بمناشئ الأحكام ومواطن التنزيل وشروط ذلك، بينما الثانييمثله أصحاب التوجه النقضي عموما يوظفون المقاصد في سعيهم هذا من خلال استخدام نظريات حديثة جديدة في قراءة النص الشرعي على أساس أن ينبغي أن يكون في كل عصر قراءة جديدة للنص الشرعي تعتمد المقاصد من خلال تأويل النص الديني بهدف الوصول لقصد صاحب الخطاب، وذلك على اعتبار أن الأحكام لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في المقاصد التي تحققها ولا ضير أن تلغي المقاصد الأحكام وتسقطها، لأنه إذا كان النص مقدسا فإن التأويل حر، وقد حاولت أن أعالج ذلك في كتاب "تكوين ملكة المقاصد" فلعلي أكون قد أصبت.
وليس وصف الفريقين بوصف واحد وأعني الوصف المقاصدي بموهم أن كلا الاتجاهين على سواء، فعدم التفريق مقصود لأنه وصف لواقع نعاني منه لا تقرير للمشروعية التامة.

وأحسن الله إليكم أستاذنا. أجدتم وأفدتم بهذا التعليق، فجزاكم الله خيرا ونفع بكم.

د. نعمان مبارك جغيم
13-03-19 ||, 03:01 AM
الشيخان الكريمان الفاضلان :
فضيلة الدكتور نعمان
وفضيلة الدكتور يوسف
بورك فيكما شفيتما وكفيتما ولعلكما تأذنان لي بإضافة مختصرة أجملها في أمرين :
الأول :
لعل في منهج الإمام الشاطبي في باب الأدلة وباب الاجتهاد ما يبين هذا الأمر ففي باب الأدلة لم يجعل المقاصد دليلاً من أدلة الشرع ولم يتكلم عن حجية المقاصد باعتبارها دليلاً مستقلاً مع كثرة اهتمامه بها وربطها بكل مسائل الكتاب ، وأما في باب الاجتهاد فجعل شرط بلوغ درجة الاجتهاد ينبني على أمرين :
1 - فهم مقاصد الشريعة .
2 - التمكن من علم اللغة العربية .
ولم يتكلم عن قضية العلم بالكتاب والسنة ومواطن الإجماع والخلاف وغيرها من شروط المجتهد وهذا يوحي بأمرين :
الأول : أن قضية الاجتهاد عنده قضية آلية في التعامل مع الأدلة المحتج بها وقد ذكر منها الكتاب والسنة ، وتعني الوقوف على الحكم الشرعي استنباطا من الأدلة ، فالمقاصد عندئذ آلية في استنباط الحكم من النص كما أن دلالات الألفاظ كذلك .
الثاني : أن التمكن من بقية الشروط والذي من أهمها العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من تفاصيل هو أمر بدهي مسلم به ومرحلة متقدمة على التطبيق العملي للاجتهاد والذي يعتمد على المقاصد واللغة العربية .

الثاني :
لمحاولة الجمع بين الاجتهاد المقاصدي والاجتهاد المقاصدي بتعبير شيخنا أبي حاتم نقف على المحك وهو مقاصد مَنْ نريد ؟ مقاصد الشارع أم مقاصد غيره ؟
حينما يكون الاحتكام في المقاصد إلى النص فالمقاصد عندئذ هي مقاصد الشارع أما حينما نسلخ الأمر من النصوص وتكون المصلحة هي المعتمد دون النص ، ونؤول النص بقراءة تاريخية معاصرة - زعموا - فنحن عندئذ نقول مقاصد فلان وفلان وليس مقاصد الشارع ونسبتها للشارع بعد سلخها من النص ظلم وبهتان .
وعندئذ فما قرره فضيلة الدكتور نعمان حق لا شك فيه فالاجتهاد المقاصدي إن أريد به نفي الاجتهاد المقاصدي عما سواه فلا يسلم به ، وإن أريد أن آلية النظر في الدليل الشرعي استند إلى المقاصد الشرعية المعتبرة مسبقاً وإنما تحقيق المناط فيها في النوازل والوقائع الحادثة أبرز الجانب المقاصدي فهذا مسلم وهو بهذا المعنى موجود في اجتهادات الأئمة منذ العصور المتقدمة سواء باسم المصلحة أو الاستحسان أو سد الذرائع أو التعليل بالحكمة أو التعليل بالمقصد الشرعي قبل هذا التقسيم والتشقيق كالتعليل بالضرورة والحاجة والضرر ونحوها .

بوركت وجزيت خيرا شيخنا الفاضل على ما أجدت وأفدت بهذه الإضافات القيمة. أدام الله فضلكم وزاد علمكم.