المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "العقلانيون" مصطلح وتاريخ ونقد



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
13-04-11 ||, 12:10 AM
"العقلانيون" مصطلح وتاريخ ونقد


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، لا شريك له، والصلاة والسلام على رسوله وآله، أما بعد.
عناصر المقالة:
1- تمهيد: معنى المصطلح، وأهله، ومن أطلقه عليهم.
2- تاريخ المصطلح: (المصطلَح، والمصطلِح).
3- نقد المصطلح.
4- النتائج.

 تمهيد: معنى المصطلح وأهله ومن أطلقه عليهم:
شاع بين كثير من الإسلاميين اليوم إطلاق مصطلح العقلانيين، أو مدرسة العقلانية على من يقابلهم من الخصوم الملِّيين، الذين ينتسبون إلى الإسلام، وربما إلى العلم الشرعي بفروعه، لكنهم يدرجون أنفسهم في الفكر والمعرفة والتجديد، واللحاق بركب الغرب، ولهم مواقف معلنة تجاه قضايا متعددة من التشريع الإسلامي، وإعطاء أولوية النظر إلى بديهيات العقل، ونتائج الفكر، والتطور المعرفي للإنسان، وهم في اعتبار العقلنة على درجات، بدءا من العقلي المتمحض، وانتهاء بمن كانت فيه نزعة عقلية، أو لوثة، كما يقال!

تاريخ المصطلح : (المصطلَح، والمصطلِح):
نشأ هذا المصطلح: نتيجة صراع مرير بين الكنيسة اللاهوتية المحاربة للعقل والمعرفة، وبين الفلسفة بفرعيها العقلي والتجريبي، وقد انتهت بانتصار ساحق للعقل، وأبقت للكنيسة هامش من يوم الأحد في طقس روحي مملول.
ويطلق هذا المصطلح أيضا: على فريق من الفلاسفة العقلانيين الذين يعتبرون العقل
أداة مستقلة في تحصيل المعرفة، فهو السبيل الأوحد لمعرفة الكون وأسراره بعيدا عن الوحي ورسالات الأنبياء، وفي منأى عن التجريب وفلاسفته ومنتجاته.
وقد سرَّب المستشرقون: هذا المصطلح إلى واقع الاحتكاك الإسلامي، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: وصف المعتزلة بالعقلانيين؛ فانطلى ذلك علينا، فألحقنا بهم أحفادهم! والحقيقة أن هذا الوصف للمعتزلة غير معروف، ولم يكن يطلق عليهم، ولا على غيرهم، وإنما كانوا يوصفون بأهل الأهواء، ونحو ذلك.
الجهة الثانية: أن المستشرقين رأوا أن الصراع الدائر في حقل المعرفة الإسلامية اليوم هو نفسه الصراع القديم بين الكنيسة وفلاسفة الحضارة الغربية، وبالتالي فلن يكون التقدم والحضارة للمسلمين ما لم يصرع التنويريون منهم الكنسيين.
وقد كرَّس هذا المصطلح: وقعَّده، ودرَّسه، وكتب فيه، وحاضر، طائفة عريضة من الإسلاميين.
ومن هنا، فلا بد من تسجيل اعتراف صريح، وهو أن هذا الإطلاق كان نتيجة خلل منهجي عميق في اعتبار العقل، لدى شريحة واسعة من الإسلاميين.
فقد كان منشؤه لدينا مؤسسا بانحراف في "التكوين العلمي"، فينشأ الكثير من الطلبة والمدرسين على أساس اعتبار "النقل" فقط، وأن العقل له دور محدود وثانوي في إدراكه.
فالتنشئة الأصولية والعقدية لدينا تقوم على أساس تعظيم النص، وهذا أمرٌ في غاية الحسن، لكن تنشأ أيضا على أساس تقليص دور العقل في أضيق نطاق، والغالب الاستغراق في بيان أوهامه، وعيوبه، وثغراته، ومدارسه، وتفنيد براهينه، ولهم في ذلك قصص وألغاز ومقارنات بين النقل والعقل، فهما لديهم ثنائية متعاكسة متنافرة.
ويكثرون من قرع آذان الناس بضرورة تقديم الشرع على العقل، حتى أوهم ذلك أن جزءا من الشريعة يتعارض مع العقل أصالة، ولذا فيجب تقديم الشرع، والإطاحة بدليل العقل.
كما أن النقل الخطأ للمعركة القديمة التي جرت بين السلف والمتكلمة بفروعها، كان لها أثرا عميقا في تجسيد ذلك، فالمعركة تصور على أساس أنها حرب ضروس بين "النقل"، و"العقل"، وكأن العقل طاغوت يجب تنحيته واقتلاع جذوره من أمام النص حتى يؤدي وظيفته.
وإذا كان علم أصول الفقه، وهو المخول بترتيب الدليل العقلي الشرعي، يواجه بحملة مضادة، إما بعدم جدواه بسبب سيطرة المتكلمين على قواعده ومصطلحاته ومصنفاته ورجاله، وإما بالتزهيد فيه حتى استكثروا عليه دراسة "ورقات" الجويني!
ومن ظريف ما مرَّ علي أني رأيت متخصصا في الدراسات العليا في قسم أصول الفقه: في غاية الوجل! فهو خائف أن تنزلق قدمه في لحظة ذهول في وحل "العقل"!
إذن هناك خطأ جذري وعميق في رؤية كثير من الإسلاميين للعقل من حيث منزلته ومرتبته وموقعه ودوره.
ولن نتقدم تقدما حقيقيا حتى نعترف بأخطائنا التعليمية والمنهجية.

 نقد المصطلح:
تبين بما سبق أن هذا الإطلاق ليس بدقيق من ناحية التوصيف المعرفي، ولا هو بسديد من ناحية التكتيك العملي، ولا يتماشى مع روح المصطلح التاريخي والمعاصر، وإنما هو فلتة.
هذا المصطلح الشريف "العقلانية"، الذي نحت من "العقل"، والذي يتبوأ في منصة المنتهى من كمال الإنسان الغريزي: أتساءل كيف يبذل مجانا إلى طائفة منحرفة ليس لها في العير ولا في النفير! لا عقل، ولا نقل، لا دين، ولا حياء، لا فكر ولا قلب، لا علم فلسفة، ولا منهج كلامي، وإنما نقد ساذج أو تقليد غربي على عور.
أمثل هؤلاء: يستحقون نيل شرف "العقل"؟!
 لا مشاحة في الاصطلاح!
نعم لا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يكن إلا "المصطلح"، لكن إذا كان الاصطلاح وليد خلل منهجي؛ فإن عملية إصلاح المنهج يترتب عليه تلقائيا إسقاط المصطلح من رحم الحقائق.
وبالتالي: فهناك طائفتان:
طائفة: تدعي العقل، ولا عقل لها.
وطائفة: تغض من منزلة العقل وتحجم دوره.
وقصارى القصة: أن الطائفة المنحرفة الثانية أطلقت الوصف الخطأ على الطائفة المنحرفة الأولى!
وكلا الطائفتين: في طرفين، ولا تمثلان الصف المعتدل الإسلامي.
فهما طائفتان: تطرفتا في اعتبار الدليل العقلي، فانتفت الأولى منه، وركبته الأخرى، والعقل منهما بريء.
ولذا فلا يجوز: أن نهدي مَن انحرف عن النقل، وجنح إلى العقل: دليل العقل على طبق من ذهب! ولا لأفراخهم من العصريين، وقد انتفخ بعضهم بهذا المصطلح، وقد استسمن نفسه على ورم!
وهذا ما عنيتُه بالخطأ التكتيكي؛ فإذا كان أولئك المنحرفون "عقلانيين" فمن نحن؟ "نصف عقلانيين"! أو "لا عقلانيون"! والمأساة تكمن في أننا نحن من أذعنا هذا المصطلح.
كما توهم كثير من الدارسين: أن مهمتنا الأساس هي "درء تعارض العقل والنقل" فهو في موقف دفاع، لكن من كانت مهمته نظم الدليل العقلي في براهين "النقل"، فهذا في موقف رأس حربة، واختر موقعك.
فرقٌ بين اثنين: الأول مهمته إفساد الدليل العقلي لإفساح المجال للنص، والثاني مهمته توظيف الدليل العقلي والتفنن فيه في بيان اعتباره للنص الشرعي.
إن الذي يستعرض جزءا يسيرا من القرآن: يجد مدى اعتباره للبرهان العقلي بشتى الصور: أفرأيتم، أوليس، أفمن، ألا تعقلون، لأولي الأبصار، الألباب، أم على قلوب أقفالها...
ابحث إلكترونيا في كلمة العقل، فستذهل من وفرة الآيات التي حاكمت الناس عليه، ومن ذلك: {لعلكم تعقلون، لا يعقلون شيئا، صم بكم فهم لا يعقلون، الصم البكم الذين لا يعقلون، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون، لقوم يعقلون، إن كنتم تعقلون، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، وأكثرهم لا يعقلون، فتكون لهم قلوب يعقلون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يعقلون، أفلم تكونوا تعقلون، لو كنا نسمع أو نعقل}.
وقل مثل ذلك في بقية الإطلاقات الأخرى: أفلا تتفكرون، لقوم يتفكرون، أولم يتفكروا في أنفسهم، هل في ذلك قسم لذي حجر...
وأخيرا: فإن الشارع قد جاء بتعظيم العقل، وصاغ به خطابه، وحاكم عليه الكفار بسائر مللهم، ولم يقع في موطن واحد ذمه، أو التنقيص منه، أو تأخير مرتبته؛ فلم نجعل أنفسنا في معركة مع العقل: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140]؟.

النتائج:
 إطلاق مصطلح "العقلانيين": على المنحرفين في اعتبار النص خطأ، إذ هو معنى شريف، أثنى عليه الشارع؛ فلا يسوغ إطلاقه على طائفة منحرفة.
 أسباب إطلاق الاصطلاح:
السبب الأول: تقليد محض للصراع الغربي بين الكنيسة وفلاسفة الحضارة.
السبب الثاني: تقليد للنظرة الخطأ للمستشرقين على واقع الاحتكاك في الفكر الإسلامي، إضافة إلى وصفهم المعتزلة بالعقلانيين.
السبب الثالث: خطأ منهجي في الرؤية والتعليم، فقد كان نتيجة انحراف بعض الإسلاميين في اعتبار الشريعة للعقل، وترتب عليه أخطاء عميقة في التعليم والبحث.
 شرارة المصطلح: اشتعلت شرارة المصطلح نتيجة احتكاك طائفتين انحرفتا في اعتبار العقل.
 ساغ للكنيسة: وصف خصومهم بالعقلانيين والتنويريين، لموقفها السلبي تجاه العقل، لكن لا يسوغ ذلك من الإسلاميين، وقد جاءهم الشارع بنهاية الحكمة، ومنتهى العقل.
 إذا كان المصطلح بسبب خلل منهجي فإنه ينتقد، ولا يقال فيه: لا مشاحة في الاصطلاح.
 لم يطلق السلف مصطلح "العقل" كوسم على المعتزلة، وهم أشهر مَنْ غالى في اعتباره.
Twitter :fhashmy

رافع ليث سعود القيسي
13-04-11 ||, 05:30 PM
تحليل جميل...
اتفق معك خصوصاً فيما يتعلق بالتسريب الإستشراقي... بالفعل هناك العديد من القضايا التي مررت عليها وبالبحث فيها تبين أنها تسريبات استشراقية.. مع الأسف حتى الفقهاء والمفكرين المعاصرين تأثروا بها وهي أمور مغلوطة تاريخياً واصطلاحياً ..
الإستشراق مهما درس الفقه والفكر الإسلامي فإنه لا يمكنه التجرد عن النظر إليهما بنفس النظر إلى جدلية العلم والكنيسة..

محمد إبراهيم صبري
13-04-12 ||, 03:53 PM
جزاكم الله خيراً وزادكم علماً وفقهاً

د. بدر بن إبراهيم المهوس
13-04-13 ||, 03:48 PM
فضيلة الدكتور فؤاد بارك الله فيكم
أوافقكم كثيراً فيما ذكرتم وأخالفكم في البعض فاسمح لي أن أبين وجهة نظري باختصار فأقول :
أولاً :
مصطلح ( العقلانية والعقلانيون ) - برأيي - يختلف عن مصطلح العقلي من جهة أن الأول يمثل مذهباً فلسفياً قديماً يعتمد العقل مصدراً ، وهذا لا يختلف من عصر لعصر ولا من مكان لمكان ولا من دين لدين فالتعامل معه باعتباره مذهباً فلسفياً لا باعتبار مضمونه النسبي لدين .
أما مصطلح ( العقلي ) فهو نسبة للعقل وهو سلوك محدد للتعامل مع القضايا بالاستناد للعقل إما استقلالاً أو تبعاً .

ثانياً :
عند نسبة هذا المنهج للعقل لا باعتبار أنه منهج يهتم بالعقل ويحترمه وأن غيره لا يصنع ذلك وإنما باعتبار أنه يتعامل مع العقل تعاملاً آخر أعظم من غيره بغض النظر عن صحة هذا التعامل أو خطئه وهو أنهم :
1 - يجعلون العقل حاكماً ومصدراً للتشريع .
2 - العقل يدخل في كل قضية .
3 - العقل قد يعارض النقل ومن ثم فالعقل مقدم .
إذن هذه القداسة للعقل تجعل القيمة الحقيقية فقط للعقل .
وهذا بخلاف موقف أهل السنة من العقل فالعقل عندهم له قواعد :
1 - العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح .
2 - العقل يتبع النقل ولا يستقل بالتشريع .
3 - العقل له حدوده ومجالاته فثمة قضايا شرعية لا يدخل فيها كالغيبيات ومعرفة كنه وحقيقة صفات الله عز وجل ، والقدر ونحو ذلك .
وعند طغيان منهج معين على أمر فلا مانع من إطلاقه عليه كما أطلقوا ( القدرية ) و ( المؤولة ) و ( القرآنيون ) مع أن أهل السنة يثبتون القدر ، ويؤولون التأويل الصحيح بل في الحديث " اللهم فقه في الدين وعلمه التاويل " وسموا كتب التفسير بالتأويل ، ويحتجون بالقرآن .

ثالثاً :
جرت عادة السلف على أن لا يطلقوا الأسماء دون مضامين بل يتحدثون عن معاني الأسماء والمصطلحات وأصولها وقضاياها ، وإنما يطلق الأسماء مجردة أهل الأهواء تنفيراً وتقبيحاً كما يقولون مجسمة ومشبهة وحشوية ونحوها ، وعليه فإن مصطلح العقلانية لم يطلق مجرداً عن مضمونه ومفاهيمه وأصول أتباعه

إبراهيم بن أحمد السناري
13-04-14 ||, 10:04 PM
جزاك الله خيرًا ؛ فهذا الموضوع يحتاج إلى تأمل ، و أرجو من إخواننا - الذين يناقشون أقوال هذه المدرسة التي أُطلق عليها ( المدرسة العقلية ) - أن يراجعوا أنفسهم في هذه التسمية ، و ربما كان الأفضل أن يُسمَّوا بالمعتزلة الجدد إلحاقًا لهم بأسلافهم ، أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل ، و هو المستعان و الوكيل .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
13-04-18 ||, 02:55 PM
بارك الله في جميع الإخوة الذين أكرموني بالقراءة والتعقيب والإشادة
بالنسبة لمشاركتك يا دكتور بدر، فأنا متفق معك أيضا، وهذا يدعوني إلى توضيح ذلك إن شاء الله تعالى، وما أجمل المدارسة في هذا الملتقى العلمي.